· عريضة إلى النحاس باشا
بعد توقيع معاهدة سنة 1936 بين مصر وانجلترا، توجه مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية في ذلك الوقت وزعيم حزب الوفد لحضور مؤتمر مونترو لبحث إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.. فقد تضمنت هذه المعاهدة نصاً بإلغاء الامتيازات الأجنبية، التي كانت تخول للأجانب – انجليز وفرنسيين وإيطاليين وغيرهم من الأوروبيين – حقوقاً يتميزون بها عن الوطنيين المصريين، كان منها: أنه إذا ارتكب أحدهم جرماً فإنه لا يحاكم أمام المحاكم الوطنية حيث شكلت لهم محاكم خاصة بهم أطلق عليها اسم "المحاكم المختلطة" تميزت أحكامها بأنها كانت صورية لا يقصد منها إقامة العدل وتختلف اختلافاً كبيراً عن الأحكام التي تصدرها المحاكم الوطنية على المصريين في جرائم متشابهة.
وقبل أن يغادر النحاس باشا ميناء الإسكندرية، كان هناك وفد من شباب "الإخوان المسلمون" ليقدم له مذكرة من فضيلة المرشد، تتضمن أن إلغاء الامتيازات الأجنبية هي مرحلة وفرصة سانحة لاستقلال القضاء المصري استقلالا يبعده عن الاستمرار في جعل القوانين الغربية هي مصدره في الأحكام.. تلك القوانين التي فرضها علينا المستعمر لخدمة أهدافه في تحطيم عقيدة المسلمين، أما وقد أعطينا الفرصة للاختيار فينبغي أن نختار التشريع الإسلامي الذي ينبع من عقيدة الأمة وتاريخها المجيد، وهو تشريع مجمع عليه من جميع المسلمين وأقرته جميع المؤتمرات الدولية التي اعتبرت التشريع الإسلامي معطياً ومستجيباً لكل متطلبات التغير في المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان.
لقد كتب حسن البنا هذه المذكرة التي تحمل نصيحته لمصطفى النحاس باشا قبل سفره، لأنه كان يعرف تمام المعرفة أن مؤتمر مونترو يجمع كل أصحاب المصالح الاستعمارية في البلاد العربية والإسلامية، وأنهم لا يوافقون إطلاقاً على الحكم بالشريعة الإسلامية، وأن أول ما يهمهم في قرارات هذا المؤتمر هو استبعاد الشريعة الإسلامية عن الحكم، حيث إن هذا أمر قد تواصى به أعداء الإسلام، فضلا عن أن زعماء المسلمين وقادتهم لم يكونوا قد تحرروا بعد من الاستعمار الفكري الذي رضعوه في مدارس الاستعمار والتبشير، فقلدوا الغرب في كل شيء وصبغوا حياتنا الاجتماعية والسياسية بطابع بعيد كل البعد عن روح الإسلام ومنهجه في الحياة.
· عودة النحاس من مؤتمر مونترو..
وعاد النحاس باشا من رحلته إلى فرنسا بعد قرار إلغاء الامتيازات الأجنبية وأقام له رجال حزب الوفد حفل استقبال كبيرا في حديقة انطونيادس بالنزهة بالإسكندرية خطب فيه (رفعته) خطاباً مذاعاً نوه فيه عن مضمون الرسالة التي بعث بها إليه فضيلة الأستاذ المرشد، فقال:
"إن جماعة لا وزن لها ولا قيمة تطاب بأن يكون القرآن دستور الأمة.. والإسلام عال الجنبات وليس في حاجة إلى هذه الصيحات" أو هكذا قال.
وفي الأسبوع التالي صدرت مجلة "النذير" لسان حال "الإخوان المسلمون" بخطاب مفتوح إلى صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة وزعيم حزب الوفد ، جاء فيه:
يا صاحب المقام الرفيع..
نحن حين نكتب إلى رفعتكم هذا الخطاب لا نطلب منكم مصلحة شخصية ولا منفعة ذاتية وإنما هي النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
يا رفعة الباشا: لقد جاء في خطابكم بمناسبة إلغاء الامتيازات الأجنبية والذي انعقد في حديقة أنطونيادس بالإسكندرية، كلام يتصل بجماعتنا وكان لزاما علينا أن نرد الحق إلى نصابه، فقد قلتم إن جماعة لا وزن لها ولا قيمة تطالب بأن يكون القرآن دستور الأمة.. والإسلام عال الجنبات وليس في حاجة إلى هذه الصيحات!!
أما أن هذه الجماعة لا وزن لها ولا قيمة، فهذا أمر متروك للزمن يقول فيه كلمته، ونحن لا ندعي لأنفسنا فضلا ولا منة.. فلله وحده الفضل والمنة.
أما أننا نطالب بأن يكون القرآن دستور الأمة، فذلك ما عاهدنا الله تعالى عليه نعمل له ونجاهد في سبيله ما وسعنا الجهاد وهو مطلب شعبي يتمناه كل مسلم فضلا عن أنه عقيدة كل مسلم لا يتم إسلامه إلا به.
أما أن الإسلام عال الجنبات وليس في حاجة إلى هذه الصيحات، فإني أقول أن واقع المسلمين من وجود الاحتلال على أرضهم في كل البلاد العربية والإسلامية، فضلا عن أنهم يحكمون في بلادهم بغير شريعة ربهم، دليل على أن الإسلام في حاجة شديدة وملحة لكل صيحة، بل ولكل يد تبني صرح الإسلام من جديد.
وكيف يكون الإسلام عال الجنبات يا رفعة الباشا وقد عقدتم مؤتمركم هذا قبل صلاة المغرب وانتهى بعد صلاة العشاء فأهدرتم فريضة إسلامية على الآلاف من المسلمين الذين حضروا هذا المؤتمر وعلى رأسهم زعيم أمة تدعي الإسلام.
كيف يكون الإسلام عال الجنبات وقد خطب في المؤتمر وزير المعارف فأخطأ في أكثر الآيات القرآنية التي وردت على لسانه، وهو أكبر ممثل لواجهة أمة الإسلام.
