إن الإمام البنا رحمه الله وكل باحث منصف أدرك ويدرك أنَّ ما يسمى بمشكلة المرأة وحقوق المرأة التي يُنادي بها في بلاد المسلمين، وبخاصة خروجها من البيت وإهمال رسالتها في تربية الأجيال لتحرير الإنسان والأوطان مسألة جاءتنا من الغرب وهي مشكلة المرأة الغربية، لما تخلى عنها الرجل سواء كان أباها أو أخاها أو ولدها، وقضت التشريعات الغربية بذلك حينما تبلغ أن تُعيل نفسها، وتنفق على حاجاتها، فاضطرت إلى العمل في المصانع والوظائف العامة، ولكنها مظلومة كذلك إذ كانت تشغل نفس العمل الذي يقوم به الرجل إلا أنَّ أجرتها لا تعادل نصف أجرة الرجل، ففكرت أن تطالب بحقوقها وأن تتساوى مع الرجل في ذلك.
فوجدت أنها ينبغي أن تشارك في إدارة المصانع والمؤسسات التي تصدر القرارات وبخاصة قرارات الأجور والحقوق وغيرها، ثم رأت أن ذلك يكون بناء على تشريعات وقوانين، وبناء على ذلك يجب أن تعمل جاهدة للوصول إلى المجالس التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية حتى تنصف نفسها وتصل إلى حقوقها. وقد كان ذلك نظرياً بعد صراع طويل وشاق ومضنٍ.
أما في عام الواقع فلا زال الرجل هو المهيمن على جميع الأمور وما وصل من النساء إلى بعض الوظائف العامة والولايات العامة كالوزارة والمجالس النيابية والقضاء إلا عدد قليل جداً لأمور يمتاز بها الرجل عن المرأة.
وانتقلت هذه العدوى إلى بلاد المسلمين مع أن المرأة في الإسلام إذا بلغت سن البلوغ ليست مكلفة بالعمل لتعيل نفسها وتنفق من كسبها لسد حاجاتها، وإنما يقوم بكفالتها الرجل منذ ولادتها وحتى وفاتها، وفي أثناء زواجها وقبل زواجها وبعده، فقبل أن تتزوج يجب على وليها الإنفاق عليها وهو أبوها أو أخوها أو غير ذلك من أقربائها إن لم يكن لها أب، أما بعد زواجها فالزوج مكلف بالنفقة عليها، وإن كانت موسرة، فإذا ما فارقها زوجها بطلاق أو وفاة انتقلت النفقة إلى وليها سواء كان أخاها أو أباها أو ولدها أو غيرهم من أقاربها.
ولذلك تراه رحمه الله يناقش هؤلاء المفتونين بالمدينة الغربية مدينة المتع والشهوات، وينكر عليهم فكرة إخراج المرأة من بيتها إلى الأماكن العامة على حساب تربية أبنائها.
كما يهاجم رحمه الله فكرة الاختلاط بين الرجل والمرأة ويرد على أولئك الذين ينادون بهذا مفنداً حججهم ومظهراً بطلانها.
إن الإمام البنا رحمه الله يعتبر المرأة نصف المجتمع وهي النصف الذي يؤثر في حياته أبلغ تأثير، لأنها المدرسة التي تكوّن الأجيال وتصوغ الناشئة.
والإسلام كما يفهمه الإمام البنا رحمه الله قد سمح للمرأة أن تزاول العمل السياسي وحتى الحربي، فلها أن تحدد موقفها السياسي وتبشر به، وتقنع غيرها به، وقد استنبط هذا من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة الرسول r، فالمرأة بايعت الرسول r بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وبايعت الرسول في بيعة الحديبية حينما قرر الرسول r قتال أهل مكة ودخولها عنوة لما أشيع أن سفيره وصهره عثمان بن عفان قد اعتدى عليه المشركون، وأن المرأة تبشر بفكرتها ودعوتها إلى بنات جنسها وتقوم بتنظيم شؤونهن في الأمور الدعوية، كما أن للمرأة أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر من ارتكب منكراً سواء كان رئيس دولة أو غيره، ولها أن تطالب بحقوقها عن طريق القضاء وفي غيره القضاء، وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم شكواها وفعلها حينما قالت مستفتية في فتح مكة وأثناء البيعة: إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي وأنا آخذُ من ماله فهل عليّ من جناح فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف، رواه الإمام البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجة – الجامع الصغير – متن مختصر شرح الجامع الصغير للمناوي 2/3.
لقد حذر الإمام البنا رحمه الله من تأثير الغزو الفكري الغربي وبخاصة بما يتعلق بالمرأة، على بلاد المسلمين وأخلاق المسلمين، وحذر من أولئك الذي تربوا في أحضان المستعمرين من أبناء المسلمين فدانوا بفكرتهم وعاشوا حياتهم يريدون أن ينقلوها إلى المسلمين في بلاد المسلمين.
