الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

حوافز التطوير

هو الإسلام معركة وزحف.

هكذا رآه وليد([1]).

وإنما هو العامل الحاسم سنة الأنبياء عليهم السلام، كما قال الله تعالى: (وَاذْكُرْ عöبَادَنَا إöبْرَاهöيمَ وَإöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولöي الأيْدöي وَالأَبْصَارö).

قال ابن القيم:

(فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق.

والأبصار: البصائر في الدين.

فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه)([2]).

فالقوة في تنفيذ الحق طريق إيماني أصيل، ولا يعرف الإسلام علما مجدًا مجمدًا متقوقعًا، تهرب به المخاوف، فتعزله عن واقع الحياة، أو تقيده الزوجات والشهادات.

أو على الأقل: هي أعمال متكاملة مترادفة، من مجموعة متعاضدة فبعض منهم الرأي، والرمي من بعض آخرين.

فليس يزيح الكفر رأي مسِِِدد             إذا هو لم يؤنس برمي مسدد

وإذا عكست المعادلة: كانت صحيحة أيضًا، فإن القوة تبقي طائشة ما لم يحكمها العقل ويقودها الفكر.

يكون البيان أولا، بل بينات، تهتدي بموازين الرسالات، لعل المسيطر يفقه فيعدل، فإن أعراض واستبد: كان له منا التقويم.

ذلك هو المنهج المرسوم لنا، وليس ثم ابتداع.

قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بöالْبَيّöنَاتö وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكöتَابَ وَالْمöيزَانَ لöيَقُومَ النَّاسُ بöالْقöسْطö وَأَنْزَلْنَا الْحَدöيدَ فöيهö بَأْسñ شَدöيدñ وَمَنَافöعُ لöلنَّاسö وَلöيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بöالْغَيْبö إöنَّ اللهَ قَوöيّñ عَزöيزñ).

قال ابن تيمية: 0فبين سبحانه وتعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل وما به يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد، فمن خرج عن الكتاب والميزان، قوتل بالحديد)([3]).

سواء هي، مهمة الأنبياء في ذلك، ومهمة أتباعهم، بعد البيان فإنما (جعل السيف ناصرا للحجة، وأعدل السيوف: سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأمته)([4]).

 

الهابطون...!

وقد خرج حكام اليوم عن الكتاب، وأقام الدعاة الحجة.

فمنهم كافر، وكفره أوضح من أن يحتاج لدليل: يحكم بغير القرآن، فهو في كفر أصغر على أقل تقدير، ويعلن بلسانه ومواد قوانينه تحليل الحرام وتحريم الحلال، فهو في كفر أكبر صريح.

ومنهم العجزة الشهوانيون، الذين اجتمعت فيهم كل السيئات، واستبدوا بالأمر من غير مقدرة، وراثة أو انقلابًا.

إن خواطبوا: كذبوا، أو طولبوا: غضبِوا     أو حوربوا: هربوا، أو صوحبوا :غدروا

على أرئكهِم- سبحان خالقهِم-            عاشوا وما شعروان ماتوا وما قبِِروا

ومثل هؤلاء حجر عثرة في سبيل تقدم الأمة وارتيادها لطريق نهضتها الصحيح، وهم الذين يوجه لهم الاتهام في إيصالنا إلى هذا الحد من العجز أمام العدو اليهودي وغيره، فتغييرهم ضرورة إنسانية قبل أن يكون حكما شرعيا، بما فرطوا، فخططهم الاقتصادية واهية متناقضة، وأموالهم نفطهم مبددة في غير المنافع التي يفترض أن تخصص لها، وهمهم الأكبر منصب على توسيع الاستهلاك دون تصنيع مبرمج وتسليح، ولا سعي نحو الاكتفاء الذاتي، وأما تدميرهم لبقية الأخلاق بالمفاسد المتنوعة والهدم الاجتماعي ومحاربة معاني الجهاد والرجولة فالحال فيها يغني عن المقال.

ومنهم الظلمة، الذين أضافوا إلى ذلك: إفناء دعاة الإسلام، وتشريدهم وتجويعهم، بطرق يفترض أن يتنزه عنها أحط البشر أخلاقا.

لكن الصاعدون يعيدون البناء

من هنا كان الخيار أمام دعاة الإسلام خيارا واحدا، لا ثاني له، ولا تنازل عن بعضه: أن يطلقوها صيحة تكبير لله تعالى، تميد لها الطواغيت مضطربة، ويقيموها صلاة تسجد معها الجباه، عنوانا لطريق تربوي يتولى مهمة التغيير...

وتعالى التكبير : يا سدة الأصنِِام ميدي، ويا علوج تنِائي

فالصلاة الطهور عالية الأصِِِداء          جوابه.. بكل فضِِِاء

هزت الجاهلِي فاهتز إنسِِانِِا ثابت العِزم مثل الأعباء

إنه طريق البناء بالصلاة يهز رجال اليوم فيتركون أطوارًا جاهلية تكتنف حياة المجتمع وينتظمون في الدعوة، كما هز رجال جاهلية العرب بالأمس، فإن الإنسان يصيب كمال إنسانيته بدون الصلاة، إذ هي من تمام فطرته، وبها يترك لهو الجاهلية كله، ويشرع في حمل أعباء التغيير الثقال، مثلما يصفو ذهنه، فيكتشف ضرورة حمل السلاح...

فليس تنفع مظلوما شكايته           إن لم يجالد بسيف صارم خذم

ولو أجاب بغير السيف: لم يجب...

وذلك فهم قديم رواه ابن قتيبة الدينوري عن على بن أمية أول زمن بني العباس، لما آلمه ما هنالك من اضطراب عم فيه:

فناء مبيد، وذعِِر عتيِِِد               وجوع شديد، وخوف وضيق

وداعي الصباح، بطول الصياح                 السلاح السلاح، فما نستفيق([5])

فما كان يدري، أيهما أعجب: إيغال الظالم في غوايته، أم مبالغة المظلوم في غفوته؟

 

بين الاقتحام المرتجل والوداعة الساذجة

هما طريقان خاطئان ننكرهما:

طريق التهور والمجازفة، والتسرع والاختصار، دون تربية ممهدة، ولا بث وعي مساند، فإن مثل هذا العمل لا يقف على أرض صلبة، ولا له احتمال دوام، بل هو الفورة المرتجلة التي ترتفع ومعها أثقال هبوطها، والمفروض في الدعاة أن يكونوا (أعمق فكرًا، وأبعد نظرًا، من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا إلى أعماقها، ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها)، والجماعة (إذا استخدمت قواعد الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة، خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك)، والقاعدة في ذلك: (أن أل درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا)([6]).

وطريق التربية المجردة، الباردة غير اللاهبة، العزلاء المستضعفة: لنا إنكار عليه مماثل، فإن سير الأنبياء عليهم السلام لتنكر هذا الطريق، ولو أنهم نظروا إلى أسلوب قيام دول الشيوعية وإلى مراحل قيام دولة اليهود لأنكروا على أنفسهم قبل إنكارنا عليهم.

ورحم الله الرافعي، ما أفقهه، وأعلمه بطريق الإصلاح حين يقول:

(لو أنك صبغت البحر بملء قارورة حمراء لما صبغت البحر الإنساني بالزاهد والمصلح، ما دام المصلح شيئا غير السيف، وما دام الزاهد شيئا غير الحاكم)([7]).

فلو فرضنا أنك تصبغ البحر الأزرق بلون أحمر بواسطة مجرد قارورة حمراء واحدة، مع استحالة ذلك، فإنك لن تحصل على نتيجة من صلاحك في المجتمع ما دام السيف ليس في يدك، وما دمت بعيدا عن الحكم، إن هذا الأمر مستحيل أكثر من استحالة تبديل لون البحر بمجرد قارورة حمراء.

إنه لا قيمة لزهد وإصلاح بلا قوة تتحرك.

بل اعلم أنك:

متى تجمع القلب الذكي، وصارما     ووعيا عليا: تجتنبك المظالم

فالجاهلية تستأسد على جماعة الإيمان وتريد الإيقاع بها، ولن يتمكن المؤمنون من دحرها إلا بهذه الثلاثة:

·                                 باجتماع الفراسة السياسية، وهي: القلب الذكي.

·                                 مع القوة، يحيازتها، أو بالتغلغل الصامت، وذلك: الصارم.

·                                 مع الفقه الحركي الرفيع باستعلاء المفاصلة، وذلك هو: الوعي العلي.

فجد وعيا صحيحا لحقيقة المعركة، تحمله قلوب ذكية بعيدة عن السذاجات.

وجدًا صارمًا تحمله سواعد قوية لا تعول على مجرد تقديم المذكرات.

وجد عزة مستعلية، تحملها نفوس أبية لا تخدرها حلاوة الخلوات.

تجتنبك المظالم.

وتعصف بالجاهلية.

إن الدعوات تسرف في الكلام أحيانًا، وترفع المنابر لخطبائها:

تنصح حكامًا ما هم بأحرار ابتداء، ولو أنها سلكت طريق الحزم لكان أسهل لها وأقصر.

ولذلك نبه الإمام البنا جنده إلى طبيعة مستقبلهم، وطلب منهم الاستعداد، وذكرهم بأنهم (سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة)([8]).

