أبلغ مراتب الجهاد في الإسلام وأعلاها، أن يقاتل المسلم برغبة وإقبال وحب للبذل، متمنيا الموت في سبيل الله، ملتذا به، مستعجلا له.
وقد خلد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصف هذه الحالة التي يوفق الله تعالى لها الصفوة من أحبائه، فقال، فلما قتل عامر بن الأكوع رضي الله عنه:
(إنه لجاهد مجاهد)().
والجاهد الرجل الشهوان، الذي يقبل على الشيء بشهوة عارمة، ونفس طامحة، وقلب وثوب.
فالجاهد المجاهد: رجل مزدوج الصفة، خرج يخاطر بروحه، ويسابق أقرانه، مستأنسا بسيره، متحرشا مبادئا، منجذبا للصراع، سواء إنكارا على الظالم، أم قتالا في ساحة معركة مع الكفار.
وهو وصف قريب مما وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- به نفسه الزكية وجهاده الشريف يوم قال: (والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل)().
فتلك، دونما شك، أفضل حالات الإيمان، وأصدق صور الجهاد.
بيد أن صدقها لا يدفع صدق صورة أخرى للمجاهد، تمثله عاقلا كيسا فطنا، يناقش ويتأنى، في بعد عن التهور، ولذلك جعل الإمام حسن البنا بينه وبين أتباعه حد تمييز، وأوقفهم في مفرق طريق، وقال لهم:
(إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب. فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها: فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات. ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف: فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين، إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة)().
ريث... لا جمود
إن الانتظار الإيجابي، والتجميع الهادئ: ليسا وقوفا، ولا تلكؤا، بل تلبية لنداء الحكمة، وإن لم ير الساذج، والمبتدى، والجالس على التل، حركة وسيرا، وإنك لترى المرجل من بعيد ساكنا، لست تسمع غليانه، (وَتَرَى الْجöبَالَ تَحْسَبُهَا جَامöدَةً وَهöيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابö...).
فهذا الانتهاك، لمحارم الله، الذي كثر في هذه الأيام، ليس بواجب على الداعية أن يرده فورًا.. فإن الفورية دونما استعداد تؤدي إلى الفشل، في الأغلب، بل يكظم غيظه، ويصبر طويلا، ويحشد، حتى تكون له هيبة وافرة، فيهاب قوله وأمره، ونقده ونهيه.
إن مما كان يبعث الجرأة في نفوس الظالمين ويسرع بهم نحو البطش بدعاة الإسلام: أن الدعاة أنفسهم كانوا يهددون ويتوعدون من مركز ضعيف في ساحة مكشوفة.
ولقد طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حول الكعبة في عمرة القضية أيام الهدنة، والأصنام من حوله مئون لم يرفع معولا لهدمها، ولا جعلها جذاذا.
وفي مثل هذا ما يقنعك، بالتزام القياس المصلحي: إن أي نهي عن منكر إذا رجع عليك بصورة من المنكر أخرى أكبر: عدلت عنه إلى حين مقدرة لا تعتريها رجفة.
فريث المثابر أمضى خطِِى وأبلغ من قفزات الصخِِب
وكانت أناة الفتى في التقِِدم أهدى وأجِِدى لنيل الأرب
ومستعجل الشيء قبِِل الأوان يصيب الخسار ويجني النصيب()
على أن ذلك لا يمنع بعض الدعاة من إجراء قرعة بينهم، أيهم يخرج بنفسه حاسر الرأس منكرا، ليفجر من عروقه المداد الأحمر القاني، يدون به اسمه مع الإثبات، في سلسلة إسنادعال يروي به حديث الشاهدة الصحيح الحسن العزيز، ليكون من ثم اتصال أناب له نفسه عن أهل جيله، تحيا به معاني الجهاد، ليس يثلمها انقطاع.
الطبيعة الإيجابية لنظرية المرحلية
أما الأصل: فهو ترك القفز، وإلغاء العجلة، وإن يناور، وأن يحيد عن الرمية، لا ينتصب هدفا، بل أن لا يتواجد في عرصة يمكن أن يأتيه فيها سهم غرب، وقذفة طائشة.
