ومثلما لا يليق بعلماء الذرة الآن أن يتطاولوا على أرخميدس وفيثاغورس وغيرهم من قدماء علماء اليونان، لما نجده من تقارب قوة وأهمية معادلات أولئك ومعادلات هؤلاء في دفع عجلة العلم، وأن كلا من الجمهرتين أتت رائعا بديعا في عصرها، فإنه لا يليق أيضا بالمتأخر ممن يفتش للدعوة الإسلامية عن معادلاتها الجديدة أن يتطاول على من سلف من فقهاء الأمة وقادة الدعوة، ولا أن يتنكر لهم، ولا أن يدلس على من يخاطبهم، بل يجب عليه أن يكون وفيا أمينا، فيذكر نص حروفهم حيث أغنت وكفت للتغبير عما يريد، ويكون له دور الإحياء، والربط، والتحليل، وإبراز المهم، وشرحه، وبيان حصول الإجماع فيما أجمعوا عليه. والأسطر الخفية المنسية إن أرجعها الباحث إلى ميدان التداول، وأوقع الأبصار عليها، وفتح أبواب القلوب إليها، فكأنما أحياها من بعد موت، واصطادها من بعد فوت.
وواجب المتفقه أن ينتبه لمثل هذا السمت الواجب لبحوث الدعوة، فلا يضيق صدرًا بالنقول، بطرا وترفا، ولا يسأم تكرر المراجع، فإن الفقه منحة الوهاب، حبا به قوما قليلين.
وأثناء ذلك، لا تخف الاجتهاد والرأي الجديد، فإن فقه الدعوة لا ينمو إن حرصت على التعميم الذي يبقيك في دائرة ما لا خلاف فيه، ولكن تصلب في منهج البحث لا تتسامح فيه، واحرص على الأصول لا تدع مستعجل السير أو هياب الصراع أن يتلاعب فيها، فيخرج إلى نوع تهور أو تخذيل، ولا من استفزه الرعاع أن يسارع إلى تكفير.
ويعجبني جدا في هذا المجال استعراض داعية في مجلة (المجتمع) لدور سيد قطب في توضيح وتحديد المنهج التربوي الحركي، ودور عبد القادر عودة في تحديد المنهج التشريعي، من بعد اليقظة التي أوجدها الإمام البنا في تعميماته ومهد لهما بها، والتثبيت الذي قام به الهضيبي بصلابته في موقفه، ثم استعراضه لما يصاحب كل توضيح، وتحديد، وتفصيل من اختلاف اجتهادي بدافع الحرص، والإخلاص، والاستجابة للواقع المتغير، ودور الإجماع دائمًا في حل الخلاف. وختم كلامه بأن تساؤل: (ترى، أتعود الحركي إلى التبسيط والتعميم خروجًا من المتاعب وأمانة من المخاوف، أم تمضى شوطًا أبعد في التفصيل وتتحمل ضريبة هذا التقدم والانتشار؟؟)()، وهو تساؤل يكمن خلفه وعي صحيح لدور بحوث فقه الدعوة في تقدم الدعوة حتى وإن ردت بعض اجتهادات الباحثين من بعد.
فإن لم تقدم هذه البحوث اجتهادًا جديدًا فإنها لا تخلو من تعبير يزيد الوضوح، أو اصطلاح يخصص الدلالة، أو فتوى فقيه قديم مهاب يبين أصل ما نظنه جديدًا، أو –على الأقل- تقريب اجتهاد الآخرين، بالإقرار والموافقة، من تناوش الإجماع.
وحين تصدأ القلوب، وتتعكر النفوس، وتبرد الهمم، يكون ما تحمله هذه البحوث في ثناياها من قصص الحماسة، ومجاز الخطاب، ومنظوم الألفاظ، نعم العلاج اللطيف، فيه التجلية، والترقيق، والتصفية، والإشعال.
( ) مجلة المجتمع الكويتية، العدد 115، ص11.