وإني لازلت أذكر تصريح وفعتكم لمراسل إحدى الوكالات الأجنبية، حين قلت إنك معجب بلا تحفظ بكمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة.. لقد تعجبنا كيف يكون إعجابك برجل حارب الإسلام بإنهاء الخلافة وتغيير اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية ومنع الأذان باللغة العربية وإغلاق المساجد وإحالتها إلى متاحف، وأخيراً إلغاء التحاكم بالشريعة الإسلامية.
يا رفعة الباشا: يجب أن تعلم أن ضمير مصر لا يزال حياً مفعماً بالإسلام وأن الشعب المسلم لا يرتضي بغير الحكم بالقرآن شرعة وبديلا.
· مؤتمر مونترو وحفل أنطونيادس
... وكتب الأستاذ المرشد في مجلة (النذير) تحت عنوان "الإخوان بين السياسة والدين"..
أهو تدخل حزبي أم قيام بواجب إسلامي؟!..
أيها الناس تجردوا عن الغاية وافهموا الأمور على وجهها..
لا يريد كثير من الناس أن ينظروا إلى الحقائق إلا بمنظار مطموس بالغايات ملوث بالأهواء سودته الحزازات الحزبية وتكاثفت على زجاجه الضغائن الشخصية، ومادام ذلك كذلك فلن يصل هذا إلى الحق وإن كان أوضح من النهار وأضوأ من الشمس المشرقة، فالهوى والحق لا يجتمعان، والغاية والإنصاف خصمان لدودان {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: 71].
ولا يريد هذا الصنف من الناس أن يفهم أن الإسلام قد أفتى في شئون الحياة جميعاً وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح ورسم للناس فيها حدوداً إن اتبعوها فهم مسلمون صادقون وإن خرجوا عليها فهم آثمون مخالفون يقولون مالا يفعلون، وما دام الإسلام قد بين للناس نظام الحكم وقواعده، ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم في بيان شامل فاصل فإن الإسلام بهذا قد ضرب في صميم السياسية وتناول أخص خصائص رجالها وزج بأحكامه في تيارها وألزم الناس النزول على هذه الأحكام، وهل أوضح في هذا من الله تبارك وتعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: 49-50]، وما دام الإسلام قد فرض على الناس أن يجهروا بالحق وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر وألا يقروا ظالماً على ظلمه وألا يستسلموا لجائر في جوره وأن يجاهدوا أمراءهم وحكامهم وأولي الرأي منهم في سبيل إقامة موازين العدل حتى تقوم وإعلاء كلمة الله حتى ترتفع على الرؤوس وإظهار شعائر الإسلام حتى تسمو كل منار، فهو بذلك قد فرض على المسلمين جميعاً اليقظة السياسية والتدخل في شئون السياسة وأعطى الأمة حق مراقبة قوادها وزعمائها وحكامها وأمرائها وملوكها ووزرائها وأهل النفوذ والرأي فيها فما من كبير إلا والحق أكبر منه وما من ضعيف إلا وهو أقوى الناس بحقه، وهل أوضح في ذلك من قول الله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78-79]، ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" ويتردد هذا في أحاديث وآيات أكثر من أن يتسع لها كتاب.
ما دام الإسلام يقول هذا أيها الناس، فليس هناك شيء اسمه دين وآخر اسمه سياسة وهي بدعة أوروبية أراد خصومكم بها أن تفتر حماستكم للإسلام وأن يصرفوكم عن نظمه إلى نظمهم الفاسدة، وليس هناك في حقيقة الأمر إلا شيء واحد هو شريعة الله التي صلح عليها أمر الدنيا والآخرة ووضعت للناس أفضل النظم في سياسة معاشهم ومعادهم وحكمهم وقضائهم وحربهم وسلمهم وأخذهم وعطائهم {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 03].
أيها الناس: ضعوا عن أبصاركم هذه المناظير الملونة التي قدمتها لكم أوروبا وروجها عليكم ساسة هذا العصر، وانظروا إلى الإسلام بنور الله الذي هداكم إليه، فحبب إليكم الإيمان وزينة في قلوبكم، ترون ذلك جلياً وتبصرونه واضحاً وتعلمون أن الحق في جانب "الإخوان المسلمون" وأن الخطأ في نظرات الزعماء السياسيين الذين يفرقون بين السياسة والدين.
وبعد...
أيها الناس.. فقد اختلفت أحكامكم على الإخوان وكتابات الإخوان في هذه الصحيفة وذهبتم فيها كل مذهب وجافيتم الصواب كثيراً وحكمتم بأهوائكم لا بحقيقة الأمر والمسألة أبسط من ذلك وأهون مما تظنون.
كتب الإخوان ينتقدون رجال الحكومة الحاضرة نقداً مراً لاذعاً أليما فيه صراحة وفيه وضوح وفيه حساب عسير وفيه مؤاخذة شديدة.. نقدوا وزير الخارجية في حفل البعثة الإيرانية وما كان فيه من خمر ورقص وعبث ولهو بأموال الفلاحين بما يخالف أوامر الدين.. ونقدوا وزير الداخلية السابق في سفره ظهر الجمعة وتركه أداء فريضتها مع منشورة للمديرين والمحافظين ورجال الإدارة بوجوب مشاركة المسلمين في أداء هذه الفريضة المقدسة.. ونقدوا وزير المالية الحالي والنائب العام في حضور ميادين السباق والمراهنة على الخيل وهي بوضعها الحاضر قمار صريح لا شك فيه، ونقدوا رئيس الوزراء في تصريحه الخاص بقضية فلسطين وفي إعجابه بفرسان المغاربة يزينون ميادين فرنسا وهم سلالة الأشاوس الفاتحين من أبطال الموحدين.. كتبوا في كل هذا وسوف لا تقف هذه الأقلام عن هذا النقد أو هذا النصح ما وجدت إليه سبيلا ولن تقف في سبيلها عقوبة أو محاكمة فنحن نرتل دائماً قول الرسول: "إن أعظم كلمة حق عند سلطان جائر"، فلماذا تأولتم أيها الناس كلماتنا هذه ونظرتم إليها من خلال غايتكم، وغفلتم عن الدافع الحقيقي لها؟.. فأما الحكوميون منكم فقالوا في أنفسهم وفي مجتمعاتهم: وفديون نحاسيون مهرجون مأجورون لا يرضيهم شيء ولا يعترفون بمحمدة كل همهم خصومة الحكومة وعداوة الحكومة والنيل من الحكومة ورجال الحكومة، وقال الوفديون وأنصارهم: إن الحكومة لم تغدق على هؤلاء القوم من الإعانات المادية ولم تعطهم من المصروفات السرية ولم تحقق لهم مطالب شخصية فهم لهذا يحملون عليها وينتقدون رجالها ويشهرون بأعمالها وهو انتصار للوفد مبين.
