شتان بين هذه الصور التي نعرض لها وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والصالحين.. ان الصلاة ليست مجرد حركات تؤديها بلا حضور أو فهم لما يتلى من كتاب الله.. ولهذا: ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ذات مرة اذ دخل رجل فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.. فرد عليه، ثم قام الرجل فصلى، فلما انتهى من صلاته ذهب الى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم سلامه ثم قال له: ارجع فصل فانك لم تصل! فذهب فصلى ثم عاد فسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثم أعاد الأمر مرة ثانية: ارجع فانك لم تصل ففعل الرجل ثم عاد فسلم فرد عليه الرسول، ثم أمره أن يعيد الصلاة مرة أخرى!! فال الرجل: ( والذي بعثك بالحق.. ما أحسن غيرها .. فعلمن) فقال له الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم: اذا قمت الى الصلاة فكبّر، ثم اقرأ معك ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، واجعل ذلك في صلاتك كلها رواه البخاري الحديث 6251 والحديث 6667.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد رواه البخاري الحديث 751. وقال صلى الله عليه وسلم: ان أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قيل كيف ذلك يا رسول الله؟! قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها!! رواه الامام أحمد 3\56 والبيهقي 5\386 والحاكم 1\229.
*وقد جاء في حديث آخر: ان الرجل اذا صلى الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها لفت كما يلف الثوب الرديء فتلقى في وجهه وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، واذا أتم ركوعها وسجودها لفت كما يلف الثوب الطيب الحسن ودعت له قائلة: حفظك الله كما حفظتني!.
*وقال صلى الله عليه وسلم: ان الله يقبل على العبد في الصلاة ما لم يلتفت، فاذا صرف العبد وجهه انصرف الله عنه رواه أبو داود.. فبالله عليك بعد كم من الثواني ينصرف الله عنك في صلاتك!! وهل تتحمل وتتخيل ان ينصرف الله عنك ربك جل وعلا؟! أفلا تستحي أن ينظر الله اليك بينما أنت تنظر الى غيره؟!
واحذر ألا ينظر الله اليك في صلاتك.. فقد قال صلى الله عليه وسلم: ينظر الله الى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده. وقال صلى الله عليه وسلم: ان العبد اذا اñقبل على صلاته ثم التفت يقول الله تعالى: أإلى خير مني؟! رواه الامام أحمد 2\525 والهيثمي 2\120.
*واعلم ، أخي، أن مناط القبول في الصلاة حضور القلب وفهم العقل.. ولذا قال صلى الله عليه وسلم: ليس للمرء من صلاته الا ما عقل منها رواه الزبيدي 3\112. معنى هذا أنه قد ينصرف المسلم من صلاته ولم ينل حسنة واحدة، وانما يكون فقط قد أسقط الفريضة ( أي أداها ورفع عنه وزر المحاسبة على تركها) وذلك لأنه لم يعقل منها آية ولا تسمية ولا دعاء، اذ إنه صلى بقلب ساه غافل.
*والله تعالى حكم عدل.. والأجر على قدر المشقة.. ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: ان الرجل ليصلي الصلاة فلا يكتب له الا ثلثها أو ربعها أو نصفا أو سدسها أو ثمنها أو عشرها الامام أحمد 4\319. فيا ترى كم يكتب لنا من صلواتنا؟!
وتخيّل أنك دخلت على ملك من ملوك الدنيا أو رئيس أو مدير ثم أثنيت عليه ومدحته ووقفت بين يديه مهذبا مطيعا.. فكيف سيكافئك؟! واذا كان هذا مكافأة العبد للعبد؟ فبماذا يكافئك رب العباد جميعا؟!