وأيضًا، فإني في هذا السياق، قد استفدت من أقوال جمهرة من الزهاد الثقات الذين يظنهم بعض المتشددين ضعافا مبتدعين بسبب أقوال ابتداعية نسبها لهم من بعدهم، هم منها أبرياء.
كمثل إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وبشر بن الحارث الحافي، والجنيد البغدادي، وعبد القادر الكيلاني.
إبراهيم بن أدهم على درب الاستقامة
فأما إبراهيم بن أدهم، فهو ثقة بإطلاق، وقد ترجم كتاب (تهذيب التهذيب) لابن أدهم ترجمة جيدة كشفت عن إجماع النقاد من علماء الرجال على توثيقه.
ولعل من اللازم أن أذكر القارئ هنا بأن هذا الكتاب يعتبر المرجع الرئيس الأول في علم الرجال، فقد ألف الحافظ المقدسي كتابه،: (الكمال في أسماء الرجال) وأودع فيه جميع أقوال الأئمة في رجال الصحيحين والسنن الأربعة، معتمدًا على تواريخ البخاري وكتاب ابن أبي حاتم وكتب ابن معين وأصحابه، وأمثال ذلك، ثم جاء الحافظ المزي فاختصره وسماه (تهذيب الكمال)، وجاء الحافظ ابن حجر العسقلاني من بعد÷ فاختصره وزاد عليه أشياء فاتتهما، وهي كثيرة، وعقب عليهما، وسمى مختصره: (تهذيب التهذيب) ولا زالت المقارنة بين كتاب ابن حجر هذا، وبين المصادر الأصلية التي اعتمد عليها هؤلاء الحفاظ الثلاثة، مما طبع ورأيناه، تبدي دقة بالغة في نقلهم النصوص منها.
وأثمن توثيق تبديه ترجمة ابن أدهم في تهذيب التهذيب() يكمن في قول الإمام يحيي بن معين فيه، فقد قال عنه إنه: (عابد ثقة).
واصطلاح: (ثقة) عند ابن معين يدل على منزلة أعلى من مجرد الصدق، فالثقة عنده وعند معظم الأئمة هو: من كان صدوقا، ورعًا، بعيدًا عن البدعة الغليظة.
وناهيك بابن معين ناقدًا للرجال، فقد انعقد الإجماع على قبول رأيه، لما له من تشدد بالغ في توثيقهم.
ونتقدم قليلا، لنجد محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي يقول في ابن أدهم أيضًا إنه (ثقة).
واصطلاح: (ثقة) عند ابن معين يدل على منزلة أعلى من مجرد الصدق، فالثقة عنده وعند معظم الأئمة هو: من كان صدوقا، وروعًا بعيدًا عن البدعة الغليظة.
وناهيك بابن معين ناقدًا للرجال، فقد انعقد الإجماع على قبول رأيه، لما له من تشدد بالغ في توثيقهم.
ونتقدم قليلا، لنجد محمد بن عبد الله بن نميز الكوفي يقول في ابن أدهم أيضًا إنه: (ثقة).
وما أدراك من ابن نمير هذا؟
هو (دره العراق) كما يقول الإمام أحمد بن حنيل، وتلمذ له البخاري وروى عنه في صحيحه، وسماه الحسن بن سفيان الفسوي: (ريحانة العراق)، وقال علي بن الجنيد: (كان أحمد وابن معين يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نمير فيهم)، فهو العمدة في التعريف برجال الكوفة، وقد عاش ابن أدهم دهرًا طويلا في الكوفة قبل أن ينزل الشام وبعد ذلك.
وكذلك الإمام النسائي صاحب السنن، فقد قال إن ابن أدهم: (ثقة مأمون أحد الزهاد)، والنسائي ثبت حجة في الرجال، يميل مذهبه إلى التشدد في توثيقهم، كما هو معلوم عند أهل هذا الفن.
وقال الإمام يعقوب بن سفيان: إبراهيم بن أدهم من الخيار الأفاضل، وهذا اللفظ يتجاوز مجرد الاعتراف له بأهلية رواية الحديث إلى الإقرار بالخيرية والفضل.
وقال الإمام الدارقطني صاحب السنن، إذا روي عنه ثق-ة فهو صحيح الحديث.
وقال العجلي: ابن أدهم ثقة، والعجلي ناقد بصير متخصص في النقد، ولكتابه في الثقات منزلة عند المحدثين.
وقال ابن حبان في كتاب (الثقات): كان ابن أدهم صابرًا على الجهد، والفقه، والورع الدائم، والسخاء الوافر إلى أن مات في بلاد الروم سنة 161هِ.
ولعل أحدًا يتململ هنا ويقول: ابن حبان متساهل في التوثيق، وينسى أن التساهل المنسوب إلى ابن حبان مخصوص في الذين لم يجد أحدًا يوثقهم أو يجرحهم، فيرجح جانب الستر فيهم ويصنفهم في الثقات من دون إطراء، ولكنه هنا يطري على رجل معروف مشهور.