وكتب الإخوان مع الكلمات السابقة ينقدون رفعة النحاس باشا في تصريحه عن الحدود الإسلامية وينددون بموقفه من التشريع الإسلامي ويعيبون على المؤتمر الوفدي إصاعته لصلاة المغرب ويطالبون الوفد بالحرص على شعائر الإسلام، فانعكست الآية وانقلبت التهمة وفرح الحكوميون واغتاظ الوفديون وأصدروا على العدد الواحد من أعداد مجلة (النذير) حكمين متناقضين، فهو العدد بعينه ومن يكتب فيه وفدي وحكومي وماهري ونحاسي ومؤيد ومعارض، كل ذلك في وقت واحد.. هذه الأحكام المتناقضة كلها خاطئة، وإنما جر الناس إليها أمر واحد هو أنهم لا ينظرون إلى الأمور إلا من وراء الأفكار الحزبية، الحق أيها الناس أننا حين ننقد الحكومة أو الوفد لا نكره أحداً منهما ولا نعتبر هذا النقد معارضة إلا في هذا العمل الذي نقدناه، وحين نؤيد واحداً منهما ونثني على عمل حميد صدر منه، معنى هذا أننا معه أو مؤيدوه في هذا العمل وحده ونحن على استعداد لأن نؤيد اليوم من نقدناه بالأمس إذا أحسن وأجاد وأن ننقد اليوم من أيدناه بالأمس إذا اعوج والتوى وليس ذلك بتلون منا ولا نفاق، ولكنه نزول على حكم الحق أينما كان، وليس هذا أيها الناس تدخل حزبي أو كيد سياسي، ولكنه أداء واجب ديني فرضه الله: هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل آن أن نتفهم معاً هذه الحقيقة فنتعاون جميعاً على أن نرى الحق حقاً ونتبعه والباطل باطلا فنتجنبه ونحاربه.. ذلك ما نريد أن يفهمه الناس عنا ويحملوا عليه كتاباتنا، ولنا عود إلى هذا الموضوع.
حسن البنا
· زيارة وزراء حكومة الوفد للمركز العام "للإخوان المسلمون":
في مساء الأحد 12 من جمادى الأولى الموافق 16 من مايو سنة 1943 تفضل بزيارة دار المركز العام أصحاب المعالي فؤاد سراج الدين باشا وزير الزراعة وعبد الحميد عبد الحق وزير الشئون الاجتماعية وأحمد حمزة بك وزير التموين ومحمود سليمان غانم وزير التجارة والصناعة وسعادة صلاح الدين بك، سكرتير عام مجلس الوزراء، وبعض حضرات الشيوخ النواب المحترمين، يتقدمهم سعادة عبد الحميد الوكيل بك ومحمود عبد اللطيف بك، وكان بين زوار الدار في هذه الليلة سعادة محمود زكي خبير مصر الاقتصادي في السودان يرافقه حضرات إخواننا طلاب الحقوق السودانيين.
وعلى مائدة شاي بسيطة على سطح الدار جهزت بمكبرات الصوت، وأوصلت كلمات الخطباء إلى ألوف الحاضرين من الإخوان وأهالي الحي، وكانت فرق الجوالة تقف على جانبي الطريق لتحية الضيوف والمحافظة على النظام.
وأجتزئ هنا بعض كلمات الضيوف الكرام.
وقد تجلت صفة التواضع في وقفة وزير الزراعة عندما قال: (إنه يعتبر نفسه من الآن جندياً في جيش الإخوان الجرار).
وقال وزير الشئون الاجتماعية: (إنه يعتقد أن دعوة الإخوان سيكون لها شأن عظيم في المستقبل حيث سيلتقي عندها الجميع، وتكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الشعب المصري).
وقد ذكر حضرات أصحاب المعالي الوزراء ما قامت به الحكومة من مناصرة الفكرة الإسلامية، وتحقيق كثير مما يطالب به الإسلام ويعمل له الإخوان المسلمون كإلغاء البغاء والشروع في تنظيم الزكاة ومناصرة اللغة العربية لغة القرآن الكريم وتحريم تعاطي الخمور في أيام المواسم والأعياد الإسلامية.
وباختصار شديد أذكر من كلمات الأستاذ المرشد:
حضرات أصحاب المعالي والسعادة.. حضرات السادة الفضلاء والإخوة الأحبة جميعاً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فهي ساعة طيبة كريمة تلك الساعة التي تفضلتم فيها بزيارة دار الإخوان، فأسعدتمونا بلقائكم وآنستمونا بتشريفكم، فشكر الله لكم وجزاكم عنا خيراً.
وكانت مفاجأة سارة أن يزورنا كذلك هؤلاء الإخوة الكرام من طلبة الحقوق بالسودان، أولئك الذين انتقلوا من وطنهم الجنوبي إلى وطنهم الشمالي وخرجوا من دارهم إلى دارهم في سبيل التزود من العلم وتوثيق روابط الأخوة والحب..
وليس هذا أيها السادة بأول جميل تسدونه لهذه الدار ومنها الذين فيها، فقد أراد الله أن يمتحن الإخوان ليظهر مبلغ حكمتهم وحسن تقديرهم للظروف وعلاجهم للحوادث وليسلك بهم في ذلك الامتحان مسالك أهل الدعوات والإيمان من قبل {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 2-3].. فوجدنا من حضراتكم حين المحنة جميل المشاركة في العاطفة وحسن المساعدة والمعاونة على تصفية الجو ومناصرة الحق، حتى عادت المياه إلى مجاريها بفضل جهودكم الموفقة.. واتقشعت الغشاوة وظهر وجه البراءة مشرقاً، وتلك سنة الله ألا يقوم الباطل إلا في غفلة الحق {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18]، وإن من الوفاء أن أذكر في هذا الموقف رجلاً جليلاً وقف إلى جانب الإخوان حين المحنة موقفاً كريماً، وكان له في الدفاع عن دعوتهم أثر مشكور ونصيب موفور، ذلك هو سعادة عبد الواحد الوكيل باشا رحمه الله وتغمده برضوانه.
