ولنا اقتداء في استعمال شعر الرقائق بالإمام أحمد، فقد كان يحفظ شيئا منه أملاه على ثعلب، الأديب المشهور، وسمعه أصحابه ينشد الشعر، ووقف الشعراء بين يديه أيام محنته يمدحونه، بل تنسب إليه قطعة نظمها في عتاب علي بن المديني حين لم يصبر معه على العذاب().
وقال له أحد أصحابه:
(يا أبا عبد الله: هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار، أي شي تقول فيها؟
فقال: مثل أي شيء؟
قال يقولون:
إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني؟
وتخفى الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني؟
فقال: أعد علي.
قال: فأعدت عليه، فقام ودخل بيته، ورد الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت، وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني..) ().
وأما استعارة بعض الأبيات التي قيلت في مدح أناس ثقات من الخلفاء والقادة الكرماء لوصف دعاة الإسلام بها، فذلك مما لا يأباه العرف المأثور عن السلف، ونقتدي بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سمع أيبات زهير بن أبي سلمي في هرم بن سنان المري:
دع ذا وعد القول في هرم خير الكهول وسيد الحضر
في أبيات أخرى.
فقال عمر: ذلك رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ().
وبهذه القناعة في جدوى الشعر وجوازه: اقتبست الكثير من دواوين القدماء، ثم من دواوين وليد الأعظمي، ومحمود آل جعفر، والأميري، وعبد الوهاب عزام، وغيرهم.
وكذلك أضفت شيئا من شعر إقبال، شاعر الإسلام الفحل مما في دواوينه: (رسالة المشرق) و(الأسرار والرموز)، (وضرب الكليم)، فدخل شعره لأول مرة في المواعظ العربية من بعد ما ترجمه عبد الوهاب عزام.
وإقبال شاعر صحيح العقيدة، عميق الرؤية، سليم التفكير، وقد وثقه أبو الحسن الندوي وخصص له دراسة سماها: (روائع إقبال)، كما وثقه المودودي في مقال مهم نشرته مجلة البعث الإسلامي الهندية()، بين فيه فضل إقبال في توجيه الجيل الذي أسرته الحضارة الغربية، وإبعاده عن ضيق القوميات، وتأكيد صورة الدولة الإسلامية لديه، حتى إن الأستاذ المودودي وصف عمل إقبال بأنه عمل عظيم في مجال الإصلاح، له قيمة لا ينساها التاريخ الإسلامي، وأنه استطاع إنقاذ الجيل المسلم الذي كانت تتلقفه فتن جديدة، ونظريات مختلفة.
وفوق هذا، فقد كان لإقبال في أواخر حياته عمل مهم ضخم جدًا، في ميزان الإسلام، وهو تخصيصه قلمه لفضح القاديانية والأحمدية، والتحذير منهما، ووجدته شديد الإنكار على زيغ وحدة الوجود، خلاف ما يفهم البعض عنه.
إن صفاء فكر إقبال حدا بسيد إلى أن يقول:
(قد رأيت بين أفكار محمد إقبال وبين وجهة نظري توافقا غريبا، قد تخطى المعاني إلى الكلمات، خصوصًا فيما يخص الوجدان والروح. وإني لشديد الشوق إلى دراسة إقبال ونصوصه) ().