الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

فنون التجميع

مما يؤثر عن التابعي الجليل جبير بن نفير أنه كان يقول:

(لقد استقبلت الإسلام من أوله، فلم أزل أن أرى في الناس صالحا وطالحًا)([1]).

مقالة عابرة تتحدث عن ظاهرة مفهومة بداهة، ولكن بساطتها تمنحها هيبة الحكمة، إذ أن تطرفات العاملين أنستهم بداهتها وأذهلتهم عن عمل صحيح ينبغي أن يبتني على حقيقتها، فكان منهم المصدوم، اليأس من الناس، الذي هزته تجربة له مع طالح، فقاس وعمم بلا ضابط، وكان منهم المتساهل، الذي وفق الله تعالى له صالحا يلقاه في أول محاولاته، فهش وبش، وراح يفرط في حسن الظن بالمقابل، ويوزع جهده بددًا.

كأن مفاهيم الطرفين تعكس بدعتين شابتا صفاء مجتمع السلف وتوسطهم في إنزال الناس منازلهم، فإن اليائس السريع الاتهام يوجد له في مجازفات الخوارج مثيل، إذ كانوا لا يرضون جمهور المسلمين، ويبدون لهم قسوة، وأما أصحاب التساهل فيقاربون ما ذهب إليه المرجئة، لما كانوا يكتفون بقول اللسان دلالة على الإيمان.

لهذا كان من الضروري أن يرى كل داعية مسلم ما رأى جبير بن نفير، ليعتدل في أحكامه، ويستقرب الإصلاح، ويمضى في طريق البشرى والتفاؤل والأمل، مثلما يتوقع الحيصة والنكوص والجفاء، فيشترط وبفحص.

إن قول جبير يراه الرائي من البديهيات، لكنه في الحقيقة ميزان في العمل، وتعليم، منه ننطلق إلى تجميع الناس وتربيتهم في غير ما تهور نعتدي به على إيمان الناس، أو أن نسلبهم إياه وننطق بتكفير.

وقد ترى في بعض المجتمعات وجود صنف ثالث مخلط فيه من الصلاح شعبة، ومن المداهنة والنفاق مثلما، وتلك علامة سوء، ليس فيه التقليص للنصف الطالح كما قد يتوهم البعض، فإن وجود مثل هؤلاء يفتر الصراع والتمايز، ويوهن المفاصلة الواجبة، ووجود الشر المفصح عن هويته وطبعه أهون، لما يؤدي إليه من جفلة الأخيار وتحفيز عوامل الجد فيهم.

إن مجتمع بغداد والعراق مثل واضح للانحيازيين المتصادين:

الصلاح والفساد، والعراقيون يتحدثون بهذا، ويظنون أنها من خواص مجتمعهم، ولكن الإمام الغزالي كشف عن أصلها، وبين أنها طبيعة قديمة في المجتمع العراقي منذ أيام الدولة العباسية، فأورد جواب بعض الحكماء وقد سئل عن أهل بغداد، فقال الحكيم:

(زاهدهم زاهد، وشريرهم شرير)([2]).

المداهن ومن في المنتصف قلة، ولذلك كانت الأيام بينهم دولا، يتعاقبون، وهي كذلك اليوم.

وهكذا هي الأيام دول في الأقطار الأخرى، لا يصفو لصاحب شر حكمه، وإن ادعى، بل يزاح، وله نهاية. كما لا يسهل على صاحب الخير أن يحكم، بل تكدر عليه الفتن حكمه، فيلزمه بذل مضاعف.

إن هذه الظاهرة التي يشهد لها التاريخ تهيب اليوم بالداعية المسلم أن يأبى الخنوع لهذه الحكومات المستولية، وأن يرفض المنطق القائل باستتباب الأمر للفجرة، بل يقاوم، ويتقدم، ويعمل، ويأمل ويستيقن وصوله، ويثق بجميل نصر الله.

لهو يلف الناس، ليس إلا، استكانوا معه للفاجر.