وليست هذه المواقف إلى جانب الإخوان ودعوتهم غريبة منكم، لأن هذه الدعوة ليست بعيدة عنكم، فدار الإخوان بأبي قرقاص هي دار معالي وزير الشئون الاجتماعية بالذات وأسركم الكريمة وآلكم الأفاضل هم الذين يشجعون هذه الدعوة في البلدان والأقاليم، فليس من العجيب بعد ذلك أن تسعد بكم دار الإخوان لأنكم جميعاً من الإخوان وتدفعني هذه الصلة بين حضراتكم وبين الدعوة إلى أن أتبسط قليلاً في الحديث عن غاية الإخوان ووسائلهم وخصائص دعوتهم..
وبعد أن مضى فضيلته في شرح أهداف الإخوان ووسائلهم، قال:
ومن خصائص هذه الدعوة أنها منذ نشأت وقد مضى عليها الآن خمس عشرة سنة عاصرت فيها مختلف الهيئات والحكومات لم تنحدر يوماً من الأيام إلى المزالق السياسية ولم تتلون بالألوان الحزبية ولم تتورط في المنافع الشخصية ولم تخضع لهيمنة عظيم من العظماء أو سلطان وجيه من الوجهاء ولم تعمل ساعة من نهار لحساب شخص أو هيئة أو حزب أو دولة، لأنها صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ودعوة الإسلام وهل أقدس منها دعوة؟!
وهداية الله للناس أجمعين لم تنفرد بها أمة دون أمة {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} [الفرقان: 01]، وهي ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أكرم على الله وعلى القائمين بها من أن تكون وسيلة لمغنم حزبي أو تورط سياسي أو استغلال شخصي {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33].
ولقد قام الإخوان المسلمون بدعوتهم معتمدين بعد الله وحده على أنفسهم وجهودهم لا يتوجهون إلى بوحي من ضمائرهم ولا ينفقون إلا من ذات يدهم ولا يستمدون من أحد عوناً إلا الله {وكفي بالله ولياً وكفي بالله نصيراً} [النساء: 45]، وهم يعتقدون أن ذلك سر نجاحهم، به متمسكون وعليه ثابتون إن شاء الله {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويñ عزيز} [الحج: 40].
وكان مما يظن بعض الناس أن "الإخوان المسلمون" فكرة موضوعة وهيئة مصنوعة صنعتها أيد وأهواء لتنال من الوفد أو من غيره فتنتصر لحزب على حزب أو تظاهر قوماً على قوم، وذلك وهم لا أصل له وباطل لا خير فيه {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23]، {وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} [النجم: 28]، فالإخوان المسلمون ليسوا حزبيين ولن يكونوا كذلك بل هم دعاة وحدة وسلام وصفاء ووئام يجمعون ولا يفرقون ويبنون ولا يهدمون ويودون من أعماق قلوبهم أن تجمع كلمة العالمين من أبناء هذا الوطن العزيز على ما فيه من خيره وهناءته ويشير إلى ذلك قانونهم الأساسي.
وهم بعد ذلك يأملون من الوفد، وهو الهيئة التأسيسية والسياسية الكبرى، ومن رفعة رئيسه الجليل، وهو الرجل المسلم الغيور على دينه – المؤدي لفرائضه، أن يكون عونا للإخوان على أداء رسالتهم وتحقيق غايتهم فيقدم للمجتمع المصري خدمة جلي يكتب له أجرها ويسجل له أثرها {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره} [الزلزلة: 07]..
وكلمة ختامية أتوجه بها إلى حضرات أصحاب المعالي الوزراء خاصة وإلى أولياء الأمور عامة بعاطفة الوطني لا بلسان السياسي، وهي النصيحة الواجبة لا معدى عنها ولا مناص منها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".
أيها السادة الوزراء..
إنكم أولياء الأمر ورعاة الشعب وأنتم المسئولون بين يدي الله عما استودعكم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) في أيديكم سلطات واسعة لا يحجزكم شيء عن استخدامها والانتفاع بها في خير هذا الشعب، إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن، فاقدروا هذه التبعة وإنها لعظيمة، واستخدموا هذه السلطات في محاربة المنكرات الفاشية وعلاج الآفات الكثيرة والقضاء على المعاصي والآثام المنتشرة، وتقربوا إلى الله بمناصرة المعروف وتغيير المنكر وصالح العمل {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281].
· من مدرس الخط إلى الرئيس الجليل
وجه فضيلة المرشد خطاباً إلى زعيم حزب الوفد يشكره وأعضاء حزبه على تقريرهم مساعدة إخواننا الأبطال المجاهدين عرب فلسطين في ذلك الوقت، وأيضاً على دعوتهم ممثلي الشعوب المظلومة إلى حضور مؤتمر الحزب.
في هذا الخطاب ذكّر فضيلة المرشد الزعيم بموقفه من الإسلام وتهاون أعضاء حزبه في واجباتهم الإسلامية وإهمالهم إحياء شرائع الإسلام لحساب ما يسمونه "الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة".. في هذا الخطاب قام فضيلته بكشف أبعاد تصريح الرئيس لمكاتب شركة الأنباء الأناضولية ودلالات إعجابه بكمال أتاتورك التي تعني أن الوفد يشجع اللادينية، فقال: (.. هذا التصريح ليس تصريحاً أجوف وليس تصريحاً يصدر هكذا عن مجاملة أو عن غير روية سابقة وإنما فكرة مستقرة تريد أن تبرز إلى حيز الوجود في الوقت المناسب حين تتهيأ لها الظروف وإن سبق اللسان فأظهر مكنون الضمير، فأنتم تسجلون في هذا التصريح أن هناك شيئاً اسمه الدولة الحديثة، وهي التي فهمها كمال أتاتورك وشكل على غرارها (دولة في تركيا، وتسجلون في هذا التصريح كذلك أن هذه الدولة هي التي تستطيع وحدها في الأحوال العالمية أن تعيش وتنمو، ومعلوم أن أتاتورك في دولته الحديثة قد تجرد من كل المظاهر الإسلامية، فكأنكم في هذا تعلنون في صراحة أن مصر لا تستطيع أن تعيش وأن تنمو في الأحوال العالمية الحاضرة إلا إذا تجردت هي الأخرى من كل مظاهر الإسلام كما فعلت تركيا، وكأن هذا هو عنوان منهاجكم ومحور الإصلاح الذي تريدون لهذا الوطن بعد الانتهاء من قضاياه الخارجية، ولست رجلاً من آحاد الناس بل أنتم زعيم يؤول إليه الحكم وتلقى إليه مقاليد الأمة.
