ودخل مجاهدو "الإخوان المسلمون" فلسطين، ليقروا الحقيقة الخالدة: أن الأرض المقدسة في فلسطين لا تحرر إلا بالحرب المقدسة تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يخوضها مسلمون متوضئون..
وهذه هي الحقيقة كما تقررها وقائع المعركة الأولى، كما وصفتها جريدة الإخوان اليومية في عددها رقم 604 الصادر في جمادى الآخرة سنة 1367 هِ الموافق 18 أبريل سنة 1948م، قالت:
تلقت زميلتنا "أخبار اليوم" الرسالة التالية من مراسلها في غزة:
أكتب إليكم من ميدان القتال – نحن الآن في منتصف الطريق بين غزة وخان يونس انتهت المعركة الأولى بين المصريين واليهود.. إنها أول معركة حربية تخوضها مصر ضد اليهود.. اثنا عشر شهيداً وخمسة من الجرحى، أنهم يحملونهم الآن ليدفنوا في دير البلح، إنني أتأمل القتلى واحداً واحداً ليس بينهم واحد مصاب في ظهره، قد أصيب بعضهم مرة أو مرتين ومع ذلك بقي يحمل بندقيته ويضرب بها.. إنهم يحملونهم الآن ليدفنوا كما هم بغير غسيل أو كفن فإن تقاليد الإسلام أن يدفن الشهيد بملابس المعركة.. كان منظراً رائعاً.. هذا الدم المصري يغطي أرض الصحراء المنبسطة.. هذه الأرض التي سارت فيها جيوش المارشال اللنبي وانتصرت انتصاراتها الأخيرة.. أصبحت نقطة البداية التي تطلق منها مصر رصاصاتها على مستعمرات اليهود، وتصاعدت الأصوات تبحث عن الحاج عبد الخالق، لقد كان يحارب في المعركة ومعه ابنه محمد عبد الخالق.. وسقط ابنه قتيلاً إلى جانبه فلم يبك عليه بل حمل بندقيته وراح يقتل بها الذين قتلوا ولده! ثم انتهت المعركة ولم ينتظر الحاج عبد الخالق ليشيع جنازة ولده مع المشيعين بل ذهب مع ابن أخيه الجريح أحمد يوسف إلى مستشفى غزة.
وقال له إخوانه: إننا نعزيك! قال: كلا، بل هنئوني هنئوني إنني سأبقى هنا لأنال بعض الشرف الذي ناله ابني، قلت: من.. عبد الخالق؟ فإذا به عبد الخالق يوسف حسن يوسف من بلدة قويسنا منوفية، وهو مزارع يبلغ الخامسة والأربعين طويل القامة فارغ العود حاد النظر، تبدو عليه الثقة والاطمئنان، وقف يتقبل تهاني المجاهدين وكأنه يزف ولده إلى عروس، وقد كان ولده يبلغ العشرين من العمر.
ومن العجيب أن أغلب القتلى المصريين لم يتجاوز الخامسة والعشرين وجميعهم من "الإخوان المسلمون".. وقد وقف القائد محمود لبيب يروي لنا أن أحد الشباب انتدب لخفارة المعسكر وكلنه أصر على أن يكون في مقدمة المجاهدين.. وقال له القائد أنت صغير السن، فليتقدم أولاً من يكبرك سناً، وبكى الشاب المصري، ولكن القائد: أصر على بقائه.. ولما علم أن الذي حل مكانه قد قتل في بداية المعركة وأخبره زملاؤه بذلك ازداد بكاء وحزناً.
