ما زال صوت شاعر فقيه ينساب مع الزمن منذ العهد العباسي يصف الحر، فيستوقفك في تغنيه وتطريبه، ويثير اهتمامك، كأنه يرسم صورة شخصية الداعية الذي تحب أن تنيط به تنفيذ هذه الأماني، حتى يشدك إلى جمالها، حين يسترسل يغبط الحر الطموح ويقول:
واهًا لحِر واسع صِِدره وهمه ما سِِر أهل الصلاح
سوده إصلاحِه سِِِرة وردعِه أهواءه، والطمِاح
فسعة الصدر، وارتياد الخير للمؤمنين، وتزكية الباطن، وعصيان الأهواء، وقلة الطمع: شروط أساسية لنيل الحرية التي تمكن صاحبه من سيادة جيله وقيادته.
يجيئونه يقدمونه، ويجبرونه على أن يكون لهم موجها وبينهم حكما وفيهم سيدًا، إذا رأوا حرصه على جلب المصالح لهم ونقاء.
نخلة بغداد
وضرب عبد القادر الكيلاني مثلا لقلب المؤمن إذا استوفى التربية واحتاجه الناس، فشبهه بنواة في صحن دار لا سقف له تحيطها جدران أربعة، فتنبت، ويربيها ماء المطر وشعاع الشمس، حتى إذا استوت نخل، وشمخت مرتفعة طامحة إلى الأعالي: رآها الناس، وأغراهم رطبها، فالتقطوا منه يأكلون، واستظلوا بسعفها، وهي محروسة في الداخل ليست تنالها يد مفسد.
وما النشأة التربوية للدعاة إلا كمثل نشأة هذه النخلة، يسعى نحوهم الناس بعدها، وحولها يتحلقون، ويأمنون بقربهم في ظل هيبتهم.
خلوص النية: خلاصة العطية
ويبهر الناظر إلى سيرة السلف عمق الاقتران التام في سلوكهم بين التربية الإيمانية والممارسة السياسية والجهادية، حتى لتقتنع بأنهم لم يكن ليتاح لهم التأثير الذي تركوه والنصر الذي حازوه إلا بتهذيب النفوس وكثرة العبادة.
ليست أمثلة الصحابة والتابعين والصدر الأول فحسب، وإنما هو إعطاء الإيمان حتى في قرون التخلف أيضًا، وينتصب عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية مثالا كامل الأوصاف، وهو شقيق شيخ الإسلام أبي العباس، وكان فقيها كأخيه، مع أن شهرته أقل وله باع في الحديث ومعرفة الأسانيد ورجالها.
قالوا: (كان صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير، شريف النفس، شجاعًا مقدامًا، مجاهدًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، يخرج من بيته ليلا، ويأوي إليه ليلا، ولا يجلس في مكان معين بحيث يقصد فيه، لكنه يأوي المساجد المشهورة خارج البلد، فيختلي فيها للصلاة والذكر، وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى)().
وفي سرد مثل هذه الأوصاف المجتمعة ما يخبرك أن الشاعر لم يكن خياليا متوهما لما رسم صورة الحر، وإنما هي نماذج واقعية حية أفيطمع أن يأخذ دعاة الإسلام اليوم من هذا الفقيه جهاده وشجاعته وإقدامه، دون زهده وورعه وذكره؟
ويبرز إبراهيم بن على الواسطي ثم الشامي المتوفى سنة 692 قدوة أخرى، ونموذجا لهذا الشمول، فقد وصفوه بأنه (ملازم للتعبد ليلا ونهارًا، قائم بما يعجز عنه غيره، ومبالغ في إنكار المنكر، بائع نفسه فيه، لا يبالي على من أنكر، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويعظم الشعائر والحرمات، وعنده علم جيد، وفقه حسن، وكان داعية إلى عقيدة أهل السنة والسلف الصالح، مثابرًا على السعي في هداية من يرى فيه زيغًا عنها) ().
وما تطمح تربيت إلى تكوين رجال أوفى منه في هذه الخلال، وكأن من يصفه يصف نموذج الداعية الذي نريده، يتحرك حركته اليومية الجامعة.