.. هذا التصريح دليل مادي بين يدي الناس الذين يرون أن الوفد يعمل على سياسة إن لم تكن تناوئ الإسلام فهي على الأقل لا تستمد منه ولا تعنى بشأنه ويسرها أن تتخلص من تبعاته.
ومما جاء في هذا الخطاب قول فضيلته:
(الآن وقد فكرتم في الاتجاه إلى الناحية الإسلامية العربية فأصدرتم قراركم بخصوص فلسطين الباسلة وبخصوص دعوة ممثلي الأمم الشرقية.
الآن والأمر كذلك، فهل لنا أن نأخذ من هذا أن الوفد جاد في تعديل موقفه الماضي من الإسلام، أم لا زالت هذه المظاهرات مناورات سياسية اقتضتها الظروف والحوادث يراد بها الانتصار السياسي على خصوم الوفد والعودة إلى قيادة الرأي العام ثم إلى الحكم، حتى إذا تم ذلك عاد سيرته الأولى من الإغضاء والتجاهل والإهمال لكل إصلاح يمت بصلة إلى الإسلام.. ثق يا باشا بأنه إذا كانت هذه هي الغاية فإن الله لا يؤيد إلا من أخلص له وصدق توجهه إليه ولن ينال الوفد شيئاً مما يفكر فيه أو يتطلع إليه فإن الله أشد غيرة على دينه من أن يكون سلماً للمطامع ومطية للأهواء والشهوات وإن كانت الأولى فندع الماضي جانباً ولننسه بخيره وشره ولنضع منهاجاً للمستقبل فذلك هو الذي يعني الأمة ويؤدي إلى النجاح وليكن هذا المنهاج مرتكزاً على قواعد الإسلام مستمداً من تعاليمه السامية وأصوله النبيلة الدقيقة، ولذلك – إن صح العزم عليه – علامات ودلائل نطالبكم بها ونحاسبكم عليها فلا قيمة لدعوى بغير دليل وبرهان، ومن هذه الدلائل:
- أولاً: أن يكون أعضاء الوفد والهيئة الوفدية وعلى رأسهم رفعتكم نماذج صالحة للاستمساك بالإسلام في أنفسهم وبيوتهم وكل مظاهر حياتهم، فيؤدون الفرائض ويؤمون المساجد ويمتنعون عن غشيان الأندية الفاجرة والذهاب إلى الصالات الخليعة ويصدرون عن هذه المسالك في تصرفاتهم العامة والخاصة وتزدان اجتماعات الوفد ومؤتمرات الوفد بملاحظة الأوقات وأداء الصلوات، وينبه على ذلك تنبيهاً جاداً في كل اللجان الوفدية صغيرة أو كبيرة ويراقب أعضاؤها في هذا ويؤخذون به، على أن القدوة الحسنة من جانبكم وجانب أعضاء الوفد البارزين فيها الكفاية في التأثير وحمل الأنصار على انتهاج هذه الخطة القومية والتمسك بآداب الإسلام وشعائره ومظاهره.
- ثانياً: أن يعلن الوفد منهاجه الإصلاحي مستمداً من قواعد الإسلام متضمناً لما يأتي:
1- العناية بإصلاح التشريع وتوحيد المحكمة المصرية في ظل الشريعة الإسلامية.
2- العناية بإصلاح التعليم وتوحيد المدرسة المصرية في ظل الشريعة الإسلامية كذلك.
3- العناية بتجنيد القادرين في الأمة جميعاً تجنيداً تطوعياً لا يكلف الحكومة شيئاً باسم الواجب الديني المفروض على كل مسلم، واجب الجهاد المقدس الذي يدوي به النفير العام في قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41].
4- محاربة الموبقات التي يحرمها الله والتي أفسدت أخلاقنا وهددت مجتمعنا والقضاء عليها قضاء تاماً كالبغاء والقمار والخمور والتهتك والمراقص والصالات والأندية الداعرة، إلخ، وأخذ كل خارج عن أدب الإسلام بالعقوبة الرادعة.
5- العناية بمشروعات الإصلاح الاقتصادي والاستعانة في تحقيق ذلك بتنظيم الزكاة جباية ومصرفاً.
6- مقاومة روح التقليد الأوروبي وتعويد الشعب الاعتزاز بكرامته وقوميته.
7- العناية بإصلاح الإدارة والأسرة والقرية وتطهير ذلك كله من كل ما يتنافى مع أدب الإسلام وتعاليمه.
8- العناية بالسياسة الخارجية التي تربط مصر بغيرها من الأمم الإسلامية والعربية تمهيداً لعودة "الخلافة" وتوكيداً للوحدة التي فرضها الإسلام.
9- دعوة خصوم الوفد السياسيين إلى انتهاج هذا المنهج وبذلك يقضي على الحزبية السياسية.
هذه نماذج مما يجب أن يعلنه الوفد في منهاجه الجديد على الأمة، لم نقصد بإيرادها الاستقراء التام ولا الاستقصاء الكامل ولكن نسوقها كأمثلة مما يجب أن يكون.
· جريمة منكرة:
وفي 24 من ربيع الأول سنة 1367 هِ (1947 م).
دبرت عناصر حزبية مشئومة جريمة بشعة هي في سجل الحزبية والأحزاب السياسية في مصر أمر ليس بالغريب، ففي مدرسة شبين الكوم الثانوية وجدت العناصر الحزبية أن الطلاب قد بدأوا ينحازون إلى صف الحركة الإسلامية بدافع الفطرة التي تبحث عن الخير فتتجه إليه وتحس الخبيث فتنصرف عنه.
