الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان العقيدة ، يجب التصديق به لا محالة ، ويدخل في ذلك : الإيمان بأشراط الساعة ، وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه ، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور ، وما في موقف القيامة من الأهوال ، والأفزاع، وتفاصيل الحشر ، ونشر الصحف، ووضع الموازين ، وبالصراط ، والحوض ، والشفاعة لمن أذن الله ، وبالجنة ونعيمها ، وبالنار وعذابها ، وغيرها من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن أو في الصحيح من السنة .
الأدلة على الإيمان باليوم الآخر
ِ الأدلة العقلية :
1 ِ إخباره تعالى عن اليوم الآخر بقوله : { الم(1)ذَلöكَ الْكöتَابُ لَا رَيْبَ فöيهö هُدًى لöلْمُتَّقöينَ } إلى قوله : {وَبöالْآخöرَةö هُمْ يُوقöنُونَ } [1] (البقرة: 1-4) وبقوله : { وَمَنْ يَكْفُرْ بöاللَّهö وَمَلَائöكَتöهö وَكُتُبöهö وَرُسُلöهö وَالْيَوْمö الْآخöرö فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعöيدًا } (النساء: 136) وقوله : { إöنَّ الَّذöينَ لَا يَرْجُونَ لöقَاءَنَا وَرَضُوا بöالْحَيَاةö الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بöهَا وَالَّذöينَ هُمْ عَنْ آيَاتöنَا غَافöلُونَ(7)أُوْلَئöكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بöمَا كَانُوا يَكْسöبُونَ } (يونس: 7، 8) . وقوله سبحانه وتعالى : { إöنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادöقñ(5)وَإöنَّ الدّöينَ لَوَاقöعñ } (الذاريات : 5، 6) وقوله : { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتöيَةñ لَا رَيْبَ فöيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فöي الْقُبُورö } (الحج: 7) ، وقوله تعالى : { زَعَمَ الَّذöينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبّöي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بöمَا عَمöلْتُمْ وَذَلöكَ عَلَى اللَّهö يَسöيرñ } (التغابن : 7) ، وقوله : { أَلَا يَظُنُّ أُولَئöكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4)لöيَوْمٍ عَظöيمٍ(5)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لöرَبّö الْعَالَمöينَ } (المطففين: 4-6) وقوله : { لَا أُقْسöمُ بöيَوْمö الْقöيَامَةö(1)وَلَا أُقْسöمُ بöالنَّفْسö اللَّوَّامَةö(2)أَيَحْسَبُ الْإöنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عöظَامَهُ(3)بَلَى قَادöرöينَ عَلَى أَنْ نُسَوّöيَ بَنَانَهُ} (القيامة: 1-4) وقوله : { وَأَقْسَمُوا بöاللَّهö جَهْدَ أَيْمَانöهöمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهö حَقًّا وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لَا يَعْلَمُونَ(38)لöيُبَيّöنَ لَهُمْ الَّذöي يَخْتَلöفُونَ فöيهö وَلöيَعْلَمَ الَّذöينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذöبöينَ(39)إöنَّمَا قَوْلُنَا لöشَيْءٍ إöذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (النحل: 38-40) . وغيرها من الآيات.
2 ِ إخباره صلى الله عليه وسلم لما قال له جبريل عليه السلام . أخبرني عن الإيمان ، قال : (أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) [2] ، ونحو ذلك كثير كثير .
3 ِ اتفاق جميع الأديان السماوية ، وإيمان الملايين من الأنبياء ، والمرسلين، والحكماء ، والعلماء ، والصالحين من عباد الله ، باليوم الآخر وبكل ما ورد فيه ، وتصديقهم الجازم بذلك .
1 ِ صلاح قدرة الله الخالق على إعادة الخلائق بعد فنائهم، لأن إعادتهم ليست بأصعب من خلقهم ، وإيجادهم على غير مثال سابق .
2 ِ تأكدنا من صدق الرسول صاحب الآيات والمعجزات التي تشهد للعقول بصدق رسالته ، وعلمنا أن الله أسرى برسول الله ، فرأى الجنة والنار ، وحمل إلينا كلام الله ، الذي خلق الحياة الدنيا ، والحياة الأخرى ، وأخبرنا عن الحياة التي تنتظرنا بعد موتنا .