أفيطمع أن يأخذ دعاة الإسلام منه إنكاره المنكر، واختلاطه بالناس وعلمه دون عقيدته وعبادته؟
إن طبيعة الشخصية التنفيذية ليست سياسية بحتة، ولا يكفيها تفاعلها التربوي مع المواقف، فإن الولاء السياسي لا يرتقي إلى درجة الولاء الإيماني، وقد يخالطه طمع دنيوي، وهذه الصور والنماذج السلفية الأصيلة تعظ المخطط السياسي المسلم وتجبره على أن يمر بالدعاة المنفذين المخططة في الممر التربوي الإيماني الأخلاقي، لينمي فيهم عشر صفات متكاملات مترابطات، تسمح له أن يطمع بفوز، وأن يعد المستضعفين به، وأن يتمنى.
(الصفة الأولى): رجاء العبودية الخائفة:
فإن مدار أمرنا على العبودية الخالصة لله رب العالمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ( يا معاذ بن جبل: قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدون ولا يشركوا به شيئا).
وانظر إلى ثمن هذه العبادة لما استدرك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معاذ بن جبل: قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك: قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم) ().
هكذا تبدأ تربية المسلم، بخوف العذاب واستحضار هذا الخوف كلما قرأ القرآن، فقد جعل الله تعالى وجل القلوب صفة إيمانية فقال: (الَّذöينَ إöذَا ذُكöرَ اللهُ وَجöلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإöذَا تُلöيَتْ عَلَيْهöمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إöيمَانًا وَعَلَى رَبّöهöمْ يَتَوَكَّلُونَ) حتى تقشعر الجلود من بعد، كما قال الله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدöيثö كöتَابًا مُّتَشَابöهًا مَّثَانöيَ تَقْشَعöرُّ مöنْهُ جُلُودُ الَّذöينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، ثم يكون انهمار دموع العين، فإنهم (إöذَا تُتْلَى عَلَيْهöمْ آيَاتُ الرَّحْمَنö خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكöيًّا) (وَإöذَا سَمöعُوا مَا أُنْزöلَ إöلَى الرَّسُولö تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفöيضُ مöنَ الدَّمْعö مöمَّا عَرَفُوا مöنَ الْحَقّö).
وتتساقط دمعات أخريات إذا يوبخ أحدهم نفسه ويحثها أن:
ويحك يا نفس احرصِِي على ارتياد المخلِص
وطاوعِِي، واخلصِِي واستمعِي النصح وعي
واعتبري بمِن مضِِِى من القِرون وانقضِى
واخشي مفاجِِأ القضِِا وحاذري أن تخدعِِي
ويظل وجلا حتى يستوقفه الرجاء،ويتذكر أن رحمة الله سبقت غضبه، فتتعادل حالته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة: لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب: لم يأمن من النار) ().
ويأخذ يرجو لنفسه الخير إذا رأى نعمة الله عليه في الإسلام، وأنه أحسن حالا من الكافر وأولى بأن لا يطرقه اليأس، ثم ينتبه إلى نقصان حاله عن كمال الإيمان، فيظل لا يجزم لنفسه بالأمن.
(الصفة الثانية): ذوق حلاوة الإيمان:
كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقي في النار)().
فحب الله أول موارد هذه اللذة، وهو أصل إيماني ثابت كررت ذكره الآيات، كما قال الله تعالى: (وَالَّذöينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهö)، وإذا كان هذا الحب من العباد: تكرم سبحانه عليهم بحب مقابل، كما قال عز وجل: (إöنَّ اللهَ يُحöبُّ الْمُحْسöنöينَ)، ولذلك جمع الله تعالى هذين الحبين المتقابلين، فأنبأ عن نفسه وعنهم، أنه وإنهم: (يُحöبُّهُمْ وَيُحöبُّونَهُ).
وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مكمل لحب الله تعالى، ولا نشهد لمن تجرد عنه بإيمان، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (فو الذي نفسي بيده: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ().
وينمو هذا الحب بكثرة ما نتلقن من فضائل النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله وأخلاقه، وبكثرة ما نقرأ من صفحات الحديث، وتلك هي التربية التي نعنيها.
