كل سطر إلى زوال، إلا هذا القرآن، فإنه خالد.
وكل نتاج عقول البشر في تغير وتبدل دائمين، وتعتريه الرجرجة، إلا نتاج عقل يقتبس من مشكاة هذا القرآن، فإنه يقتبس أيضا شيئا من ذلك الخلود، ويكون فيه الاستقرار والثبات.
فمن ثم تجد وحدة الفهم، ووحدة الوصف والتشخيص والمعالجة تجمع من تكلم في الإسلام ونقد المجتمع، ابتداء بمن رأى النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ وانتهاء بمن آمن به ولم يره في هذا القرآن، بل حتى إنك لتجد في كلامهم بوضوح وحدة الأسلوب البلاغي، ووحدة الاصطلاح.
إن هذا الحفاظ والثبات وإن رآه الواهمون جمودًا، ووقوفا، إلا أنه في الحقيقة هو الإبداع كله.
فحين يضع الفيلسوف نظرية، أو حلولا لمشكلة إنسانية، تكون حماسته، والحماسة التي يتمكن أن يبعثها في تلامذته بسحر بيانه من عوامل تغطية ما يعتور حلوله من العيب، وينسيهم الإرهاق الذي ترهقهم به مثالياته، ثم يفضح طول التطبيق نظرياته، فينتدب مغرور آخر نفسه ليغير الأوصاف والحلول، ويأتي بنظريات جديدة، ويظن هو ومن معه أن ذلك هو الإبداع ودليل الحيوية.
لكن حلول الإسلام، لأنها تنطلق من حقائق الفطرة، ومنزلة ممن خلق الفطرة، لا يزيدا طول التطبيق وتبدل المجتمعات إلا رسوخًا، ويبز في كل جيل مثل تطبيقي يشير للناس إلى مصداقها، وهذا هو عنصر الإبداع، فإن ثبات الإسلام وتقلب غيره في التخبط والتبدل: إبداع في الإسلام وإعجاز.
ولهذا، فإن عرض الأقوال المتشابهة التي فاه بها السلف والخلف نم فقهاء الأمة، وإن كان يكرر المعنى والمبنى، فإنه من جانب آخر ينبه على وحدة المنهج والفهم والأداء، وإبراز الوحدة بحد ذاته عنصر يجب على بحوث فقه الدعوة أن تحرص عليه، لما يتضمنه من الإشارة إلى أصالة الخلف، وعراقة مذهبه.
صراحة الإسلام لا استفزاز الظروف
فانظر من قول السلف الأول القديم مثالا:
قالوا: (سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء، فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه)().
وانظر معه تعابير سيد قطب في وصف من لا ينكر.
هل تستطيع بعد النظر أن تقر من يطيل لسانه على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ويتهمه بأن كلماته وليدة استفزازات الظروف الصعبة التي كان يعيشها؟
إنه يصف غافل القلب الأخرس بالموت.
فإن تنبه قلبه وظل صامتًا، فإن حاله عند حذيفة يقتضي أن نصفه بالمرض الشديد، والشلل القريب من الموت.
وما زادت تعابير سيد والمعاصرين فيما يظن أنه من عنف التعبير على حروف حذيفة.
إنه ليس من إفراط في حماسة الدعاة، بل هو وضوح الدعوة الذي يفرض نفسه، ولذلك نرى المعتنق لها بصدق سرعان ما ينشأ نشأة أخرى غير التي كان عليها تماما، وتتحور مفاهيمه، ويخرج من صومعته ليقود الناس، كالذي كان من أمر التابعي وهب بن منبه اليماني، عرفه اليمن راهبا معنيا بسجع الرهبان وعلوم أهل الكتاب المحرفة، فلما أسلم وسئل عن صفه المسلم قال: (يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده) ().
فوصفه بالإمامة والتصدي للقيادة بعد إذ كان هو نفسه منعزلا، وما هو بفهم يبتدعه، لكنه حين أسلم لم يجد مهمة المسلم المتعلم إلا بهذه الصفة، ووجد القرآن يصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمة، وفي أحد تفسيري هذا الوصف أنه من الاقتداء والائتمام، كما ذكر ابن القيم، فإنه قال: (الأمة هو القدوة الذي يؤتم به، قال ابن مسعود: والأمة: المعلم للخير: وهي فعلة في الائتمام، كقدوة، وهو الذي يقتدي به) ().