ها قد بلغ الشيخ محرم الخامسة والعشرين من عمره المبارك، ولكنه كان لا يزال عازباً. لقد حدثته نفسه بالزواج، لكنه كان متريثاً يتطلع إلى الاقتران بالتي تعينه على أمور دينه، وتشاركه مسيرة الدعوة إلى الله وتصبر معه على قلة ذات اليد وصعوبة الحياة.
وشاء الله تعالى أن يرشد الشيخ إلى ضالته، فإذا به يرى في منامه السيدة (سعاد حنينة) أخت فضيلة الشيخ غازي حنينة حفظه الله –الذي تربطه بالشيخ محرم صداقة وطيدة- مرتدية ثوب العرس الأبيض.
يمضي الشيخ محرم إلى الشيخ إبراهيم غنيم ويفاتحه بأمر هذه الرؤيا، فيبشره الشيخ إبراهيم بالخير...
لكن الشيخ محرم ابن العائلة المتواضعة، وصاحب الدخل بالمحدود خشي أن يرد خائباً فلا يزوج... فسعى إلى الاستعانة بأصحاب الفضيلة الشيخ خليل الصيفي والشيخ سليم سوسان والشيخ غازي حنينة. وكان معهم صادقاً أشد الصدق ففاتحهم بحقيقة وضعه المادي، ومستواه المعيشي، بل أكثر من ذلك فقد كشف لكل من الشيخ سليم سوسان والشيخ غازي حنينة عن الحروق التي في جسده والتي أصيب بها وهو صغير حتى لا تكتشفها العروس بعد الزواج فيكون في عينها مخادعاً...
لكن أم سعد الدين –هذه المؤمنة التي ابتلاها الله بفقد زوجها وتيتم وحيدها- لم تنظر إلى كل ذلك، فهي لم تكن لتبحث عن المال أو الجاه أو غير ذلك... لقد كانت تبحث عمن ترضى خلقه ودينه كما أمر الله وكما أمر رسوله الكريم...
تبتسم الحاجة أم سعد الدين وتقول:
'نحن ما رضينا بالشيخ محرم إلا لدينه...'
وبسبب التطلع إلى الدين والخلق قبل كل شيء، تم هذا الزواج الميمون الذي عاش في ظله أفراد هذه العائلة حياة سعادة وهناء.
نعم لقد أصبح الشيخ محرم منذ العام 1973 رب أسرة يبحث كعادته عن الحلال الطيب لإعالتها والإنفاق عليها.. ولم يكن راتبه آنذاك يتجاوز 218 ليرة لبنانية، وكان عليه أن ينفق منها 75 ليرة كأجرة سكن، ويحاول أن ينفق باقي الراتب بحكمة حتى لا ينفد قبل آخر الشهر... لكن نفقات الأسرة كانت أكبر من راتب الشيخ لذلك حاول العودة إلى مهنته القديمة –السباكة- عله يجد فيها بعض المال الذي يعينه على تحسين دخله، لكن الله شاء أن يكون الشيخ محرم للدعوة فقط، فلم يستطع الشيخ التوفيق بين مهنته ونشاطه المسجدي فعاد وترك المهنة وتفرغ للدعوة بعد شهر واحد وكان ذلك في العام 1977...
ولتعرف مذى ضيق حال الشيخ وقتها، يكفي أن تراجع ملفه الوظيفي في أرشيف الأوقاف لتجد الشيخ يلتمس في أكثر من خطاب أن ينظر إلى حاله ويرجو أن يزاد له في راتبه...
لكن المرأة الصالحة صبرت على حال زوجها فعوضها الله في قادمات الأيام جزاء صبرها وإخلاصها كل خير...
وتشرح لنا زوج الشيخ مدى عشقه رحمه الله للعلم والدعوة، فهو أثناء النهار مع الكتب يقرأ ويحفظ، فجسده في المنزل وروحه تحلق بعيداً، فقد انجذبت إلى الموضوع الذي يقرأ عنه حتى إنه رحمه الله كان ينسى الطعام والشراب لشدة انجذابه للمطالعة والقراءة... هذا في النهار، أما في فترة المساء فكان مع الشباب من إخوانه وطلابه، يحيون سوياً العبادات والنشاطات الدينية والدعوية المختلفة... وكثيراً ما كان الشيخ محرم يتأخر خارج البيت فلا يعود إلا مع حلول الليل، بل ويتأخر أحيانا إلى منتصف الليل... لكن الزوجة المتفهمة ما كانت لتنكر على زوجها ذلك فهي تعرف أنها تزوجت من داعية وأنه من واجبها أن تصبر على نمط حياته وتعينه في دعوته...