 

الفقهاء ساسة الأمة

لم يبتدع الإمام البنا رحمه الله هذا الاتجاه ابتداعا، ولكنه الفهم الأصيل الأول القديم لارتباط السياسة بالدين واحتياجها إلى القوة.

إنها نظرية موضوعية واضحة كاملة فطن لها الإمام الغزالي فقال:

(اعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار، فهذا مبدؤهم، وهذه غايتهم، وهذه منازلهم، وخلق الدنيا زادًا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء، ولكنهم تناولوها بالشهوات، فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلق أيضًا بالدين، لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان)([9]).

وإنما استطرد الغزالي استطراده الأول لبيان اعتماد افقه السياسي الإسلامي على أسس العقيدة، وارتباط مهمة السلطة بمهمة العبادة التي خلق الله تعالى لأجلها الخلق، وليست إشارته إلى تعطل الفقهاء إذا ساد العدل إشارة أسف لفوات مهمة يرتزقون منها، ولكنه لفظ تستسيغه لغة القدماء، ولا يأباه ذوقهم التعبيري، هجرته الأساليب الحديثة، فبدا غريبا.

 

مدارج الانفتاح هي مراقي الصراع

إن الطابع التغييري لمنهج الدعوة الإسلامية و اعتماده مذهب القوة ينفي نفيا قاطعا استمرار أطوار التشدد في الانتقاء والمساورة لأطول من المدة الضرورية التي يقتضيها التأسيس، فإن سعة العدد، وتنوع الاختصاصات القيادية، ونشر الفكرة، وإصلاح المحيط، وشمول الأساليب والوسائل: لوازم لا بد منها لكل عمل تغييري، يجب توفيرها بمقدار وسط تحت مظلة الانفتاح، كنقلة تدريجية تمنع الهزة وتحفظ الرصيد التربوي أن يستهلك وينفد، ثم بمقدار أكبر وأضخم في المرحلة الأخيرة، في تصعيد ينتهي إلى صراع حاسم، وفق مبادئ عملية موضوعية تعتبر تعميقا أو تكثيفا أو بلورة لذات المبادئ التي لزمها الانفتاح.

ويمكن للراصد أن يلحظ ارتكاز تبرير هذا التطوير الخططي على خمسة مبادئ مترادفة توجبها ظواهر تقترن بطبيعة تطور المجتمعات والحياة السياسية المعاصرة، ثم تجتمع هذه المبادئ لتقر صواب عرض آفاق العمل المستقبلي على عموم الدعاة، مما كان خلال الإطلال الراجي أو رفع نبرات الأذان.

 

التأمل المستنبط

(المبدأ الأول: تنمية قابلية الاجتهاد القيادي المرن لدى الدعاة

فإن بعض القياديين يخالفنا في أصل القاعدة التربوية التي ابتنت عليها هذا البيانات، ويعتبر ذلك مثل هذه المباحث الخططية لعموم الدعاة عملا خاطئا، يبعث فيهم جرأة على التدخل فيما لا يعنيهم، ويغريهم بطول الكلام، ويلهيهم عن كثرة العمل، مما يجعل تبليغ كل داعية بما يخصه فقط من جزئيات الخطة ومفرداتها أولى وأصح.

ولسنا مع هذا الرأي بحال، فإن مثل هذا الحجر على هذه المعاني هو الذي أدى سابقا إلى ضمور الفكر القيادي عند كثير من الدعاة، وفي ظل طريقة التجرد لتلقي الأوامر القيادية وتنفيذها: نشأت العقلية التقليدية التي تنقصها المقدرة على الاجتهاد واكتشاف المثيل والبديل إذا تغيرت الظروف، وتعوزها نظرة النقد والتقويم من خلال الممارسة العملية.

إن ضمور الفكر القيادي الاجتهادي الحر يكاد يكون مشكلة ملموسة أينما ذهبنا، فعدد الدعاة كثير، ولكن من يملك منهم هذه الفكر قليل، ومعظم الدعاة يقلدون القيادة تقليدًا جامدًا، وينفذون تعليماتها حرفيا.

وقد يصح في بداية عمر التنظيم، أو أيام تخلخل الصف، ووجود الفتن، أن تعود الدعاة سمت تلقي الأمر والمسارعة إلى الطاعة، و تضيق عليهم مجال النقاش، خوفا من الجدل والتخذيل، ولكن أيام الرخاء ينبغي أن تستغل لتعويدهم على إبداء المشورة، ليتأصل فيهم الفكر القيادي، وإلا فإن الدعوة إذا خسرت في المحن قادتها، بقتل أو سجن أو تهجير: كان الجيل القيادي الجديد الذي يأخذ محلهم ليقود لا يعرف كيف يشتق خطة تلائم الظرف الجديد، بل يجمد على الخطة الأولى.

وحتى التنفيذ هو فن قيادي، وليس مجرد حركات ميكانيكية جسدية، ويخطئ من يظن غير ذلك، نعم، نحن لا ننفي أن توسيع دائرة تداول المعاني الخططية يؤدي إلى سلبيات مضرة يغتر معها بعض الإخوة غرورًا، يخرجهم إلى شطط في التعامل مع أقرانهم وقياداتهم، ثم يؤدي بالتالي إلى تطاول لا يقلصه غير الحزم الصارم والإبعاد، ولكن إيجابيات هذا التوسيع تظل دائمًا أكبر وأوفر إذا سيترعرع وينمو الذهن المرن، الذي لا يجمد على حرفية القرارات والأوامر، بل يقارن ويقيس ويحلل، ويربط النتائج بمقدماتها، ويرى إمكانية التفريغ، ويدرك أهمية الشروط الذي يرد كاستدراك على كل تعميم وإطلاق، ليتقدم بعد ذلك بمقترحاته من خلال تقارير ناقدة نقاش في المؤتمرات، ويكون عاملا من عوامل تطور الخطة، أو مجهرا يرصد الفرصة الكبرى أو الفرص الصغرى.

أما المقارنة فهي بين الأمور التي يطلب منه تنفيذها، وبين ظرفه وواقعة، فيكتشف بها ما إذا كانت هناك ضرورة لتعديل يقترحه.

وأما القياس، والتفريغ، فجوهرهما: اقتباس المماثل والقريب و اشتقاق ما يناسب الظرف المتجدد ممن الأمر القديم، أو من خطط بلاد أخرى.

وأم التحليل فسببه أن أي قرار تتخذه القيادة ينبغي أن يكون مستندًا إلى أسبابه المنطقية، وأن ترجو منه نتائج متصورة سلفا في ذهنها، فإذا ضعفت الأسباب المبررة، أو جاءت النتائج مختلفة، متخلفة عن تحقيق الرجاء: كان هناك لزوم العودة إلى بحث القرار.

إن الباب المؤدي إلى هذه الإيجابيات هو أن تسمح للداعية بأن يطل على منظر إجمالي كلي للبناء التنظيمي ولمحاور العمل والنشاط المتنوعة تتيحه مثل هذه المباحث الخططية، فيكون تأمل هذا المنظر وطول التحديق إليه ومراقبة حركته المفترضة معينا للداعية على فهم الأسس النظرية التي يقوم عليها هذا البناء، و تدوم بها هذه الحركة العملية، فيقودها هذا الفهم بالتالي إلى تحفيز مباشر للذهن يلحظ معه النقص فيتمه، والنجاح فيزيده.

المثل في ذلك كمثل الكيمائي الذي يصنع لنفسه نماذج تكعيبية تجسم ترابط ذرات العناصر المختلفة في جزيئة مركب عضوي، إذ أن نظر هذا العالم إلى النموذج بعين التأمل والاستنباط تمكنه من اشتقاق سلسلة إضافات ذرية للجزيئة تنتج منها سلسلة متوالية تكاد أن تكون لا نهائية من المركبات ذات التأثيرات والخواص المختلفة، ويظل يتوسع في اشتقاقاته مع أن أصل السلسلة التركيبية واحد، وقد وسعت هذه الطريقة استعمال الكيمياء العضوية في الصناعة والطب.

فكذلك بسط هذه التصورات الخططية الشاملة أمام نظر الداعية المتفقه، يدربه على التفكير بمثلها، ويكشف له نقاط ترابطها.

أو إن شئت أن تعتبر هذا النظر الإجمالي كمثل نظر فوقي لفهم خارطة مدينة من على برج عال، أو لقائد يري ميدان المعركة ثانية من طائرة لا كجبهة وتضاريس يفترض أن يكون قد رآها في تحليق أول، في وضعها الجامد الساكن، بل ليرى الالتحام وحركة الجيوش إذا حمي الوطيس.

 

شروق ثم ضحاء

(المبدأ الثاني): إعلان الهوية السياسية للجماعة

وتتحدد هذه الهوية بجملة مواقف وبيانات وتصريحات قيادية توضح للناس رأي الدعوة بالحكومات والأحزاب، وطريقتها في فهم القضايا المصيرية لأمة، ثم تشرح بحوث الدعاة ومقالات الصحافة هذا الإيجاز القيادي، وبدون هذه الهوية السياسية لا يمكن استقطاب الجماهير بأعداد كبيرة.

