من الأمور المسلمة التي لا يكاد يختلف فيها اثنان أن لكل نظام من الأنظمة سواء أكان نظاماً ربانياً أو كان نظاما وضعياً لا بد له من خصائص يعرف بها ، ويتميز به عن غيرها . فما هي أظهر خصائص دعوة الإسلام ؟ أو بعبارة أوضح : ما هي طبيعة مبادىء الشريعة الإسلامية الغراء التي تتميز بها عن غيرها من النظم الأرضية ، والمذاهب البشرية ؟
أرى هذه الخصائص في دعوة الإسلام تتركز في النقاط التالية :
أ-الربانية :
نقصد بالربانية أن أحكام هذه الشريعة وأنظمتها ومبادئها ليست من وضع بشر يحكمه القصور والعجز والتأثر بمؤثرات المكان والزمان والثقافة ، ومؤثرات الوراثة والنزعة والمزاج والهوى .. وإنما شارعها صاحب الخلق والأمر في هذا الكون ، ورب كل ما فيه ومن فيه ، الذي أحسن كل شيء خلقه .
والمؤمن حين يندفع إلى تطبيق المنهج الرباني على نفسه ، يندفع بكليته وهو مرتاح عن رغبة وصدق ، واخلاص وطواعية .
لماذا يندفع المؤمن هذا الاندفاع ؟
#لأنه يعلم علماً أكيداً أن الله سبحانه هو الخالق المبدع القادر . فله أن يتصرف في شؤون خلقه كما يريد وكما يشاء ، وليس للإنسان المخلوق الضعيف القاصر إلا أن يمتثل ما اختاره الله له دون توقف أو تردد .
قال تعالى في سورة القصص : {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه وتعالى عما يشركون} .
وقال في سورة الأحزاب : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. } .
ولأنه يعلم علماً أكيداً أن الله سبحانه عليم بكل شيء .
فهو أعلم بما يشرع لعباده من أحكام ، وأدرى بما يحقق لهم من مصالح .
-قال تعالى في سورة الملك : {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} .
وقال في سورة البقرة : {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .
# ولأنه يعلم علماً أكيداً أن الله سبحانه حكيم في كل ما يشرعه ويخلقه ، وحكمته جل جلاله معناها أن يضع كل شيء في موضعه المناسب بالشكل الذي يؤدي إلى تحقيق المصالح ، ودرء المفاسد .
قال تعالى في سورة الأنفال : {والله عليم حكيم} .
وقال في سورة الأنفال أيضاً : {إنه عزيز حكيم} .
# ولأنه يعلم علماً أكيداً أن الأنسان - مهما علا شأنه - ضعيف في حد ذاته عاجز عن أن يصل إلى مرتبة الكمال والنضج مهما ارتقى علمه ، ونضجت ثقافته .
قال تعالى في سورة الروم : {الله الذي خلقكم من ضعف} .
وقال في سورة النساء : {وخلق الإنسان ضعيفاً} .
وقال في سورة يوسف : {وفوق كل ذي علم عليم} .
عدا أن الإنسان -كما ألحنا- يتأثر بالبيئة ، ويتأثر بالعاطفة ، ويتأثر بالوراثة ، ويتأثر بالعقيدة التي يعتنقها ، ويتأثر بالنزعة التي يندفع إليها .
ولأضرب على ذلك الأمثال :
هذا الإنسان الذي كلف لأن يضع لأمة ما نظامها ، ومنهجها .. يأتي من هو أعلم منه تفنيناً ، وأكثر منه ثقافة ، فينقض له كل ما سنه من نظم ، وما قننه من قوانين .
وهذا الإنسان المتأثر بالفكر الماركسي ، حين يكون مختصاً بالقانون ، ويكلف لأن يضع لأمة ما دستورها يضع بنود هذا الدستور بما يتفق مع الفكر الماركسي الشيوعي .
وهذا الإنسان المتأثر بالفكر الرأسمالي ، حين يكون مختصاً بالقانون ، ويكلف لأن يضع لأمة ما دستورها يضع بنود هذا الدستور بما يتفق مع الفكر الرأسمالي الغربي .
وهذا الإنسان المتأثر بالنزعة الوجودية الإباحية يضع القوانين للأمة بما يتفق مع هذه النزعة الإباحية .
وهذا الإنسان المتأثر بالنزعة التسلطية الفردية يضع القوانين للأمة بما يتفق مع هذه النزعة التسلطية .
إلى غير ذلك من هذه المؤثرات ، والنزعات ، والمبادىء ، والأهواء .
والواقع الدولي ، والصراع العالمي ، والتناقض المذهبي ، والتباين الفكري الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية في العصر الحديث أكبر شاهد على ما نقول º بل أعظم برهان على أن الإنسان في طبيعته ، وحقيقة ذاته ، يتأثر بالنزعة والهوى ، والبيئة والوراثة ، والعقيدة والمبدأ ، وأن عقله مهما سما قاصر ، وأن علمه مهما اتسع محدود ، وأنه عاجز عن وضع التشريع لنفسه مهما بلغ درجة النضج والكمال ، وفوق كل ذي علم عليم .
لهذا كله نجد المؤمن الواعي البصير المتفهم للحقيقة يندفع بكليته ، وينطلق من ذاته إلى تطبيق المنهج الرباني على نفسه ، وعلى من يكون تحت ولايته º لاعتقاده الجازم أن كمال شخصيته ، وبناء إنسانيته ، وإصلاح بني قومه ، لا يتم على الوجه اللائق إلا أن يأخذ ممن اختص بالكمال والجلال ، وينقاد إلى من تنزه عن النقص والقصور ، ويستسلم إلى من عرف بالعظمة والإبداع .. ألا وهو الله سبحانه وحده ؟!!
وصدق الله العظيم القائل في سورة الأحزاب : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} .
والقائل في سورة الأنعام : {أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} .
والقائل في سورة المائدة : {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} .
هل عرف شباب الدعوة ما معنى الربانية ؟ وما يقصد منها ؟!!
* * * * * * * * *