وجماع ذلك: أن تسير الدعوة في مرحلية موزونة، إذ لا بد من تعادل تقدمها مع رصيدها من جانب، ومع الظرف المحيط من جانب آخر، كمن يدخل السوق فيشتري بمقدار نقوده، ويتحرى الرخص عند تماثل البضاعة.
فذلك هو خبر التدرج، في صورته البسيطة البعيدة عن تعقيد الألفاظ.
فالذاهب للسوق لا يتمنى الأماني العريضة، وإنما هو أعرف بجيبه، يشترى بمقدار ما فيه، إلا أن يكون معه دفتر الشيكات، فيحيل البائع على البنوك دون مبالاة.
إن قوة الجماعة، ورصيدها الواقعي، من إنتاج فكري ومواقف وتاريخ، كأنها النقود، إذ تتصرف الجماعة بمقدار حجمها الطبيعي ولا تخطو خطوة إلا بمقدار ما تجد من مقدرة على التنفيذ.
والمشترى لا يعتني لسوق بعيدة بضاعتها تجاوره في سوق قريبة، وكذلك الجماعة، تسلك الطريق الأقصر. وهو يربأ أن يشترى قميصا سريع التمزق من قماش رديء، ويدفع ثمنا أجزل لقميص أجود، وكذلك الجماعة، لا تفرغ جهدها في عمل سريع التبدد، بل تمد قدمها في خطوة ناقلة، ثابتة واثقة، قاطعة.
ولكن هذه الأوصاف مثلما توجبا لابتعاد عن التهور والاندفاع السريع، فإنها أيضًا، من باب آخر، توجب المبادرة لاغتنام الفرص، والتهيؤ للولوج من كل ثغرة متاحة، في الحين المناسب، إذ قد يكون الباب المنفتح سريع الانغلاق.
كالذي يلازم السوق، يترصد الصفقات المواتية، فالصافق، المتاجر، يجلس الأيام والأسابيع ينتظر ولا يشترى، ثم فجأة تعرض له صفقة بثمن بخس يدرك بحواسه وحدسه أ،ه سيربح منها من بعد، فيسارع إلى الشراء، فلو لم يكن جالسا في السوق مراقبا منافسيه: لما عرفها، ولو لم تكون نقوده بجيبه: لسبقه غيره، فلأنه كان يقظا متحفزا مليء الجيب: أتاه الربح، ولو اكتفى منصتا في ركن خلفي من مقهى السوق إلى قاص يقص عليه خبر نجاح التجار لألهته القصص، وخدرته الأحلام والأوهام.
فلا يصح إذن أن تتبادر إلى ذهن الداعية معاني السكينة، والتؤدة، والتأني، كتفسيرات وحيدة للمرحلية، وأوصاف تقترن بها لأول وهلة عندما يسمع لفظها، وإنما يجب عليه أن يفهمها على أنها نداء لبناء القوة ولتصريف الطاقة وفق تقدير وحساب، فهي تقدم إلى الأمام، نتيجة هذا البناء والتصريف الموزون، وهي انتباه واستباق.
ومن هنا نفهم أن المرحلية ليست مجرد واعظ يمسك باللجام عند فرط الرغبة والإقدام، ونتصورها مثل شيخ مسن وقور جمع أولاده وأحفاده حوله يوصيهم بالسير الرفيق، ويضخم لهم موجبات الحذر، بل المرحلية مثل خطيب مصقع أيضًا، يستجيش الحماس عند الغفلة، ويحث عند طروء الرهبة.
فيجب إذن أن نحل عقدة الخوف من المجهول المتمثلة في عدم إقدام بعض الدعوات على التجربة، فإن ضمان النجاح غير ممكن، وإنما هي احتمالات نجاح أو فشل، تكون موازناتنا بينها هي المشجعة أو الناصحة بمكث.
وبهذا الفهم نحفظ للمرحلية سمتها الإيجابي، من بعدها غلب على تفسيرها جانبها السلبي.
