الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا...هكذا استشهد، وهكذا خرجت جنازته

وكيف دفنوا الشهيد؟ - لا بكاء ولا عويل! - حصار حول البيت-قراءة الفاتحة.. جريمة..

يقول الأستاذ عبد الكريم المحامي صهر الإمام الشهيد حسن البنا ورفيقه أثناء حادث الاغتيال الذي تم في الساعة الثامنة والثلث من مساء يوم السبت 11 من فبراير سنة 1949، يقول: ذهبنا إلى جمعية الشبان المسلمين عقب صلاة المغرب حيث كان الأستاذ محمد الليثي رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين قد أخبر الأستاذ البنا بأن الحكومة تريد استئناف المفاوضات وأن بعض الشخصيات الحكومية ستحضر في الشبان لهذا الغرض، وجلسنا في الشبان ولم تحضر الشخصية الحكومية حتى العشاء، فقام الإمام الشهيد وصلى بالموجودين في الجمعية صلاة العشاء، ثم جلسنا قليلاً بعدها ولم تحضر هذه الشخصية.

وهنا طلب الإمام الشهيد حسن البنا من الأستاذ محمد الليثي أن يستوقف تاكسي، وخرجنا من الجمعية إلى شارع رمسيس الذي كان مظلماً وكانت الساعة تشير إلى الثامنة والثلث، ووقف التاكسي الذي لم يكن هناك غيره في الشارع كله، ودخل الإمام الشهيد في المقعد الخلفي ودخلت بعده وجلست إلى يمينه، ثم نهض وأبدل المقاعد فجلس على يميني وجلست على يساره.

وفي هذه الأثناء كان يقف أمام السيارة شخصان فتقدم أحدهما إليّ وأراد فتح باب السيارة فأغلقه، وحاول الفتح وأنا أحاول الغلق مهدداً لي بمسدسه وأخيراً فتح الباب وأطلق على صدري الرصاص فتحولت إلى الجهة اليسرى فجاءت الرصاصة في مرفقي الأيمن، وأمسكت بيده التي فيها المسدس وحاولت بيدي الأخرى أن انتزع منه المسدس فلم أجد ذراعي إلا معلقاً والعضد هو الذي يتحرك فقط، وهنا أطلق المجرم رصاصة أخرى اخترقت المثانة وشلت حركة الرجل اليسرى، وهنا عجزت عن الحركة، فتركني وتوجه إلى الإمام الشهيد وحاول فتح الباب ولم يستطع فأطلق الرصاص عليه، ثم فتح الباب وظل يطلق الرصاص على الإمام الشهيد وهو يتراجع، وهنا قفز الإمام الشهيد من السيارة وجرى خلفه حوالي مائة متر إلا أن سيارة كانت تنتظره عند نقابة المحامين فاستقلها وهرب، وعاد الإمام الشهيد فحملني وأجلسني في السيارة حيث كانت رجلي اليسرى خارج السيارة لا أستطيع تحريكها.

ونادى الإمام على الأستاذ محمد الليثي وقال له: اكتب رقم السيارة عندك 9979 وجاء شخص آخر طويل القامة أسمر وقال: هل أخذتم رقم السيارة التي ارتكبت الحادث؟ رقمها 9979 وانصرف.

ودخل الإمام البنا إلى جمعية الشبان المسلمين وطلب الإسعاف بنفسه ولكنها تأخرت وهنا كان الناس قد تجمعوا فطلبوا من سائق التاكسي أن يوصلنا فرفض ولكنهم أرغموه على ذلك فأوصلنا إلى الإسعاف.

وأمام الإسعاف حملني الإمام الشهيد مرة أخرى من السيارة وأدخلني إلى الإسعاف.. وقبض حرس الإسعاف على السائق الذي حاول الهرب.

وجاء طبيب الإسعاف ليسعف الإمام البنا الذي قال له: اسعف الأستاذ عبد الكريم أولاً لأن حالته خطيرة.

ورأى طبيب الإسعاف أن حالتي تستدعي النقل إلى القصر العيني فنقلنا أنا والإمام الشهيد وأدخلونا إحدى الغرف وجلسنا فترة حتى اتصلوا بالطبيب المناوب في منزله في روكسي بمصر الجديدة، واستدعوه من السينما المجاورة حيث كان يشاهد فيلما، وركب سيارته وجاء إلى القصر العيني.