إن كل بلد إسلامي زاخر بكثرة هائلة من الأشخاص الثقات الذين يرغبون أن يقودهم أحد لتحقيق حكم إسلامي، وما زالوا سائبين حتى الآن لوم تصلهم أيدينا، لا لنقص في شخصيات الدعاة، ولكن الطرق الضيقة والوسائل المحدودة التي تضطر الحركات الإسلامية لأن تلجأ إليها في مراحل التأسيس هي القاصرة عن جلبهم، وهم بانتظارنا، وسيلتحقون بنا عند نزولنا إلى الميدان السياسي واستعمال الوسائل العامة، وسيتضاعف العدد بمدة قصيرة، إذ لا نقص فيها هم أيضًا، وإنما ذاك مقدار فهمهم وهي طبيعة نفوسهم، وسيكون التوسع السريع المفاجئ في عدد الجماعة بعد مدة قصيرة من ممارستها السياسية هو خير وقاية أمنية لها تقلل الآثار السيئة إذا حصلت محنة وأسرف الحكام في البطش، لأن الكثرة الجديدة مقودة بطبقة راسخة التربية قديمة توازيها في السعة أو تكاد، وليسوا مجرد قلائل مقابل جمهرة عريضة تحتاج التفهيم والتثبيت.

إن الناس تريد فهم جريان الأمور بصورة عامة، وتود أن يعينها أحد في اكتشاف أسباب الظواهر السياسية والاقتصادية وتحليلها، وتتطلع لمعرفة الموقف الإسلامي منها، وبعضهم تسيرهم الحاجة الاقتصادية التي عانوا منها ويحسون، بوطأتها، و يفتشون عن مخرج من الضيق السياسي الذي يعيشونه، أو الارتباك الاجتماعي الذي يقلقهم، ومواقف الجماعة وبياناتها يمكن أن تقذف قناعة أولية في نفوس الناس، فينضمون إلى تأييدها في حلها الاقتصادي الذي تطرحه، ويرضون طريقها السياسي الذي تفصح عنه، ثم تتطور هذه القناعة إلى فهم عقائدي وسلوك أخلاقي وارتباط تنظيمي، من خلال قراءة صحفنا ونشرياتنا، وسماع محاضراتنا وخطب حفلاتنا، ومن خلال التعرف المباشر على الدعاة وارتياد مجالسهم.

ولذلك وجب أن تقوم الدعوة بهذه المهمة الشاملة، وإلا فإن الناس ستفتش عن مورد آخر يسد حاجتها أو يرضي نهمها، فيكون تأثرهم بالإعلام الحزبي والإعلام العام، وبما فيهما من تزوير للحقائق وموازين جاهلية، وذلك هو الذي يحصل اليوم، ولسنا نصل يوما إلى الانفراد بتوجيه الناس، ولن يكون ذلك ، إذ لن يزال فيهم من لا يؤمن، ولكنها المنافسة والتقاسم والحفاظ على جمهورنا وتربيته.

نواكب التطور السياسي ونسبق التوقعات

وتختلط على بعض الدعاة أحيانا ظاهرة عدم اكتمال التطور السياسي في بلدهم بظاهرة الانتفاع المصلحي المتبادل بين السلطة ومجموعة المنتفذين و التجار وأصحاب الأموال الكبار ومحتكري المقاولات، إذ كلتا الظاهرتين تؤدي إلى الجفلة من نشوء الأحزاب والخوف من تعميم التدخل السياسي وإقحام الشباب فيه، وإن كان مسلما، فيتلكأ الدعاة في الانفتاح بعد التأسيس مراعاة لهذه الجفلة وحذرا من احتمال حصول إنكار على ممارستهم السياسية من قبل هذه المجموعة.

وذلك صواب متداخل في خطأ

أما مراعاة التطور العام للبلد فصواب وحق، فإن مشاركتنا يجب أن تسند إلى إقرار شعبي عام لها، ولا يصح أن نتجاهل موقف عموم الناس إذا لم يكن وعيهم قد ارتقى إلى الدرجة التي يفهمون بها مبررات صراع الأفكار والنتائج المترتبة على ذلك,.

وأما مراعاة ظاهرة إنكار من ارتبطت مصالحهم بالحكم القائم فخطأ، إذ ليس من المنتظر أن يفهمونا يوما من الأيام، وهم يرون في الإسلامي الحركي خطرًا عليهم كخطر الشيوعية، مع أنهم قد يكونون من المصلين، لكنها الصلاة التقليدية التي لا تنهاهم عن الجشع والظلم، وسيظل هؤلاء يشيعون في مجالسهم كلام الإنكار على الممارسات السياسية حتى ولو كانت إسلامية، ولا يصح أن نجعل إنكارهم دليلا يحدد وقت ومدى انفتاحنا، فإنهم قطاع من الشعب فحسب، وليسوا كلا لشعب، وإن كانوا ينكرون فربما يكون غيرهم من الطلاب وعموم العمال والموظفين يرحبون بهذا التدخل.

ليس هذا من التفكير الطبقي، فإن المشاعر الطبقية يأباها الحس الإسلامي، ويضع بدلها موازين الأخوة الإيمانية والتفاضل بالتقوى، ولكن مجرد صلاة المتنفذ لا تعطيه براءة مما قد يكون اختلط بصلاته من مصلحية وبخل واستغلال، ويجب أن نتحسس الفرق بين ما يطلبه الإسلام وبين واقع المسلمين الواطئ المختلط بشهوات النفوس أو أهواء الجاهلية.

إن بعض الدعاة في البلاد التي تتطور أو في البلاد  التي انفتحت فيها الدعوة من قبل وتعرضت لضرب، لو طلبت منهم التفكير بالنزول إلى ميدان السياسة أو العودة لها لاعترضوا بأن الناس لا تستسيغ نزولهم ولا تقبله وتعتبر ذلك زيادة تعقيد يرهق البلد وأهله، ولو جئت وفحصت لوجدت أن هؤلاء الناس إن هم إلا الطبقة المتنفذة والمتمولة فحسب، وتفعل ذلك حفاظا على مصالحها المرتبطة بدوام الحكم القائم، وهم هم الذين أتعبوا الدعاة قبل غيرهم: يمنعوا الزكاة، ويخذلونهم لو طلبوا منهم التبرعات للمساهمة في إنشاء المراكز الإسلامية والمساجد، أو مساندة الثورات الإسلامية في أنحاء العالم المختلفة، إعانة الأقليات المنكوبة، ثم يجشعهم الذي يعطي مثالا سيئا لرجل المال المسلم ودورهم في تصعيد غلاء الأسعار وإيجار المساكن.

يتحدث الدعاة بأن انفتاحهم أو عودتهم للسياسة لا يرتضيها العقلاء!!

ولعمرو الله إنهم لأحرى بلقب الجبناء من أن يظن الدعاة أن هؤلاء هم العقلاء!!

لسنا ننكر وجوب البعد عن المجازفة في انفتاحنا أو في عودتنا بعد الضيق، وعلينا أن نتجنب الصدام الذي لا نقوى عليه و يعرض الدعوة والدعاة لمنحن أخرى ومتاعب، ولكننا نقيس كل ذلك وفق موازيننا الذاتية ومعرفتنا بأنفسنا ومدى قوتنا، ووفق نظرتنا إلى طبائع الخطر المحدق بالبلد عند التأخر في النزول وسبق الملاحدة لنا، لا وفق مجرد نصائح أو مواقف من هو مازال خارج صفنا وينقصه الوعي السياسي والفقه الحركي أو تنقصه الفراسة عند النظر إلى المستقبل، بل من ينقصه خلق التعامل الإسلامي وإن صام وصلى.

إنه رأي مهدر رأي هؤلاء، وليس له كبير دور يوجب مراعاته، وقد كان يظن بعض الدعاة من قبل في بعض الأقطار مثل هذه الظنون، فأبطأوا، فتقدمت الحركات اليسارية والانقلابات العسكرية، فسحقت طبقة أهلا لأموال وآخرين يسمون أنفسهم العقلاء، ولو أنصفوا لرحبوا بنا وتقبلوا عدلنا وإسلامنا وسمتنا الوسط بدل أن تسحقهم الفورات الهوجاء والثورات الدموية، لكنهم قوم يجهلون.

إن سنة التطور الطبيعية لكل بلد كما أنها تقتضي عدم التسرع أو التهور في إعلان الحركة الإسلامية عن نفسها فإنها تقتضي أيضًا عدم الإبطاء، وفقا لموازنة مصلحية تتقبل التعرض لبعض الأضرار من أجل دفع الضرر الأكبر، فإن قطاعا لمثقفين يزداد باطراد، وقطاع التقليديين ينحسر، ولا ضرر على من أعد عدته وأتقن التأسيس أن يمارس السياسة، إنما البأس على من لم ينظم جماعته ولم يتقن التربية، والمظنون أن الأحزاب العلمانية لا تقبل منا التدرج وستشرع في معاداتنا والتضييق علينا متى ما أحست خطر وجودنا على مستقبلها، وفي هذا الاحتمال ما يحملنا على خوض المعركة التنافسية معها باختيارنا وتوقيتنا نحن بدل أن نجر لها مرغمين، وأن نأخذ موقف المبادأة والهجوم بدل أن نظل مدافعين، والأيام سجال، والابتلاء بالأنفس والأموال لا مفر منه ولا فكاك، ومن يمت في أيام الصراع ليس بأكثر ممن سيموت في أقبية السجون تحت سياط التعذيب أو أمام المشانق إذا سبقنا الملحدون، بل ولا اكثر ممن سيتساقط منا برصاص الطيش في الشوارع وأمام بيوتنا ساعة قفز الهادمون،وهذه بلاد الأفغان تروى كيف شهدت الساعات الأولى من اليوم الأول للانقلاب الأحمر مصرع أكثر من عشرين ألف مسلم من خيار الناس وعلمائهم ومثقفيهم في العاصمة ومختلف المدن.