وقال أبو الأحوص: رأيت من بكر بن وائل خمسة ما رأيت مثلهم، فذكر ابن أدهم فيهم.
ومن لا خبرة له بعلم الرجال يمر على مثل هذه الأقوال مرورًا عابرًا، لجهله بمنازل أصحابها، ولا يدري –مثلا- أن أبا الأحوص هذا هو شيخ جمهرة من شيوخ البخاري، وحديثهم عنه متوافر في الصحيح، وكان كوفيا معاصراً لإبراهيم بن أدهم، وذكروا عنه أنه كان: (ثقة صاحب سنة وأتباع) ()، أي أه كان صحيح العقيدة، حاثا على اتباع السنن، داعيًا إليها، ولم يكن يروي الحديث فقط، ومن كان في مثل هذه الحال، كيف يسوغ له توثيق مبتدع؟
وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: سمعت سفيان بن عيينة يقول: رحم الله أبا إسحاق –يعني إبراهيم بن أدهم- قد يكون الرجل عالمًا بالله ليس يفقه أمر الله.
ومرة أخرى يتعرض قليل الخبرة هنا للوهم حين يظن أن هذه الكلمة تحمل شبه تضعيف، لما في ظاهرها من إشعار بذلك، ولكنها أقرب الكلمات إلى توثيق عقيدة ابن أدهم، فابن عيينة يقر هنا بأن ابن أدهم من العلماء بالله، أي بتوحيده وصفاته، لكنه ليس بفقيه في الأحكام والأمر والنهي وفروع المعاملات.
وهذا القول على الأخص، ينفي الجانب الذي يرتكز عليه من يتهم ابن أدهم، إذ إن ابن عيينة وإن أقام بمكة وصار إمامها، إلا أنه كوفي الأصل، وله مع ابن أدهم مجالس.
هذه هي التوثيقات التي أوردها ابن حجر خلال ترجمة إبراهيم في تهذيب التهذيب، ويمكننا أن نضيف لها توثيقات أخرى تؤخذ بالقرينة من نفس الترجمة، فقد ذكر أن إمام الكوفة سفيان الثوري، المعاصر لابن أدهم، قد روي عنه الحديث، وكذلك الأوزاعي إمام الشام، وروايتهما وإن لم تكن دلالة توثيق كاملة، إلا أنها تلقي في القلب نوع اطمئنان.
ومن القرائن الأخرى أيضًا: أن الترمذي روي له في باب الطهارة من سننه حديثا معلقا، وما هي بدلالة توثيق كاملة، نقولها مرة أخرى، لكنا نعرف أنهم كانوا يتجنبون أصحاب البدع العظيمة والعقيدة الفاسدة.
ولهذا نجد ابن تيمية قد سبقنا، فشهد لابن أدهم، وقال: (أما المستقيمون من السالكين، كجمهور مشايخ السلف، مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم...) ().
وهذه تزكية طاهرة لعقيدة إبراهيم.. تتجاوز مجرد الإقرار له بالصدق.
ويهم بعضهم حين يفهمون أن توثيقات النقاد الذين ذكرناهم، لابن أدهم، تقتصر على توثيق روايته للحديث دون تزكية عقيدته، وأن أصحاب الحديث قد يروون لمبتدع صادق.
فهذا القياس لا يرد، إذ أن الصادقين أصحاب البدع، الذين أوردت المدونات الحديثة لهم شيئا من رواياتهم، كانت بدعتهم معروفة مشهورة في جيلهم، فذكرها النقاد، ونصوا على تلبسهم بها، ومع ذلك أجازوا الرواية عنهم، وجعلوا حديثهم حجة أو صالحًا للاستشهاد به، بمقدار بدعتهم، أما الذين أطلقوا فيهم القول بالتوثيق، فيشمل قولهم توثيق عقيدتهم، وأجزم بذلك وإن لم يكن بين يدي قول ناقد يقرر ذلك قاعدة، ولكنه الاستقراء الذي جعل ما أقول واضحًا لدى كل متداولي علم رجال الحديث، فإن جمع أقوال علماء الجرح والتعديل، على نحو ما أودع في كتاب تهذيب التهذيب، لم يترك أحدًا من المبتدعة إلا وذكرت بدعته في ثنايا ترجمته، إن أغفل ذكرها ناقد: ذكرها آخر ولا بد، ولم يفلت أحد من تدقيقهم.
فتضعيف إبراهيم بن أدهم إذن، يصطدم بعقبة توثيق القدماء له، خصوصا وإن فيهم ابن عيينة الذي صرح بأن ابن أدهم من العلماء بالله، ناهيك عن شهادة ابن تيمية له بالاستقامة، وهو الخبير بجزئيات المواقف العقائدية لأجيال المسلمين التي سبقته، خبرة لا نستطيع التقليل من شأنها.