وغفلة حرفتهم، أقعدتهم عن إجلائه، تعالج بالتذكرة والتربية ونداء العمل من وراء أسوار الحرص الدنيوي، يتوجه إلى الداعية...

يا فطرة الصدق الصِِِرا                   ح وقوة الحق القديِِِم

وسجيِة الخيِِر القِِرا                   ح السلسل العذاب العميم

قم وجه اللاهين بالذكرى إلى النهج القويم

فالمجد ليس ينِِال بالِِ          عوى وبالصوت الوخيم

عبء الرسالة ليِِس لهِ                   ِرأ، إنه عب جسيِِم

القول دون الفعلِِِِل لا          يهدى الصِراط المستقيم([3])

كلا، لا يهدى مجرد القول.

وإن طبيعة العقيدة الإسلامية (لا تدع أحد يتواري) كما يقول السيد.

(إن الجاهلية من حوله، وبقية من رواسبها في نفسه وفي نفوس من حوله، والمعركة مستمرة)([4]).

فلا بد من نزول إلى الميدان وبذل مزيد جهد لتجميع أوسع.

لكن هذا التجميع يستلزم اليوم فنونا ومهارة وابتكارا في الأساليب والقول، تبعا لتعقد المجتمع الحديث، وإيغال الشبهات في التأثير.

إنها فنون لا تنتهي الإضافة لها والتحوير فيها، ولكن خطوطها الأساسية وأمثلتها النموذجية تنحصر في عشر قواعد:

 

(القاعدة الأولى): ضرورة تكميل الرصيد التربوي الواقعي الذي تتركه طبائع المجتمع في الفرد.

فإن المدعو الذي نتجه لحيازة تأييده يعيش بتفاعل مع المجتمع وليس هو بالمنفصل عنه، وهذا المجتمع يعكس عليه تأثيرات تربوية مختلفة، توافق الإسلام وتخالفه، فإذا وجدنا الانعكاسات الحسنة وافرة كان من اللائق أن نكمل المقدار الباقي غير المتوفر، دون أن نبدأ الطريق معه من أوله، بل نربيه على ما ينقصه، لئلا يهدر وقتنا، أو يحصل عنده إشباع يقود إلى تطرف إذا زدنا الخصال المتوفرة لديه تأكيدًا.

والملاحظ أن البيئة والمناخ قد يتولد منها أيضًا تأثير على طبائع الناس وأخلاقهم الأساسية، وإن كان هذا التأثير ثانويًا، والمظنون أن الأعراب لم يفتقدوا رقة أهل الحواضر، ويكونوا أشد نفاقا إلا لعيشهم الجامد في وحدة وتفرد بين الرمال الصامتة والصخور الملتهبة.

وضرب الأمثلة لنماذج من المجتمعات العربية يوضح انعكاسات المجتمع على الفرد، فإنها مختلفة في طبائعها السياسية ومدى قربها أو بعدها عن الإسلام ومتطلبات الدعوة.

* فالعنصر السوداني مثلا يتوفر فيه الوعي التنظيمي، ويفقه ضرورة العمل الحزبي والانتماء الحركي، ولا نرى في السودان إلا قلة لا ينتمون إلى أحزاب أو تجمعات فكرية، وكذلك الحماسة وافرة، ومثلها: الصلة بالمباحث الفكرية والنقاش فيها، فبمجرد أن يكون الشاب في السودان مع الحركة الإسلامية أو مع الحزب الشيوعي يندمج في الشخصية الجماعية. ومن الانعكاسات الحسنة هنا أيضًا: توقير الشرع والامتناع عن الكبائر، وكثرة المصلين وهي آثار باقية من أيام نفوذ المهدية أو الختمية.