وبدأت هذه المعركة في الساعة الثانية من صباح السبت 30 جمادى الأولى سنة 1367 هِ الموافق 10 أبريل سنة 1948م كان الجو أشبه بالنسيم العليل.. وقد أصر الجنود على أن يستحموا قبل المعركة استعداداً للموت وصلوا على أنفسهم صلاة الجنازة وتلوا جميعاً آيات من كتاب الله وذهب كل منهم إلى الموقع الذي اختير له، كان الظلام دامساً، فقد كنا في آخر يوم للشهر العربي، سواد في كل مكان ترى أشباحاً تتحرك وقد ارتدت أحذية من الكاوتشوك تحمل في أيديها المدافع والبنادق، كلام كالهمس وبدأوا يقصون الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمستعمرة اليهودية حتى إذا انتهوا من خطها الأول أخذوا ينسفون الخط الثاني.. وإذا بمدافع الهاون وقنابل الدخان تطلق من الجهة الشرقية لتغطية الهجوم.. واستيقظ اليهود وراحوا يضربون أوكار مدافع الهاون وهم يظنون أن الهجوم العربي قد بدأ من تلك الناحية.. وهنا تسلل الفدائيون واقتحموا الأماكن الملغومة ووضعوا الألغام والمتفجرات في الحصون فنسفوا جزءاً من البرج ودمروا كل الحصون، وأخذ المصريون واليهود يتقاذفون القنابل اليدوية ويتراشقون بمدافع التوني جن والبنادق البرن، وظن اليهود في أول الأمر المعركة بسيطة ولكنهم بعد ساعتين تنبهوا إلى خطورة الهجوم فاستغاثوا بالجيش البريطاني فحضرت الدبابات ولما وجدت أن المصريين قد لغموا الأرض راحت ترفع الألغام وكانت الدبابات البريطانية ترفع الأعلام البيضاء ووقفت بين المصريين واليهود وصدرت الأوامر بعدم إطلاق النار.
ورأى القائد البريطاني الشهداء وأطلعه قائد الإخوان على تفاصيل المعركة وكيف أن العرب لم يخسروا من أسلحتهم شيئاً بل إنهم استعادوا أسلحة الشهداء والجرحى فدهش، وذهب إلى حيث يرقد الشهيد وحنى رأسه قائلاً: إنني في دهشة كيف استطعتم أن تفعلوا كل هذا.. لقد كنت في فرقة الكوماندوز البريطانية ولم أشهد جرأة كالتي رأيتها الآن.. ولو كان معي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم فلسطين، ثم تقدم القائد البريطاني إلى الجرحى المصريين وقبل كلا منهم في جبينه، وقال: من أي بلد هؤلاء الأبطال!! فقالوا: من مصر.
· من وحي الشهداء.. وجها لوجه
وفي أعقاب هذه المعركة، ومن وحي شهدائها الأبرار، كتب فضيلة المرشد العام في "حديث الجمعة" بالجريدة اليومية عن حقائق الإيمان العملية كما تقررها بسالة مجاهدي الإخوان في فلسطين، يقول:
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذي جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142].
أمام حقائق الدعاية.. وجها لوجه.
لابد من امتحان لحقيقة إيمان المؤمنين..
ودعوى الإيمان وحدها لا تكفي في كثير ولا قليل!.. {ومن الناس من يقول آمنا بالله باليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 08].
هذا ناموس الله الذي لا يتغير، وسنته التي لا تتخلف {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31].
ولكنا مؤمنون بحكم الوراثة، فقد ولدنا على هذا الدين القيم، والحمد لله على نعمة الإيمان، وكثير هم المؤمنون بالتعلم والخطابة، ولكن من هم الذين يستطيعون أن يتمثلوا معنى الإيمان، ويحسنوا التعبير عنه لأنفسهم وللناس، ومَن مöن هؤلاء بصدق فيه معنى الإيمان حتى يتذوق حلاوته، ويجد طعمه ويستشعر برده على فؤاده، كما يحس بحرارته ودفئه ونوره وإشراقه؟؟؟
ولكن هذا كله لا يكفي، حتى يقف المرء وجها لوجه أمام حقائق الإيمان العملية، وأوضح هذه الحقائق: ما اتصل بالجهاد والشهادة والموت في سبيل الله والعزوف عن متع الحياة الدنيا إيثاراً لما عند الله.
وهؤلاء الشهداء الاثني عشر، ومن قبلهم الشهيد العزيز السعيد الأخ حسين الحلوس، الذي اختاره الله لجواره في حادث انقلاب سيارة المؤن والمهمات للشهداء بسيناء.. قد أوقفونا نحن الإخوان وأوقفوا أسرهم الكريمة، وأوقفوا الأمة المصرية كلها أمام حقائق الإيمان وجهاً لوجه.
إن من حقائق الإيمان الأولى أن الموت حق، وأن الأجل محدود، وأن العمر واحد، لا ينقص ولا يزيد.. {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34]. وأن الجبن لن يؤخر الوفاة وأن الشجاعة لن تدني الموت، وأن قدر الله من وراء ذلك كله، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.. {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78]، {والذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} [آل عمران: 168].
