بدأ الشيخ محرم يتألق يوماً بعد يوم مع النصف الثاني من فترة السبعينات، فقد استجمع عدته من حفظ للقرآن مع اطلاع على الفقه والتفاسير، فضلاً عن الأحاديث والأخبار واللطائف التي لا بد منها كمعين للداعية تمكنه من الوصول إلى قلوب وعقول مستمعيه.
غير أن الشيخ محرم كان يعي أن العمل الدعوي على أهميته لا بد من أن يقترن بحركة على الصعيد الاجتماعي والسياسي، وذلك في سبيل تحقيق النهوض المنشود في حياتنا ومجتمعاتنا، بشكل متوازن على جميع المستويات. وكون الشيخ محرم من أبناء الجماعة الإسلامية –التي انضم إليها منذ مطلع السبعينات كما سبق- وكونه كذلك من الناشطين في مجال الدعوة إلى الله والعمل في خدمة الإسلام منذ أواخر الستينات...فأين تراه يصب جهوده؟؟ حتماً ستكون الساحة الإسلامية هي المصب الطبيعي لعطاء الشيخ محرم المتدفق كينابيع الخير. لذلك شهدت هذه الفترة حركة مميزة على ثلاثة صعد:
الأول- والأهم كذلك- كان على صعيد العمل الدعوي. فقد تعددت نشاطات الشيخ محرم الدعوية في المسجد، وفي المدراس، وبين عموم الناس حيث شاركهم لأفراحهم وأتراحهم فضلاً عن ارتياده منتدياتهم ومجالس سمرهم... ولقد استحال مسجد بطاح –هذا المسجد المتواضع- خلية نحل نشطة وكان الشيخ محرم هو محور هذه الحركة المباركة والدافع الأبرز لها. فعلى مدار العام كنت تشهد بعد عصر كل يوم جلسة إقراء وتحفيظ لكتاب الله الكريم، حيث يجلس الشيخ القارئ وقد تحلق حوله طلابه من مختلف الأعمار والمستويات، ويبدأ الدرس ويتسارع الوقت حتى إن الساعات لتنقضي بسرعة عجيبة فلا يكاد يشعر بمرورها أحد، كيف لا وعذوبة تلاوة الشيخ ونداوة صوته تجعل القلب يخشع والعين تدمع، كيف لا وفيوض الرحمات قد نشرت على أهل المجلس، وبركاته كتاب الله أحلت على الشيخ العالم وطلابه المتعلمين.
كان الشيخ محرم يعرف طبائع النفس البشرية ويعرف أن الملل هو الداء الذي يمنع الطلاب عن المواظبة... فما كان منه إلا أن تسلح بالكلمة الطيبة، والعظة النافعة، واللطيفة المفيدة، فضلاً عن تواضعه ولينه مع الآخرين. ليحبب إلى الناس مجالس العلم، لذلك كانت مجالس الشيخ تجذب الرواد والطلاب والقراء، حيث تتضافر الجهود، جهد العطاء من الشيخ وجهد التلقي من الطلاب. ولا مجال للملل فأنت مع الشيخ محرم...
إلى جانب الجلسة اليومية بعد صلاة العصر، كان فصل الصيف فرصة سانحة لإقامة الدورات الدينية. وتاريخ صيدا يشهد أن فكرة الدورات القرآنية المسجدية –التي تموج بها مساجد مدينتنا كل صيف- يعد الشيخ محرم أول من أطلقها كفكرة، وأول من مارسها كتجربة دعوية، وأول من حشد الجهود لإنجاحها وضمان استمرارها وانتشارها في مساجدنا.
هذا ولا ننسى خطب الجمعة المميزة، فقد أتم الشيخ محرم قراءة كتاب 'في ظلال القرآن' للشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى، وحفظ منه مقاطع طويلة، كما اطلع على العديد من التفاسير القيمة التي تضافرت جهود علماء الأمة قديماً وحديثاً على إخراجها لتكون زاد خير لكل عالم، وطالب علم، وداعية. ولاحظ كل من عرف الشيخ أن خطابه قد ارتقى جداً أسلوباً ومضموناً في تلك الفترة. وبقي اسلوب الشيخ محبباً وقريباً من العامي والمتعلم. أما المضمون فقد ارتقى إلى حد كبير، خاصة حين كان الشيخ محرم يصيغ أفكار سيد قطب وآرائه لتكون محور خطبه، فيحلق الشيخ رحمه الله في آفاق الفكر الإسلامي الأصيل... ولعل المتنورين من رواد مسجده استطاعوا اللحاق به غير أن العوام كانوا أعجز من أن يجاروه. وسرعان ما تنبه الشيخ لذلك وعاد وطوّر خطابه ليكون من السهل الممتتنع القريب من جميع المستويات، فتقبل العوام والمتعلمون خطبه بعد ذلك وبقي بلا منازع الخطيب الأبرز وفارس فرسان المنابر لا يدانيه أحد...