في هذه الأثناء دخل علينا الأميرالاي محمد وصفي مندوب الملك وقال صارخاً: "أنتم لسه ما متوش يا مجرمين" وانصرف.

وهنا دخل الطبيب الذي أراد أن يسعف الإمام الشهيد أولاً ولكنه قال له: اسعف الأستاذ أولاً...

وأمر الطبيب أحد الممرضين بخلع ملابس الإمام الشهيد ولكنه نهض من على السرير وخلعها بنفسه.. كذلك عندما أرادوا أخذا اسمي وعنواني قال لهم الإمام الشهيد: اتركوا الأستاذ عبد الكريم لأن حالته خطيرة وأعطاهم الاسم والعنوان، وهنا دخل الأميرالاي محمد وصفي مندوب الملك مرة ثانية وقال للطبيب: "أنا جاي من عند الحكمدار لأعرف حالة الشيخ حسن البنا" فقال له الدكتور: إن حالته ليست خطيرة.

وبعد ذلك فصلوا بيني وبين الإمام البنا ووضعوني في غرفة مع أحد المرضى، ووضعوا الإمام في غرفة وحده.

وعلمت فيما بعد أن الأميرالاي وصفي أتى إلى المستشفى مندوباً عن الملك وكان مكلفاً بالإجهاز على حياة الإمام الشهيد. إذ منع الطبيب من مواصلة العلاج وترك دماء الإمام تنزف حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها تشكو ظلم الطواغيت.

وكيف دفنوا الشهيد؟

ونشرت جريدة "الكتلة" التي يصدرها الأستاذ مكرم عبيد باشا[1] وصف دفن المرحوم الشيخ حسن البنا وما رافقه من أحداث وفظائع وجعلته تحت عنوانات تكفي تلاوتها للعن الظالمين المجرمين، وفي (القبض على المعزين.. منع الصلاة على جثمان الفقيد.. منع تلاوة القرآن على روحه)، ثم نشرت الوصف التاريخي الآتي، وهو مستقى من أقوال فضيلة الشيخ أحمد البنا والد المرحوم الشيخ حسن البنا.

نقلت جثة الفقيد إلى بيته في سيارة تحرسها سيارات مملوءة بفريق من رجال البوليس المسلحين، وقد أنساهم هول الجريمة أن الموتى لا يتكلمون ولا ينطقون!

وفي أحد شوارع الحلمية وقفت القافلة ونزل الجند فأحاطوا ببيت الإمام الفقيد ولم يتركوا ثقباً ينفذ إليه إنسان إلا سدوه بجند وسلاح. أما والد الشيخ البنا ذلك الشيخ الهرم الذي جاوز التسعين عاماً فلم ينوء بها ولم يبد عليه عوامل السنين كما بدت عليه في هذه الليلة النكباء. فقد عرف بخبر وفاة ولده من أحد الضباط ساعة وقوعها، وظل ساهراً تفجعه الأحزان منتظراً الفجر ليؤدي فريضة الله ويقول له: "سبحانك، وعدالتك يا ربي، لقد قتلوا ولدي".

وتتابعت على باب المسكن طرقات كان صداها يطحن قلب الشيخ الكبير طحن الرحى.

لا بكاء ولا عويل!

كان الوالد هو وحده الذي يعلم وينتظر، فإن أشقاء الفقيد جميعاً كانوا داخل المعتقلات والسجون. وفتحوا الباب وأدخلوا الجثة ونشج الوالد المحطم بالبكاء فقالوا له: لا بكاء ولا عويل، بل ولا مظاهر حداد ولا أحد يصلي عليه سواك.

ولنترك الشيخ أحمد البنا والد الشيخ حسن يتم القصة، قال: أُبلغت نبأ موته في الساعة الواحدة، وقيل: إنهم لن يسلموا إليّ جثته إلا إذا وعدتهم بأن الدفن في الساعة التاسعة صباحاً بلا احتفال، وإلا فإنهم سيضطرون إلى حمل الجثة من مستشفى قصر العيني إلى القبر.

