ومركز القدوة حساس دقيق جدًا، ويجب أن لا يوضع فيه إلا من كان مستعدًا للأخذ بالعزيمة، والبعد عن الرخص، وإلا من كان يغلب عليه الجد والزهد والتجرد، ويشتاق إلى التعب والبذل، لأنه إمام لمن حوله يقلدونه، ولابد أن يكون فعله أبلغ في التعبير عن عقيدته ومعاني دعوته من قوله، لأن المنظر أعظم تأثيرًا من القول.
ومن هاهنا، لما هم إمام مصر الليث بن سعد بفعل مفضول ينافي العزيمة قال له إمام المدينة يحيي بن سعيد الأنصاري: (لا تفعل، فإنك إمام منظور إليك) ().
وقيل:
"من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب".
ومن لم ينعشك عبيره على بعد، فاعلم أنه لا طيب فيه، ولا تتكلف لشمه.
والداعية الصادق تستمر هيبته الإيمانية في تعاظم، وتظل في تصاعد ما تصاعدت هيبته لله تعالى، وتعاظمت اهتمامات قلبه بدعوته، حتى يغدو منظره قاطعا لغفلة ناظره.
وقال الشافعي:
"من وعظ أخاه بفعله كان هاديًا".
وكان عبد الواحد بن زياد يقول:
(ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه).
وقال بعضهم:
"للمزيد بلقاء كل صادق مزيد، وفد ينفعه لحظ الرجال كما ينفعه لفظ الرجال، وقد قيل: من لا ينفعك لحظة لا ينفك لفظه.
ثم شرح هذا المعنى اللطيف فقال:
(إن الرجل الصديق يكلم الصادقين بلسان فعله أكثر مما يكلمهم بلسان قوله، فإذا نظر الصادق إلى تصاريفه في مورده، ومصدره، وخلوته، وكلامه وسكوته، وانتفع بالنظر إليه، فهو نفع اللحظ، ومن لا يكون حاله وأفعاله هكذا فلفظه أيضا لا ينفع، لأنه يتكلم بهواه، ونورانية القول على قدر نورانية القلب، ونورانية القلب بحسب الاستقامة والقيام بواجب حق العبودية وحقيقتها).
وهذا من جيد الكلام.
ومثله من كله التابعين قول شهر بن حوشب:
(إذا حدث الرجل القوم فإن حديثه يقع من قلوبهم موقعه من قلبه).
وقول مالك بن دينار:
(إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا) أي قطرة الندى عن الصخرة الملساء.
ويروي أنه قيل لعيسي عليه السلام:
(من أشد الناس فتنة؟
قال: زلة العالم، إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير) ().
فلكل هذا كان من فقه الدعوة دقة اختيار من يكون قدوة، ولا تساهل في الأمر، ولا نخدع أنفسنا فنسوغ التساهل تجاه البعض بعدم تسميتهم قدوات، وبوصف مهمتهم بغير وصف التربية، فإن كل من يتعامل مع الدعاة إنما هو قدوة لهم، من حيث إمكانية رؤيته وسماع قوله، ووجود تأثير السمع به، فإن إنضاف إلى ذلك إيحاء وصف الداعية بأنه من المربين زاد التأثير ولا شك، وتفتحت القلوب لقبول كلامه ومواعظه، فإن عضدها فعله فنعمت المواعظ منه، وإن لم تترجمها حياته اليومية معهم إلى أفعال فإنها لا تعدوا أن تكون هذرًا منفرًا.
(إن الموعظة أن لم تتأد في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفس إلا النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن كان في طريقة روحهم، وإن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام، لا وضع القياس والحجة، وإن الرجل الزاهد الصحيح الزهد إنما هو حياة تلبسها الحقيقة لتكون به شيئا في الحياة والعمل، لا شيئا في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار، من واتاها أحسها.
ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام، فلا يزيد الحرام إلا ظهورًا وانكشافًا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها، وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب.
والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا، هو الفقيه الفاسد الصورة في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه) ().
وبإيجاز: إن (الأسوة وحدها هي علم الحياة) ().
ودعوتنا هي الحياة.
فالأسوة وحدها هي علم الدعوة.
وعلم الدعوة كله هو الأسوة الصادقة.