إزاء هذه المحاسن توجد مشكلة عدم وضوح الولاء، بحيث أن المرء هناك يجمع بين حمل الفكر الإسلامي والصلاة، ثم الولاء للأحزاب الطائفية، نتيجة تربية بيتية وقبلية، فيكون مع حزب الأمة الذي هو الواجهة السياسية للأنصار أتباع المهدي، أو لحزب الشعب واجهة طائفية الختمية أتباع الميرغني، وهذا ما يجعل عمل الدعوة في السودان محتاجًا للتركيز على تفهيم مسألة الولاء وأنها متممة للانتماء الفكري ولتوفير أحكام الإسلام، وإن العبادة وحدها لا تكفي. فالداعية إذا تكلم للمؤيد مادحا الإسلام: كان في تكرار لفهم مستقر في نفس هذا المؤيد. وإذا بين ضرورة العمل الجماعي: كان في تكرار خر، لكنه إن أوضح  معاني الولاء الإيماني وأقنع صاحبه: تسلمه عضوا جاهزًا.

* ونموذج الشاب المصري في بعض الاختلاف، فهو وافر الإيمان سليم الفطرة، بفعل الآثار الحسنة للعمل القديم والجديد الذي أبدته وتبديه حركة الإخوان المسلمين، ثم بفعل وعظ الأزهريين والتربية العائلية، ومن النادر أن نجد اتجاهات إلحادية في المجتمع المصري، والحزب الشيوعي ضعيف، ويستغل مسألة الفقر أكثر مما يستغل الفلسفة.

أما النقص اليوم ففي ناحيتين:

الناحية الأولى: نقص في فقه العمل الجماعي والارتباط التنظيمي، وتتوفر في المنظمات الطلابية مرحلة أولية أو متوسطة من الجماعية، ولكن يراد تطويرها وتكميلها، إذ ما زال يغلب عليها طابع الحماسة البريئة، ولو وسعت الخفية التنظيمية لهذا الزخم الإسلامي الشديد الذي يعم الجامعات المصرية لأدت إلى عمل حاسم.

والناحية الثانية: تتجلى في أن هذا العمل التنظيمي يجب أن يستند إلى تراث العمل الإسلامي القديم في مصر، والمتمثل في حركة الإخوان المسلمين، إذ هناك رصيد من التجريب وافر، ورصيد من المعنويات أوفر، والمطلوب: تكميل الشوط من حيث انتهى الدعاة السابقون لا البداية من حيث بدءوا والاستقلال عنهم، ولابد أن تتضح لدى جيل شباب الجامعات الحالي ضرورة انتمائه لقيادة حازت حصيلة نصف قرن من فقه العمل والتراث المعنوي، وأنه لا يصح البعد عنها.

إن على الداعية المصري أن يتجاوز مدح الإسلام، وذكر ضرورة العبادة، والإشادة بمحاسن الأنظمة الإسلامية، فيذكر هذه المعاني باختصار، لوضحها عند ا لشباب، ويركز على ضرورة الارتباط التنظيمي الملتزم ووراثة الاتجاه الإخواني السابق والتبعية لقيادته الحالية.

*أما نموذج الشاب العراقي فتتوفر فيه خلال إيجابية وتنقصه أخرى، إذ أنه يفهم ضرورة العمل الحركي في جماعة منظمة، ويدرك عدم جدوى التسيب، وتدل على ذلك كثرة الأفكار الشائعة وسعة الانتماء الحزبي، ويملك الشباب العراقي مقادير من الشجاعة والحماسة الذاتية والانخلاع عن السلبية، حتى في أجواء الإرهاب والسطوة، ولكن حاجته كبيرة لتوضيح الناحية الفكرية وتصفيتها من الموازين القومية المتطرفة، إذ يجد الداعية من يجمع أخلاق الإسلام والعروبة العلمانية، ويجد الكردي الثائر الذي يقف خاشعا إذا حان وقت الصلاة.

فوضوح الفكرة الإسلامية، وتبيان الإسلام الكامل غير المنقوص، هو المعني الذي لا يزال ضامرًا، على عكس ما في السودان ومصر، وهذا هو سر التشدد في الشروط عند دعاة العراق وسر التساهل في السودان، فإن طبيعة الحاجة تركت أثرها على فقه العمل، ولم يفهم البعض ذلك، فاستغرب كل منهما طريقة الآخر.