فعلمنا بالدار الآخرة جاءنا من أوثق المصادر من الذي خلق الدنيا والآخرة ، ومن رسوله الذي رأى الجنة والنار ، ذلك وعد الله والله لا يخلف المعياد .
3 ِ ولقد أخبرنا رسول الله بأمارات ستقع في الدنيا ، تكون علامة على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها. وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد لنا صدق ما أخبر الرسول به عن الساعة والآخرة ، وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً بعد ألف وأربعمائة عام فسنرى الجنة والنار حقاً ، يقول الله تعالى : { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةö أَصْحَابَ النَّارö أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذّöنñ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهö عَلَى الظَّالöمöينَ } (الأعراف: 44).
4 ِ خالق الإنسان أكمل من الإنسان ، والإنسان يحب العدل، ولا شك أن الله هو الذي خلق حب العدل في الأولين والآخرين ، وما عدل الناس جميعاً إلا قبس من عدل الله ، فالله هو العدل الحكيم .
ومن العدل أن يثاب المحسن ، ويعاقب المسيء ، ولكن هذه الدنيا لا يتحقق العدل فيها ِ وقد علمنا عدل الله ِ لذلك تجزم العقول بأن الله لا بد أن يقيم موازين العدل في حياة أخرى ، قال تعالى : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلöمöينَ كَالْمُجْرöمöينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } (القلم : 35، 36) .
ويقول سبحانه : { وَنَضَعُ الْمَوَازöينَ الْقöسْطَ لöيَوْمö الْقöيَامَةö فَلَا تُظْلَمُ نَفْسñ شَيْئًا } (الأنبياء : 47) .
5 ِ وإذا نظرنا إلى خلق السماوات والأرض نجد أن كل شيء قد وضع في مكانه اللائق به ، فالسماء وما فيها من نجوم وكواكب ، وليل ونهار ، والأرض وما فيها من نبات وحيوان ، وإنسان ، وجماد ، وكل شيء قد وضع في مكانه اللائق به بالحق .
فالقلب في مكانه ، والعين في مكانها ، والورقة في مكانها على الشجرة، والزهرة في مكانها ، وهكذا . ولا نجد مخالفة للحق في الأرض إلا في حال الإنسان، فنجد الظالم في مكانه ، وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء.
فلماذا لا نرى الحق قائماً في حياة الناس ، كما قام في خلق الأرض والسماء؟!
إن العقول تدلنا على أن الذي خلق السموات والأرض بالحق ، لا بد أن يقيم الحق في أحوال الناس ، وإذا كان هذا لا يكون في الدنيا نظراً لكونها دار ابتلاء وامتحان .. فلا بد أنه يتحقق في الدار الآخرة ، قال تعالى : { أَمْ حَسöبَ الَّذöينَ اجْتَرَحُوا السَّيّöئَاتö أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضَ بöالْحَقّö وَلöتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بöمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } (الجاثية:21،22) .
6 ِ وإذا تأمل الإنسان كيف حفظه الله ولم يضعه وهو نطفة من ماء مهين ، أو هو علقة كما تولى الله حفظه سبحانه طوال حياته ، من تأمل هذا تأكد أن الله لا يضيع الإنسان بالموت ، ويجعله يذهب سدى ، فالحكيم الذي يحفظ الأجزاء الصغيرة لا يضيع الخلقة التامة ، قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الْإöنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مöنْ مَنöيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مöنْهُ الزَّوْجَيْنö الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلöكَ بöقَادöرٍ عَلَى أَنْ يُحْيöيَ الْمَوْتَى } (القيامة: 36-40) .