ولا شك أن إعلان هويتنا السياسية يجب أن يصحاب أيام الانفتاح  الأولى، بل هو العلامة المميزة للانفتاح، ولكن هذا الإعلان يراد له أن يتطور في مرحلة التصعيد وخوض الصراع ليقوم بمهمة تأكيد الطبائع التغييري للدعوة، برفض الواقع الموجود، ودعوة الناس للرفض، ثم بطرح برنامج مفصل بديل يفترض عجز الحكومات القائمة عن تطبيقه لعدم صلاح رجال جهازها، وضمور خلفيتهم الإسلامية، وبرود مشاعرهم الإيمانية، فتجتمع هذه الحقائق اللاصقة بشخصياتهم لتؤسس قناعة بضرورة تطبيق هذا البرنامج بواسطة الدعاة أنفسهم وبأيديهم مما يحتم إقصاء العجزة أو الحجر على الفجرة، ليتولى الدعاة أمر الأمة.

إن هذا المنحى التغييري يجب أن ناجي له في إطار من المفاصلة للحاكمين والاستقلالية عنهم إذا أردنا ضمان استجابة الناس، لئلا يفهم هؤلاء الناس وجود الصلة مع الحاكمين تنازلا منا وتزكية لهم ورضي بحلول وسط.

إن على الحركة أن تترجم سياستها التغييرية إلى مجموعة متواصلة من المواقف الناقدة الصريحة للحكم القائم، وفي مفاصلة معه، وعلى رجال الحركة وقادتها أن يتجهوا إلى الشعب، يعيشون معه ويعلمونه، لا إلى زيادة الحكام وبذل نصح لهم لا طائل وراءه وأقصى منافعه أن يلهي الحاكمون دعاة الإسلام لفي أ‘مال إسلامية ثانوية لا تقلق عروشهم في ادعاء من الاستجابة الماكرة للنصح.

هذا هو مذهب الإمام البنا رحمه الله، بينه صريحا في المؤتمر الخامس، وأوجب استقلال عملنا عن الحكومات، وجزم بأننا: (لن نعتمد على الحكومات في شيء، ولا تجعلوا في تربيتكم ولا منهاجكم ذلك، ولا تنظروا إليه، ولا تعملوا له، واسألوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليما).

نعم، هاهنا بعض الاستثناء الذي لا يمنع الإقرار به ما عندنا من فقه العمل.

منه: أن تكون بعض هذه الإصلاحات التي تنتج من الوعود الحكومية مفيدة ومجدية، وتحقق بعض المقاصد المهمة لخطتنا، ولا بأس حينذاك من طلبها وإقامة صلة بالحكومة، ولكن يجب أن تكون بواسطة دعاة غير معروفين ليسوا من القادة، لأن الناس لا يفهمون مثلنا هذا البعد التخطيطي لهذه الصلة، بل يعتبرونها مواطأة ومهادنة ومداهنة وارتياد مصالح شخصية، ولقد حوربت الدعوة من قبل في بعض البلاد بحملات ظالمة من الإشاعات الحزبية التي تتهم الدعوة بمماللأة الظالمين، وصدقها الناس بقرائن هذه الزيارات، فإن الداعية لقيادي يذهب داخلا عليهم ويعظهم أبلغ الوعظ، ولكن الناس ليسوا معه ليسمعوه، فيأخذوا بظاهر الفعلة.

ومنه: أن تكون الدعوة في مراحلها الأخيرة ولها من القوة والانبثاث الشعبي المقدار الكبير، فيكون قادة الجماعة في مرتبة مكافئة موازية للحاكمين، وبياناتهم وتصريحاتهم مشهورة، فلا ترد الشبهة ولا تحوم حولهم، بل تكون زيارتهم أشبه بالمفاوضة لانتزاع الحقوق انتزاعًا.

ومنه: أن يكون الحاكم غير خائن، ولا دليل على ارتباطه بالدول الاستعمارية، ولكنه صريع أوهامه العلمانية التي يؤيده فيها حزب أو قطاع من الناس واسع، فتكون الزيارة غير مشبوهة.

ومنه: أن يكون الحاكم رجلا عسكريا، ساءه تدل الأجانب فسياسة بلده فأحدث انقلابا وحكم بدافع الإخلاص، ولكن ذهنه يخلو من التصورات العقائدية المحددة وليس له انتماء حزبي معين.

فمثل هذا الاستثناء لا بأس به، وفوائده أرجح بلا شك.

ويمكن أن يقال: إن طبيعة صلة الدعاة بالحاكمين لا تحكمها قاعدة من التجويز أو المنع، وإنما هي صلة يكون الرأي فيها نسبيا تبعا لردود فعل هذه الصلة والزيارات لدى الناس، فتضييق جدًا إذا ثارت الشبهات لديهم، سدا للذريعة، وتتسع إن خلت من الأضرار أو رجحت إيجابياتها، كمثل الاستثناء الذي أوردناه.

إلا أن هذه النسبية النظرية لا تنفي واقعا مشاهدًا تعيشه الدعوة الإسلامية يدعوها إلى اليأس من الحكومات القائمة اليوم جميعها، ويحثها أن يكون هذا اليأس سمة واضحة في منهاج عملها في العالم أجمع، وهذا بدوره يؤدي إلى ترشيح نفسها أمام الشعب في كل بلد على أنها هي البديل، فتطرح برنامجا شاملا لمواقفها السياسية من قضايا الأمة المصيرية، وللنظام الاقتصادي الذي تنوي بناءه، وللإصلاح الاجتماعي والتربوي والخلقي الذي تريد إجراءه، ثم  تناشد الشعب أن يتلف حولها ويؤيدها لتغيير الحكم القائم ووضعه في أياديها الإسلامية، بالانتخاب والطرق السليمة إن عقلت الحكومات القائمة ووفرت الحرية، وإلا فبالانتزاع إن أبت الحكومات الإنصاف وضيقت، ويتسع هذا السلوك الحركي الإسلامي أو يضيق ويسار به تبعا لمدى قوة الإرهاب الجاثم وتسخير حزب لحماية الطاغية المتسلط أو عدم ذلك.

بيد  أن الصلة بقيادات الأحزاب الأخرى والتكتلات الفكرية تختلف عن الصلة بالحاكمين، ونراها ضرورية مهما كانت مبادئ الأحزاب بعيدة عن الإسلام، فإن اللقاء المباشر قد يمنع حدوث المشاكل أساسا، أو يعين على فهمهم للحقيقة مواقف الدعوة، أو يمنعهم من التطرف، وليس عيبا أن يجمع الداعية حين اللقاء بين الصراحة التامة والجهر بالتخطئة، واللفظ اللين، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر الذي يقترفونه اعتقادًا وعملا، ونرى أن يتكرر هذا اللقاء من قبل عدة طبقات قيادية مع من يوازيهم، على  مستوى القيادة العامة وقيادات المناطق وممثلي الطلاب والعمال، ثم لقاء نوابنا في البرلمان مع نوابهم، وأدبائنا مع أدبائهم.

ومن فروع هذا المسلك: أن نؤسس لجنة إعلامية مصغرة تقيم صلة تزاور وبحث سياسي مع كافة الصحف في البلد وعلى اختلاف اتجاهاتها، ما لم يكن بعضها مشبوهًا فنجتنبه، ومع رؤساء فروع وكالات الأنباء العالمية في البلد، ذلك أن مثل هذه الصلة قد تقذف فيهم نوع حياء يمنعهم عن غمزنا بالباطل، وقد تنشر هذه الصحف والوكالات بياناتنا السياسية وأخبار مواقفنا فيعينوننا على التعريف الواسع بهويتنا.

 

إنهم يحبون الله ورسوله

(المبدأ الثالث): التساهل في شروط العضوية وعلانية النشاط.

فإن تجميع الجيل التنفيذي الواسع العدد لا نحصل عليه بدون بعض التساهل في الانتقاء، وبعلانية تتجاوز مجرد الصلات الثانوية إلى استخدام الوسائل العامة.

ففي مرحلتي الانفتاح والتصعيد نقبل في جماعتنا نصف الذكي، ونصف الشجاع، والساذج المتعبد الذي لا يحسن السياسة، والسياسي اللبق الجاف القلب، والأقل كرمًا، والمتزوج بسافرة، وصاحب الزهو، ما داموا يقيمون فروض العبادة، ويلتزمون فكرنا إجمالا من دون أن يعني هذا قبول المسرفين في الضعف.

ويجفل بعض الدعاة لمثل هذه الجرأة في التصريح باحتمال الضعفاء، ويطيلون لسان المحاضرة في وجوب التشدد وفوائده، ووجوب المبالغة في المسارة، لكنهم لا يذكرون لنا الموضع الذي سيصلونه بهذا التشدد وهذه المسارة.