ولن يستطيعوا أن يدرأوه طبعاً، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره.
وإن من حقائق الإيمان الأولى أمر الله تبارك وتعالى، كتب على المؤمنين كتاباً لازماً، وفريضة محكمة.. أن يقاتلوا في سبيل الحق، وأن يدافعوا عن صورة الدين، وأن يجاهدوا في سبيل الله تعالى، حتى تعلو كلمته، وترفع رايته، وأن من نكص عن ذلك فله عذاب أليم في الدنيا بالصغار وفي الآخرة بالجحيم والنار.. {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].
{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111].
وأن من حقائق الإيمان الأولى: أن من مات في سبيل الله أو قتل مجاهداً، فهو شهيد حي يرزق عند الله تبارك وتعالى، وأنه لا يجد من مس الموت إلا كما يجد الإنسان الحي الحساس من قرصة نملة، وأنه لا يفتن في موته وكفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة، وأنه يبعث يوم القيامة بكلومه وجروحه ودمائه الطاهرة الزكية.. اللون لون الدم، والريح ريح المسك، وأن له عند الله تبارك وتعالى من المثوبة والأجر أفضل مما عند الله لسائر الذين ماتوا بغير شهادة {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً} [النساء: 95-96].
{الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة: 20-22].
ومن يؤمن بهذه الحقائق إيماناً صحيحاً، لا شك ولا ريب في أنه يفرح ويسر، ويسارع ويبادر، ويختار لأحبابه وذويه هذه الموتة السعيدة الكريمة، التي لن تأتي قبل أوانها، ولكنها تظهر في أروع صورها، وأجمل ألوانها.. وبقدر رسوخ العقيدة في هذه الحقائق، بقدر الرضاء والتسليم بقضاء الله وقدره في شهادة الشهداء، وموت الأعزاء.
فيا أيها الإخوان المسلمون، أنتم وأسركم والمتصلون بكم: لقد عاهدتم الله على الإيمان الكامل بكل حقائقه ومقتضياته، ولقد كان، وسجلوا عليكم هتافكم وعرف الناس عنكم ذلك في كل المدن: الجهاد سبيلنا.. الموت في سبيل الله أسمى أمانينا. وأنتم بهذا الهتاف كنتم تعلنون حقائق الإيمان نظرياً.. وها أنتم أولاء قد وقفتم أمامها عملياً.. فماذا أنتم فاعلون؟
أغلب الظن أنكم ستنجحون في هذا الامتحان، نجاحاً منقطع النظير بإذن الله، وبشار ذلك واضحة، ودلائله لائحة، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.
· إحذروا أتباع هذا الشيخ..!!
تحت عنوان "اعرف عدوك" نشرت مجلة حائطية يصدرها الطلاب اليهود المتدينون في الجامعة العبرية في عددها الصادر في شهر "حزيران" سنة 1970م صورة للإمام الشهيد حسن البنا، رحمه الله وكتبت تحت الصورة تعليقاً قالت فيه: "إن صاحب الصورة كان من أشد أعداء إسرائيل، لدرجة أنه أرسل أتباعه عام 1948م، من مصر ومن بعض البلدان العربية لمحاربتنا، وكان دخولهم الحرب مزعجاً لإسرائيل لدرجة مخيفة، ولولا أن أصدقاء إسرائيل في مصر تكفلوا آنذاك بكبح جماح أتباع حسن البنا وتخليص إسرائيل منهم لكان وضع اليهود الآن غير هذا الوضع.
وبعد تلك المقدمة استمرت المجلة تقول: إن أتباع البنا هم الذين يعارضون الآن بشدة مجرد التفكير بالصلح مع اليهود، ويتشددون في مطالبتهم بضرورة القضاء على إسرائيل قضاءً مبرماً، ويعلنون موقفهم هذا بصراحة حتى في القاهرة نفسها.
وأنهت المجلة اليهودية تعليقها بتحذير الشعب اليهودي من أتباع حسن البنا، الذين يشكلون أكبر خطر يتهدد إسرائيل، حتى لو نجحت المساعي لعقد سلام دائم مع العرب على حد تعبير المجلة اليهودية.