واضطررت إزاء هذه الأوامر إلى أن أعدهم بتنفيذ كل ما تطلبه الحكومة رغبة مني في أن تصل جثة ولدي إلى بيته فألقي عليه نظرة أخيرة.

وقبيل الفجر حملوا الجثة إلى البيت متسللين، فلم يشهدها أحد من الجيران ولم يعلم أحد بوصولها سواي.

حصار حول البيت:

وظل حصار البوليس مضروباً لا حول البيت وحده بل حول الجثة نفسها لا يسمحون لإنسان بالاقتراب منها مهما كانت صلته بالفقيد.

وقمت بنفسي بإعداد جثة ولدي للدفن، فإن أحداً من الرجال المختصين بهذا لم يسمح له بالدخول، ثم أنزلت الجثة حين وضعت في النعش وبقيت مشكلة من يحملها إلى مقرها الأخير.

طلبت إلى رجال البوليس رجالاً يحملون النعش فرفضوا. قلت لهم ليس في البيت رجال، فأجابوا: فليحمله النساء! وخرج نعش الفقيد محمولاً على أكتاف النساء!

ومشت الجنازة الفريدة في الطريق فإذا بالشارع كله قد رصف برجال البوليس، وإذا بعيون الناس من النوافذ والأبواب تصرخ ببريق الحزن والألم، والسخط على الظلم الذي احتل جانب الطريق!

وعندما وصلنا إلى جامع قيسون للصلاة على جثمان الفقيد، كان المسجد خالياً حتى من الخدم، وفهمت بعد ذلك أن رجال البوليس قدموا إلى بيت الله وأمروا من فيه بالانصراف ريثما تتم الصلاة على جثمان ولدي.

ووقفت أما النعش أصلي فانهمرت دموعي. لم تكن دموعاً بل كانت ابتهالات إلى السماء أن يدرك الله الناس برحمته.

ومضى النعش إلى مدافن الإمام فوارينا التراب هذا الأمل الغالي، وعدنا إلى البيت الباكي الحزين، ومضى النهار وجاء الليل ولم يحضر أحد من المعزين لأن الجنود منعوا الناس الدخول.. أما الذين استطاعوا الوصول إلينا للعزاء فلم يستطيعوا العودة إلى بيوتهم، فقد قبض عليهم وأودعواة المعتقلات إلا شخصاً واحداً هو مكرم عبيد باشا الذي كان يتحدى الظالمين.

بعد دفن الشهيد:

ونشرت جريدة "الكتلة" البيانات التالية عما حدث بعد دفن المرحوم الشيخ حسن البنا تحت عنوانات صارخة مؤلمة هي: (البوليس يلقي القبض على جثة الشيخ البنا.. كيف قبضوا على ميت آخر.. حصار البوليس للمقابر وإقامة حراسة دائمة) وبعد ذلك سردت "الكتلة" ما يأتي:

في اثنتي عشرة ساعة قتل الشيخ البنا، وشرح، وغسل، وانطوت صفحة حياته، عادت النساء اللاتي حملن النعش على أكتافهن وعاد الوالد الواله الحزين. وقبل أن يغشى مدافن حي الإمام الشافعي كانت ثلة من الجنود تحاصر الطرق المؤدية إلى المقبرة وقوات كبيرة تحيط بمنزل الفقيد لتمنع الداخلين ولو كانوا من مرتلي آي الذكر الحكيم، وتقبض على الخارجين ولو كانوا من جيران الراحل الكريم.

ولقد قبض أحد رجال البوليس في ذلك اليوم على رجل من أصدقاء الفقيد متلبساً بجريمة إحراز مصحف كان يخفيه في طيات ثيابه فأسلموه إلى من بيدهم أوامر الاعتقال!

واليوم نسطر قصة جديدة، من قصص الظلم والجهل ظلت مطوية لا يعلم بها الناس، قصة الصراع العنيف الذي دار بين رجال البوليس وبين جثمان الشيخ حسن البنا.

فقد أشيع ذات مساء أن أصدقاء الشيخ البنا ممن آلمهم أن يدفن الرجل بهذه الصورة المزرية المؤلمة، فقد اعتزموا اختطاف الجثة من قبرها وإخفاءها عن أعين البوليس.