(الصفة الثالثة): علو الهدف الواحد:
فالاختيار إنما هو اختيار واحد، وقد تجنح النفس إلى اختيارات هابطة تزاحم هدفها السامي، إلا أن التقاء الهدفين محال، وسد الشاعر طريق التقائهما لما أخبرنا أن:
الهوى الدنيوي والهدف العلِوي في النفس ليس يلقيِِِان
وهذه الحقيقة تدعونا إلى تجريد وتمحيض الإخلاص في نفوس الدعاة العاملين، وأن يتحرروا من كل الأطماع والشوائب، وأن يظل هذا التجرد يتعاظم فيهم حتى يصل إلى درجة التبتل في أداء العمل للدعوة الإسلامية المباركة، ويصيرون (كأن مادتهم من السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال، يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن بالفعل، إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص، وإن كان حرمانا، وإلا المروءة، وإن كانت مشقة) ().
إن طريق الدعوة واحدة لا يحتمل الشركة، وعلامة الداعية القائم لله ولنصرة دينه بصدق: (أن يكون أنسه بالله تعالى: والغالب على قلبه: حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة، إما محبة الدنيا، وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء، والهواء في القدح، فالماء إذا دخل: خرج الهواء، ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله: اشتغل به ولم يشتغل بغيره، ولذلك قيل لبعضهم: إلى ماذا أفضى بهم الزهد؟ فقال: إلى أنس بالله، فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان) ().
(الصفة الرابعة): امتزاج القلب والعقل:
فإن الإنسان هو هو: ساذج منخدع.
والأهواء هي هي، كيدها لا يعظ البعض، فيأبون إلا تكرار التجربة، والسير في الدرب الهش، وقد خدعت هذه الأهواء الشاعر مع علمه بأنها استدرجت سلفا له، وأخبر أنها ستظل تغري اللاحقين، فراح يكشف الحقيقة، ويخفف من مراراتها بتوهمه لذة فيها يستطيبها، ويقول:
يا طيب أهواء تغري ولا تسلي
لم يغنني عنها من سار من قبلي
كم موكب بعدي في لهفة السؤل
يمشي على دربي في مدرج الرمل!!
انظر: غنها لهفة السؤل، أي تفكيره العقلي فقط، لا تأمله الروحي القلبي.
لكنها عندنا هي حياة القلب والعقل معًا، ولا بد من امتزاج العواطف الإيمانية بالعقل الاتباعي، ولا العقل الحر الأهوائي، إلا ما يكون من العمل بإشارة العقل السليم لاكتشاف المصالح الكامنة ي الأعمال لتكون دليلا لنا إذا لم يكن هناك نص شرعي، وليس هو العقل الذي يتجاوز صحاح النصوص فيتخبط.
ومازالت هذه الساحة مجال صراع منذ القرون الأولى، ومازال أمرنا يقوم على نقد العقلانية المعتزلية، وترك القياسات المفرطة المعطلة للأحاديث الصحيحة.
(الصفة الخامسة): رفض التسلط الجاهلي:
فإن من لا يضبط نفسه: لا يؤثر في غيره.
وقد قال إقبال:
كل من في نفسه لا يحكم هو في حكم سواه مراغم
أي: يحكمه سواء رغما عنه، وكما أنه في النفس فهو في الحكم السياسي العام أيضًا، تحكمه الأحزاب، ومجاميع المغامرين، حتى ليجد السفيه ثغرة يلج منها فيتصدر، وذلك ما أخبرنا به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتحدث عن علاقات الساعة قائلا يصف شدة الانحراف:
(إنها ستأتي على الناس سنون خداعة: يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة: قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) ().
وكم من رويبضة اليوم يقود، غفلة الشعب فقط هي التي أوصلته، يعطيه في الانتخابات الأصوات على غير ما هدى وبلا ميزان، أو يعزف عن العمل الجماعي المنظم فيؤسس السفيه عصابة ترفعه.
