"ها أنا" هذه عرف إقبال رحمه الله حاجة الأمة لها.
إنها التعبير عن "إدراك الذات" عنده.
وهي في مثل فترة الذهول تلك، التي كانت يعيشها المسلمون، تغنى إدراك الطريق الصحيح، الذي يبدأ من تربية الفرد، على معاني العقيدة الإسلامية الصافية، ويتطور إلى تجمع له قيادة لها خطة.
وقد صور إقبال إدراك الأمة لذاتها الحقيقية الإسلامية من بعد ذهولها كإدراك الطفل لذاته من بعد عجزه أيام طفولته الأولى.
ولأن هذه الأمة تولد من دعوة رجل واحد فقيه ذي همة، كما قال في ديوانه الذي خصصه لبيان الذات: "تولد الأمة من قلب جليل..." ()، فقد تحددت صفة الخطوة الأولى في طريق انتشال الأمة من الذهول وإرجاعها إلى الإسلام.
إنها الخطوة الأولى: عنوانها: أن يبادر قلب جليل فيدق صدره أمام جماهير المسلمين، ويقول: هاآنذا، على صفاء عقائدي، وتجرد سلوكي تلحظونه فتجمعوا حولي.
أو، بأحرف إقبال في تصوير هذا البشير النذير حين يستفيق من الذهول:
أرأيت الطفل يا ذا البصر
ما له عن نفسه من خبر
ليس تدري أذنه ما النغمة
لحنه ثورته والضجة
وبعين الكون إنسانا يرى
كل شيء ما عدا أبصرا
بعد لأي طرف الخيط بدا
بعد ما حلت يداه العقدا
فتراه عينه مستعلنا
فيدق الصدر يعني: ها أنا
(أنا) هذي بدء مقصود الحياة
نغمة اليقظة في عود الحياة()
هذا هو "المجدد" باصطلاح الإسلامي، فالإسلام لا يعرف (أن تكون السلطة بيد الجاهلية ويقف الإسلام منها موقف التابع المتخلف، ولا كان يكفيه أن يكون هنا وهناك رجال متمسكون بالإسلام في حياتهم الفردية المحدودة، وتشيع في الحياة الجماعية الواسعة أخلاط شتى من الجاهلية والإسلام.
ولذلك كان –ولا يزال- الدين الإسلامي في كل عصر في حاجة إلى رجال أقوياء يأتون ويسددون خطى الزمان ويوجهون مسيره إلى الإسلام، سواء أكان عملهم في ذلك محيطا شاملا أو كان على بعض نواحي الأمر مقتصرا، وهؤلاء هم الذين يدعون بالمجددين) ().
ولأن طريقهم يقتضي البذل، كان من شروطهم أن يكونوا أبطالا من الشجعان، إذ أن (الذين لا يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، ولا يشجعون على مقاومة الأخطار والمشكلات، والذين لا يطلبون في هذه الدنيا إلا الراحة والسهولة والرغد، وهم ينسكبون لذلك في كل قالب ويطاوعون لكل ضغط: لا تجد لهم فعالا يذكر في التاريخ الإنساني، وإنما تشكيل التاريخ يكون من شأن الأبطال وحدهم، وهم الذين قد غيروا أبدا مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، وبدلوا أفكار العالم) ().