إن المتأمل في مبادىء الشريعة الإسلامية الغراء ، وقواعدها الكلية ، يجد أن هذه الشريعة تفي بحاجات الزمن المتطور ، وتواكب حضارة العصور المتقلبة º ولا سيما المبادىء والقواعد التي لها ارتباط بأحكام المعاملات ، والمسائل الدستورية ، والنظم الاقتصادية ، والعلاقات الدولية ، والقضايا المدنية .
ولنضرب على ذلك الأمثلة :
القرآن الكريم في المسائل الدستورية ، والأمور القضائية ..نص بوضوح على قاعدة العدل :
{اعدلوا هو أقرب للتقوى} .
{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} .
فقاعدة العدل التي نصت عليها الآيتان الكريمتان قاعدة كلية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير º وهذه القاعدة يجب العمل بها في كل زمان ومكان º ولكن وسائل تطبيق قاعدة العدل متروك للزمن المتطور ، والحياة المتجددة .. فتطبيق قاعدة العدل في محكمة واحدة ، أو بتعدد من المحاكم ، أو بفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية .. فهذا كله متروك لأهل الحل والعقد º بل متروك للأصلح من تجارب البشرية .
فمقصود الشريعة الأول تطبيق مبدأ العدل ، فليكن التطبيق بأية وسيلة ، وبأية صورة ارتأها أهل الحل والعقد ، وبأي تنظيم وبأي إطار أشار إليه المختصون في هذا المجال مادامت هذه التنظيمات والوسائل تطبق قاعدة العدل ، وتحقق مبدأ المساواة بالنسبة للجميع .
وكذلك قاعدة الشورى :
فالقرآن الكريم نص على هذه القاعدة بوضوح :
{وشاورهم في الأمر} .
{وأمرهم شورى بينهم} .
فقاعدة الشورى التي نصت عليها الآيتان قاعدة كلية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير . وهذه القاعدة يجب العمل بها في كل زمان ومكان ، ولكن وسائل تطبيق قاعدة الشورى متروك للزمن والحياة .. فتطبيق قاعدة الشورى في مجلس استشاري يضم النخبة من أهل الاختصاص والرأي ، أو في مجلس انتخابي ينتخبه الشعب ، أو انتقاء مجالس وزارية من أهل الخيرة والمشورة ، أو انتخاب مجالس محلية لكل مقاطعة أو بلد … فهذا كله متروك للأصلح من تجارب البشرية !!
فمقصد الشريعة الأول تطبيق قاعدة الشورى ، فليكن التطبيق بأية وسيلة كانت ، وبأية صورة أو هيئة ارتأها أهل الحل والعقد ، ما دامت الدولة بمسؤولها الأول ، ووزرائها ورجال الحكم فيها .. تحقق قاعدة الشورى ، وتقوم على تنفيذ مبدأ {وأمرهم شورى بينهم} .
ولنقس على ذلك :
مبدأ المساواة في قوله تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} .
ومبدأ إعداد القوة في قوله تعالى : {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} .
ومبدأ تنظيم الدين في قوله تعالى : {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} .
ومبدأ الجنوح للسلم في قوله تعالى : {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} .
ومبدأ تنظيم العقود في قوله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} .
إلى غير ذلك من هذه المبادىء والقواعد التي نصت عليها شريعة الإسلام الخالدة .
وهنا يرد تساؤل : هل أحكام الشريعة كلها قابلة للتجدد والتطور ؟
للإجابة على هذا التساؤل يجدر أن نقسم الأحكام التشريعية إلى ثلاثة أقسام :
1-مسائل تشريعية قابلة للتجديد .
2-مسائل تشريعية قابلة للتبديل .
3-مسائل تشريعية ثابتة غير قابلة لتجديد ولا تبديل .
# أما المسائل التشريعية القابلة للتجديد :
فقد سبق أن ذكرنا المبادىء والقواعد التي لها الارتباط الوثيق بالمعاملات المالية ، والشؤون الاقتصادية ، والنظم القضائية ، والقضايا الإدارية والدستورية .