بل المرحلية معظمها إيجاب واختصار للطريق إذا كان هناك ثمة تخطيط دقيق لتحديد مكانة الدعوة وإمكاناتها وطاقاتها من الواقع المحيط بها، ولا يطول طريقها إلا حينما يكون هناك شكل من الإسراف أو الخطأ في تقدير الواقع وما يتبع ذلك من تسمية الحاجات.
(وإن الأمر الصعب يسهله الأمل والعمل، وإن أصعب الصعاب: اليأس، وأكأد العقاب: التردد في الأمر والتمريض فيه.
لا يعرف اليأس، ولا يعترف بالصعاب، ولا يشك في بلوغ الغاية، من أمل فعمل فصبر، وإن مع العسر يسرا، والله مع الصابرين)().
حساب وكتاب
إن التقديرات يجب ألا تعتمد على التخمين المجرد، لأن الخطأ فيه ينعكس على التنفيذ بنفس النسبة، بل الاعتماد يكون على أرقام صحيحة وإحصاء يقوم به المتواجدون في كل قطاع.
إن الأرقام وحدها تقدر أن تترجم نفسها إلى لغة تخطيط.
والإحصاء مرة واحدة لا تتم به الدقة، بل لا بد من تكراره سنويا، لنستطيع رسم خط بياني نراه، إن كان نازلا يفضح التأخر، أو أفقيا يواري ضعفا وجمودًا، أو صاعدًا يحدث بالنعمة، وبدون ذلك لا تأمن الارتجال.
الفقه يبرر الأناة
ولكن لا جدال في أن الناظر إلى المرحلة يجد جوهرها كامنا في الانتظار عند نقص التأهب، والبعض يرى أن الأمر متجه له بأن يجاهد الكفار والمنافقين في غلظة عليهم، فيسأل: كيف يجوز السكوت عن منكر يراه ويتحداه، وهو المؤمن العزيز؟
من هنا وجب أن نفتش عن تبرير شرعي للمرحلية، وهو أمر ليس بالصعب على من له نظر في وصايا الفقهاء، فإن التبرير يكمن واضحا في قاعدة تعارض المصالح والمفاسد: إن المصلحة اليسيرة إذا زاحمتها المصلحة العظيمة: أمكن تفويتها وتقديم العظيمة، واحتمال قليل المفسدة لدفع التي هي أكبر منها، كما أبقي النبي الأعز -صلى الله عليه وسلم- المنافق الأذل عبد الله بن أبي بن سلول حيا يكيد ويظاهر اليهود، ويؤذي، واحتمل مفسدته حذرا من وقوع مفسدة أكبر، ألا يجفل أشراف العرب عن الإسلام خوفا من القتل.
ثم العقل يؤيد هذا المذهب، فقد قيل: أن المنبت –أي المسرع المجهد لنفسه في السير- لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي، أي ظهر دابته التي أماتها بالتعب، فتركته وحيدًا وسط الصحراء.
إن احتمال المنكر مدة أيسر من مجازفة متهور تفشل وتبقيه، وقاعدة الترجيح بين المصالح المتعارضة أثناء قيام الداعية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما هي قاعدة صحيحة شرعا ومنطقًا، وعلى الداعية أن يوازن بين ضرر المنكر قبل إزالته، والضرر الذي قد ينشأ ويرافق إزالته: أيهما أكبر؟ وبين كمية المعروف الموجودة وكمية المعروف التي قد تفوت منها إذا أمرنا بمعروف آخر، أيهما أجزل؟
إن هذه القاعدة هي من أهم القواعد التي تكفل للدعاة حسن السياسة وواقعية الخطوات، وإذا غابت عن ذهن الدعاة فإن غيابها سيوقعهم في إحدى سيئتين:
إما التهور، وإما اليأس الذي يحول دون اغتنام الفرص.
والتهور هو الأخطر.
فالداعية يرى أمامه حزبا كافرًا، أو حكومة كافرة، أو ما هو أدنى من الكفر من صور المنكر، فينسى قاعدة الموازنة هذه، ويشدد على وجوب محق هذا المنكر توا، ويردد آيات وأحاديث النهي عن المنكر، دون أن يسأل نفسه: هل لي بهذا المنكر طاقة؟ وهل زواله يمهد لحلول ما هو أنكر منه؟
أما انعدام التفاؤل الذي يقع فيه الداعية إذا غابت عن ذهنه قاعدة الموازنة بين آثار الأمر بالمعروف هذه فيكمن في تصور غريب للمدى الذي يجب أن تبلغه جهودنا في تكوين الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم.