الحياة البرزخية
يؤمن المسلم بأن نعيم القبر وعذابه ، وسؤال الملكين فيه حق وصدق ، للأدلة الآتية :
ِ الأدلة النقلية :
قال تعالى : { كَلَّا إöنَّهَا كَلöمَةñ هُوَ قَائöلُهَا وَمöنْ وَرَائöهöمْ بَرْزَخñ[3] إöلَى يَوْمö يُبْعَثُونَ } (المؤمنون: 100) ، وقال تعالى : { ... وَحَاقَ بöآلö فöرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابö(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشöيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخöلُوا آلَ فöرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابö} [4] (غافر: 45، 46) ، وقال تعالى : { يُثَبّöتُ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا بöالْقَوْلö الثَّابöتö فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَفöي الْآخöرَةö .. } (إبراهيم : 27) وقد ورد أن التثبيت في الحياة يكون عند سؤال الملكين في القبر ، وقال تعالى : { وَلَوْ تَرَى إöذْ الظَّالöمُونَ فöي غَمَرَاتö الْمَوْتö وَالْمَلَائöكَةُ بَاسöطُوا أَيْدöيهöمْ أَخْرöجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونö[5] } (الأنعام:93).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه ، فإنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ، فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبدالله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك في النار ، قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة، فيراهما جميعاً ، فيفسح له في قبره º وأما المنافق أو الكافر ، فيقال له : ماكنت تقول في هذا الرجل ، فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين) وقال صلى الله عليه وسلم : (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار، فيقال : هذا مقعدك ، حتى يبعثك الله يوم القيامة) .. وقال ِ عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ِ لما مر بقبرين: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، ومن عذاب النار ، ومن فتنة المحيا والممات ) وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر .
ِ الأدلة العقلية :
1 ِ الإيمان بالله ، وملائكته ، كتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، يستلزم الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه ، وكل ما يجري فيه ، لأن الكل من الغيب، فمن آمن بالبعض لزمه عقلاً الإيمان بالبعض الآخر .
2 ِ ليس عذاب القبر أو نعيمه وما يقع فيه من سؤال الملكين مما ينفيه العقل أو يجعله مستحيلاً بل العقل يقره ويشهد به .
إن النائم قد يرى الرؤيا بما يسره فيتلذذ بها ، وينعم بتأثيرها في نفسه ، الأمر الذي يحزن له أو يأسف إن هو استيقظ .. كما أنه قد يرى الرؤيا بما يكره فيستاء لها ويغتم ، الأمر الذي يجعله يحمد من أيقظه ، فهذا النعيم ، أو العذاب في النوم يجري على الروح حقيقة ، وتتأثر به ، وهو غير محسوس ، ولا مشاهد لنا ، ولا أنكره أحد، فكيف ينكر إذن عذاب القبر أو نعيمه؟
أهوال يوم القيامة
نشاهد أهوال يوم القيامة من خلال الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى : { إöذَا الشَّمْسُ كُوّöرَتْ(1)وَإöذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإöذَا الْجöبَالُ سُيّöرَتْ(3)وَإöذَا الْعöشَارُ عُطّöلَتْ(4)وَإöذَا الْوُحُوشُ حُشöرَتْ(5)وَإöذَا الْبöحَارُ سُجّöرَتْ(6)وَإöذَا النُّفُوسُ زُوّöجَتْ(7)وَإöذَا الْمَوْءُودَةُ سُئöلَتْ(8)بöأَيّö ذَنْبٍ قُتöلَتْ(9)وَإöذَا الصُّحُفُ نُشöرَتْ(10)وَإöذَا السَّمَاءُ كُشöطَتْ(11)وَإöذَا الْجَحöيمُ سُعّöرَتْ(12)وَإöذَا الْجَنَّةُ أُزْلöفَتْ}[6] (التكوير:1-13)، وقوله : { إöذَا وَقَعَتْ الْوَاقöعَةُ(1)لَيْسَ لöوَقْعَتöهَا كَاذöبَةñ(2)خَافöضَةñ رَافöعَةñ(3)إöذَا رُجَّتْ الْأَرْضُ رَجًّا(4)وَبُسَّتْ الْجöبَالُ بَسًّا(5)فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [7] (الواقعة: 1-6) ، وقوله تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إöنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةö شَيْءñ عَظöيمñ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ [8] كُلُّ مُرْضöعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتö حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بöسُكَارَى وَلَكöنَّ عَذَابَ اللَّهö شَدöيدñ } (الحج: 1 ، 2) ، وقوله تعالى : { فَإöذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ[9] يَوْمَ يَفöرُّ الْمَرْءُ مöنْ أَخöيهö(34)وَأُمّöهö وَأَبöيهö(35)وَصَاحöبَتöهö وَبَنöيهö(36)لöكُلّö امْرöئٍ مöنْهُمْ يَوْمَئöذٍ شَأْنñ يُغْنöيهö} (عبس: 33-37) إلى آخر الآيات. (يرجع في تفسير ما سبق من الآيات إلى كتب التفسير) .
