(6) يجب معرفة أن أحكام التقويم هي أحكام دعوية تخدم المقاصد التي لأجلها يتم التقويم ، فهي بهذا ليست أحكاماً قضائية، ولا تبنى عليها أحكام دينية ، كاتهام الناس بالمعاصى أو الفسوق، أو الشهادة لهم بالتقوى ولورع فنحن ( دعاة لا قضاة) فقد يكون صاحب الذنب من أهل الخير لكثرة محاسنه، وصاحب الفضيلة من أهل الشر لسوء نيته، ولذلك فإن الأحكام الدينية تبنى على الظاهر من كثرة الفضائل، و:
( ليس من شرف ولا عالم ولا ذى فضل – يعنى من غير الأنبياء عليهم والصلاة والسلام – إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، فمتى كان فضله أكثر من نقصه : وهب نقصه لفضله .. ).
كما ينبغي اليقين بأن الخطأ لا يلغى المحاسن ، وإنما العبرة بكثرتها ، وأن القاعدة في الشريعة أنه ما من بشر إلا وله ذنوب، وقد تغيب هذه الذنوب بكثرة المحاسن، وهذا لا بد من فهمه من عموم الدعاة في تسامحهم لصاحب الإحسان العظيم، وتذكر أن الله تعالى غفر لأهل بدر عيوبهم، ورضى عن أهل الشجرة، وقبلها أحتمل من موسى وأحبه رغم ما قام به، ولهذا نقل ابن القيم عن شيخه أنه قال:
( أنظر إلى موسى – صلوات الله وسلامه عليه – رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها ، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون ، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد – صلى الله عليه وسلم – ورفعه عليه ، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه ، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له ، وصدع بأمره، وعالج آمتي القبض وبنى إسرائيل أشد المعالجة ، فكانت الأمور كالشعرة في البحر.. ).
فالذنب الظاهر لا يلغى المحاسن، وكذلك العكس ، والحكم عند الله تعالى ، والأصل في التقويم ما تخدمه معرفة الخصائص من مقاصد الولاية ، بل وفيها محافظة على كرامة الشخص، والذب عن عرضه في حالة توليه ما يصلح له دون ما لا يصلح له.