وعز على الأحزاب يومها أن تطوى صفحتها بين الطلاب وجماهيرهم بعد أن جرى الإسلام في عروق الحركة الطلابية فأيقظ وجدانها ضميرها فدبرت عناصر من تلك الأحزاب جريمتها بأحد النوادي الخاصة بها في مدينة شبين الكوم ليلاً، ونفذتها في مدرسة شبين الكوم الثانوية نهاراً، وكانت المناسبة التي اختارتها العناصر الحزبية لتنفيذ مؤامرتها هي ذكرى المولد النبوي.
لقد قامت هذه العناصر الحزبية المجرمة باغتيال الطالب صادق سعد مرعي، حيث التف طلاب المدرسة حول الفكرة الإسلامية وأقاموا احتفالاً بذكرى المولد الشريف لم يجد الحزبيون لهم فيه مجالاً فأعماهم الحقد والنزق عن السبيل السوي، فعبروا عما في نفوسهم المظلمة في حزبية منحرفة ضلت طريقها بخنجر أغمدوه في صدر الطالب الشهيد.
وكتبت جريدة "الإخوان" تقول:
(ليس اغتيال صادق سعد مرعي يوم السبت الماضي بتلك الطعنة الآثمة التي سددها إلى قلبه وكيل إحدى اللجان الحزبية بمدرسة شبين الكوم الثانوية إلا ثمرة من ثمار الحنظل التي نجنيها من شجرة الحزبية البغيضة القاتلة منذ قامت في مصر هذه الأحزاب.. ومن الخير لهذه الأمة أن تتجرع كأس الحقيقة وإن كان مراً من أن تتمادى في تجاهل هذا الداء، فما زال سبيل الخلاص في يدها..
لقد حمل الشهيد إخوانه الطلاب والأهالي على الأعناق إلى بلدته ميت موسى في مشهد رهيب حيث قر في مثواه الأخير وشيعوه بالعبرات المسفوحة ورثوه بسيرته العطرة، فقد كان زهرة شباب المدرسة وألمعهم نجماً، أنضر ما يكون فتوة وشباباً وأقوى ما يكون وطنية وإيماناً وأكمل ما يكون خلقاً وديناً.. وتبادل الناس فيه العزاء وكلهم في الخطب سواء.. ومع ذلك فما بقي عن الحادث الأسيف في قلب مصر، وما تخلف عنه في نفس كل مصري أكبر من أن يزول بالدموع والألم أو ينسى مع الأحداث والأيام، وإن ما شهدناه بأعيننا ولمسناه بأنفسنا في شبين الكوم وفي بلد الفقيد وعند كل من بلغه الخبر من الحزن البالغ على الشهيد العزيز والثورة الصارخة على هؤلاء الآثمين الذين حاكوا المؤامرة في ناديهم وسخروا لها الأدوات من الشباب المضلل لم يردعهم عن ذلك مخافة حساب من دين أو قانون، وحديث الناس في كل مكان عن هذا الحادث وبواعثه وعن مدبريه وحزبهم، كل ذلك جعل الأمر أخطر وأجل من أن يعالج بالاكتفاء بتقديم عنق القاتل للمقصلة في الوقت الذي يعلم الجميع فيه أن المسئول عن هذا التوجيه وذلك التدبير هم المسئولون عن الحزب الذين أعمتهم شهوة الحكم عن المصلحة العامة وأحلت لهم ما حرمه الله من قتل أنفس الأبرياء بدافع الحقد على الآمنين العاملين لدعوة الله ورسوله ما داموا لا يعملون لدعوة زعيم أو حزب كأنما هي أمة الطاغوت لا أمة الإسلام..
لقد كان الناس يتساءلون: أحقاً هي يد مصرية تلك التي سددت الطعنة إلى قلب مصري؟ وهل هو توجيه إسلامي ذلك التوجيه الذي استعمل الاغتيال وتدبير هذه المؤامرات؟
.. فكان الجواب الذي لا يتغير: بل هي يد حزبية عمياء، لا يحكمها وطن أو دين).
وكتب فضيلة المرشد نداءه إلى الإخوان الطلاب يذكرهم برسالتهم وبضرورة الارتفاع عن مهاترات الأحزاب ووسائلها ومؤامراتها.. كتب رحمه الله يقول:
السلام عليكم ورحمة الله، وبعد:
فالآن وقد انتهت إجازتكم وعدتم إلى معاهدكم، أجب أن أتقدم إليكم بالوصية، بعد جميل العزاء في شهيدنا المبرور وفقيدنا العزيز الطالب النجيب صادق سعد مرعي، عوضنا الله فيه الخير وأجزل له ولأسرته الكريمة لنا أجر الصبر، آمين.. فأوصيكم بثلاث فاذكروها دائماً:
1- أنكم في دور العلم ومعاهده طلاب قبل أن تكونوا منتسبين إلى أحزاب أو هيئات.. أنكم أسرة واحدة تجمعها كرامة العلم وقدسية الزمالة واحفظوا على أنفسكم وحدتها واحذروا كل فتنة، وأعرضوا عن اللغو ولا تشغلوا أنفسكم إلا بالدافع المفيد.
2- ولا تنسوا أبداً أن خير ما تكسبونه لأنفسكم وتعتدون به لأمتكم في هذه المرحلة من حياتكم أن تنهلوا من العلم الذي بين أيديكم وأن تستزيدوا منه ما وسعتكم الاستزادة ولا يكن قصارى همكم أن تجتازوا امتحاناً، ولكن اجعلوا همكم أن تملأوا قلوبكم ورءوسكم بما يقيم مجد هذه الأمة على أساس متين.
3- والثالثة يا شباب أن تكونوا أمناء على الدور الذي تحملونه في قلوبكم وعلى معادن الخير التي أقرتها يد الله في حنايا ضلوعكم واعلموا أن الأمل فيكم بقدر ما تحفظون من أخلاقكم وليكن جهادكم لأنفسكم أول شعيرة ترضون بها ربكم وتعززون بها أوطانكم، فوالله ما أودي بهذا الوطن العظيم سلاح ولا رهبة إلا هذا الصغار في الخلق والعبث الضمائر والدنس في النفوس الرخيصة.