لقد قال الإمام البنا رحمه الله بوجوب إيجادنا لهذه الثلاث، فيشاع تفسير ساذج لكلامه عند البعض يفهمون معه أننا لا يجوز أن نحكم حتى ولو كانت لنا قدرة على ذلك، ما لم نقلب كل المجتمع إلى مجتمع إسلامي.
وليس ذلك بصواب أبدًا، فإن مجتمع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومجتمع الخلافة الراشدة لم يخلوا من المنافقين، وخطتنا تقوم على طلب الحكم عند المقدرة عليه، ثم نحاول تغيير المنكر المتبقي في المجتمع، مستعملين لإزالته أموال الدولة وأجهزتها الإدارية والتربوية والصحف والإذاعة والتلفزيون، ومعنا الهيبة والقوة، وليس من المنطق أن نلبث نزيله بجهودنا الفردية المجردة، ومخاطر المحن مكلكلة علينا.
مد الجذور
ولكن التفاؤل لا يعفيك من أن تميز الفترة الأولى لعملك الإسلامي بالهدوء، وهي تسمى: مرحلة (التأسيس الصامت) أو (إرساء القواعد) أو (بناء الصفوة)، وكل ذلك مترادف.
ويبدأ التأسيس في كل قطر مع تواجد الرواد الأوائل حتى الانتشار في معظم المرافق والقطاعات، وصفته الرئيسية: الصمت المتواري، لئلا تتعرض المجموعة لاستئصال قبل وقوفها على أقدامها، ولئلا يثير إغراء الأعمال العامة في الدعاة فضول التطلعات.
إن عناية مكثفة يجب أن توجه لدعاة جيل التأسيس، إذ عليهم يقع الثقل، من تربية الأجيال اللاحقة، واستمرار التبشير، وإذا امتدت يد بطش فإنما تمتد إليهم.
وإن مجالات الانتشار، وإعداد من يتحقق بهم الانتشار الكافي لوقف التأسيس: لها مقادير وأبعاد نسبية، تبعا لطبيعة المحيط، وطبائع مراكز التأثير الاجتماعي والسياسي، يقدرها الرواد أنفسهم، بالحسنى، دونما استخفاف بالمقابلين، ولا رهبة لهم تمنع الإقدام، إنما المهم أن لا تبدي خلال النشأة معارضة، ولا تخوض صدامًا، ولا تشعرهم بوجودك في الساحة، أو تأتي شيئا يستفز، ومن أنكر ذلك عليك فأحله إلى خبر إعلان تواجد حصل في المغرب والجزائر قبل رسوخ القدم وكيف تسبب في محنة، وخذ منه فتوى عن البديل الواقعي لهذه النشأة في بلد تسيطر عليه حفنة من الملاحدة نصبوا المشانق والمقاصل.
ويقولون: كيف سيتربى الداعية عند ذاك. أهو حبس له بين الجدران الأربعة، أم اسطوانة متكررة من الكلام تلقي عليه؟
ويقولون: هذا تزمت!
والحقيقية: إن هذا المسلك التأسيسي بريء من التزمت، وإنما هو منطق واقعي في مجابهة الظروف والأعداء الأقوياء.
إن سير الهدوء لا نعنى به التباطؤ، بل اندفع بكل سرعتك وطاقتك، ولكن بدون ضجة.
كتاب الأمير.. دستورهم
ولربما تكون مجموعة غير إسلامية قد سبقتك إلى التواجد، فيسمح المسيطر بتواجدك أيضًا ويغض بصره، تحقيقا لتوازن القوى لا اقتناعا بأفكارك، ولا جودًا بحرية هي من حقوقك، إذ ما زالت نظرية القوى المتوازنة المنشغلة ببعضها من قواعد العمل السياسي، فإن الحديد لا يفله إلا الحديد، والأفكار لا تقارع إلا الأفكار.
