لم يزل علماء المسلمين يعتبرون العلوم الشرعية المباشرة تحيي موات القلوب، فهي ماء حياة للقلب، ولئن كانت العلوم الشرعية المباشرة هذا الدور، فكذلك العلوم التي تخدم العلوم الشرعية مباشرة إذا قصد بها وجه الله كعلم العربية مثلاً. وقد أخذ علماء المسلمين هذا المعنى من أن العلوم الشرعية تحيي موات القلب من نصوص كثيرة أبرزها قوله عليه الصلاة والسلام: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيةً قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منه أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلöمَ وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" متفق عليه. ومن ههنا اعتبرنا دراسة المنهج الذي نقصد به علوم الشريعة مباشرة وما يخدمها أغدية التوحيد الرئيسية. إن كثيرين من الناس انتسبوا إلى جماعات إسلامية فأخذوا بعض الأفكار العامة وشيئاً من العلم فأحدث هذا عندهم شعوراً بالاكتفاء والاستغناء. فهم بما حصلوه مكتفون وهم به مستغنون وهذا أفسد عليهم تطلعاتهم فالمسلم في الأصل طالب علم من المهد إلى اللحد وقد قال تعالى لرسوله: {وقل ربي زدني علماً}.
فالمسلم والمسلمة لا يَنöيَا عن طلب العلم ماداما حيين فالعلم والذكر هما زادا المسلم إلى الآخرة بحاجة إلى زاد يومي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً" أخرجه ابن ماجه، حديث حسن، إلا أن المسلم تتعلق همته بالأهم ثم المهم. والدراسة المطلوبة لمرحلة الإرشاد الكامل الذي هو المنصب الذي يتطلع إليه كل مسلم هي التي تتضمن النقاط العشرة التالية بشرط أن يكون التأليف فيها مستوعاً وموثقاً وأن يكون المشرف على إعطائها مزكى وموثقاً، ثم بعد ذلك لا يهمّ أن تؤخذ كلها على مراحل أو توزع على مراحل أو يؤخذ بعضها ثم يؤخذ غيره فغيره حتى الاستكمال. والنقاط العشر هي:
1- القرآن وعلومه.
2- السنة وعلومها.
3- علوم اللغة العربية.
4- أصول الفقه.
5- العقائد.
6- الفقه.
7- الأخلاق والتربية والسلوك.
8- التاريخ الإسلامي.
9- الأصول الثلاثة.
10- فقه الدعوة.
فدراسة هذه القضايا العشر هي دراسة المنهج المطلوب ليكون الإنسان داعية كاملاً. لقد كتب الأستاذ البنا في سنة 1946م مقالاً تمنى فيه أن تغلق كل الأبواب أمام إخوانه إلا باب دراسة المنهج والتربية عليه وباب المشروعات المفيدة. ولكن ما هو هذا المنهج؟ إن هذه القضية تختلط بأذهان الدعاة فترى الكثيرين منهم يبحثون عن منهج. وبعضهم يفهم المنهج أنه خطة الحركة على مستوى قطر أو على مستوى العالم وبعضهم يفهم المنهج على أنه الجوانب التطبيعية لما نريده بعد قيام الدولة وبعضهم يفهم المنهج على أنه خطتنا للوصول إلى الدولة الإسلامية الرائدة، والذي أراه أن المنهج هو مجموع الدراسات العلمية والالتزامات العملية التي يحتاجها المسلم لترقيه العلمي والدعوي والقلبي والروحي، ملاحظاً في ذلك كل ما يفهمه الناس من كلمة المنهج. وما ذكرناه من النقاط العشر إذا أحسن استيعابه وإذا تخيّر المؤلفات فيه فإنه يمكن أن يضمن المنهج المطلوب دراسته، ومع أننا لا نشترط صيغة بعينها للدراسة فإننا نقترح الصيغة التالية على أنها صيغة مفضلة عندنا. يبدأ الدارس بدراسة الأصول الثلاثة. وجند الله ثقافة وأخلاقاً. وسلسلة كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر. ويتقن تلاوة القرآن ويتعرف على أحكام التلاوة. ويقرأ كتاباً في السيرة وكتاب رياض الصالحين في السنة وكتاباً في الفقه ورسالة المأثورات. ثم بعد ذلك يدرس المواد المتبقية مادة مادة محاولاً استيعابها فيحاول بالنسبة للقرآن أن يدرس كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن وأن يدرس كتاباً مناسباً للعصر في التفسير ككتاب الأساس في التفسير ومهما حفظ من القرآن فحسنّ ومهما تعرف على القراءات فحسنّ، واتقانه لهذه الدراسات القرآنية يجعله مؤهلات لأن يكون ربانياً. قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}.
وبالنسبة للسنة يدرس كتاباً مناسباً في مصطلح الحديث وعلوم الحديث ويدرس كتاباً مستوعباً في السنة، ومن أجل ذلك جمعنا كتاب الأساس في السنة وفقهها ملاحظين فيه استيعاب السنة وتقديمها لما يناسب حاجات العصر. وبالنسبة لفقه الدعوة فهناك رسائل الأستاذ البنا ومذكراته وهناك سلسلة في البناء. وبالنسبة للتربية والتزكية والسلوك هناك كتاب تربيتنا الروحية. والمستخلص في تزكية الأنفس. ومذكرات في منازل الصديقين والربانيين. وبالنسبة لعلم أصول الفقه هناك كتاب جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما، وهناك كتاب الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص. وبالنسبة لعلوم اللغة العربية فليقرأ الإنسان ما تيسر من كتب النحو والصرف وعلوم البلاغة والخط والإملاء والعروض وفقه اللغة وكتب الأدب وليعتد مراجعة قواميس اللغة. وبالنسبة للعقائد لابد أن يقرأ المسلم كتاباً موثقاً في عقائد أهل السنة والجماعة. وكذلك بالنسبة للتاريخ. وباستيعاب المسلم ما مرَّ يكون قد درس المنهج متكاملاً ثم هو بعد ذلك يركز على ما شاء وينبغي مع المطالعة اليومية أن يكون له حظه من الذكر اليومي وبذلك نرجو أن يوجد الولي المرشد أو الداعية الكامل أو العالم الكامل أو الوارث النبوي وتلك هي المقدمة الكبرى لاستقامة الحياة على مستوى الأفراد والأسر والشعوب أو الأمة.