وطير الخبر إلى السلطات، فأمرت بمضاعفة الحراسة والتأكد من كل شخص يمر بالطرقات المؤدية إلى مدافن الإمام الشافعي، وكان الجنود المسلحون يتناوبون الحراسة بعيون يقظة وقلوب واجفة مرتعشة.. خصصوا فرقاً من رجال البوليس للسهر على "جثته" وحراستها خشية أن ينقلها بعض الناس إلى مكان يليق بمقامها.. وأبى الظالمون الذين كان بيدهم الأمر إلا أن يضطهدوا الرجل في موته وإلا أن يحرسوه بجند من عندهم كما كان ولا يزال يحرس شخص "إبراهيم عبد الهادي باشا" بطل العهد الغابر الأثيم نفسه!

وفي الليلة التي ظنوها موعد تنفيذ المؤامرة الخيالية، مؤامرة خطف الجثة، امتلأت مقابر الإمام الشافعي برجال البوليس، ولأول مرة تنزعج المقابر بالأحياء وتقض مضاجعهم.

وكان رجال البوليس كلما اشتبهوا في شخص أو جماعة من المارة أوقفوهم وفتشوهم، وسألوهم إلى أين هم ذاهبون، فإذا اطمأنوا إليهم – وهذا أمر نادر – سمحوا لهم بالانصراف وإذا ارتابوا فيهم – وهذا هو الغالب – قبضوا عليهم وأودعوهم غياهب المعتقلات.. ولمح نفر من البوليس بعض الناس يحملون نعشاً ويسيرون به بين المقابر، ولعلهم كانوا قد قدموا به من مكان بعيد فلم فلم يدركوا المقابر إلا بعد الغروب. فوجئ المشيعون بأسلحة تلمع في الظلام وأصوات تأمرهم بالوقوف وبوضع النعش على الأرض للتحقق من الميت. ورفع أحد الجنود غطاء النعش وسلط عليه ضوء مصباح كهربائي في يده، ثم أمرهم بإعادة الغطاء وأن يمضوا في طريقهم، بعد أن تبين أن الجندي الذكي وجد أن وجه الميت يختلف عن وجه الشيخ البنا!! وهكذا قدر للأموات أن يلقوا نصيبهم من الظلم الذي حاق الأحياء في ذلك العهد.

وهكذا ظلت المقابر تنعم بالراحة والهدوء منذ الأزل حتى جاء هذا العهد فلم يسلم من ظلمه وجوره وخوفه وجهله حتى الأموات الذين هم في رعاية الله وبين يديه.

بعد جنازة البنا:

ثم أقتبس ما يلي من جريدة "الكتلة" وقد نشرته تحت عنوانات مثيرة ومحزنة وهي: (القبض على كل حزين يوم مصرع الشيخ حسن البنا.. حامد جودة رئيس مجلس النواب يخلع السواد في ذلك اليوم.. حملة تأديبية على المساجد بعد كل صلاة!).. ثم قالت "الكتلة":

والغالب أن الكاتب لهذا الفصل وما سبقه هو مكرم عبيد باشا نفسه:

نحن الآن عقب جنازة الشيخ حسن البنا.. وقد وصفنا لك جانباً مما حدث داخل بيت الشيخ وخارجه.. وبقي أن نصف ما وقع من حوادث أثناء سير الجنازة وبعدها أدت إلى اعتقال مئات من الناس لأسباب غريبة لا تكاد تصدق. وقد حشدوا هؤلاء المظلومين حشداً داخل غرفة ضيقة عفنة هي سجن نقطة الإمامين القريبة من المدافن! وإليك بعض الأسباب التي اعتقلوهم من أجلها.

هذا الشاب الذي يلبس رباط عنق أسود "كرافتة" حداداً على أبيه المتوفي منذ أيام، لقد أدرك رجل البوليس بفطنته أنه يلبسها حداداً على الشيخ البنا، واستبعدت فطنته ويقظته أن يكون هناك سبب آخر دفع بالشاب إلى لبس الكرافتة السوداء، فهو إذن من غير شك من أشياع البنا ومريديه الذين كانت تتعقبهم السلطة الغاشمة وتنكل بهم أسوأ تنكيل.. وقد أودعوه السجن ثم المعتقل رهن التحقيق!!

