(إياكم وكل هوى يسمى بغير الإسلام).
صرخة تحذير صرخها المحدث الثقة ميمون بن مهران رحمه الله، حين خاف أن يخدعنا بريق الأسماء المغايرة، ما زال صداها مسموعًا عبر الأجيال.
فهو ينبهنا إلى أن كل ما هو (غير الإسلام) لا يعدو أن يكون هوى من الأهواء، مهما تعدد شكل هذا الغير، وأيًا كان الزمن الذي يظهر فيه.
وهذا هو المأثور عن جميع أئمة المسلمين، ليس عندهم إلا حق واحد، وهو الوحي، وما عداه فهو الهوى المذموم الذي لا يمدح شيء منه ولا يلتحق بالحق، ولا يجوز للمسلم أن يحتكم إليه أو يطمئن إليه قلبه.
وحي... أو الأهواء
وقد استوفى الإمام الشاطبي تقرير ذلك في إيجاز، فقال في الموافقات:
(قد جعل الله اتباع الهوى مضادًا للحق، وعده قسيما له، كما في قوله تعالى: (يَا دَاوُدُ إöنَّا جَعَلْنَاكَ خَلöيفَةً فöي الأَرْضö فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسö بöالْحَقّö وَلاَ تَتَّبöعö الْهَوَى فَيُضöلَّكَ عَن سَبöيلö اللهö)الآية.
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإöنَّ الْجَحöيمَ هöيَ الْمَأْوَى) وقال في قسيمة: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّöهö وَنَهَى النَّفْسَ عَنö الْهَوَى* .فَإöنَّ الْجَنَّةَ هöيَ الْمَأْوَى).
وقال: (وَمَا يَنطöقُ عَنö الْهَوَى* إöنْ هُوَ إöلاَّ وَحْيñ يُوحَى).
فقد حصر الأمر في شيئين: الوحى، وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما.
وإذا كان الأمر كذلك فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي: توجه للهوى ضده، فاتباع الهوى مضاد للحق.
وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنö اتَّخَذَ إöلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عöلْمٍ).
وقال: (وَلَوö اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتö السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فöيهöنَّ).
وقال: (أُولَئöكَ الَّذöينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبöهöمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).
وقال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيّöنَةٍ مّöن رَّبّöهö كَمَنْ زُيّöنَ لَهُ سُوءُ عَمَلöهö وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).
وتأمل. فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، وقد روى هذا المعنى عن ابن عباس أنه قال: ما ذكر الهوى في كتابه إلا ذمه.
فهذا كله واضح في أن قصد الشارع: الخروج عن اتباع الهوى)().
ليس من طريق وسط
وما يزال ذاك أمر الله تعالى إلى رسوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ، فقال جل من قائل: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرöيعَةٍ مّöنَ الأمْرö فَاتَّبöعْهَا وَلاَ تَتَّبöعْ أَهْوَاءَ الَّذöينَ لاَ يَعْلَمُونَ).
(فأما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون، وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة، وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء، فكل ما عداها هو يهفو إليه الذين لا يعلمون) ().
(إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل، وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها، وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء) ().
ثم ما يزال ذاك أمره تعالى إلى المؤمنين، مخاطبًا لهم أن:
(يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فöي السّöلْمö كَافَّةً وَلاَ تَتَّبöعُوا خُطُوَاتö الشَّيْطَانö إöنَّهُ لَكُمْ عَدُوّñ مُّبöينñ).
إما هدى الله، وإما غواية الشيطان، وبمثل هذا الحسم يدرك المسلم موقفه، فلا يتلجلج، ولا يتردد، ولا يتحير بين شتى السبل، وشتى الاتجاهات.
إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحدًا منها، أو يخلط واحدًا منها بواحد.
كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته، ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله وشريعته، ومن لا يتجرد من كل تصور آخر، ومن كل منهج آخر، ومن كل شرع آخر، إن هذا في سبيل الشيطان، سائر على خطوات الشيطان)().
فتنة.... وحذر
وقد سمى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رد الشيء الواحد من كلام رسول الله زيغًا، فقال:
نظرت في المصحف، فوجدت طاعة الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ في ثلاثة وثلاثين موضعًا).
ثم جعل يتلو: (فَلْيَحْذَرö الَّذöينَ يُخَالöفُونَ عَنْ أَمْرöهö أَن تُصöيبَهُمْ فöتْنَةñ).وجعل يكررها ويقول:
(وما الفتنة؟: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيزيغ قلبه فيهلكه) ().