والكلام عن المدينة يعني زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب إخلاص النية منذ الخروج من المنزل بأنك لا تريد زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من جاءني زائرا لا يهمّه إلا زيارتي كان حقا على الله سبحانه وتعالى أن أكون له شفيعا يوم القيامة .رواه الطبراني 2\291 والزبيدي 4\416.
وفي زيارتك لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن تجعل هذا اللقاء حقيقيا، بمعنى أنك لست ذاهبا الى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وانما أنت ذاهب للقاء النبي صلى الله عليه وسلم شخصيا، والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: من صلى عليّ وسلّم قيّض الله ملائكة سيارة تبلغني سلام من سلم عليّ. حديث آخر يقول فيه صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يصلي ويسلم عليّ الا ردّ الله عليّ روحي فأردّ عليه إذن يجب عليك أن تشعر بعلاقتك وصلتك بالرسول صلى الله عليه وسلم وأن اللقاء لقاء حقيقي، ويجب أن تستشعر شوقك لملاقاته صلى الله عليه وسلم.
وانظر الى اشواق الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا سيدنا بلال وهو يموت تقف زوجته على رأسه وتقول: وا مصيبتاه فيقول لها: لا تقولي وامصيبتاه ولكن قولي وافرحتاه.. غدا ألقى الأحبة محمد وصحبه، فيجب عليك أن تقول في نفسك: بعد ساعات قليلة، بعد وجود وسائل النقل الحديثة، القى الأحبة محمدا وصحبه، وتخيّل عندما تلقي السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرد عليك السلام بإسمك لأنه صلى الله عليه وسلم يعرفك فيقول لك: وعليك السلام يا فلان.
ومن شوق الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدهم كان يعيش في المدينة ووالدته تعيش خارجها، ومرضت الأم وأراد هذا الابن زيارتها، وكلما خرج لذلك عاد مرّة أخرى وذلك لثلاثة أيام متتالية، وعندما سألته زوجته عن سر تردده قال لها: أخاف أن أترك المدينة فتقبض روحي وأموت بعيدا عن عين رسول الله صلى الله عليه وسلم!
لذا يجب أن تسأل نفسك: هل سيكون لقائي برسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم باردا وعاطفتي فاترة؟ هل ستقول السلام عليكم يا رسول الله وتذهب وفقط؟ وهل صلتي برسول الله مجرّد أمر روتيني لاستكمال العمرة أو الحج؟ والاجابة لا لأن محبة النبي صلى الله عليه وسلم مفروضة علينا، لأنه من المعلوم ان حب الله ورسوله والاسلام والمؤمنين فرض وليس نافلة، فإياك أن يكون حبك للنبي صلى الله عليه وسلم شكليا.
ولك أن تتخيل نفسك وأنت واقف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، واسأل نفسك: هل سيفرح بي الرسول أم لا؟! والحقيقة أننا يجب أن نحسب حسابا لهذه الفرحة، فكيف بنا ونحن لم نفعل ما يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفي ويسر بزيارتنا له، حيث إننا لا نعرف ييئا عن سنته أو سيرته صلى الله عليه وسلم.
ويجب عليك وانت في مسجد رسول الله أن تقف في تواضع وأدب، افعل هذا وكأنك تقف بين يدي رسول الله فعلا، وتخيّل سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه وهو يقول: بينما أنا أسير في ليلة مقمرة اذا بالنبي قادم أمامي فجعلت أنظر الى القمر ثم أنظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسول الله أحسن في عيني من القمر، إنها المحبة والاجلال. ولقد سمعت أحد الناس في الحج وهو ذاهب للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يبكي: (وحشتني يا رسول الله) وهو يكررها، ورأيت رجلا ومعه طفلة وكان يبكي عند رسول الله وأشير اليه بالسكوت، فالله تعالى يقول:{ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} الحجرات 2. حيث ان رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبط الأعمال الصالحة، وسمعت أحدهم يقول: اني خائف من حرارة اللقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واخشى ان أبكي فيرتفع صوتي بالبكاء فيحبط عملي، وأحد الناس ذهب لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان تهيأ لذلك بأن لبس أحسن الثياب ووضع أفضل العطور وعندما قلنا له ان المسجد قد أغلق فاذهب للنوم أو للتسوق، قال في حدة: وهل يجدر بي أن آتي الى المدينة وأقابل احدا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أو أفعل شيئا قبل لقائه صلى الله عليه وسلم؟ وعندما جلس أخذته سنة من النوم، فقام متأخرا عن فتح المسجد ساعتين فقام مهرولا وهو يبكي ويقول: ماذا أقول لرسول الله وقد تأخرت عليه؟ هل أقول له كنت نائما؟!.
أخي القارئ:
قف أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقل له كل ما يجول في صدرك من أحاسيس، وعبّر له عن صدق حبك له، وقل له أنك تحاول أن تهتدي بسنته وأنك بعيد عن أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم، وعاهده على أنك ستوثق الصلة بحبه وسنته وأن علاقتك به ستكون مختلفة من اليوم، وبعد لحديث مع النبي صلى الله عليه وسلم إياك أن تقع في المحاذير الآتية: لا تتمسح بالجدار أو تقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
لا تطلب منه صلى الله عليه وسلم قضاء حاجة دنيوية لنفسك.
لا تتوجه الى الله بالدعاء أمام قبره.
وبعد الفراغ من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم عليك ان تأخذ خطة جهة اليمين لتجد قبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه وتتوجه اليه بالحديث مثل: السلام عليك يا خليفة رسول الله يا أرق الأفئدة يا صديق، وما الى ذلك، مع تذكر مآثره رضوان الله عليه.
واذا توجهت جهة اليمين خطوة أخرى ستجد قبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسلم عليه، بعد ذلك اجعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم خلف ظهرك وتوجه الى الله بالدعاء فالدعاء مستجاب في هذا المكان.