إنهم لا يدرون أنهم سيبقون يراوحون في مكانهم سنين عديدة، لا يتوسع عددهم إلا قليلا، فتسبقهم الجماعات الأخرى والأحزاب المعادية، لأن الجمع بينا لسعة والتشدد لا يمكن أن يكون أبدًأ مهما اشتهوا واستطالت أمانيهم، كان ذلك قدرا مقدورا عليهم ما هم بخارقين حدوده  ولا نافذين من أقطاره مطلقا، فإن الله تعالى خلق الأذكياء والشجعان الكاملين قلة إزاء كثرة ضعاف، والناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها رحلة، ومعنى التشدد أن تحوز هذه النسبة المئوية القليلة وتجمد عليها، ويأسرك القدر، في حين يناديك ميزان الترجيح بين المصالح بالحرص على مصلحة الإسراع ودخول السباق ويريك إياها أكبر من المصالح التي يجلبها التشدد، مع ما في ذلك من احتمال نكوص البعض والانحراف وتوليد المتاعب، فإن في فوات الفرص تعبًا أكبر، ولعل مواعظنا، وأيام العمل، ,حيثيات مشاركتهم لنا، تربيهم وتكمل لهم نقصهم وتنتشلهم من عيوبهم.

إننا لا ننفي أهمية التشدد في الانتقاء، والتأني في التوسع، والبعد عن الانكشاف، بل نحن دعاة هذا الفقه، لكننا لا نريده سمتا صلدًا يهمل المنطق، فإن هذه القواعد ضرورية كلها أيام التأسيس الأولى، وأما بعده فإن الانفتاح يقتضي مرونة بمقدار أوسط، ثم مرونة كاملة أيام التصعيد، ولابد من نظرات نسبية ومراعاة للأحوال الخاصة وللأدوار المرحلية ولحكم الطاقات المتوفرة والمطلوبة.

لسنا ننكر أننا قد فحصنا تاريخ الدعوة ورأينا، وحللنا التجار فهزت أكتافنا، وأقنعتنا بأن من الخطر أن نطفر طفرة في العمل نتجاوز بها المقدمات الضرورية للعمل الجماهيري العام، بل لا بد  من انتقاء حذر أولا للجيل المؤسس بشروط صعبة، ثم لا بد من تربيته، ثم لا بد من توسيعه وبثه في المرافق وتدريب الكفايات الاختصاصية وتشكيل اللجان المكملة للمجموعة القيادية، كل ذلك قبل التصدي للتجميع الجماهير الواسع بالشرط المتساهل أو النزول السياسي المتحدي.

إن التشدد أصل في التأسيس، أما في أيام الانفتاح الذي يليه فتتصل بالجميع، ونبذل الحب لكل المسلمين، وأيما امرئ وجدنا فيه شعبة خير: اقتربنا منه وكلأناه برعايتنا، مهما كان خيره صغيرًا فإن المخالطة تنميه، والتشجيع يربيه، وتوفيق الله تعالى من قبل ومن بعد يبارك فيه، ولعلك لا تدري في أوائل أمورك أين تكمن العناصر الإيجابية القيادية وأي القلوب تحتل، والفراسة الصحيحة تقودنا إلى أن نترقب هذه الإيجابية في الشجاع القوى الشخصية اللبق الدائب، ولكن تاريخنا يحفظ قصصا كان الدعاة يرون فيها شبابا يرتادون منتدياتهم بصمت وهدوء أزهدهم فيهم، فإذا بتصعيد الصراع يدفعهم لبذل وتحرك قصر عنه كثيرون، وأبانت الأيام، أيام التحدي، عن تجرد في أصل كيانهم لم يفتعلوا له الإظهار المبكر، وكأنهم كانوا ينتظرون.

اتصل أيها الأخ الداعية: ثم اتصل، ووسع دائرتك، ثم وسع، وجالس وامتزج واختلط وشافه، وافرح مع أهل الأفراح، وأظهرا لمواساة للحزين، ثم جالس، واصنع مجتمعًا ممتدًا عريضًا من حولك، ولا تضيق عليك الفسيح، واترك التفتيش عن عيوب الناس ونواقصهم بالعدسة المبكرة والنبش والتقليب، بل استر وأقبل وتجاوز واعف عم اسلف، ثم ليس يضيرك بعد ذاك أن تنتقي من هذا المجتمع الواسع الذي اتصلت به رجالا بشروط صعبة وتدقيق لتكون منهم مجتمعا قياديا أخص وأضيق، هو أمتن، وأفقه ، وأطول نفسًا، وأبعد صبرًا.

إن الإسلام علانية، والدعوة علانية، نتكلم على رؤوس الأشهاد، ونظهر أنفسنا في كل ميدان، وذلك الأصل.

نخطب ونكتب، ونتصل بالناس وبرجال الأحزاب، وبالحاكمين بأسمائنا، مباشرة صراحة في غير ما اختفاء، وما السرية عندنا غير استثناء تقتضيه الظروف الصعبة كإجراء وقائي إزاء ظلم الحاكمين وإرهاب المخالفين، فيسار المستهدفون بقتل أو سجن طويل، وهم القادة في الأغلب وطبقة المسؤولين، وهم الأقل، وأما عموم الدعاة فهم في ساحات العمل ماضون، وقد يشاركهم القادة في أغلب نشاطهم، خطابة، ومحاضرة، وتأليفا، ولكن من دون ذكر صفتهم القيادية.

ولربما اقترح البعض حلا يظنه وسطًا ومحققا للمقصود، فيري أن لا بأس بأن يكون هذا التوسع، ولكن من دون أن نقبل الضعفاء أعضاء، بل نبقيهم يدرون في فلك الدعوة مؤيدين ومناصرين حتى في مراحل العمل الأخيرة.

ولسنا نرى ذلك، لأن هذا الحل يفترض إمكان تحصيل الجماعة واستثمارها لطاقة الضعفاء دون أن تقذف في نفوسهم محركات نفسية ومعنوية للبذل الزائد تنتجها صفة العضوية وطاعة الأوامر المترتبة عليها، والذين نظنه أو ثلث أو ربع طاقة الفرد فقط يمكنك أن تحوزها إذا كان سائبا لا يدفعه للعطاء غير الشعور الإسلامي العام، وأن الارتباط التنظيمي يرفع نسبة الاستثمار الممكن رفعا عاليا، ولكن الحل الوسط فعلا هو في جعل العضوية درجات وطبقات، وإبقاء هؤلاء في درجاتها الدنيا، وبذلك نمنع احتمالات تسربهم إلى المراتب القيادية مع استغلال إمكاناتهم في نفس الوقت، ولا نمنح بعضهم صفة العضوية العالية الدرجة إلا إذا آنسنا منهم رشدًا، ورأينا تأثير تربيتنا فيهم.

ويتخوف آخرون أيضًا من الكفاية القيادية الفطرية التي يحوزها بعض الضعفاء في الصفات الإيمانية، فإن الفرد العادي الضعيف يمكن احتماله واستثمار طاقته، لأنه سيكون تابعًا، أما أمر القيادي الضعيف فإنه مشكل وأضراره أكبر.

ولسنا نرى ذلك مرة أخرى، فإن قادة داخل التنظيم ووجوهه الظاهرة كلهم ثقات من نتاج أيام التشدد، وأما هذا الجديد الذي يحوز بعض الكفاية الفطرية فإن ميدان عمله خارج المجموعة القيادية لقديمة الموثوقة، وليس للجماعة مزيد إظهار له يستغله، بل كل ما في الأمر أنها ربطته ووضعته في المكان الذي يستحقه بتقديرها، فيأتي نجاحه في استغلال كفايته القيادية محصورا في دائرة الجمهور الخارجية وهي دائرة لا تضر أصل الجماعة إن حملها على الافتتان معه، بل يغطي عليها ثبات الأصل ووفاء الجماهير الأخرى المتأثرة بغير هذا المفتتن، وكل ما يروي من القصص التي يستشهد بها المستشهدون لمناقضة أقوالنا هذه إنما هي قصص لا تصلح حجة وقرينة، إذا كان استعمال هؤلاء الضعفاء فيها دون وجود طبقة قيادية موثوقة أصيلة كونها تشدد الشروط في أيام تأسيسية طويلة.

إن من الدعاة من يرى أن التوعية التي سيتيحها التنظيم لمثل هذا العنصر ستجعل منه قائدًا منافسا، ولكن الذي نعتقده أن القابلية الشخصية الفطرية آكد، وأن التربية تحسن مقدرته فحسب، ويجب أن يدور بيننا سؤال عما إذا كان من الصواب أم لا أن نربط بنا العناصر ذات الكفاية القيادية المتواجدة في المجتمع العام، ولو كانوا ضعفاء في الجوانب الإسلامية الخاصة.

إن هناك من يستطيع أن يبدى أفعالا ويتكلم كلاما يقود به أهل بيته وأصدقاءه وبعض طلاب مدرسته أو كليته أو عمال معمله، فأي الحالتين أحسن: أن تربطه بك مع ضعفه، أم تهمله فيقودهم بطريقته ولمصلحته، أو يسرع إليه حزب آخر فيربطه ويستثمر قابليته؟

الصواب الذي نراه أن نستقطبه نحن ونحل منه ومن أتباعه على نصف طاعة خير من أن يكون هناك خطر انفراده أو معاونته لغيرنا =، لأنه سيؤدي دوره القيادي بحكم فطرته الذاتية، شئنا أم أبينا، وأما الأضرار الأخرى المتمثلة بنصف العصيان فإنها لا تجرد بدن الجماعة ولا سمعتها، إذ أن الجماع قد أحاطت وجعلته في حواشيها البعيدة وأطرافها، وأما مركزها والقلب ولجانها فليس فهم إلا الثقات القدماء، وخروج أحد من الجماعة مثل هذا في أيام توسعها وقوتها وسمعتها العالية ليس له من الواقع السيئ ما يوازي أسواء الخروج أو الافتتان أيام تأسيس الجماعة لما يكون عددا صغيرًا وذكرها ضامرًا، بل ولا ربع تلك الأسواء ولا عشرها، ولو كان بعض الضعفاء لبعضهم ظهيرًا.