هذا وقد امتد نشاط الشيخ محرم ليشمل مجال التدريس في مدارس مدينة صيدا، حيث كان الشيخ خليل الصيفي حفظه الله منتدباً من قبل وزارة الأوقاف الإسلامية للتدريس في بعض المدارس الرسمية. وليس مستغرباً أن يقف الشيخ خليل الصيفي في الصف أمام الطلاب والطالبات ليشرح ويدرس، فهو العالم المتخرج من الجامعات الأكاديمية والحامل للإجازات الجامعية. لكن المستغرب أن يضطر الشيخ للانقطاع عن التدريس في بعض الأحيان، فلا يجد أحداً أفضل من الشيخ محرم لينيبه مكانه... فصرت تجد الشيخ محرم الذي لم يتجاوز في دراسته المرحلة الإبتدائية من مراحل التعليم، يقف أمام الطلاب شارحاً وموضحاً لمعالم ديننا الحنيف...ولعل الشيخ خليل كان متخوفاً من إخفاق الشيخ محرم، فالدعوة في المسجد مختلفة عن التدريس في فصل دراسي ورواد المساجد ليسوا كطلاب المدارس...لذلك كان الشيخ خليل يسأل الطلاب والطالبات عن رأيهم بالشيخ محرم، ويمتحنهم في المعلومات التي أخذوها عنه وكانت المفاجأة... لقد أبدع الشيخ محرم في اقتحام قلوب الطلاب وعقولهم... وكان عجيباً في قدرته على جذب انتباههم، وشحذ تركيزهم، وإيصال المعلومات إليهم بشكل واضح وأسلوب مميز رغم كونه لم يتدرج في التعليم الأكاديمي.
أما خارج المسجد وبعيداً عن المدارس فقد كان للشيخ محرم أنشطة أخرى تهدف إلى تقوية أواصر الأخوة الإسلامية بينه وبين محيطه. لذلك جعل من منزله –الكائن في حارة الكنان في صيدا القديمة- نادياً للمقربين من طلابه، وكانوا من حين إلى حين يجتمعون على طعام، أو جلسة سمر وإنشاد، لأو لتدارس أوضاع المسلمين عامة وأهل المدينة خاصة. لقد كانت هذه الثلة المؤمنة التي تجمهرت حول الشيخ وقتها، نواة العمل الإسلامي العام. هذا العمل الذي ترجم واقعاً من خلال عدة مخيمات أقيمت في الأحراش المجاورة لمدينة صيدا. ولا زالت الصور الفوتوغرافية تحفظ لنا مشاهد من هذه المخيمات حيث يظهر الشيخ محرم مع الشباب وهو يشعل نار المخيم لأجل الطهي، أو يقفز من أعلى الشجرة ليحملهم على القفز، أو يركض وهم على إثره يحاولون اللحاق به وإمساكه... وكانت أجواء الشباب المسلم وقتها ذات طابع مميز حيث انقسم الشباب إلى جناحين، جناح الطلاب –طلاب المدارس والجامعات ويترأسه فضيلة الشيخ ماهر حمود- وجناح العمال –أي أصحاب المهن والحرفيين- وكانت المنافسة بين هذين الجناحين على أشدها في كل النشاطات الترفيهية...
إلى جانب المخيمات كانت هناك الرحلات الترفيهية إلى مناطق الباروك ونبع الصفا وقلعة موسى وبيت الدين وغيرها... ولا ننسى ما يرافق هذه الرحلات من طرائف ومواقف مضحكة، فضلاً عن الهتافات والأناشيد...