والوعي إزاء هذه الفلتات وعيان:
وعي رجل يعاتب الشعب، ويستنكر غفلته، ويقف ع ند مجرد التبكيت، ويدقق في محاسبة السذج، وتقريعهم، ويستعلى مستشفيا، ويترك الجيل المخدوع في ورطته، منزويا هو بوعيه، ويظل يردد من مقبعة مرة بعد مرة أن:
يا شعب لا تشِِك الشقِِاء ولا تطل فيه نواحِِك
لو لم تكن بيديك مجروحِِِا لضمدنا جِِِراحِك
أنت أنتقبيِِت رجال أمِِرك وارتقيت بهم صلاحِك
فإذا بهم يرخون فِِِِِِوق خسيس دنياهِم وشاحك
أيسيل صدرك من جراحتهِِِم وتعطيهِم سلاحِِِك
لهفي عليِِِِِك، أهكِِذا تطِوى على الذل جناحك
ولم يقل غير الحق ولا وصف غير الواقع، ولكن وعيه هو الوعي السلبي المفضول، ويقابله وعي داعية مبادر، كله إيجابية واستدراك، قد تيقن أن الشعب ضحية تربية أرادت له الاستكانة وحرمته قواعد التمييز، فهو في حث لهم، واستنهاض وتجميع، وتربية، وتنظيم، ليكتسح بهم منازل السفهاء ووكر كل رويبضة، فيطفق يعلمهم مع رشيد مغزى التكبير العاصف بالطواغيت، ويلقنهم الهتاف..
فتيِِة الإسِِلام إن باغ تجِبر فاصرخي في وجهِِه:الله أكبر
وإذا الغادر عن لِِؤم أشاحِِِا فأطلقوهِِِا صرخة: الله أكبر
ومن القِِرآن فلنقبس هِِِدان كبروا يا إخِِِِوة : الله أكبر
يد عِِزم بيد أخِرى سننصِِر فيِِدوي عِزمنِِا: الله أكبر
ثم يقف بهم على ثنية ثانية، وفي صعدة أخرى، من بعد ما بين لهم نظام العمل الجماعي، ونهج الحكم الإسلامي، ويدع للرافعي المنبر، ليشدد عليهم، ويزيد نظرية تأثير التكبير تأكيدًا، فيدوي صوته...
(لا تضطربوا.. هذا هو النظام.
لا تنحرفوا.... هذا هو المنهج.
لا تتراجعوا... هذا هو النداء.
لن يكبر عليكم شيء ما دامت كلمتكم الله أكبر) ().
إن الشعوب قد طوت على الذل جناحها، وسلمت سلاحها، وهي التي جرحت نفسها إذا رضيت بالمخادعين، حكامًا، ولو كان منطقنا دنيويا لوقفنا موقف العتاب والتقريع للشعوب، ولكنه واجب شرعي كلفنا الله به: أن نزيل هذه الطواغيت، وأن نكون نحن المصلحين لإفسادها، الوارثين من بعدها.
(الصفة السادسة): عيش الجد الدائب
وهو الذي كان عليه أكثر الصحابة، وأجيال الفتوح الأولى من التابعين، والذين أرسوا قواعد العلم منهم ومن أتباعهم، وعمر بن عبد العزيز وجماعته الذين جددوا الأمر، وأحمد بن حنبل ورهطه الذين تصدوا للبدع، والمجاهدون من الفقهاء، والدعاة الذين تركوا في مقالتهم قصصا فيها تذكرة لأولى الألباب.
لقد رصدوا أنفسهم للتأثير في الحياة، ولم تكن لهم آمال شخصية، ولذلك استطاعوا إعزاز الإسلام، فقبس لهم الإسلام من عزته.
وتملأ ميتة مصعب بن عمير رضي الله عنه نفس الداعية موعظة حتى ليكاد أن يشرق باللقيمات قبل أن يقلقه التنعم والبطر.
ففي صحيح البخاري: (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطى رأسه، بدت رجلاه، وإن غطى رجلاه، بدا رأسه) قال الراوي: (وأراه قال وقتل حمزة وهو، خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) ().
هكذا ميتة الفتى الذي كانت تدلله أمه وتلبسه ثواب الحرير مرة واحدة تستبدله بغيره إذا اتسخ، لا تغسله.
آمن لما عرف الحق، فتجرد.
وبقلة يقتدون يتجرده تستطيع الدعوة أن تغير مجرى الحياة، ولكن الدعاة اليوم يطمعون، فيكسلون!
إن التحديات المنتصبة أمام الدعوة لكبيرة حقا، والمعركة دائبة، ولا أمل إلا بإحياء السمت القديم الأول.
وتعجب حقا لدعاة تراهم في كل بلد، يستطيعون الجلوس إلى بعضهم طويلا، ويتبادلون التحاب، تغمرهم رحاب التآخي، والصراع من حولهم مستعر، ولو أنهم التقوا سراعا لقاء التناصح والتواصي، ثم نفروا يعلمون الناس ويتجولون، لكان خيرًا لهم، ولكانت دعوتهم أظهر.