الجنة والنار
ِ الجنة :
هي دار الموحدين ، ودار الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ودار الذين اتقوا ربهم، ودار عباد الله المخلصين، ودار الذين يخافون ربهم ، ودار الموفين بعهد الله إذا عاهدوا ، ودار المجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ، ودار التائبين العابدين الحامدين الساجدين ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .
وقد بين الله تفصيلاً في كتابه العزيز الجنة ونعيمها ، وأنهارها ، وأشجارها ، وثمارها ، وطعامها ، وشرابها ، وثيابها ، وحللها ومساكنها وغرفها وحورها، وذكر أن نعيمها لا يشبه نعيم الدنيا ، قال جل شأنه : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسñ مَا أُخْفöيَ لَهُمْ مöنْ قُرَّةö أَعْيُنٍ جَزَاءً بöمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (السجدة: 17) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)[10] .
ِ والنار :
هي دار الكافرين ، والمستكبرين عن طاعة الله وعبادته، وقد وصف الله وقودها ونيرانها المتأججة ، ووصف طعامها وشرابها ، ووصف عذابها بما يدخل الرعب في قلوب المجرمين وبما يخوف الله به كل متكبر جبار أثيم ، ليرتدع عما هو فيه .
وأهون أهل النار عذاباً من له نعلان ، أو شراكان من نار يغلي منهما دماغه ، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً يوم القيامة.
ومن أراد التفصيل في أوصاف الجنة والنار فعليه بمطالعة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجد فيهما الكثير الكافي .
ثمرة الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر يجعل لحياتنا غاية سامية ، وهدفاً أعلى وهذه الغاية هي فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، والتحلي بالفضائل ، والتخلي عن الرذائل الضارة بالأبدان ، والأديان ، والأغراض ، والعقول ، والأموال .
كيف يكون البعث ؟
ِ الأصول التي ركب منها الإنسان :
يتكون الإنسان من ثلاثة أشياء:
1- الأصل الذي يتناسل من آدم عليه السلام وجاء مع النطفة (البذرة).
2- التراب الذي جاء في صورة طعام ، فنمي به الأصل الذي تناسل من آدم ، وكون الجسم الآدمي .
3- الروح التي نفخت في الجنين وهو في بطن أمه .
ِ فترة الامتحان ونهايتها :
وبامتزاج هذه العناصر الثلاثة بأمر الله يوجد الإنسان الحي الذي يقضي فترة الامتحان في هذه الدنيا ، قال سبحانه : { الَّذöي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لöيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } (الملك: 2) .. فإذا جاء أجل انتهاء الامتحان ووقت الخروج إلى دار الجزاء جاء الموت ، قال تعالى : { فَإöذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخöرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدöمُونَ } (الأعراف: 34) ، وقال تعالى : { وَلَنْ يُؤَخّöرَ اللَّهُ نَفْسًا إöذَا جَاءَ أَجَلُهَا } (المنافقون: 11) .
ِ بالموت تعود الأصول إلى حالتها الأولى :
وبالموت يعود التراب الذي تكون منه الجسد ، إلى أصله ، قال تعالى : { قَدْ عَلöمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مöنْهُمْ وَعöنْدَنَا كöتَابñ حَفöيظñ } (ق: 4) ويبقى من الجسد عجب الذنب (البذرة) وهو الجزء الذي يركب الإنسان عند التكوين ، وهو شيء صغير جداً ، وهذا الجزء لا تأكله الأرض ولا يبلى قال عليه وآله الصلاة والسلام: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ، منه خلق وفيه يركب)[11] .