 

سلالة القصواء باقية

ويطيل بعض المعارضين أنفاسه في هذا الموضع، فيورد اعتراضا مبنيا على افتراض وهمي، ويدعي أن أيام الانفتاح وما فيها من صدام ستستهلك بعض الجيل القيادي الأول، قتلا أو سجنا أو تهجيرًا، وسيكون الاستدراك عند ذاك مقصورا على التعويض عنهم برجال من نتاج مرحلة التساهل، فنكون قد عملنا على خلط المجموعة لاقايدية بضعاف وفي ذلك خطر.

ولا ينبغي أن يستعجل المرء فيأخذ بظاهر هذا الاعتراض، فإن أصحابه يتجاهلون بقاء واستمرار توارد الثقات إلى صف الجماعة في مرحلة التساهل أيضًا.

إن مرحلة التساهل لا تعني أبدًأ أن تحث القيادة الدعاة على ترك من يصادفونهم من الثقات، وتطلب منهم الحرص على الضعفاء فقط، فإن ذلك منطق أعوج لا يقول به أحد، وكل ما في الأمر أن الحرص على الثقات مستمر على أشد، ولكن الناتج العددي لهذا الحرص ضئيل، لقلة الثقات في المجتمع، فيكون تكميل النقص وتوسيع العدد بالتساهل، ويبقى ثقات مرحلة التساهل هم اللبنات القيادية التي تصلح لتعويض الشواغر القيادية التي يسببها الانفتاح ثم الصراع.

 

كلمة الشعوب أعلى

إن نظرية العمل اليوم يجب أن تنبني على طريقة الاستقطاب الجماهيري الواسع والتغيير بالضغط الشعبي الذي يولد انفلاتا في مقاييس وحسابات المسيطر الحاكم، فإن هذه الطريقة هي الطريقة المثلي التي لا تبلي، كانت منذ القديم، وأكدت صوابها ثورة إيران، وستظل هذه الطريقة تعبر عن قمة التطور السياسي، لأن التفاف أكثرية الشعب حول مطالب واحدة وسيرها في اتجاه واحد يعني أن الإرادة الجماعية تغير بحق إرادة الأقلية أو إرادة الفرد.

أما طريقة الانقلابات العسكرية فإنها مشرفة على نهايتها، لأن الحياة السياسية تتعقد، وكانت الانقلابات تنجح في البلدان الصغيرة التي لم يكمل تطورها السياسي، وحيث يكون الجيش ناشئًا ضعيفًا.

وهذه الحقيقة تؤكد مذهب التوسع بالشرط المتساهل وما بنينا عليه من الخطط ومهدنا له من مدارج النشاط، ما دام لهذا المذهب مثل هذه المرحلية المتدرجة والشرط المتشدد في التأسيس، وهكذا يكون ذكر هذه الرؤى المستقبلية الراجية ضرورة، لما فيها من المساهمة في توجيه العمل الحاضر وضبط وجهاته.

إن الفرق بين مبدأ إعلان الهوية ومبدأ التساهل يكمن في أن إعلان هويتنا من شانه أن يجلب لنا الثقات الذين قصرت وسائل الاتصال الشخصي عن جلبهم فتضاعف بهم جمهرتنا القيادية، وأ/ا التساهل في الشروط فيجلن لنا أنصاف الثقات الذين لم نكن لنرضى أول مرة بقبولهم لو جاؤونا، فيتضاعف عددنا مضاعفات عديدة تمكننا من ممارسة الضغط السياسي وحيازة أداة التنفيذ، إذ أن منطق رعاية المستقبل وإدراك مصاعب ما بعد الوصول يسوغ للدعوة الحفاظ على بعض العناصر القيادية لتتم مهمتها كاملة، فإن المسلم القيادي الكامل عزيز المنال، وليس من الحكمة أن تعرض الجمعي لمخاطر التنفيذ، لا خوفا ولا جبنا، وبل لا بد من ادخارهم لأداء فنونهم، وقد تقدم الدعوة بعض قيادييها رأس نفيضة أمام الصفوف، وتجعلهم يتصدرون جموع التنفيذ ويلقنونها الخامسة عمليا، ولكنها في الوقت نفسه تحتفظ بالآخرين في المؤخرة، وفي حالة من المسارة، ليواصلوا مسيرة التطبيق.

 

ينوب العيان عن شهادة الأعيان

(المبدأ الرابع): التكيف الاختصاصي والتوسل الشامل

فإن هناك بلدانا في العالم الإسلامي بلغت مرحلة متوسطة في التطور السياسي والفكري جعل عموم الناس فيه تبعا لذلك في مواقف متوسطة، ليسوا على سلبية المرحلة القديمة والسذاجة التي تصاحبها، وليسوا في النضوج والإيجابية الكاملة، وجعل المفكرين أيضا في حال وسط، ليست الديار خالية منهم خلوا يوجد مجال تقليد من في البلاد الأخرى، ولا هم على مقدرة كبيرة ووضوح تام وبلاغة كافية. حتى الحكومة كذلك، ليست بالهينة اللينة على نمط الأولين، ولا هي ذات جبروت ومشانق ومقاصل وإرهاب كثيف.

في هذه البلدان، وفي البلدان الأخرى المتطورة التي زال عنها حكم إرهاب طويل عنيف: نرى حدوث ظاهرة تعدد الصيحات والمبادرات والتصديات، داخل كل معسكر سياسي فكري، ولا نعني تصارع القوى المختلفة والاتجاهات المتباينة أو تقاسمها للساحة، بظهور اتجاه إسلامي وآخر يساري، وبينهما جمهرة تقليدية مخلطة كلا، فإن اختلاف طبائع الناس يجعل ذلك نتيجة حتمية، وإنما نعني التجمعات والرؤوس القيادية والمحاولات ووجهات النظر داخل كل معسكر، فهي متعددة بين أوساط دعاة الإعلام، متعددة بين اليساريين، وربما في المعسكر التقليدي بتعدد أكثر.

ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تترك آثارًا سلبية عديدة على العمل الإسلامي، ويظن من لا خبرة لهم أن العلاج يكون بإسداء النصح والموعظة والتحذير من الفتن والدعوة إلى توحيد الجهود وتحسس خطر العدو، ولكن التجريب أفاد بأن هذه القضية أبعد وأعقد، ونطقت الدروس العملية بأن المسلك الإيجابي المهم في ذلك يكمن في ارتقاء إحدى الجماعات الإسلامية العاملة باجتهاداتها وأساليبها، في شمولية مستقصية، وتمتين تنظيمها، والمبالغة في ضبطه، وتجويد تخطيطها وإثراء مواردها وإسناده إلى لجنة قديرة، مع تدقيق في التربية التخصصية التي تتيح تقوية اللجنة السياسية وغيرها من اللجان الصحيفة والثقافية والإعلامية، فتكون محاسن الجماعة وعوامل قوتها الذاتية أسبابا تقنع جمهور المسلمين بأولوية إضافة جهودهم إلى هذه الجماعة، ويأسرهم ما هي عليه من حزم وشمول وتخطيط دقيق ورأي عميق، فتستقطب العاملين، وتضمحل الجماعات الأخرى تلقائيا.

إن حديث المطالبة بوجود لجان للتخطيط والسياسة والإعلام في البناء التنظيمي للحركة يبدو وكأنه فضيحة تكشف إيغالنا فيا لتخلف والبدائية، إذ لا يوجد حزب أو كتلة ولا ثورة ولا منظمة فدائية إلا ولعملها اعتماد أساسي على هذه اللجان، بل إن الشركات التجارية الكبيرة تجعل أمر تخطيط برامجها ودعايتها موكولا إلى أقسام مختصة، فكيف بالحركات؟

 

هون عليك فإن الأخيار كثار

إن دروب التصعيد التي نريد للمؤذن والراجي أن يرياها تعتبر سلما لهذا الارتقاء المنشود، ولكن بعض الإخوة يستصعب سلوك هذه الدروب، ويستبعد توفير دعاة وعاة بعدد كاف للعمل في هذه اللجان المختلفة والاختصاصات المتنوعة، ولتنفيذ هذا النشاط المرهق الواسع.

ولسنا مع هؤلاء في اتهامهم لأنفسهم، وإنما هو تشاؤمهم هم فحسب، وعجزهم، والكسل.

لم تضعيف هذا الرهط الزكي؟

نحن ثقات إن شاء الله، والله المزكي، ونظن بأنفسنا خيرًا، وفينا أذكياء وعقلاء، وعددنا أكثر البلدان وافر فلم الانسحاب؟

كلا، بل نوزع أنفسنا على العمل، ونظل نتدرب مدة، ثم نخط ونقود، فإذا اغتر مغتر: نصحناه، فإن لم يتعظ: تركناه.