ولربما لا يحاربونك إن كنت السابق المتفرد، بل يسمحون في هذه الحالة الثانية بنشوء تجمع فكري مضاد لك، هو خطر عليهم، لكنه يحقق التوازن، ويطيل أعمارهم من خلال محاربة هذا التجمع لك وإشاعته الإشاعات الباطلة حولك.
وعليك في الحالة الأولى أن لا تغتر بحرية اضطروا لها، كما أن عليك في الحالة الثانية أن تقلد خصمك في خطواته السريعة، فإن الحرية قد منحت له، لا لك، فاسلك في الحالتين سلوكًا لا يتعدى التوازن المبتغي إلى إخلال إذا كنت ما تزال في طور التأسيس، ولا تتكلفن شد كفتك في الميزان تكلفا وافتعالا، بل دع رسوخك يثقل كفتك، إثقالا طبيعيا، وأخرج عن التوازن يوم تكون لك حقيقة وزن زائد تضيفه لذاتك، وليس قبل ذلك.
وللمسيطر ذكاء لا يلجؤه دائما إلى التضييق، بل يستطع مراكز الثقل في المجموعة الإسلامية، فيبعث بعضهم سفراء، ينفيهم في بلدان ثانوية وراء البحار السبعة، ويمتن، حتى ليرى المراقب الساذج ذلك فضلا، أو يكلف آخرين بإدارات وظيفة صعبة واسعة الحيثيات، لتشغلهم إشغالا قبل اكتمال التربية، وتمتص جهدهم كاملا، في استنزاف للطاقات مرهق، يظنه أهل القلوب الطيبة منحة أو ثقة بهم.
إن إحلال التوازن بين القوى، واستخدام الترغيب رديفا للترهيب: قواعد في المكيافيلية القديمة، ما زالت توجه السياسية الحديثة.
ضريبة الشمول
ولكن احتمالات البطش إن لم تكن سببا يقنعك بالهدوء، وكان في البد الذي تنشأ فيه بقية حرية، فإن عاملا آخر قد يكبح الجماح، ذلك أن مجموعة الشباب الرائدة، تطرح مفاهيم شمولية وأساليب جديدة لا يعيها العلماء الرسميون وكثير من أئمة وخطباء المساجد الذين يؤدون عملهم تأدية مهنية. وكذلك لا يستمرؤها بعض الكتاب المسلمين الذين ينطلقون في الكتابة من منطلق تقليدي وتلهيهم المباحث الجزئية التي يتداولونها عن النظرة الشمولية، وكثيرا ما تعد الطرق الصوفية ما عليه الدعوة من الصفاء العقائدي أو الممارسة السياسية خروجا عن منهج الإسلام، أو يري محاربو البدع ما عليه الدعوة من رفق تربوي وقول لين عند إنكارها مداهنة محرمة أو ضعفا في ا لاتباع السني، فيجتمع عدم فهم كل هؤلاء لحقيقتنا ليكون انتقادًا مرًا لنا متعدد التأويل، ومتضارب الوجهات ومختلف الخلفيات، ويضرب حصار حول المجموعة الناشئة يشل حيويتها، ويكسر معنوياتها ويجفل طائفة كبيرة من الناس يمكنها أن تلتف حولها معينة ومؤيدة لو لم يتمتم في آذانها الهامسون.
إن هذه الظاهرة لم يخل أي مجتمع إسلامي منها، في البلاد العربية وغيرها، وكم من معمعة دخلتها الدعوة مع هؤلاء من غير ما ذنب اقترفته، سوى وصولها إلى سعة في الفهم واعتدال في الأسلوب قصر عنهما الآخرون.
وهم إذا يقاومون شباب الدعوة ويصدون لا يصدون عن سوء نية، بل ذلك مبلغهم من العلم ومقدار استيعابهم، وإنك لن تستطيع تجنب المعارك الجانبية معهم دون سير هادئ لا تعلن فيه عن نفسك.
ونحذر سلاح الجبناء
ويعظك سبب ثالث أيضًا يتمثل في حملة الإشاعات الظالمة الكاذبة التي تواجهك بها الأحزاب الأخرى.