وأما الروح فتعود إلى حيث شاء الله إلى يوم القيامة .
ِ وعند البعث تجتمع الأجزاء الثلاثة مرة ثانية :
فإذا جاء موعد البعث ينزل الله مطراً من السماء تنبت به الأصول (البذور) أي عجب الذنب الذي لم يبل ، قال عليه وآله الصلاة والسلام : (.. ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ، وليس من الإنسان شيء إلا بلي إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة)[12] .
وشبيه بهذا ما يحدث في الدنيا ، فأنت ترى الأشجار تتحطم إذا جاء الجفاف، فلا يرى الإنسان للأشجار والنباتات أي بقية إلا البذرة التي تكون مدفونة تحت التراب، أو الأحجار ولا تراها العيون ، فإذا نزل المطر انفلقت تلك البذور وأنبتت الأشجار وسائر النباتات ، قال تعالى : { يُخْرöجُ الْحَيَّ مöنْ الْمَيّöتö وَيُخْرöجُ الْمَيّöتَ مöنْ الْحَيّö وَيُحْيö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا وَكَذَلöكَ تُخْرَجُونَ } (الروم: 19) . وقال عليه وآله الصلاة والسلام للذي سأله قائلاً : يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (أما مررت بوادي قومك جدباً ثم مررت به يهتز خضراً ؟ قال : نعم ، قال : فتلك آية الله في خلقه, كذلك يحيي الله الموتى) .
فإذا نبت عجب الذنب من التراب ، وعاد الجسد جاءت كل روح إلى جسدها ، ولذلك قال تعالى : {وَإöذَا النُّفُوسُ زُوّöجَتْ } (التكوير: 7) .
وهكذا يعود الخلق مرة ثانية كما بدأ أول مرة ، قال تعالى : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعöيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إöنَّا كُنَّا فَاعöلöينَ } (الأنبياء: 104) .
ِ الرد على المكذبين باليوم الآخر :
نكتفي في الرد على المكذبين باليوم الآخر بما رد الله عليهم بقوله : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إöنْ كُنْتُمْ فöي رَيْبٍ مöنْ الْبَعْثö فَإöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مöنْ تُرَابٍ ثُمَّ مöنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مöنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مöنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرö مُخَلَّقَةٍ لöنُبَيّöنَ لَكُمْ وَنُقöرُّ فöي الْأَرْحَامö مَا نَشَاءُ إöلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرöجُكُمْ طöفْلًا ثُمَّ لöتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمöنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمöنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إöلَى أَرْذَلö الْعُمُرö لöكَيْلَا يَعْلَمَ مöنْ بَعْدö عöلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامöدَةً فَإöذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مöنْ كُلّö زَوْجٍ بَهöيجٍ ذَلöكَ بöأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيö الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ(6)وَأَنَّ السَّاعَةَ آتöيَةñ لَا رَيْبَ فöيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فöي الْقُبُورö(7)وَمöنْ النَّاسö مَنْ يُجَادöلُ فöي اللَّهö بöغَيْرö عöلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كöتَابٍ مُنöيرٍ(8)ثَانöيَ عöطْفöهö لöيُضöلَّ عَنْ سَبöيلö اللَّهö لَهُ فöي الدُّنْيَا خöزْيñ وَنُذöيقُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö عَذَابَ الْحَرöيقö(9)ذَلöكَ بöمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بöظَلَّامٍ لöلْعَبöيدö } [13] (الحج: 5-7) وبقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الْإöنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مöنْ نُطْفَةٍ فَإöذَا هُوَ خَصöيمñ مُبöينñ(77)وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسöيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيö الْعöظَامَ وَهöيَ رَمöيمñ(78)قُلْ يُحْيöيهَا الَّذöي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بöكُلّö خَلْقٍ عَلöيمñ(79)الَّذöي جَعَلَ لَكُمْ مöنْ الشَّجَرö الْأَخْضَرö نَارًا فَإöذَا أَنْتُمْ مöنْهُ تُوقöدُونَ(80)أَوَلَيْسَ الَّذöي خَلَقَ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضَ بöقَادöرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مöثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلöيمُ(81)إöنَّمَا أَمْرُهُ إöذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذöي بöيَدöهö مَلَكُوتُ كُلّö شَيْءٍ وَإöلَيْهö تُرْجَعُونَ } [14] (يس : 77-83) وبقوله تعالى : { ق وَالْقُرْآنö الْمَجöيدö(1)بَلْ عَجöبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذöرñ مöنْهُمْ فَقَالَ الْكَافöرُونَ هَذَا شَيْءñ عَجöيبñ(2)أَئöذَا مöتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلöكَ رَجْعñ بَعöيدñ(3)قَدْ عَلöمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مöنْهُمْ وَعöنْدَنَا كöتَابñ حَفöيظñ(4)بَلْ كَذَّبُوا بöالْحَقّö لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فöي أَمْرٍ مَرöيجٍ(5)أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إöلَى السَّمَاءö فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مöنْ فُرُوجٍ } (ق:1-6) .