إن هناك عاطفة إسلامية ضئيلة عند الشباب العراقي، ما لم يكن ملحدًا، والعمل في العراق بحاجة إلى تنمية هذه العاطفة وتطويرها إلى فكرة وموازين ليحوز عناصر صالحة للعضوية، وأما الإحساس بضرورة العمل المنظم، والتحلي بالشجاعة والإيجابية فإنها مازالت حية في النفوس.

*ويبدو فتى الخليج نموذجا مغايرًا، فهو يحوز احتراما للإسلام وافرًا، ولكنه يجهل المعنى التفصيلي للإسلام، فهو لا يجادل في أن الإسلام يجب أن يسود، وأن التحدي لشيء من أمر الله تعالى كبيرة أو كفر، لكنه لا يدري هذه الأوامر كلها، ويحتاج إلى تعرف على أنظمة الإسلام ومفردات الأحكام، وفيه أيضًا سلبية مردها إلى عوامل عديدة، أهمها المعيشة الطويلة قبل ظهور النفط لطبقة عمال البحر والغوص تحت سطو طبقة المشايخ والتجار، وبينهما تفاوت، دونما طبقة وسطى، فولد الاستضعاف يأسا مع توالي الأيام وعزوفا عن المشاركة السياسية والفكرية ورثهما الأبناء، ثم زاد البطر وترف ما بعد ا لنفط هذه السلبية، فصار الميل إلى الدعة والراحة والسكون وعدم المخاطرة، والفقهاء ما قالوا بكراهة التنعم الكثير إلا من باب إقعاده عن النهضة الجهادية، وإن النفس المترفة أبطأ في إجابة داعي الجهاد، على عكس النفس المتواضعة المخشوشنة.

إذًا: هناك حاجة في الخليج إلى خلع الشاب المدعو عن ترفه، وتعليمه الإيجابية، وإشعاره بوجوب تأثيره في هذا العالم بنوع تأثير إصلاحي، وأن يقوم بدوره من خلال عمل جماعي.

*والفرد الفلسطيني طبعته مشكلة فلسطين بطابع خاص، فهو مازال يئن من المتاعب اليومية التي تضعها الأجهزة الرسمية في جميع الدول، وأصيب بخيبة أمل لخيانات الحكام إزاء القضية، وفي شك من كثير من قياداته الفلسطينية المتناحرة، فهو يائس، رافض، قلق، ميال إلى العنف، وتركه طول تنفيذه لسياسة الرضى بأخف الضررين في حالة من التساهل الفكري والعقائدي، إزاء من ينصره في قضاياه.

فالداعية محتاج إلى جولة طويلة يسيرها مع المدعو الفلسطيني يعلمه أوليات العقيدة وموازينها، ويرقق قلبه ويميل به إلى السكينة الإيمانية، ويدربه على التلذذ بالعبادات، ويقنعه بارتباط تحرير فلسطين بقيام حكم إسلامي في بلد عربي، أما الإيجابية والذكاء والحيوية والمشاركة السياسية فهي صفات حسنة متوفرة في الشاب الفلسطيني بمقادير عالية.

هذه أمثلة فحسب، ومحاولة لوصف الشباب في بعض الأقطار، ولا نجزم بصواب ما ذهبنا إليه، وإنما أردنا أن ننبه إلى وجوب قيام كل قيادة بتحليل شخصية الفرد في البلد الذي تعمل فيه، ورصد انعكاسات المجتمع عليه، وتعيين المعاني التي يركز الداعية على تربية المدعو عليها، وقد يكونمن المستحسن طرح هذا المبحث خلال مؤتمر خاص.

ومثل هذا المنحى يقودنا بالتالي إلى تقرير وجوب عدم تقليدالأقطار بعضها لبعض في خطوات العمل الأولى مع المؤيدين، ولا إنكار بعضهما على بعض إذا اختلفت في فهم الأولويات التربوية لطبيعة هذه الخلال والصفات المختلفة التي تجعل الأمر نسبيا محضا.