إن الإشاعة وقول الافتراء، واختلاق القصص، قد أصبحت وسائل مبررة سارية في العمل السياسي مع الأسف، وإنك لتعجب حقا من الملاحدة كيف أنهم ينسبون لأنفسهم فلسفة، ويكلمونك عن القضايا المصيرية بلسان عريض وعرض إحصائي، يدعون الدقة، فإذا تكلموا عن العمل الإسلامي ودعاة الإسلام، ملأوا حديثهم ومقالاتهم بالأكاذيب وتهم الزور، وجنحوا إلى خلق ضعيف ينم عن نفس مريضة معلولة.
ويزيد المحنة ما عليه أغلب الجيل الحاضر من أبناء الأمة من سرعة التصديق والتأثر بما يقال دون تمحيص وفحص، فيصدون عن الدعاة، ويتشككون، ولا يكلفون أنفسهم عناء تجربتهم بالمخالطة، وما هو بعناء، ولا يرفعون رؤوسهم قليلا ليروا نور الصدق وضاء في جبين كل داعية، أو ينصتوا بآذانهم ليسمعوا نغمة الإخلاص مميزة في صوته.
وهكذا يضرب حصارا على مجموعة الدعوة الناشئة، فيه قسوة بالغة وعدوان جبان، فتلوذ المجموعة بعفافها وسموا أخلاقها، وتربأ بنفسها عن رد بمثل، حتى تنعزل.
فمن أجل تجاوز احتمالات مثل هذه العزلة التي يفرضها الملاحدة علينا: يكون هدوء النشأة، والتروي في النزول إلى ميدان المنافسة.
بين حقائق الواقع وتمنيات التفاؤل
وثمة سبب رابع مهم يعظ بالتروي قبل الإعلان، والبعد في مرحلة النشأة وفترة الحضانة عن المجال العام، فإننا حين نصف الرواد بأنهم دعاة فإننا لا نعنى أنهم قد قطعوا شوطًا كبيرًا في تربية أنفسهم، بل ما زالت فيهم بقية من الجاهلية، من رياء وتحاسد، وحب جدل وغرور، واستئناس بمحمدة وشيوع ذكر، والنزول المبكر إلى الميدان يعرضهم لمغريات كثيرة تكبر بها نفوسهم لأكثر مما تحتمل حقائقها، من رئاسة، وصيت حسن، ودعاية صحفية، وتصفيق وهتاف، ووميض آلات التصوير، ووفود المعجبين، فتكون الفتنة في محيطهم جد محتملة، وتبدأ عوائق النزاع والتنافس الدنيوي بينهم، وبخاصة إن كانوا أقرانًا ليس لهم رئيس قائد أكبر منهم سنا وأجزل علما وأوف رهيبة.
فكما أنك تمنع الصبي عن بعض الطعام وقاية له: تمنع العمل عن المنابر والترشيح البرلماني ووسائل الانتشار السريع.
إن المؤسس ينال ثقتك بهمته العالية وحميته الدافعة، لكنه لا يزال مبتدئا في الفقه، سطحيا في التجربة، وإذا استشكلت ذلك فقس نفسك بما كنت عليه قبل سنوات، فإنك ستضحك من جهلك القديم إذا ذكرت وقائعك، وسترى أن نموًا واسعا قد ضخم رصيدك التربوي والفكري أضعافا عما كان عليه.
ولقد تجاهلت الدعوة في بعض البلاد هذا المنطق الوقائي، أو جهلته ولم تعرفه، فدعت الثمن غاليا، وتفرق جيل كما اجتمع.
الاشتقاق والقياس ينميان التراث التخطيطي
وقد يختلف التقدير، فالإمام البنا رحمه الله كان ميالا في المؤتمر الخامس إلى العلنية، وذكر أن المرحلة الأولى هي مرحلة تعريف وإيصال للدعوة إلى جماهير الناس، ولكن التجربة في كثير من البلدان أفادت بغير ذلك، والمحن التي تعرضت لها الجامعة توجب إعادة النظر، وليس في ذلك بأس، ولا هو منازعة له، وإنما أدلى بما قال على ضوء الظروف السائدة آنذاك، والنظر النسبي يجيز التكيف للواقع المستجد، بل إن التعريف لا يمكن أن يكون إلا بدعاة كثيرين يقومون به هم المؤسسون.