قراءة الفاتحة.. جريمة!

وذلك الرجل الذي اطلعت من جبهته وصدغيه وعينيه آثار اللكمات.. ياله من مجرم خطير تصوروا أن أحد رجال البوليس ضبطه يتمتم بالفاتحة من إحدى النوافذ أثناء سير جنازة الشيخ الرهيبة، فصعد إليه واقتاده من بين أطفاله وزوجته والسلاح في ظهره مستعداً ليسكته إذا حاول المقاومة أو الفرار... وفي محضر البوليس سألوه عن صحة التهمة وهل قرأ حقاً الفاتحة على روح الشيخ البنا!! فأجاب بالإيجاب.. وهنا ازدحمت الأكف والقبضات والأقدام فوق وجهه وجسمه!! وعادوا يسألونه: ولماذا قرأت الفاتحة؟ فأجاب الرجل: إن من شعائر الدين أن نقرأ الشهادتين عندما يمر الميت وأن نقرأ الفاتحة على روحه، وصرخ أحد رجال البوليس وقد استقرت يده على وجه المسكين لتصافحه بحرارة وهو يقول: كان لازم تعمل حنبلي يا ابن الِ..... وهنا نمسك عما نطق به رجل البوليس المهذب.. فصاح المتهم البريء الذي كان احترامه لشعائر دينه ذنباً لا يغتفر قائلاً: وهل في قراءة الفاتحة جريمة يعاقب عليها القانون؟.. ومرة أخرى، ازدحمت الأكف والقبضات والأقدام فوق وجهه وجسمه وأغمي عليه، وأفاق ليجد نفسه في الغرفة الباردة العفنة مع عشرات آخرين ويداه مكبلتان بالحديد من خلاف – أي والله من خلاف – لإرساله إلى المعتقل بلا محاكمة، فقد كانت جريمة لا تغتفر في رأي إبراهيم عبد الهادي باشا أن يقرأ مسلم الفاتحة على روح ميت تمر جنازته أمامه.. جريمة بلغ من بشاعتها أن يرسل من يرتكبها إلى المعتقل بلا محاكمة لأنه لم يجد في القانون عقاباً يمكن أن يكون جزاء عادلاً لمن يقرأ الفاتحة على روح ميت!

لقد خلع الأستاذ حامد جودة رئيس مجلس النواب المنحل السواد الذي كان يلبسه حداداً على محمود النقراشي باشا في ذلك اليوم بالذات حتى لا يقال إنه حزن على مقتل الشيخ البنا فيلاقي بعض المتاعب من البوليس!

ولا نحسب أن هناك سبباً آخر دفعه إلى أن يخلع السواد في ذلك اليوم ولم يمض على مقتل النقراشي باشا إلا أيام!![2].

وشن البوليس في ذلك اليوم حملة عنيفة على المساجد في العاصمة، فكانوا لا يسمحون لأحد بالصلاة "السنن" أو أي عبادة بعد الصلاة مباشرة، وإن أحد حدثته نفسه بأن يطيل في الصلاة فإنه يكون قد أورد نفسه موارد التهلكة وعرض حريته للضياع وشخصه للتنكيل وأولاده وأسرته للتشريد والجوع والألم والدموع.

وكان بعض رجال البوليس ممن وهبهم المولى رقة القلب عبد الهادي باشا يستنكفون أن يخلعوا أحذيتهم أثناء دخول المسجد فكانوا يقتحمونها بأحذيتهم القذرة يطأون المسجد بنعالهم غير مراعين حرمة المسجد ولا كرامة المسلمين. وليتخيل القارئ شخصاً واقفاً بين يدي الله يؤدي فرائض دينه، فإذا بعصا غليظة أو غير غليظة تنهال عليه وإذا برجال البوليس يدفعونه من بيت الله إلى منفى الطور وعيون موسى بصحراء سيناء إرضاء لعيون عبد الهادي باشا.

