وكان هؤلاء الأئمة رحمهم الله أصحاب فقه عظيم، عرفوا المقاصد العامة للشريعة، وجواز –بل وجوب- كل ما يحقق هذه المقاصد وإن لم تنص عليه، وعرفوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو وجب، فانخلعوا عن الفردية حيث اقتضى الأمر هذا الانخلاع وتكاتفوا، وعملوا عملا جماعيًا، وأوضحوا في عدد من الفتاوى الواضحة الصريحة شرعية العمل الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما تسمى هذا العمل الجماعي بأسماء مختلفة، كالجماعة، والحزب، والكتلة، وغير ذلك. وإذا كان العمل جماعيا فلابد أن يكون له قائد ورئيس، سواء سمى زعيما، أو مرشدًا، أو رأس الحزب.
وقد تستغرب أشد الاستغراب حين تعلم أن تسويغ إنشاء الجماعات العاملة لغايات شرعية، وتسويغ مثل هذه الاصطلاحات التي تظنها حديثة، قد ورد في كلام الفقهاء والأئمة القدماء، مما يعطينا صورة واضحة عما تحوي بطون الكتب الفقهية من فقه حركي إسلامي مجهول لدينا ينتظر من ينتزعه منها وينشره للدعاة.
اسمع قول ابن تيمية في شرعية العمل الجماعي، مما لا تكاد تصدق أنه من كلام القدماء.
يقول رحمه الله:
(وأما لفظ "الزعيم؟ فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: (وَلöمَنْ جَاءَ بöهö حöمْلُ بَعöيرٍ وَأَنَا بöهö زَعöيمñ) فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير: كان محمودا على ذلك، وإن كان شرًا: كان مذموما على ذلك.
وأما "رأس الحزب" فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل: فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان) ().
إنه من أثمن النصوص التي تحج وتفند رأي من يرى أن العمل الجماعي بدعة غريبة على الأساليب الإسلامية.
وإنه لنص رائع يحفز الدعاة لجمع أمثاله وجعلها محور فقه الدعوة، فتحوز الدعوة رسوخا جديدًا، بما تملكه هذه النصوص من هيبة قائليها، وبما تؤدي إليه من القيام بدور القول الفصل حين يسارع مستعجل واهم، أو خائر نائم، إلى تبديع من يعمل من دعاة الإسلام العمل الجماعي مع أصحاب له من الدعاة آخرين.
وأني يكون في العمل الجماعي نوع بدعة وهو الأصل الموروث عن الأنبياء عليهم السلام؟
قال تعالى: (قُلْ هَذöهö سَبöيلöي أَدْعُو إöلَى اللهö عَلَى بَصöيرَةٍ أَنَا وَمَنö اتَّبَعَنöي).
قال ابن القيم: (قال الفراء وجماعة: ومن اتبعني معطوف على الضمير في أدعو، يعني: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو، وهذا قول الكلبي.
قال: حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه). ()
وقال تعالى: (وَكَأَيّöن مّöن نَّبöيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رöبّöيُّونَ كَثöيرñ).
قال ابن القيم: (فالربيون هنا: الجماعات، بإجماع المفسرين، قيل: إنه من الربة، بكسر الراء، وهي الجماعة. قال الجوهري: الربي واحد الربيين، وهم الألوف من الناس) ().
فالأنبياء عليهم السلام قاتل معهم الألوف.
وسيرة خاتم المرسلين ِ صلى الله عليه وسلم ِ مثل واضح لذلك.
وورثة هذا النبي، وأؤلئك الأنبياء، لهم أسوة حسنة بهم، لا يتفردون، بل يسيرون ألوفا.