(97) - " لا ريب فيه " : أي لا شك فيه . "المتقين" : الذين يأتون بالوجابات ويجتنبون المحرمات والشبهات ، يتخذون ذلك وقاية من غضب الله وعذابه .
[2] - رواه البخاري ومسلم .
[3] - "برزخ" : أي حاجز فلا يرجع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون .
[4] - "حاق" : أحاط . "غدواً وعشياً" : أي صباحاً ومساءً في الدنيا .
[5] - "الهون" : الهوان الشديد والذل البالغ النهاية .
[6] - " كورت " : طويت ولفت . "انكدرت" : تساقطت وتهاوت . "سيرت" : أزيلت من أماكنها "العشار" : النوق الحوامل. "عطلت": أهملت بلا داع من شدة الهول . "حشرت" : جمعت من كل مكان . "سجرت" : أوقدت فصارت ناراً تضطرم . "زوجت" : قرنت كل نفس بشكلها. أو دخلت الأرواح في أجسامها . "الموءودة" : البنت تدفن حية . "كشطت": قلعت كما يقلع السقف. "سعرت" : أوقدت وأضرمت للكافر . "أزلفت" : قربت وأدنيت من المتقين .
- "وقعت الواقعة" : قامت القيامة بالنفخ في الصور . "خافضة رافعة" : خافضة للأشقياء بدخول النار ورافعة للسعداء بدخول الجنة. "رجت": زلزلت وحركت تحريكاً شديداً. "وبست" : فتتت فتاً . "هباء منبيثاً" : غباراً منتشراً.
[8] - " تذهل" : تغفل وتشغل لشدة الهول .
[9] - "الصاخة" : الصيحة تصم الأذن لشدتها وذلك عند النفخة الثانية من الصور .
[10] - في الصحيحين بطرق مختلفة . انظر الأحاديث القدسية ص67 .
[11] - رواه البخاري ومسلم والنسائي ، ومالك في الموطأ ، وأبو داود .
[12] - أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي .
[13] - "النطفة" : المني . "العلقة" : قطعة دم جامدة على شكل العلقة لها راس وذنب . "مضغة" : قطعة لحم قدر ما يمضغ . "مخلقة" : مستبينة الخلق مصورة . "أشدكم" : كما قوتكم وعقلكم . "أرذل العمر" : الخوف والهرم بحيث لا يعلم ولا يعقل شيئاً. "هامدة": ميتة يابسة قاحلة . "ربت" : ازدادت وانتفخت . "بهيج" : حسن نضير . "لاريب فيها" : لا شك فيها . "يبعث" : يخرج الموتى من قبورهم بأجسامهم كاملة بلحمها وعظمها وعصبها وعروقها كما بدأهم أول مرة . وهذا هو الفرق بين البعث عند اليهود والنصارى الذين يقولون ِ تحريفاً وزوراً ِ بالبعث الروحاني وبين البعث عند المسلمين الذين يعتقدون بالبعث الجسماني مع الروح.
[14] - "خصيم" : مبالغ في الخصومة بالباطل. "رميم" : بالية أشد البلاء. "ملكوت" : أي الملك كله لا يفلت من ذلك مثقال ذرة ولا أصغر.