حمل الشيخ محرم إلى سراي صيدا الحكومي –وكان العدو الصهيوني قد احتلها واتخذ منها مركزاً له. وهناك ادخل الشيخ إلى غرفة التحقيق وبدأ المحقق يسأل، عساه يظفر من الشيخ بأسماء المجاهدين الذين يعرفهم، أو ينال شيئاً من المعلومات التي قد تسهم في كشف خلايا المجاهدين...لكن الشيخ الذي كان دأبه أن يعلو المنبر ليتكلم بأعلى صوته، وجد أن هذا الموقف هو موقف الصمت والسكون، فأي كلمة يذكرها قد توظف ضد الوطن وضد تلك الثلة المؤمنة التي هبت للذود عن حياضه...
أدرك المحقق أن الشيخ لن يتكلم بسهولة، لذلك لجأ إلى أسلوب خبيث، حاول أن يحطم إصرار الشيخ على التكتم، لكنه أدرك أن تعذيب الشيخ وإجباره على الكلام لن يجدي نفعاً، ولكن لعل الأمر يكون مختلفاً لو كان الذي يعذب إنسان عزيز على قلب الشيخ كزوجه مثلاً؟ لذلك وضعوا الشيخ محرم في غرفة تجاورها غرفة أخرى يسمع منها صوت امرأة تصرخ وتستغيث. وراح المحقق يقنع الشيخ بأن التي تصرخ هي زوجه، وأنها ستقاسي الأمرين على يد العلوج من رجاله إن لم يتعاون الشيخ ويتكلم، والشيخ حائر بين العاطفة الجياشة والحب الكبير الذي يكنه لزوجه، وبين الواجب الشرعي الذي يمنعه من الكلام والإدلاء بأي شيء يفيد الصهاينة...
وبينما الشيخ في حيرته، وصوت المرأة المستغيثة يطرق مسامعه، فإذا بشعور داخلي يتفجر من أعماقه، فيملأ فؤاده طمأنينة وثقة بالله، يشعر أن في الأمر مكيدة وأن المرأة ليست زوجه –وفعلاً لم تكن زوجه بل كانت خدعة من خدع اليهود للضغط عليه نفسياً. وحتى لو كانت زوجه فالواجب الشرعي مقدم على الوالد والولد والزوج.
سكت الشيخ ولم يدل بأي شيء...حاولوا معه شتى الوسائل، خوفوه، هددوه، بنفسه، بزوجه، بأهله، فما كان منه إلا أن قال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
عندها أيقن العدو أن لا أمل من الشيخ.