إن بعض الأقطار قد بدأت الدعوة هذه البداية التعريفية بحملة واسعة من الدعاية والخطيب في المساجد والمظاهرات، حتى صار يتسمى باسم الدعوة آلاف الشباب، فلما أريدت لهم التربية والسير المنضبط والتوزع إلى طبقات: اختلفوا، لأنهم أقران، وأنت الدعوة أنينا متواصلا لسنوات نتيجة لخلافهم وتنازعهم.
وقد لا تكون الحكومة ظالمة صاحبة تضييق، ولا يؤذينا عدوان أو اختلاف، ولكن اليد المربية ترهق بالمجموعة الكبيرة، ويظل المستوى التربوي هابطا، ولهذا فإن سير التأني توجبه الكفاية التربوية أيضًا، وأن يتوازن الانتشار بمقدارها، وربما كان من الضروري عدم الاشتغال بالسياسة لمدة طويلة، في نوع من التكتم وتربية الخلوات بمجالس علمية ودراسية في البيوت، إلى أن يتم تكوين جيل التأسيس.
الاستدراك.. ممكن
وحتى الأقطار التي أخطأت التدرج فتعرضت لضيق: يمكنها الاستدراك والعودة إلى الهدوء، إذ ليس في ذلك حرج شرعي ولا عيب عرفي.
ويسارع بعض الدعاة إلى نفي هذا الجواز والدعوة إلى مواصلة السير مهما كانت الظروف، ويرتجلون خطبا في الحث، والتحريض على عدم التراجع، ولربما أتوا بمثال من جرأة الأحزاب الشيوعية وجلدها في العمل يدللون به على وجوب التقدم.
ولقد أخطأ هؤلاء في افتراضهم، فإن فنون المرحلية لا تعرف مسلما وكافرا، بل يخاطبهما العقل معا، ويدعوهما إلى قياس منطقي ونظر مصلحي يتساويان فيهما.
وقد كان للشيوعيين في روسيا استعجال إلى الثورة على القيصر سنة 1905، ففشلت ثورتهم، فقاد لينين تراجعهم الماهر، ثم استأنفوا الثورة أيام الحرب العالمية. وفي موجز تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وصف لتلك الفترة وطبيعة العمل، وهو تاريخ دونته لجنة من قدماء الحزبين ومطبوع بالعربية بموسكو نفسها، مما ينفي أي احتمال للمغالطة والتزوير.
(وفي ظروف انتصار الرجعية لم يكن ينبغي دعوة الجماهير إلى الهجوم المباشر على الملكية القيصرية، إنما كان ينبغي التراجع والانتقال إلى طرائق ملتوية للنضال. ولهذا الغرض كان ينبغي على الحزب السري أن يستغل إلى الحد الأقصى منبر دوما الدولة()، والمنظمات العلنية السلمية: النقابات، التعاونيات، نوادي العمال.
وقد ربى لينين في البلاشفة احتقار الجملة الثورية، وعلمهم أنه ينبغي للثوري الحقيقي أن يؤدي واجبه كذلك في العمل اليومي، العادي، الممل، غير الملحوظ، بين الجماهير مهما بلغ من الصعوبة والمشقة، فإن هذا العمل لا يذهب أبدًا عبثا.
وهكذا جابه الحزب الماركسي بعد هزيمة الثورة مهمة لم يتأت له من قبل أن يؤدي نظيرا لها، وهي التراجع بانتظام، واستغلال كل ذريعة علنية استغلالا ثوريا لأجل إقامة الصلة مع القاعدة، لأجل تثقيف الجماهير سياسيًا. وقد تعلم البلاشفة هذا العمل العسير بعناد، واتسم كل عمل الحزب بالجمع بين العمل السري والعمل العلني)().
(وفي زمن الرجعية العصيب اغتنى الحزب بتجربة سياسية جديدة، وبطرائق جديدة للنضال، وبأشكال جديدة للتنظيم، وإبان الثورة تعلم البلاشفة الهجوم، والهزيمة علمتهم التراجع بانتظام، مع الاحتفاظ بقواهم الأساسية، وقد كان لهذه التجربة أهمية تفوق التقدير بالنسبة لانتصار الثورة المقبلة، وقد علم لينين أنه يستحيل النصر بدون تعلم الهجوم الصحيح والتراجع الصحيح)().