(الصفة السابعة): رهبة موقف الموت:
فيستحضر موت المعتمد بن عباد رحمه الله، الذي حكم الأندلس دهرًا، كأعز ما تكون الملوك، ولما عزله المرابطون ونفوه إلى أقاصي مراكش ومات: ما زاد الناس في التنادي للصلاة على جنازته غير قولهم: (الصلاة على الغريب) ().
وللعاقل في ذلك عبرة، وذو القلب الحي يشعر بغربته في هذه الدنيا قبل النداء عليه، ويدرك أن:
الناس في هذه الدنيا على سفر وعن قريب بهم ما ينقضي السفر
فمنهم قانع راض بعيشتِِِه ومنهم موسِر والقلب مفتقِِر
والنفس تشبِع أحيانا فيرجعها نحو المجاعِة حب العيش والبطر
فيختار القناعة، ويرضى بغني القلب، وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولذلك يجب استمرار خوف أحدنا من بقية عمره، حذرًا أن يوسوس الشيطان له بنكوص، وهو الله وحده يثبت القلوب، ومن هنا كانت المحاسبة ركنا أساسيًا في الاختيارات التربوية الإيمانية التي أرشدنا إليها الإمام البنا رحمه الله، وأوجب علينا:
(أن نحاسب أنفسنا على الماضي، وعلى المستقبل، من قبل أن تأتي ساعة الحساب، وإنها لآتية...
على الماضي: فنندم على الأخطاء، ونستقيل العثرات، ونقوم المعوج، ونستدرك ما فات، وفي الأجل بقية، وفي الوقت فسحة لهذا الاستدراك.
وعلى المستقبل: فعند له عدته، من القلب النقي، والسريرة الطيبة، والعمل الصالح، والعزيمة الماضية السباقة إلى الخيرات.
والمؤمن أبدًا بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه) ().
(الصفة الثامنة): عزم التعاهد المبكر:
فإن طريق الوفاء نحن فيه.
وإنك بمجرد أن تكون داعية: تعادي.
وإنه لقانون يبشر به ورقة بن نوفل نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيقول:
(لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى).
عداوة تطلق لمروءة ورقة العنان فيقول:
(يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك).
ثم يبادر فيبايع:
(إن يدركني يومك: أنصرك نصرًا مؤزرًا) ().
وهكذا سن ورقة في أمتنا سنة المبادرة المبكرة إلى التعاهد، فألزمنا من بعده.. لا فكاك.
وفي ذلك إشارة قوية إلى ما يجب أن يكون عليه الداعية من همة الوفاء، وأن عليه نصر يوم الدعوة الفاضل.
(الصفة التاسعة): خروج المخاطر الباذلة:
فإن عملنا هو عمل تعرضي، وما هو بمجرد عمل سياسي بحت، ولا هو بالعمل التربوي المجرد، وإنما نحن حركة لدعاتها مخارج ومخاطرات، وبذل.
كذلك سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن أفضل العمل، فقال:
(رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) ().
فانظر وحلل هذه الكلمات: تجد كيف أنه:
خرج: وهو الخروج اليومي للتبشير بالدعوة، أو دخول المعارك الحاسمة، لا يحدث نفسه بأوبة.
يخاطر: فسماها مخاطرة، وإلا فما أسهل الإقدام على العمل المضمون.
بنفسه: أي بروحه، بدمه، بجسده، لا يخشى حبلا ولا رصاصة.
وماله: أي براتبه، وموارده، وأملاكه التي هي ملك الدعوة وأجازت له الانتفاع منها.
فلم يرجع بشيء بعد ذلك، لأنه انتقل نقلة البذل في الله، ومن طبيعتها أنها لا رجوع فيها، بل لها توجه نحو الأمام فحسب، بلا التفات.
يقدم لها غير وجل، ويقول غير آسف:
وأراني أسمِِو بسعيي ووعيِي عن جزاء من معدن الأرض، بخس
حسب نفسي من الجزاء شعِِوري أنني في الإلِه أبذل نفسِِِِي
لكنها الأرض قد اهتزت وربت وأنبتت البهيج لما كان البذل.
(الصفة العاشرة): قطع العلائق الدنيوية:
ولا عجب إن كررت هذه المواعظ ذم الدنيا واقتصرت على أمور الدين، فإن الأكثرين قد شغلتهم الدنيا حتى صاروا بمسالكها خبراء، ولكنه الدين الدين، كما قال عطاء بن يسار:
(دينكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون) ().
