لم يستطع محرم الناشئ أن يتابع التحصيل العلمي من خلال الدراسة المنهجية في المدارس، فقد اضطر لترك المدرسة وهو في المرحلة الإبتدائية وذلك في سبيل تعلم حرفة تساعده على كسب قوته ومساعدة عائلته.
من وقتها صار محرم اليافع سباكاً، كان يشارك كعامل بسيط في ورشة لتصليح الأدوات الصحية. وكان من مستلزمات هذه الحرفة أن يستعمل العامل المطرقة والإزميل مستعيناً بعزمه وقوته لتحطيم الحجارة، والكشف عن أنابيب المياه المستترة في جوف الجدر. ولعل الشيخ محرم صاحب الجسد النحيل اكتسب من هذا العمل خصلة الجلد والثبات ومتابعة الضربات تلو الضربات حتى يفتت الحجارة التي تقف في طريقه...
بعد ساعات العمل المجهد، وفي أوقات الفراغ، كان محرم الشاب يلتجئ إلى المسجد العمري الكبير وغيره من مساجد صيدا، هناك كان يجد راحته وسواه، لقد كان قلبه معلقاً بالمساجد...
كانت المساجد في الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي أشبه بمأوى العجزة، فأنت إن تأملت روادها، وجدتهم جميعاً شيوخاً وهنت عظامهم، وتقوست ظهورهم، وفقدوا عنفوان الشباب وحيويته، وها قد صارت حياتهم على وشك الإنقضاء، فآثروا حسن الختام، وكان المسجد ملجأهم في أيامهم الأخيرة...
لكن شجرة الإسلام الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، بدأت تزهر من جديد، وبدأت البراعم الغضة الطرية تنمو وتكثر معلنة أن فوجاً جديداً من ثمار الخير على وشك النضوج، نعم! لقد أنجبت رحم الإسلام جيلاً جديداً من الشباب ليملأ هذه المساجد ويضخ في أرجائها إكسير الحياة والعنفوان، وكان محرم الشاب أحد هؤلاء الشباب...
في تلك الفترة ظهر تعلق الشيخ بالمساجد بشكل صارخ لا مراء فيه، فكان ينام في المسجد الليالي الطوال، وكانت بالنسبة له المنتدى والمبيت ومكان الطعام والسمر فضلاً عن العبادة والطاعة...