 

(القاعدة الثانية): تزويد الداعية بنشريات المبادأة.

فإن من صعوبات التجميع: عدم استطاعة الداعية إيجاد مدخل للكلام مع جلسائه وأصحابه، فإنه قد لا يستطيع إدارة دفة الحديث بسرعة لصالح مفاهيم الجماعة، ويهدر وقتا طويلا في أحاديث عفوية قبل تمكنه من إلجائهم للمشاركة بما كان قد نوى التكلم فيه، وكثيرا ما تتحكم أخبار الجرائد اليومية في كلام الجلسات، أو مشاكل الانتخابات، وأعمال الأحزاب.

وليس ذلك بصحيح، فإننا نريد إكساب الذي نتصل به شخصية إسلامية متكاملة تؤمن بالإسلام وبضرورة الانتظام والتحلي بسلوك خلقي عال، وإذا تركنا الجرائد والأحداث السياسية هي التي تعين موضوع الكلام أثناء مجالساتنا لمن ندعوهم فإن ذلك معناه تبذير الأوقات، بل لا بد من عامل مبادأة يعين الداعية على أن يكون لبقا، بحيث يحرف به الكلام بسرعة إلى ما يريد، ويمكن للنشريات أن تقوم بهذا الدور في المجلس الذي تعطي فيه نفسه، أو في المجالس التي تتلوه.

إن عامل المبادأة ضروري وأساسي، وإذا خلت يد الداعية من النشريات التي تجعله سيد الموقف فإن عمله يحتاج إلى وقت مضاعف.

وهذه الحقيقة تجرنا إلى تقرير قاعدة مهمة تجعل مسئولية العمل مع المدعو مسؤولية جماعية وفردية، وليست هي خطة الداعية فقط، فنحن نركز في الغالب على دور الداعية الفرد في كسب الشباب إلى صف الدعوة، وندع الأمر إلى مقدار ذكائه ولباقته وعلمه وتفرسه في الشباب الذين من حوله، بينما المسألة أبعد من ذلك، ولها وجه جماعي أهم يعين الداعية على إتقان دوره.

ويمكن تمثيل الدور الجماعي في عمليات التبشير بالدعوة بدور الدول في إسناد سفرائها، فالسفير لا يعتمد في مواجهاته للسياسيين على مبادراته وذكائه المجرد، بل يعتمد على قوة موقف دولته وطبيعة سياستها، وكلما كانت دولته التي بعثته ذات سياسة قوية ومكانة عسكرية واقتصاد متين: كان السفير واسع الصولة والجولة، فارضا نفسه على المجتمع السياسي الذي بعث إليه، ولا يستطيع شيئا من ذلك إذا كانت دولته ضعيفة،أو كانت قوية لكنها تمر في مأزق و أزمة وموقف حرج أثناء صراع دولي يجبرها على كتم أنفاسها والسكوت وعدم التهديد والضغط.

إن المشاركة الجماعية في إسناد الداعية أمرها تماما، فإن كل داعية في أي مدرسة أو كلية جامعية أو معمل أو إدارة حكومية أو مسجد أو منتدى إنما هو سفير للجماعة في مكانه، وقوة مواقف الجماعة هي التي تحركه في الحقيقة، ورصيدها الفكري وإنتاجها الأدبي هو الذي يكسبه الإتقان في عمله، وأدوات المبادأة التي تضعها الجماعة في يده هي التي تجعل اجتماعاته مع العناصر المدعوة ناجحة وداخلة في الجدوى الإيجابية من أول جلسة له معهم، ولا يحتاج إلى لف ودوران ومسيرة طويلة كي يدخل في الموضوع.