نعم التدرج واجب في تأسيس طبقات المسؤولين ليتم الحزم، وتتوفر الطاعة وينعدم التطاول، ولكن الإسراف في تصور هذا التدرج لا يصح، والإبطاء مضر، والوسوسة معيقة.

كل من في ساحتنا يصلح لأن نستعين به في شعبة من شعب الخير الواسع وفي جهاز ولجنة إذا مضت على ع لاقته معنا سنوات، لا نستبعد غير قلة ممن أوهمهم الزهو أو نقصهم الذكاء، وأما نقص الخبرة وقلة العلم وضيق الدربة العملية فإنها قابلة كلها للنماء.

ستظل تنتظر الكاملين لتبدأ بهم توسعك القيادي، لكنهم لا يأتونك، لأن الكمال لا ينمو في الفراغ وبلا محفز، والمسلك الصائب يكون في أن تأخذ المجموعة بعد المجموعة، مستدلا بالفراسة وبمراقبتهم في السنوات الأولى، ثم تشرع في تكثيف تربيتهم، وتأخذهم بالجد الزائد، وتلقنهم التجارب، وتبذل لهم علمك الخاص، حتى إذا تخرجوا بنجاح: دفعت بهم إلى مراكز تربية الآخرين، وعضوية اللجان، لتكمل صياغتهم ودربتهم من خلال المعاناة.

إن هذا التوسيع للطبقات الاختصاصية وتسليمها الأعمال لا يتنافى مع قاعدة عدم الاستعانة بأحد قبل تأكدنا من كونه صاحب كفاية، فإن صحة هذه القاعدة لا تبرر المبالغة في التدقيق، فتفوت الفرص إذ نحن في تفتيشنا وتنطعنا ماضون، والتوسط مظنة الصواب دائمًا، نتحرى، ونتمنى، بلا إفراط ولا تفريط، وإذا كان من الواجب أن نتشدد في الانتقاء في بداية عمل الدعوة لتأسيس الطبقة القيادية الأولى، فإن من الواجب أيضًا، أن تتوسع في حسن الظن بالدعاة إذا أردنا تكوين الطبقات القيادية اللاحقة، والبقاء على الوتيرة الصلبة يأباه منطق السباق السياسي.

وكأن أهم سبب يحدو بالمتشددين إلى التشدد الدائم هو أنهم يفترضون بدء اللجان وجماهير المختصين بالعمل والإنتاج فور اختيارهم، وهم يرونهم دون مستوى الإنتاج المرجو، فيحكمون عليهم بعدم اللياقة، ويوجبون على الجماعة فترة انتظار أطول.

كلا، ليس هذا هو أسلوب الارتقاء أو التنافس مع القوى الأخرى، بل ننسب من أتم التدريب الأولى وحاز العلم الضروري إلى لجنة أو نسمي له اختصاصه، ونتيح لهم مجال المطالعة واصطياد الخواطر والتحاور والتأمل والسياحة والمبرمجة، وقد تطول المدة أكثر من سنة أو سنوات بين بدء التنسيب وبدء الإنتاج.

 

شمول الوسائل يمد شمول الأفكار

هذا تكيف في داخل الجماعة، لكنه لا يكفي، بل لا بد من تكيف آخر يتناول وسائلها التي تقيم بها علاقاتها الخارجية، فيتم تنويعها والابتكار فيها، لأن الناس طبائع متنوعة، فالبعض تأسره بالكلام المجرد والبعض تأسرهم المواقف العملية، وغيرهم تمتزج أرواحهم بأرواحنا من خلال أشواقهم الثورية إذا قدمنا لهم منهج تغيير شاملا، فيضاف بعض الوسائل إلى بعض ليحدث الزخم الشديد، بأن يكون كلام الخطيب مسندًا بمقال الصحفي ومردفا بقصيدة الشاعر وتذكرة الواعظ، في تجانس ووحدة توقيت، لتستغل كل ذلك لباقة الداعية مع جلسائه ومعارفه ثم ينمي آثارها بالمواقف والتثقيف.

هاذ هو طريق العمل الجماهيري الصحيح، ولا ينبغي الاكتفاء بأن نطلب من الداعية أن يكون جماهيريا، فإنه لن يكون كذلك مهما طلبنا منه وألححنا في الطلب ما دمنا لا نسنده و لا نكيف تربيته وعلاقته.

إذا أردت داعية جماهيريا واسع الإنتاج فأعد تربيته، ثم أرسله بين الجماهير، واسند بصحيفة قوية، وبحوث سياسية، وبلاغة خطباء، وترنم شعراء، وأصداء شرائط مسجلة وأسطر فقه، وحزم مواقف، وزوده بهوية في يد، وببرنامج مفصل معلن في اليد الأخرى يشرح طريقتنا في استئناف الحياة الإسلامية الشاملة.

إن العسكريين لا يرسلون جندي المشاة إلى ساحة المعارك مجردًا ولا مفردًا، مع أنه أساس كل جيش، ولكن يزودونه بسلاح شخصي، ويعيدون تدريبه وفق المستجدات، ثم يسندونه برمي المدفعية وقصف القوة الجوية وحماية الدروع، من بعد ما تقدمه الاستطلاع والاستخبار، وتمت حماية ظهره بالوحدة الشعبية.

والداعية جندي مشاة في ساحة العملة، ويجب أن نسنده بأنواع الإسناد، إذا أردنا منه الإنتاج.

إن تنوع الوسائل ما هو إلا استجابة طبيعية لتنوع أذواق الناس وما هم عليه من شمائل، وليست هي من التكلف الزائد والتعقيد، ولذلك نوجب على حركتنا أن تلجأ إلى هذا التنوع إذا أرادت حيازة جمهور أوسع، فإن لم نفعل فإن الجماعات الإسلامية الأخرى والتكتلات الصغيرة التي ليس لها فقهنا في العمل ووعينا ستطفر مرحلة التأسيس الواجبة علهيا وتترك التأني وتسبقنا إلى الانفتاح من أول أيامها لمنافستنا في حيازة المسلمين السائبين، وستستخدم وسائل عامة تغرى الشباب الساذج بالانتماء لهم، لا من باب وزنه لفقهنا بفقههم وترجيحه طريقهم على طرقنا، وما هم عليه من خطط، بل لأنه ساذج لا يعرف هذا العلم المرحلي الذي نحن عليه، ويظننا في جمود لا في تربية تأسيسية.

لسنا نقول ذلك ظنا وتخمينا، بل هذا هو الذي حدث في بعض البلاد، بحيث نشاِ نواة من الوعاة، تهادتن ومشت الهيوني، إسرافا في الحذر، ثم نشأِ من بعدها صيحات حماسية لا تعرف شرطا ولا معاني الانتقاء، فاكتسحت الساحةن وغطت تواجد الأولين وطريقهم التربوي وعطلته.

وهكذا نستطيع أن نحكم بأن التأسيس الطويل مضر، ويؤدي إلى سعة التكتلات الصغيرة على حسابنا، كما أن الاستعجال مضر، وستتصلب العناصر التي تنضم إلى هذه التكتلات، ويصبح عملنا معهم صعبا وتربيتنا فيما إذا رجعوا لنا بعد تأكدهم من قصور تخطيط تلك الجماعات.

ولهذا فإننا نعتبر أنسنا أمام مضرتين عند وجود تكتلات إسلامية أخرى، أو أمام مصلحتين تحكمان مدى طول فترة التأسيس، وربما كان الإسراع في الانفتاح من أجل حيازة المسلمين السائبين قبل الآخرين يوفر مصلحة أعظم من مصلحة التأني.

ما ه بحسد حين نريد هذا السيق، ولا هو تنافس دنيوي، بل نريد إنقاذ هؤلاء السائبين من متاهة ستقذفهم فيها سذاجة غرنا وعملهم السطحي الذي لا يعرف أصول التخطيط، ولسنا نتجنى على غيرنا في ذلك، بل هو الواقع المشاهد، مع أن من حق كل مسلم أن يعرف بقناعته ويستصوب اجتهاده، ولولا هذا الشعور لما نشأت جماعات متعددة، ولا عيب في ذلك، بل العيب في التخذيل والوقوف في طريق الآخرين، صدودًا وهمسا في آذان المؤيدين، وأما ما وراء ذلك فهو التنافس في الخير، والبقاء للأصلح.

 

تجديد الصياغة وتحوير ضوابط الأداء

(المبدأ الخامس): التكيف التربوي الموفر المتطلبات الاتصال السياسي:   

فإن انتقال الدعاة إلى مرحلة الانفتاح والعمل العام من شأنه أن يوجد حاجة لا لتكيف التنظيم فقط، بل لتكييف تربية أنفسهم لهذا العمل أيضًا، وتحوير العلاقات، وتنويع الثقافة.

ذلك أن هذا الانفتاح يجعلهم في تماس مع صنف جديد من الناس والشباب، وفي الجامعات والوظائف، تختلف صياغاتهم وحاجاتهم التربوية عن جيل شباب المساجد البسيط الذي تسهل تربيته على الأنماط الإيمانية والمعاني الفكرية من خلال المجالس المتواضعة غير المتكلفة.