أن لا داعي لأن تعجل بإنكارك علينا عند هذا الاستئناس بما كان من خطة الشيوعيين في العمل، فنحن ننكر باطلهم وإلحادهم، وكذبهم ومجازرهم، وسوء أخلاقهم، وعدوانهم على الأعراض والأموال، ولكن ما وراء ذلك من البصر السياسي والحزم الإداري: يتساوى فيه المسلم والكافر، بل ليس تراجع المسلمين اليوم إلا لغلبة الكافرين عليهم بهذا البصر والحزم، والسبق الذي لهم فيهما.
فقف قليلا، وانظر ما أجمع عليه المسلمون من جواز تقليد الكافر في التعبية وأساليب الحرب وخططها العسكرية، واجعل نظرك هذا دليلا على جواز ما وازاه من أساليب السياسة.
وقف ثانية، وانظر ما شاع من الاستئناس بتجارب ساسة العالم في العمل السياسي، الدولي والحزبي، تجد التفاتك إلى تجارب ساسة الأحزاب الشيوعية قريبا في ذلك.
فلا تغرنك حماسة مرتجلة، وإباء مصطنع، أيها الأخ الداعية، بهما تصد أذنك عن سماع تجربة شيوعية نرويها لك، فإن لك من قواعد الشريعة وأخلاقها ميزانا فرقانا، يعصمك التقليد الجزاف، كما أن لك في قلبك الرقيق المخبت واعظًا يرفعك عن مثل عنفهم وصراعهم الدموي.
ورويدا بك أنت أيضًا أيها المسلم المخالف لنا، في نقدك، لا تنسب لنا بمثل هذا ولوغنا في الطريق الشيوعي، فإن في كلامنا من الوضوح ما يهيب بك أن تتهيب، وفي وقوفنا عند أحكام الحلال والحرام، ما يبعدنا عن الشبهات.
إنها ليست أكثر من قناعة بجدوى محاربة الكفر كله، الشيوعي وغيره، بأسلحة الكفر نفسه.
أشواقنا الحبيسة
وبمثل هذا المنطق: يؤذن للدعوة التي لم تكتمل بعد مراحل تأسيسها أن تنسحب من ميدان القيام بقضايا الأمة الكبرى، وترد عتب من يعتب عليها أنها قد سطرت لها من قبل المفاخر والأمجاد.
إن الدعاة لا يمتنعون عن بذل هم أول من بدأه، لكن تجربتهم أعطتهم وعيا من بعد ما رأوا الحكومات العميلة تضربهم من الخلف إذ هم في مصاولة الأعداء، وتجمعهم من معسكرات الجهاد إلى معسكرات الاعتقال فهم يحفظون أنفسهم هداة للناس مربين يدلونهم على أصل الداء.
إن الحجة بالحجة تقال، وفوات رضا الناس اليوم إذ لم ينصفونا يشكل أمرًا سلبيا نود أن نتحاشاه، ولكن في الضرب المتوقع سلب أكبر.
إن العاتب متبطر، فإن اندفاع دعاة الإسلام لخدمة قضايا الأمة والتفاني فيها قد بلغ أوجا عاليا، وما تزال قلوبهم تحلق في ذلك الأفق السامي، ولن يكون منهم إبطاء إذا حصلت لهم القوة وساعدتهم الظروف، ولكنهم يبطؤون إذا رأوا السجون وقيود الأغلال الظالمة تحجزهم عن لقاء اليهود والمستعمرين الذين ما زالوا يجثمون على بعض أقطار العالم الإسلامي، والبذل لا يكون مع ظهر مكشوف تأتي فيه الرصاصة الأولى من الخلف، من الحكام الخونة، قبل رصاصة العدو في الصدر، وجدير بالدعاة أن يقودوا الناس لاجتثاث هذه الكيانات، الظالمة الهزيلة التي تقع عليها مسؤولية ضياع قضايا الأمة أولا وآخرًا.
----------