الجماعة الاسلامية التى تحترم نفسها والتى تسير فى طريق سالك مأمون والتى تريد أن يكون لها فى بلاد الاسلام امتداد وفى عالم الدعوات استمرارية وبقاء .. هى ا لتى تأخذ بقاعدة الشورى التى سنها الاسلام وأمر بها القرآن قال تعالى : وأمرهم شورى بينهم . وقال فى آية أخرى : وشاورهم فى الأمر .
ومما أجمع عليه أهل الحجى والأفهام النيرة فى أهمية الشورى :
ِ أن النبى صلى ا لله عليه وسلم طبق عمليا فى حياته السلمية والحربية هذا المبدأ الكريم ونهج خلفاؤه من بعده وهم جميعا قدوة .
ِ وأن الله سبحانه جعل هذا المبدأ فى كتابه الكريم منهجا لكل المسلمين فى كل أمر من أمور هم.
ِ ولأن الشورى فى ذاتها خلق إنسانى أصيل والاسلام يزكى الأخلاق الانسانية الأصيله .
ِ ولكون الشورى طريقا مأمونا الى عصمة الرأى من الخطأ ووسيلة موفقة لاستكمال البنية التربوية والحركية من النقص .
ِ ولكن الشورى كذلك سبيلا لمنع القيادات من الفردية المتحكمة والاستبدادية المتنفذه
ِ ولأن الشورى حين يقوم على تطبيقها القياديون فى الجماعة فإنهم يطبعون أفرادهم على ألأخذ بمبدأ الشورى ويشعرونهم بشخصيتهم حين يستشارون وحين يستشيرون .
ِ ولأن الشورى سبيل واضح وطريقة مثلى للاستفادة من أهل الخبره والاختصاص ..
ِ ولأن الشورى حاجز منبيع من أن تتحكم فى الجماعة سلطة يحكمها الهوى وتسيرها ا لمصالح وتدفع بالجماعة الى المهالك ..إلى غير ذلك من ضروب الحكمة والأهمية التى تنبثق عن مبدأ الشورى وهى فى جملتها لا تخفى على كل ذى وعى وبصيره وإذا كانت الشورى فى هذه الأهمية فلا بد للجماعة من مجلس شورى يرسم لها خط سيرها ويحفظ لها مستقبلها من عوادى الأيام ويرتقى بها الى أفضل المثل والقيم ..
ولكن مِاهى شِروط عضو مجلس الشورى ؟
1ِ العدالة المتمثلة بالتقوى والأمانه والصدق ..
2ِ العلم بالكتاب والسنة وما يؤدى إليهما من استنباط الأحكام ومعرفة الحلال والحرام ..
3ِ العقل الرزين والرأى السديد وسلوك طريق الاتزان والحكمة ..
4ِ العلم والخبرة والاختصاص فى الجانب المستشار فيه
5ِ النباهة والذكاء والقدرة على مواجهة المفاجآت
6ِ ممارسة الأعمال القيادية أو الشورية أو الإدارية ..التى كان قد مارسها من قبل .
ومن هنا ندرك أن الشورى حق لأهلها ممن توفرت فيهم صفاتها وقد عبر عن ذلك عمر الفاروق رضى ا لله عنه حين وقف أمامه أعرابى يبدى رأيه فى قضية لا يعرفها وغير مختص بها وذلك بمخاطبته له : " اجلس انما أنت من الأعراب " .
هل مبدأ الأغلبية فى المجالس الشورية هو المتبع ؟
إن الأدلةالمستنبطه من السنة ومن فعل الأئمة .. تؤكد أن رأى الأكثرية من أهل الشورى هو المرجح وأنه ملزم للأقلية فى المجلس ولو كان الرأى مخالفا للأمير أو للقيادة ..
وإليكم باقة من الأدلة :
أ ِ أخرج ابن ماجه بسند جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أمتى لا تجتمع على ضلال فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " .
ب ِ أخرج أحمد والترمزى عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتى إلا على هدى " .
ج ِ أخرج أحمد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما : " لو أنكما اتفقتما علىأمر واحد ما عصيتكما فى مشورة أبدا " .
د ِ ونزوله صلى ا لله عليه وسلم على رأى الأكثرية فى الخروج الى خارج المدينه لملاقاة قريش فى معركة أحد يعرفه الكثير .
هِ ِ أبو بكر رضى الله عنه شاور الصحابة فى محاربة أهل الردة ونزل على رأى الأكثرية وكذلك جمعهرضى الله عنه القرآن الكريم كان على رأى الأكثرية من الصحابة رضى الله عنهم .
وِ وعندما طعن عمر رضى الله عنه كان قد رشح السته للتشاور فى اختيار من يخلفه على أمر المسلمين وجعل حكم الإختيار للأكثرية .
وعلماء الأمة سلفا وخلفا فهموا من هذه الأدلة أن مبدأ الأكثرية فىالمجالس الشورية هو المتبع :
ِ ذكر الطبرى فى تفسيره لقوله تعالى : وشاورهم فى الأمر : " يتشاورون بينهم ثم يصدرون عما اجتمع عليه ملؤهم " .
ِ وقال الامام الغزالى فى إحيائه ج 1 /ص : 230 : " فإن اختلفوا كان النظر الى الأكثرية " .