فقد نبدأ العمل في سنوات الانفتاح مع شباب ليسوا من أهل الصلاة، وقد يكون التفاهم الفكري معهم مقدما على الحديث العقائدي وحديث الإيمانيات، إذا كانت تلفهم شبهات حول أحكام الإسلام أو حول أشخاصنا، وربما يكون شرحنا لموقف الدعوة السياسي بابا لثقتهم بها، ويكون الداعية أثناء كل ذلك مضطرا إلى أنواع من السلوك الدبلوماسي الحذر، مع سعة في الارتباطات الاجتماعية لأبعد من محيطه الإسلامي فقط.

إن الوفاء بمتطلبات هذا التغير الضروري في كفاية الداعية قد يأتي تباعًا مع الأيام كردود فعل للحاجة التي تفرض نفسها، ولا بأس في ذلك، وهي سنة من سنن الحياة أن يكون بعض تطورك نتيجة مجموعة ردود فعل مناسبة، ولكن الطريق الأهم لحيازة عناصر هذه الكفاية الجديدة وتطويرها يجب أن يكون متمثلا بطريق تربوي جماعي تبادر إليه الجماعة مبادرة مبكرة، وتسعى خلاله إلى إكساب الدعاة جملة فنون ودروس عملية تمكنهم من الاتصال الناجح بمثل هذه العناصر الجديدة، مع جملة أعمال وإنتاج فكري ووسائل مختلفة تنفذ جماعيا بإشراف قيادي تعين الداعية الفرد على أداء عمله وتجويد اتصاله.

إن ردة الفعل قد تأتي مختلطة، فيها صواب وخطأ، أو قد تأتي ناقصة، أو تأتي متأخرة، ولذلك نريدها تربية جماعية للتنظيم تقوم بدور تكييف الدعاة لأداء الدور الجديد.

إنه لا بد م سبق إلى التكيف التربوي قبل حصول الأزمة وحلول الحاجة، وإن أقطارًا قد جربت من قبل تجربة الانفتاح دون كثير تكيف تربوي من مثل هذا أو تدريب، فأهدرت طاقات، وحصل تخبط، حتى بات ذاك التجريب ينادي في الآخرين، أنه هو النذير العريان يهيب يهم أن يصدقوه، فيسرعوا إلى استدراك معجل ورؤية مستقبلية للأحداث ومراحل العمل، مع تحوير في العلاقات بين الدعاة يتيح سرعة استجابة وتحرك تتطلبها طبائع الانفتاح.

ولا يرد هنا اعتراض سيد قطب على ما نقوله من تقدم البحث الفكري أو الحوار السياسي على الإيضاح العقائدي الذي يجعله سيد نقطة البداية، فإن هذا الاحتمال إنما يكون ضمن أساليب الاتصال الأول وبدء العلاقات مع المدعو ونقاش المجالس، ولا يراد له أن يستمر ليكون طريقة تربوية، مثلما لا يراد معه أن يهجر الداعية بيان الحد العقائدي أو ترك المجاهرة بدعوة الناس إلى عبودية محضة منهم لله تعالى في صفات ربوبيته وألوهيته معًا، وإنما عاب سيد قطب رحمه الله هذا القصور، وما نظنه يعيب ما نذهب إليه من مسالك التبشير أو الدفاع عن اجتهادات الدعوة الكامنة وراء مواقفها مما تؤيد المصالح الملموسة والعقول السليمة صواب لجوء الداعية إليه خلال حديثه العام.

إنها تربية عملية مع علم متكامل نحتاجهما في المراحل المتقدمة، ولا بد أن ن ردف العلوم الإسلامية التي نعطيها للداعية بثقافة عامة في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب.

ويكاد الداعية المنتمي للجيل الماضي يلحظ ضعفا ثقافيا في جيل الدعاة الجيد، وأصبح النشاط العملي العام يلهيهم عن مزيد مطالعة واجبة عليهم.

ولا تستسيغ الأعراف التربوية هذا الضعف، وتؤكد تجاربنا وجوب اغتناء الخطة الجماعية بتوفير تتناسب بين مكونات شخصية الداعية، فإن سعة العلوم الشرعية والثقافة العامة التي يحوزها الداعية تعتبر من أ÷م العوامل التي تحدد مدى نجاحه في عمله الخارجي، كبشير نذير، آمر بالمعروف ناه عن المنكر، أو في عمله الداخلي، كمنظم مرب ومختص.

وفي هذه الحقيقة ما يعظنا بلزوم تقليص حجم بعض النشاطات العامة التي يفترض أن يمارسها بعض الدعاة من أجل توفير وقت لهم للمطالعة وحضور الدروس ومجالس الفقه.

إلا أن الترف العلمي غير صحيح أيضًا، ولسنا ندعو إليه إنما نحن نؤكد على ضرورة التوازن بين الأعداد العملي والتثقيف العلمي، في تناسق، يجعل مواقف الداعية وكلماته مكافئة لحاجة الذين يعاملهم ومن هم له سامعون.

ويجدر التنبيه هنا إلى خطأ اقتصار المنهج التثقيفي على الكتب الفكرية العامة الحديثة، والتي تعرض محاسن الإسلام وتكتشف نظرياته، بل لا بد من تعويد الدعاة طول الانكباب على صحيح البخاري وشرح ابن حجر له المسمي بفتح الباري، وعلى بقية كتب الحديث النبوي الشريف، وفقه المذاهب الأربعة وأوائل الفقهاء، وعموم مدونات التراث، فإن في ذلك ضمان اكتساب الدعاة لعنصر الأصالة، وفيه تقريبهم من النظرات الاجتهادية، مثلما فيه ربط محكم لهم بالنصوص، بأسرهم إليها يمنعهم التورط في البدع أو الجرأة في الفتوى.

وفي هذا المجال تبرز الأهمية الكبيرة أيضًا لكتب ابن تيمية وابن القيم، فإنهما حازًا من الاعتدال والحرص على النص الصحيح وسعة الأفق وحسن الاستدلال ما يغري المتفقه بطول اللبث مع كتبهم، ومن التفريط الساذج أن يصغي داعية لتخرصات بعض أهل الجمود من المقلدين الذين يزهدون طلاب العلم بما كتب هؤلاء الأئمة العدول، ووجهات دعاة الإسلام أوسع من أن يحتكرها مذهب أو يحدها فقيه واحد.

وتأخذ كتب ابن حزم نفس الأهمية، فإنه فقيه متمكن راسخ، وما يشاع عنه من تطرف أو مبالغة في الوقوف عند ظاهر النص أو إيراد ألفاظ لاذعة عند نقد مخالفيه إن هو إلا شيء قليل تغمره آراؤه العميقة واستشهاداته البارعة.

إن مما يؤكد وجوب اللجوء إلى هذا المنهج الثقافي المتوازن ضرورة توزع الدعاة بعد المرحلة الأولى لانتظامهم على أشكال متنوعة من العمل الاختصاصي الذي يناسب كلا منهم، فمن أجل أن لا تتعدد مدارس الفهم والاجتهاد تبعا لتعدد وتنوع الاختصاصات: كان من اللازم إعطاء الجميع حدًا أدنى من العلوم يوحد بينهم ويمنع الشذوذ واختلاف التخريج الفقهي، يأخذونه مكثفا خلال فترة انضمامهم الابتدائية، وباشتراك مع غيره خلال فترة التدريب التخصصي والتكيف التربوي.

ففي مثل هذا فليتنافس أولو النهي

وبعد:

فإن البعض يري في هذا التخطيط تحميلا للدعاة الحمل الثقيل، ويسألون: كيف ينبغي للداعية كل هذا، وأنى له أن يتحرك يوميا هذه الحركات الواسعة مع عموم الناس وفي داخل التنظيم ثم مع نسه متعلما ومتعبدًا؟

وذاك أعجب العجب حقا، ولا ندري ماذا عساهم يظنون: أهم في رواق فلاسفة أم في رباط دراويش؟

إنكم في دعوة أيها الأخوة لها تحرك فكري سياسي إصلاحي أخلاقي شامل، ولابد لكم من تعب مضاعف متواصل، وضغط على النفس، وبذل.

لن يذوق الداعية المسلم حلاوة الحياة ما لم ترتجف يده إنهاكا إذا رفع قدح الماء إلى فمه يريد أن يرتشف، ولا يحق له أن يظن في نفسه أنه مشارك ما لم ينم جالسا، يغلبه الإعياء.

أم يرضي البعض بهذا التعب لكنه يحسب حساب المضايقة الحكومية والحزبية؟

فلهذا الحساب عجب أكبر، إذ لسنا إلا دعوة تغيير، تنهي عن المنكر، وتقاوم الظلم، وتضع أمامها احتمال السجون، والهجرة، والدماء.

إن البقية الدنيوية فينا هي التي تمنعنا أن نخبر نساءنا، عند خطبتهن، وهن في بيوت آبائهن، أن حياتنا معهن قصيرة، وأن المصالح اليومية لدعوتنا مقدمة على حقهن...!

 

 



([1]) ديوان الزوابع/ 40.

([2]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي/82.

([3]) مجموعة فتاوى ابن تيمية 35/365.

([4]) زاد المعاد 3/43.

([5]) عيون الأخيار 1/132.

([6]) للإمام البنا في المؤتمر الخامسز

([7]) وحي القلم 2/197.

([8]) المؤتمر الخامس.

([9]) إحياء علوم الدين 1/17.

|السابق| [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error