نابليون اعتذر:

إن دخول المساجد بالأحذية والنعال أمر لم تشهده مصر منذ كانت المساجد سوى في عهدين:

-   المرة الأولى في عهد نابليون يوم وطئت خيوله – ولعلها كانت جامحة – صحن الجامع الأزهر، وقد اعتذر نابليون لهيئة كبار العلماء وتأسف لهذا الحادث.

-       والمرة الثانية بل مئات المرات حدثت في عهد إبراهيم عبد الهادي باشا ولم يعتذر لا لله ولا للناس – انتهى كلام جريدة الكتلة.

إن منع الناس من شهود الجنازة ومن التعزية قد وقفت على شيء منه بنفسي، وذلك أن خبر مصرع الشهيد البنا لم أعرف به إلا من صحف الصباح وياله من صباح، فلم أتردد لحظة بأن المرحوم قد اغتيل غدراً وأن لعصابة إبراهيم باشا عبد الهادي اطلاعاً على اغتياله أخذاً بثأر رئيس وزراء عهدهم محمود النقراشي باشا[3] على ظن منهم أن الأستاذ البنا هو الذي أوعز بقتله!

وقد بادرت إلى التليفون أسأل بعض الأصدقاء عن موعد الجنازة لنشهدها جميعاً، فقالوا إن الفقيد أسلم الروح عند منتصف الليل وأنه دفن في الصباح الباكر بأمر الحكومة حتى لا تقع مظاهرات أو اضطرابات، فلم أستغرب هذه الفظائع من وزارة "عهد" مغضوب عليها من الأمة، ولقد لطخت سمعتها بدم رجل كالأستاذ البنا الذي يحكم له كل من عرفه بالاتزان والرصانة واستحالة التفكير في الإيعاز بقتل أحد لا النقراشي ولا سواه...

كان مكتبي في تلك الليلة حافلاً بالزائرين أكثر من كل ليلة، وكان الحديث كله حديث جريمة قتل المرحوم البنا، وكان كل منا يعزي الآخر، وقد اقترحت على الحاضرين أن نقوم جميعاً ونذهب إلى سرادق التعزية المعتاد في مثل هذا الظرف، فقالوا إن الحكومة منعت إقامة سرادق العزاء، ولذلك جئنا لنتبادل العزاء عندك.

إلى دار حسن البنا:

وقبيل منتصف الليل لم يبق في المكتب عندي إلا الأستاذ محمد سعيد العريان وكان من زملاء الفقيد في الدراسة فكان يبكي صديقه بكاءً شديداً.

فقلت له: ما رأيك يا فلان في أن نذهب الآن إلى منزل الفقيد لتعزية والده وأهله، فقال: هذا حسن وهيا بنا، فركبنا سيارة الأستاذ العريان، فإذا بحي الحلمية الذي فيه دار المرحوم البنا مظلم الجنبات مطفأ الأضواء، وكانت الدكاكين كلها مغلقة، فأطلقنا أنوار السيارة فإذا بالجنود بألبستهم السوداء يلوحون في الظلام كالأشباح، وبأيديهم البنادق مشرعة، وإذا بهم يقفون لنا في عرض الطريق سداً، ويشيرون إلى السائق بالاتجاه إلى غير اتجاهنا فتعجبنا من هذه الاحتياطات وأوعزنا إلى السائق أن يدور ويدخل المنطقة من شارع آخر وليكن ما يكون، ولكن الشرطة لم تسمح بالحركة إلا إذا عادت من حيث أتت وإلا...! وإلا فإنهم يطلقون علينا النار! عند ذلك رجعنا ونحن نحمد الله على أنهم اكتفوا منا بالرجوع.


[1]  سياسي مسيحي مصري، كان سكرتيراً لحزب الوفد ثم انشق عنه وألف حزباً جديداً أسماه "حزب الكتلة الوفدية".

[2]   الأصوب: هو أن حامد جودة كان أحد المسئولين في الحكومة التي نفذت مؤامرة قتل الإمام، فإن كان قد خلع السواد فقد خلعه فرحاً لنجاح المؤامرة كما فرحت كل دوائر الاستعمار واليهودية والصليبية.

[3]  وإرضاء للقصر وسادتهم في لندن وواشنطن وموسكو وتل أبيب.

|السابق| [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error