ِ وقال الامام الماوردى فى الأحكام السلطانية ص: 101:" إذا اختلف أهل المسجد فى اختبار إمام عمل على قول الأكثرية " .
ِ وجعل الشهيد عبد القادرعودة فى كتابه التشريع الجنائى " ج 1 /ص : 38 الأخذ بالأغلبية من قواعد الشورى التى لا تقبل التعديل أو التبديل لوجود النصوص التى تدعمها أخذه صلى الله عليه وسلم برأى الأغلبية فى ا لخروج الى خارج المدينة يوم أحد على الرغم من أن راية صلوات الله وسلامه عليه هو البقاء فىا لمدينة والقواعد الفقهية والحديثة تعتبر مبدأ الأغلبية هو الأرجح والمتبع :
ِ فالقاعدة الفقهية المعروفة بالجمهور أو الجمهور قالوا : كذا .. فإنها تعد ترجيحا للأمر المختلف فيه برأى الأكثرية ..
ِ وكذلك القواعد الحديثية التى تقول : إن كثرة الرواة للحديث تجعله متواترا أو مشهورا .. وكثرة الطرق للحديث ترفع الحديث من الضعف الى ا لقوة واعتبروا مخالفة الثقة للثقات شذوذا .
فمن هذه الوفرة الوافرة من الأدلة يتبين أن رأى الأكثرية من أهل الشورى هو المرجح للأخذ به وأنه ملزم للمخالفين ولو كانوا قادة ..
وأما ما يحتج به البعض أن رأى الأكثرية ليس ملزما للقائد وأن له أن يعمل برأية بعد الاستشارة ولو خالفه الجمهور .. فإن احتجاجهم هذا مبنى على مااتخذه أبو بكر رضى ا لله عنه من مواقف يوم الردة ويوم إصراره على توليه أسامة فقد عمل أبو بكر رضى الله عنه ِ على حد زعمهم برأيه ِ وخالف رأى الجمهور .
أقول : فإن احتجاجهم لا ينهض دليلا على ما ذهبوا اليه على عدم الأخذ برأى الأغلبيه وأبو بكر رضى الله عنه لم يبال برأى الأكثرية يوم الردة لوجود النص وذلك فى الحديث المتواتر :"أمرت أ ن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسو ل الله وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله " .
وأما فى قضية إصراره على توليه أسامة على الجيش على الرغم من وجود المعارضة الشديده .. فقد كانت التولية أصلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلايحق لأبى بكر رضى الله عنه أن يعزل من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحق لأحد أن يعارض فى ذلك .
ومن المعلوم تاريخا أن أبا بكر رضى الله عنه أقنع جبهة المعارضة على الأخذ برأيه بعد ما أحتج به من نصوص
قاطعة .. حتى أن عمر رضى الله عنه الذى حمل لواء المعارضة يوم أصر أبو بكر رضى الله عنه على قتال مانعى الزكاة واستمع إلى ما احتج به أبو بكر من نصوص تراجع عن معارضته وقال لأبى بكر : " فوالله ماهو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق " .
ومما ذكرناه يتبين أن ما احتج المعارضون على فكرة عدم الأخذ برأى الأكثرية وأن الشورى غير ملزمة .. لا ينهض دليلا على أحتجاجهم لأن أبا بكر رضى ا لله عنه ِ كما أسلفنا ِ عمل بالنص وأن النص ِ كما هو معلوم مقدم على القياس والاجماع وأنه كما يقول علماء الأصول : " لا مجال للإجتهاد فى مورد النص " وينبغى أن لا يغرب عن البال أن مجلس الشورى فى الاسلام له مهمة أساسية فى ظل الدعوة الجماعية فمن مهمته : البحث فى المسائل التربوية والتكوينية وبناء الشخصية الاسلامية .. وكذلك البحث فى الشؤون الدعوية والحركية والتنظيمية .. وأيضا البحث فى القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية ..
كل هذه الآمور وغيرها تبحث فىضوء الكتاب والسنة حيث لا يتجاوز البحث والقرار فيه الاطار الاسلامى العامولا يتعدى المقاصد الشرعيةالمعلومة .. وأن علىا لمجلس الشورى أن يؤلف من رجال الجماعة المتخصصين فى ا لفقه الاسلامىلجنة فتوى يكون من وظيفتها الأساسية النظر فى القضايا الشرعيه المنصوص عنها والمستجده والتصديق عليها حيث لا تخرج أبدا عن المصادر التشريعيه المعروفة وقواعد الأصول المعلومة وأقوال الأئمة المجتهدين الأعلام .. ولا شك أن قادة الدعوة الجماعية فى كل زمان ومكان إذا نهجوا هذا النهج واتبعوا هذه الأصول .. فإنهم يكونون فىحصانة ومأمن من أن يصدروا فى قراراتهم عن هوى أو أن يخرجوا فى بحوثهم عن النصوص أو أن يحيدوا فى مواقفهم عن سنن الاسلام ..
هذا عدا عن تعميق المحبة لهم وتجديد الثقة بهم واستجابة الناس لدعوتهم ودفع الدعوة الاسلامية الى الأمام لتتابع مسيرتها نحو الامتداد والقوة والنصر .