في خضم هذه الأنشطة الدعوية لم ينس الشيخ محرم الجانب الإجتماعي من ديننا الحنيف. لقد كان يعي شمولية الإسلام لكل جوانب الحياة، وبالتالي ما كان الموضوع الإجتماعي ليفوته، لذلك كان يحث المصلين على التبرع لصندوق المسجد، ثم تجمع هذه التبرعات لينفق جزء منها على الفقراء والمحتاجين لتعينهم على تأمين حوائجهم. صحيح أن الإنسان يحتاج إلى الأمور المادية لتجاوز الضائقة التي وقع فيها. لكنه أيضاً يحتاج إلى الشعور بأن هناك من يقف إلى جانبه، يواسيه ويخفف عنه. ولعل هذا الجانب المعنوي أبلغ تأثيراً من العطاء المادي... وكان الشيخ محرم يعي ذلك تماماً ويلتزمه في تعاطيه مع الآخرين. ولعل خير من يطلعنا على هذا الجانب من شخصية الشيخ محرم هو الحاج معتز سالم حيث يقول حفظه الله:
'تعرفت على الشيخ محرم في صيف عام 1975 وكنت وقتها صغيراً أشعر بمرارة اليتم، فضلاً عن قلة ذات اليد. فالتحقت وقتها بالمجموعة التي كانت ترتاد مسجد بطاح وتقربت من الشيخ محرم –أو هو تقرب مني- وسرعان ما عرف الشيخ أني يتيم، فكان الأب والأخ والصديق. ولا أنسى عناقه الأخوي وقبلته التي يطبعها على جبيني من حين إلى حين. وكنت أعاونه في القيام على خدمة المسجد وتنظيفه، فكان من فرط لطفه يتفضل علي بخمس ليرات أسبوعياً لأستعين بها على شراء ما قد أحتاجه...كما أنه ما كان ليفوّت أي مناسبة أو عيد إلا ويدفع إلي بعشر ليرات عيدية لكي أنفق منها شان كل الأولاد. وحين عرف الشيخ بأمر مرضي (الحاج معتز مصاب بمرض في العيون يجعل المصاب يفقد بصره شيئاً فشيئاً) حاول مساعدتي وتطبيبي لكنه لكثرة مشاغله طلب من الأستاذ حسن أبو زيد أن يتابع الموضوع وأن يعرضني على أفضل الأطباء إن استدعى الأمر. وبالفعل فقد اصطحبني الأستاذ حسن إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت حيث أعلمت أن مرضي لا علاج له. وحين علم الشيخ محرم بالأمر، كاد قلبه ينفطر حزناً لحالي، وصرت ألاحظ اجتهاده الزائد في إكرامي وتطييب خاطري ومواساتي...'
لعل هذه الشهادة تظهر لنا الجانب الإنساني والاجتماعي من الشيخ محرم رحمه الله، وهو الذي عرفناه جميعاً إنساناً عطوفاً يعين المحتاج ما استطاع إلى ذلك سبيلاً... لكننا نكتفي بهذه الشهادة خشية الإطالة.
إلى جانب العمل على الصعيد الدعوي والإجتماعي، لم ينس الشيخ محرم الجانب السياسي والجهادي من ديننا الحنيف. فكان يسعى ليكون حضوره على الصعيد السياسي موازياً لحضوره على الصعد الأخرى. وكانت فصائل الثورة الفلسطينية وقتها القوة الأساسية على الساحة اللبنانية عامة –خاصة بعد إخراجها من الأردن مطلع السبعينات وانتقالها بكل ثقلها إلى لبنان. وكان الشيخ محرم يتألم لحال الشعب الفلسطيني المسلم ويتحسر للمآسي التي تصيبه من الغريب والقريب. لكنه أيضاً كان يستنكر حال الفوضى وعدم الإلتزام الديني السافر في أوساط الفدائيين. وبوصفه داعية إلى الله حاول بالتعاون مع الآخرين أن يجتهد على بث الروح الإيمانية والمنهج الإسلامي بين من عرفهم من أبناء التنظيمات الفلسطينية. وكان حلمه أن يكون في عداد الثورة الفلسطينية فصيل إسلامي مخلص لقضايا أمته ودينه، يحمل قضية القدس دون الغرق في متاهات السياسات والمصالح المتضاربة. لكن حلمه تبدد بسبب عدم تعاون المسؤولين الذين حاول التواصل معهم. لذلك لم يبرز الشيخ محرم كناشط سياسي ومجاهد عسكري في تلك الفترة. بل اقتصرت جهوده على الصعيد الدعوي والاجتماعي، وكان مسجد بطاح المحور والمنطلق لهذه الجهود.