قال رحمه الله: (لا يكفي بعض الناس أن ينغمسوا هذا الانغماس في التقليد، بل هم يحاولون أن يخدعوا أنفسهم بأن يديروا أحكام الإسلام وفق هذه الأهواء الغربية والنظم الأوروبية، ويستغلوا سماحة هذا الدين ومرونة أحكامه استغلالاً سيئاً يخرجها عن صورتها الإسلامية إخراجاً كاملاً. ويجعلها نظماً أخرى، لا تتصل به بحال من الأحوال، ويهملون روح التشريع الإسلامي، وكثيراً من النصوص التي لا تتفق مع أهوائهم).
انظر الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية ص202 مقال للأستاذ البنا.
ونوجز كلام الأستاذ البنا رحمه الله في حكم الإسلام بالنسبة لحقوق المرأة بما يلي:
أولاً: الإسلام يرفع قيمة المرأة ويجعلها شريكة للرجل في الحقوق والواجبات، وقد اعترف لها بحقوقها الشخصية والمدنية والسياسية.
ثانياً: الإسلام فرّق بين الرجل والمرأة في الحقوق تبعاً للفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة وتبعاً لاختلاف المهمة التي يقوم بها كل منهما، وصيانة للحقوق الممنوحة لكليهما، وأكد أنّ تكوين المرأة الجسماني والروحي ليس كتكوين الرجل، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يدّعي أن الدور الذي تقوم به المرأة في الحياة هو الدور الذي يجب أن يقوم به الرجل فالتكوينان مختلفان والمهمتان مختلفتان.
ثالثاً: بين الرجل والمرأة تجاذب فطري هو الأساس للعلاقة بينهما والغاية من الاستمتاع هي حفظ النوع الإنساني.
ثم تحدث عن العلاقة بين المرأة والرجل في المجتمع في النقاط التالية:
1- وجوب تهذيب خُلْق المرأة وتربيتها على الفضائل والكمالات النفسانية منذ نشأتها، ويحث الآباء وأولياء الأمور على تربية البنات وتعليمهن، وساق على ذلك نصوصاً من الكتاب والسنة كثيرة، ونادى بوجوب تعليم المرأة – بما هي بحاجة إليه بحكم مهمتها ووظيفتها التي خلقها الله لها-: تدبير المنزل ورعاية الطفل.
2- التفريق بين المرأة والرجل فيقول رحمه الله: (يرى الإسلام في الاختلاط بين الرجل والمرأة خطراً محققاً، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج).
ويرد الإمام البنا رحمه الله على دعاة الاختلاط الزاعمين (أن التفريق بينهما حرمان للجنسين من الاجتماع وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، التي توجد شعوراً يستتبع كثيراً من الآداب الاجتماعية من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطباع وأن التفريق بين الجنسين سيجعل كلاً منهما مشوقاً أبداً إلى الآخر، ولكن الاتصال يقلل من هذا الشأن ويجعله أمراً عادياً في النفوس (وأحب شيء للإنسان ما مُنع وما قللته اليد هوته النفس) فيقول بصراحة ووضوح: إن ما يعقب هذا الاتصال والاجتماع بين الجنسين هو ضياع الأعراض واختلاط الأنساب وفساد النفوس وتهديم البيوت وشقاء الأسر، ويستلزم هذا الاختلاط طراوة الأخلاق ولين في الرجولة إلى حد الخنوثة.
وأن ما يقال أن الاختلاط يهذب الغريزة ، والتباعد يهيجها فغير صحيحº فإن الاختلاط يزيد قوة الميل بين الجنسين ويؤجج الغرائز الشهوانية وقديماً قيل: (إن الطعام يقوي شهوة النهم)، والرجل يعيش مع امرأته دهراً، ويجد الميل إليها يتجدد في نفسه، فما باله لا تكون صلته بها مذهبة لميله إليها. والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها، وهذا أيضاً أثر اقتصادي من أسوأ الآثار التي يعقبها الاختلاط، وهو الإسراف في الزينة والتبرج المؤدي إلى الإفلاس والخراب والفقر.
ويقول الأستاذ البنا رحمه الله: (لهذا نحن نصرّح بأن المجتمع الإسلامي مجتمع يكره الاختلاط، للرجال فيه مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهم، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة، والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط له شروطاً شديدة...
كل ذلك إنما يراد به أن يسلم الرجل من فتنة المرأة، وهي أحب الفتن إلى نفسه وأن تسلم المرأة من فتنة الرجل، وهي أقرب الفتن إلى قلبها، وقد أورد نصوصاً من الكتاب والسنة على ذلك.
وبعد أن يسوق النصوص يقول رحمه الله: (ومنه يُعلم أن ما نحن عليه ليس من الإسلام في شيء، فهذا الاختلاط الفاشي بيننا في المدارس والمعاهد والمجامع والمحافل العامة، وهذا الخروج إلى الملاهي والمطاعم والحدائق... كل هذه بضاعة أجنبية لا تَمُتُّ إلى الإسلام بأدنى صلة.