أما أنتم يا طلاب شبين الكوم فوصيتي لكم خاصة أن تحتسبوا فقيدكم الكريم لله عز وجل أن تتركوا للقضاء ما يعن له من الحكم الرادع إن شاء الله، وأن يكون استشهاد فقيدكم العزيز عبرة تلمون بها شملكم وتقطعون بها الطريق على فتنة يراد بها التفريق بين صفوفكم عما أنتم بسبيله من طلب العلم والتفرغ لها.. هذه وصيتي أزجيها إليكم، وكلي فيكم أمل وثقة، والله على قلوبكم نعم الخليفة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
· انتهاك حرمة المسجد:
عقد الإخوان المسلمون مؤتمراً شعبياً بالقاهرة لمناصرة القضية الوطنية وتلاه مؤتمر آخر بالإسكندرية.. وبعد انتهاء هذا المؤتمر دعا الإخوان بدمنهور فضيلة المرشد لكي يخطب ويصلي بهم الجمعة في مسجد الزرقا، وحاول فضيلته الاعتذار نظرا للظروف والمشاكل التي بين الإخوان في دمنهور وبعض الوفديين، ولكن الإخوان أصروا على تلبية دعوتهم، فاستجاب لرغبتهم.
وغادر فضيلة المرشد وصحبه الإسكندرية إلى دمنهور، وعند المسجد كان المشهد مثيرا حيث حاصرت قوات الأمن المسجد من كل مكان، ودخل الأستاذ المرشد مع نهاية الأذان، وفوجئنا بمعركة بين الإخوان والوفديين بالأيدي وسط جلبة من الهتافات، وجرفت موجة الغضب الإخوان ولم يقدروا خطورة الموقف وما يترتب على ذلك من مخاطر على حياة فضيلة المرشد في هذا الزحام الذي يختلط فيه الحابل بالنابل ومن نعرف بمن لا نعرف.
ولكن الأستاذ المرشد لم ينتظر، فقد صعد المنبر في الحال وصاح بأعلى صوته:
(يا أبناء الإسلام.. يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.. يا من جئتم لعبادة الله وحده..)
وظل الأستاذ ينادي بمثل هذه المعاني إلى أن جلس الناس جميعاً، وهدأت الثائرة وخيم الصمت الرهيب على الجميع، ثم بدأ يخطب الجمعة محلقاً بالمصلين في سماء الحب والأخوة في الله تعالى، وتناول كيف وحد الإسلام بين الأوس والخزرج وبين الأبيض والأسود وبين العربي والعجمي، واستشهد بآيات القرآن وأحاديث الرسول صلوات الله عليه وسلامه حتى تجاوبت القلوب ودمعت العيون..
وبعد أداء صلاة الجمعة أسرع فضيلته إلى إلقاء كلمة أخرى، حتى لا يدع فرصة للشقاق والخلاف واستمر حديثه أكثر من ساعة حتى انفض الناس في هدوء، وخرجوا من المسجد وقد ظهر عليهم الألم والحزن إذ أوقع بينهم الشيطان وألقى بينهم العداوة والبغضاء..
وهكذا استطاع الأستاذ المرشد بما ألهمه الله وبما وهبه من قوة العزيمة وسرعة الحركة والمبادرة أن ينقذ الموقف ويملك زمامه ويرد إلى الجماهير رشدها ووعيها دون أن يشير في خطبته إلى أي اتهام أو تجريح أو مفاضلة، ولكن رد الناس جميعاً إلى أصل عقيدتهم التي منّ الله عليهم بها حيث يقول: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [آل عمران: 103].
· جرائمهم في بورسعيد:
ولم تمض شهور على هذا الحادث، حتى سافر الأستاذ المرشد إلى مدينة بورسعيد، فاستقبله الإخوان هناك ومعهم فرق الجوالة استقبالا شعبياً كريماً، وبينما كان موكب الجوالة يشق طريقه في قلب المدينة إذا بشباب حزب الوفد يهاجم الإخوان ويقذفهم بالحجارة ويصطدم بهم في معركة، ولم يقنع هؤلاء الأغراء من شباب هذا الحزب بهذا الذي فعلوه ولكنهم تمادوا في نزقهم وطيشهم فتوجهوا إلى دار الإخوان وحطموا زجاج نوافذها وأتلفوا أثاثها، وحضر مدير الأمن وسيطر على الموقف وطلب من فضيلة المرشد أن يساعده على ذلك، فأخبره الأستاذ بأنه قد أمر الإخوان أن يلتزموا الهدوء والسكينة، وأنه شخصياً قد اعتزم السفر إلى القاهرة وسوف يوفد بعض الإخوان لتصفية الجو بين الإخوان والوفد..
وغادر فضيلته بورسعيد، ولم يلبث أن أوفد الأستاذ عمر التلمساني وفوضه في تصفية الجو.. وفي بورسعيد قابل الأستاذ عمر – رحمه الله – مدير الأمن الذي أدهشه كيف أن الإخوان وهم المعتدى عليهم يسعون للصلح مع اللجنة الوفدية، فرحب بهذه السماحة، وعقد الإخوان في دار اللجنة الوفدية اجتماعاً للمصالحة وعندما أراد العقلاء، من اللجنة الوفدية الذهاب إلى دار الإخوان لرد الزيارة اعترض على ذلك زعماء الحزب، ولكن برغم هذا الاعتراض ذهب وفد منهم إلى دار الإخوان واستقبلوا هناك بها أكرم استقبال، ومع هذا هاجم بعض شباب الوفد دار الإخوان وقت وجود وفدهم ضيوفاً على الإخوان، فتجاهل الإخوان هذه الحماقات ولم يلتفتوا إليها، وانتهت الفتنة وقضي عليها في مهدها، ونسي الإخوان والوفديون في بورسعيد هذا الحادث.
وتمضي شهور ثم تندلع الحرب في فلسطين عام 1948، واشترك الإخوان في المعارك بكتيبتين من شبابهم.. كتيبة قادها فضيلة المرشد إلى غزة عن طريق القنطرة شرق والعريش، وكتيبة أخرى تحركت إلى القدس بعد إتمام تدريبها في معسكر قطنا بسوريا.