فالإسلام -كما ذكرنا- نص على هذه المسائل بقواعد عامة ، ومبادىء كلية من غير تعرض إلى تفصيلات أو جزئيات أو مراحل ، وترك أمر التطبيق والهيئة والشكل للأصلح من تجارب البشرية كقاعدة العدل ، وقاعدة الشورى ، وقاعدة كتابة العقود .. كما سبق الشرح والبيان .
فالشريعة في هذه المسائل إذن اكتفت بتثبيت القاعدة ، وتحديد الإطار العام ، وتركت وسائل التطبيق ، وتفصيلات التنفيذ لأهل الحل والعقد ، وهيئة الخبرة والاختصاص كل على حسب زمانه ومكانه شريطة أن لا تتعارض هذه الوسائل والتفصيلات مع نص صريح ، أو تخرج عن القاعدة العامة ، أو تتجاوز هذا الإطار المحدد لها .
* * * * * * *
# أما المسائل التشريعية القابلة للتبديل :
فهي المسائل التي لم يرد فيها نص أصلا لا في كتاب ، ولا في سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس º هذه المسائل خاضعة للاجتهاد الزمني ، والتطور المصلحي .. حيث يجتهد بهذه المسائل المستحدثة المستجدة علماء راسخون مختصون ، متسمون بالورع والتقوى ، ومتصفون بملكة الفهم والاجتهاد . فيصدرون أحكامهم بما يحقق وجه المصلحة ، وبما يتلاءم مع التطور الحضاري ، والتقدم العلمي º كبيان حكم الإسلام في الضمانات التقاعدية للموظف والعامل ، وفي تعويض التسريح ، وفي التعويض العائلي ، وفي التأمين الصحي .. فهذه المسائل وما كان على شاكلتها مما لم يرد فيها نص ، وتتفق مع روح الشريعة ، ومقصدها العام ، تحتاج إلى نخبة من أهل العلم والاختصاص ليقرروا حكم الإسلام فيها على ضوء المصلحة والتطور ، وروح الشريعة ، ومقاصدها العامة .
وبناء على هذا يقول علماء الأصول : (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
* * * * * * * * *
# أما المسائل التشريعية الثابتة غير القابلة لتجديد ولا تبديل :
فهي المسائل التي وردت فيها نصوص قطعية ثابتة لا مجال لتجديدها وتبديلها ، والاجتهاد فيها ، كمسائل العقيدة ، وأركان الإيمان ، وأحكام العبادات ، وأمور المعاملات .. وكحرمة الزنى ، والربا ، والخمر ، والميسر ، وقتل النفس ، وتحديد أنصبة المواريث ، وتحديد عدة الطلاق والوفاة .. وكالنهي عن السفور ، والاختلاط بين الجنسين ، وخروج المرأة متبرجة .. ونحوها .
فهذه النصوص التي بينت هذه الأمور كلها هي نصوص قطعية ، وأحكام ثابتة º بل هي منطقة محرمة ، لا يتطرق إليها الاجتهاد ، ولا تخضع لأي تبديل أو تعديل لحكمةٍ يعلمها الله ، وكثيراً ما يدرك الإنسان بعقله وتجربته ومشاهداته السر من الأمر والنهي ، والحكمة من الحل أو التحريم .
وقلنا أنها منطقة محرمة لا يتطرق إليها الاجتهاد º لأن كل من يريد أن يبدل فيها ، أو يجتهد في تطويرها يكون هادماً للشريعة ، ومحارباً لله والرسول ، وخالعاً عن عنقه ربقة الإسلام .
وبناء على هذا يقول علماء الأصول : (لا مجال للاجتهاد في مورد النص) .
ومما يدل على عطاء هذه الشريعة وتجددها المستمر على مدى الزمان والأيام أنها أتت بقواعد تشريعية ميسرة مستنبطة من استقراء النصوص ، وأسباب النزول ، ووقائع الأحداث ، ومقاصد الشريعة مثل :
"الضرر يزال" .
"الضرر لا يزال بالضرر" .
"يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" .
"الضرورات تبيح المحظورات" .
"ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" .
"درء المفسدة يقدم على جلب المصلحة" .
ألا فليعلم رجال الدعوة الإسلامية كيف يكون عطاء الشريعة ؟ وكيف يكون تجددها على مدى الزمان والأيام ؟!!.