والتخفف منها ضروري للإسراع في خروج المخاطر، ومن استكثر، أثقلته وألهته، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (إن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم)، ولذلك كره الفقهاء كثرة التمتع بالحلال، لما فيه من تخذيل المتمتع عن الجهاد وإبطاء النفرة.
وما لم يكن هذا ا لتقلل: كان الاسترسال في الاستزادة، وعراض التمنيات، فإن إغراءها دائم لا يفتر، والنفس تضعف، وكم من لاحق لم يعظه ماض، ولما التفت الشاعر بعد الانتباهة وجد الركب مزدحما، ورأى وراءه قوما ما زال يستدرجهم حبها، فقال ندمان آسفًا:
ما أنت يِِا دنيِِا ومِِا أبقيت للأحِِِلام مني؟
تطوين بالإغراء أيامِِِِي وأطويها تمنِِِِِِي
غنيِِت حبك وانتشيِِِت وكم فتى بعدي يغنِِِي
ولذلك كان من تمام واجب الدعوة أن تنتشل دعاتها من ركب النشوة الهائم، وتميزهم في ركب جد مستقل، وتعاكس أغاني الغافلين بحداء التوبة الإيمانية، إذ يرفع الحادي صوته شاكرًا...
صحِِا قلبي وأقصِر بعد غي طويل كان فيِه من الغوانِي
بأن قصد السبيل فبِِاع جهِلا يرشد وارتجِى عقبي الزمان
وقدما كان معترمِِا جموحِا إلى لذاته سلس العنِِِِان
وأقلع بعِد صبوتِه وأضحِى طويل الليِِل يهرف بالقران
ويدعو الله مجتهِدا لكيمِِِا ينال الفوز من غرف الجنِان
فتمضى قافلة الخير في الطريق عازمة.
غير أنه طريق الفتور الإيمانية، لا طريق الرهبان النصارى، كما قال بعض الشيوخ: (طريقنا تفتي وليس تنصر).
قال بن تيمية: (يعني هو استعمال مكارم الأخلاق، ليس هو النسك اليابس) ().
وآية ذلك: أن لا تترك المال بتاتا، فإنه عصب الحياة والعمل، ولكن تجعله في يدك لا في قلبك، غير فرح به إذا أتى، ولا آسف إذا فات، كما قال تعالى: (لöكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بöمَا آتَاكُمْ).
مسيرة الخطوة الواحدة
هذه الصفات: بعضها يسند بعضا لتكوين الشخصية الإيمانية التي تتولى تنفيذ الخطة الإسلامية.
وفي كلها فضل وخير، غير أن نفس الداعية الحر تبقى طامحة إلى نيل الشهادة.
ليس بين مقتله وبين الجنة إلا خطوة واحدة، كما وصفها جابر بن عامر شاعر ربيعة للإمام أحمد أيام المحنة، إذ لقيه وهو يرسف في الأغلال يقودونه إلى المأمون، فقال جابر:
(يا هذا: ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة ها هنا!) ().
ليس أكثر.
قال أحمد: فشدت كلمته قلبي أيما شد، وثبتتني.
وهكذا: أقل من خطوة.
القتل هاهنا.. والجنة هاهنا... متجاورين.
ليس بينهما صحراء..
وما ثم إلا نقلة.. يسيرة.
وسمع عمر رضي الله عنه إنسانًا يقرأ الآية: (وَمöنَ النَّاسö مَن يَشْرöي نَفْسَهُ ابْتöغَاءَ مَرْضَاتö اللهö) فقال عمر: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فقتل)().
قال الطبري: (فكل من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها، أو استقتل وإن لم يقتل، فمعنى بقوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمر بمعروف أو نهي عن منكر) ().
وهو، كما يقول الطبري أيضًا: (إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر) ().
والوثوب بالفاجر هو اللفظ الصحيح لقولنا: الوثوب على الفاجر، أي الثورة عليه، ومنازعته، ومحاولة تنحيته.
فهذا واجبك أخي، فامض إليه.
· أنت مدعو للوثوب بالفريق الفاجر الذي استولى زورًا.
· ولك من الجزاء: مرضاة لله.
· وقد ربح البيع، ربح البيع.