وكان من المقرر ترحيل الكتيبة الثانية من ميناء الإسكندرية ولكن الأستاذ المرشد رأى ترحيلها عن طريق بورسعيد فأرسل إلى الأخ الحاج أحمد المصري كي يستعد لاستقبال الكتيبة لتوديعها إلى سوريا بكل ما تحمله من سلاح وعتاد ومؤن بالسفن من ميناء بورسعيد.
وانتقل فضيلة المرشد إلى بورسعيد قبل أن تصل الكتيبة، وحين وصلت كان في استقبالها جوالة الإخوان هناك بالموسيقى والأناشيد الحماسية، واستيقظت بورسعيد على هذا المشهد الرائع المثير الذي ألهب العواطف وأشعل جذوة الحماس في النفوس والقلوب.
ووقف حسن البنا وسط الجموع المحتشدة من أهل بورسعيد، ليقول كلمات قلائل: ذات معاني جمة:
(أيها الناس.. أتذكرون يوما في العام الماضي، كنا فيه في مثل هذا الاستعراض، ودون أسباب ولا مبررات هوجمنا وحطمت دارنا بلا ذنب ولا جريرة.. أتذكرون هذا اليوم؟
إن "الإخوان المسلمون" أبعد نظراً من أن تستفزهم هذه المعارك الجانبية، لأنهم أحرص على دماء بني دينهم ووطنهم أن تذهب في سبيل المطامع والأهواء.. في سبيل الزعامات التي لا تتقي ربها في أرواح أبناء وطنها، ولقد كان بوسع الإخوان أن يردوا على هذا الاعتداء بمثله، ولكن الخسارة ستكون علينا جميعاً فنحن مهما اختلفنا في الرأي فإننا بنو دين واحد نعيش في مجتمع واحد في وطن واحد، لهذا آثر الإخوان المسلمون الحكمة وادخروا جهودهم وجهادهم لقتال أعداء الإسلام، وها هم جنود الإسلام يتحركون على بركة الله إلى فلسطين {فليقاتل في سبيل الله الذي يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74]، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26].. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
وتعالت الهتافات وازداد الحماس وتحركت الكتيبة وسط مظاهرة من عامة الشعب إلى ميناء بورسعيد، وعاد الأستاذ المرشد إلى القاهرة ليصرف شئون دعوته، ثم ينتقل إلى دمشق ليلحق بهذه الكتيبة ويستقبلها هناك مع الإخوان بسوريا يرافقه الدكتور مصطفى السباعي – رحمه الله – مراقب الإخوان هناك، وكانت هذه أول مرة يزور فيها الإمام البنا سوريا.
· السعديون والاعتداء على المصحف الشريف:
قام الإخوان بالقاهرة سنة 1947 بعمل استعراض لفرق الجوالة بحي الدرب الأحمر، وبينما هذه الفرق تجول الشوارع يتقدمها أحد الإخوان حاملا على يديه "المصحف الشريف"، إذ تصدى للجوالة رجال الشرطة وعلى رأسهم مأمور قسم شرطة الدرب الأحمر، وقد أدى هذا الاشتباك إلى سقوط "المصحف الشريف" على الأرض فثار الإخوان وهاج معهم الأهالي الذين أثارتهم هذه الفعلة النكراء..
وكادت تحدث فتنة لولا وجود الأخ الأستاذ سعد الدين الوليلي الذي عمل بكل جهده على إطفاء نيران هذه الثورة في النفوس، في الوقت الذي اضطلع اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة بإنقاذ الموقف، وكان من الصعب جداً تهدئة الجو حيث اعتبر الإخوان ومعهم عامة الناس أن هذا الحادث فيه إهانة بالغة لكتاب الله تعالى وامتهان لقداسته، وذهب اللواء سليم زكي إلى دار المركز العام للإخوان القريب من الحادث والتقى بالأستاذ المرشد واعتذر له، ولكن الأستاذ البنا احتج على هذا الحادث المثير والذي لولا حكمة شباب الإخوان لأدى إلى أسوأ العواقب.. وهدأ فضيلة المرشد من ثائرة الإخوان ووعدهم بأنه سوف يرد على هذا الموقف بما يتناسب مع حكمة الإخوان وجلال دعوتهم.
وفي مثل هذا اليوم وفي نفس الوقت من الأسبوع التالي خرجت جوالة الإخوان بعدد كبير يضاعف العدد السابق تتقدمها فرق الموسيقى مع أعلام الإخوان، وتتلوها كوكبة من الإخوان يحيطون بالأخ "حامل المصحف الشريف" وسارت هذه الفرق تجوب نفس الشوارع، وتهتف بمبادئ الإسلام وتنشد الأناشيد الإسلامية الحماسية والجماهير تستقبلها بالهتافات والتصفيق وتحيط بها من كل جانب في حماسة متحدية بذلك رجال الشرطة.
وبعد هذا الاستعراض الرائع والاستقبال العظيم عادت الفرق إلى المركز العام، حيث كان في استقبالها فضيلة المرشد الذي تحدث إليهم حديثاً أراح قلوبهم وأثلج صدورهم.
· السعديون والقضية الوطنية
حين وقف النقراشي باشا في مجلس الأمن يعرض قضية مصر الوطنية ويطالب بجلاء المستعمرين الإنجليز، وقف الإخوان المسلمون إلى جانبه بكل ثقلهم يدعمون موقفه.. وحين عاد يجر أذيال الخيبة، بعد أن خذله مجلس الأمن، واستسلم لألاعيب الإنجليز وصارت قضية البلاد ألعوبة في يد المستعمر بعث إليه الإخوان رسالة نشرتها جريدتهم اليومية، هذا نصها:
حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي رئيس الحكومة المصرية.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد شعر الإخوان المسلمون منذ عودة دولتكم من أمريكا بعد تعليق القضية المصرية في مجلس الأمن بأن تلك الحماسة الباهرة وتلك الصراحة الظاهرة، قد خبت جذوتها ولانت حدتها، وراقبوا مواقف الحكومة وتصرفاتها في شئون البلاد الحيوية، ونهجوا في سبيل ذلك تبيان مظاهر التحلل والفساد في حياتها الاجتماعية، وتقدموا بالنصيحة في كل موقف، وكشفوا عن وجه الصواب في كل تصرف، ولما لم يجدوا أثراً لذلك لم يكن بد من أن يقولوا كلمتهم ويؤدوا أمانتهم.