انظر الأخوات المسلمات ص206-212.
ثم يستمر رحمه الله يناقش الذي يزعمون أن الإسلام لم يحرّم على المرأة أن تزاول الأعمال العامة، ويفنّد هذه المزاعم بفقهٍ دقيق للنصوص ويخلص إلى أن المرأة لا تلي الولايات العامة وينبغي أن تعمل في مهمتها الطبيعية وهي المنزل والطفل فإذا اضطرت إلى العمل لفقرٍ أو لحاجة فلتعمل بشروط وأن يكون ذلك العمل من قبيل الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، لا أن يكون هذا نظاماً عاماً تترك فيه مهمتها الأساسية وهي تربية الأجيال على الإسلام.
انظر وسائل التربية عند الإخوان المسلمين ص52 نقلاً عن جريدة الإخوان المسلمين الصادرة في 14/9/1946.
أقول: وهذا الذي ذهب إليه الإمام البنا رحمه الله من جواز مزاولة المرأة للعمل السياسي قد ثبت في القرآن والسنة كما علمت، ولهذا فقد أسس شعب الأخوات المسلمات وكان يفصل بينهن وبين الإخوان المسلمين الرجال، فكان للرجال نشاطهم وللنساء نشاطهن، وكل يعمل في مجاله في نشر الدعوة، وفي التربية الروحية والسياسية، وكان لهن مسؤولة اسمها لبيبة أحمد توجههنّ وترشدهنّ وتتابع نشاطهنّ من خلال لجنةٍ ترأستها.
وأما تولي المرأة الولايات العامة كالقضاء والحكم والوزارة وأن تكون من أهل الحل والعقد الذين يقررون مصير الأمة في السلم والحرب فقد منعه الإمام رحمه الله. وهذا المنع يؤيده قول الرسول صلى الله عليه وسلم لن يفلح قومñ ولّو أمرهم امرأة فلا تلي المرأة إدارة الأقاليم ولا ولاية الجهاد ولا ولاية المظالم ولا ولاية الحسبة ولا ولاية ولا ولاية القضاء ولا ولاية الحج ولا ولا ية الخراج وغيرها من الولايات العامه .
ووجه الاستدلال في هذا الحديث أن الرسول أخبر بحرمة توليه الأمور العامة للمرأة ، ذلك لأن كلمة (أمرهم) كما يقول الأصوليون من ألفاظ العموم، فهي تشمل الولايات العامة والولايات الخاصة كولايتها على مالها وعلى نفسها وعلى كسبها وغير ذلك، إلا أن الولايات الخاصة خرجت من العموم بنصوص أخرى كقوله تعالى: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيبñ مما اكتسبن (32) ) [النساء]، وقوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهنّ وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح (237) ) [البقرة].
ويؤيد ذلك أيضاً: قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء (34) ) [النساء]، فالقوامة في الأسرة للرجل وهي ولاية خاصة فإذا كان ليس لها أن تلي ولاية الأسرة فكيف تلي ولاية الأمة في أي ولاية عامة ؟žž!
والرجال أكفأ من النساء من حيث القدرة الجسمية والعقلية، وهذا نص عليه قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، فالقوامة لسببين: الأول الكفاءة والثاني الإنفاق.
وأقول هنا: إن الرجل أكفأ من المرأة عقلاً وقدرةً حتى في خصوصياتها واختصاصها كالطهي وصنع لباسها وخياطته وتصحيحه، فمن المعلوم أن أعظم طهاة العالم رجال وكذلك أعظم مصممي الأزياء للنساء رجال.
والاجماع العملي الذي انعقد على عدم تولية المرأة الولايات العامة، فطيلة الحكم الإسلامي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين واستمر حتى سقوط الدولة العثمانية الإسلامية لم تُعين امرأة واحدة في ولاية عامة والقول بأن لها أن تلي الولاية العامة حقñ مقررñ فلا أدري من أين تقرر هذا الحق، فكيف يتقرر هذا الحق ولا يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعين امرأة واحدة قط ويعطها هذا الحق المزعوم.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختار أهل الحل والعقد وتختار الأمة من بعده رجالاً ليس من بينهم امرأة، وحتى في بيعة العقبة الثانية، لما أمرهم أن يختاروا اثني عشر نقيباً ليس من بينهم امرأة واحدة، مع وجودهن وبيعتهن للرسول صلى الله عليه وسلم .
وكذلك حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجمع المسلمين ويستشيرهم في كثير من الأحداث الهامة لم يدع امرأة واحدة لتشارك في اتخاذ القرار في غزوة أحد وفي غزوة الأحزاب وفي غزوة فتح مكة وفي غزوة حنين وغير ذلك من الأحداث.