إن تأليف رسائل قيادية أو بأقلام دعاة محليين لمعالجة المشاكل التي يعيشها كل مجتمع على ضوء الإسلام تعتبر عوامل مبادأة جيدة، وكذا المنشورات السياسية السريعة القصيرة، فإنها تراد كعوامل مبادأة أكثر مما تراد لشيء آخر، إذ أن أذهان الدعاة تتقارب في الغالب عند تحليل المواقف، ولكن وجود المنشور في يد الداعية يجعل أهل مجلسه يتحدثون في معناه، ويجعل الداعية في غني عن اللباقة المتكلفة المصطنعة لجلب الحاضرين إلى صميم الموضوع، وعلى ذلك فإنه لا يصح أن نعتمد على مجرد الكتابات الفكرية المطلقة لأعيان الكتاب المسلمين، بل لا بد من كتابات بأسماء دعاة يعرفهم المجتمع من أهل البلد، مع م عالجة المشاكل المحلية من خلال الفكر الإسلامي المطلق.

لكن عدم وجود هذه النشريات اليوم في بعض البلاد لا يعني عيبا في الجماعة، إذ قد تكون الدعوة في هذه البلاد في دور تأسيس لا يؤهلها لذلك، ولا تسمح الظروف بنزولها السياسي صراحة، لما فيه من تعريضها لمتاعب مع الحكومات والأحزاب، كما أن التحليلات السياسية تقتضي أنواعا من الكفاية والقابلية والخلفية الثقافية الواسعة التي ربما لم تنضج بعد في الحركات الناشئة، لا لعيب بل لقصر عمر الجماعة.

إن الدعاة في البلاد التي لا تستطيع إصدار نشريات المبادأة الآن أن يتوقعوا أنواعها من سهولة الاتصال بالشباب في المستقبل إذ استطاعت الجماعة أن تشارك فيع ملية تسيير التحركات الفردية بالنشر والموقف والأدوات الجماعية دون الاعتماد المجرد على الذاتية الحركية للداعية، كما أن النجاح الذي يحصل في قطاع معين سيكون عاملا من عوامل زيادة هيبة الجماعة في القطاعات الأخرى، ويكون الداعية أكثر هيبة بدوره، فيهاب، للهيبة الجماعية، لا لمجرد علمه وشخصيته فقط.

 

(القاعدة الثالثة): مبادرة الداعية للتكلم بما يناسب حاجة المدعو:

وهذه القاعدة مكملة للقاعدتين السابقتين، ونعنى بها أن يكون الداعية هو الذي يختار موضوع الحوار دون إعطاء المجال للمدعو باطراد ليسأل، إذ أن أسئلة المدعو لا تسيرها حاجته الحقيقية دائما، بل كثيرا ما تكون انعكاسا لإشاعات وشبهات يروجها أ‘داء الدعوة، ومحصلة لمطالعاته الصحفية وسماعه للحزبيين الآخرين، وتبقى أجوبتنا عنها غير مقنعة له تماما ما لم تصحب بتفهيمه موازين شرعية تعينه على ذاتية في تمييز الحق.

لسنا ننكر أهمية طريقة فتح صدورنا للمدعو ليفرغ أمامنا ما عنده من شبهات فنجيبه بما يرفع عنه الهواجس، فإن هذه الطريقة ضرورية، لكن الإسراف فيها مضر، لأننا نعمل في محيط غير سليم، ويكثر حولنا منه يروج الإشاعات والأكاذيب والشبهات الجزاف بالباطل، وينشر الظنون السيئة، كما أن المناهج المدرسية تبث مفاهيم منحرفة، وفي الصحافة كلام غث يولد اختلاطات، ولو التزمنا إزاء ذلك موقف المدافع باطراد وأتحنا على طول الخط للمدعو أن يختار موضوع النقاش لبقي محيلا لحسن ظنه بالدعوة ولقناعته بأفكارنا إلى حسن ظنه، بأشخاصنا، في تقليد بارد وتغليب للروابط الشخصية، دون اجتهاد واستعلاء وعزة إيمانية وحمية.

لذلك فإن من الواجب أن نقيم توازنا بين ما نعطيه من المعاني بتخطيط، وبين ما ندع له المجال ليسأل فيه، فنرض في كثير من وقت اللقاء معه الكلام عليه فرضا، لا من مقام الأستاذية لتلميذ، بل باللباقة وجودة التخلص، بحيث يأتي المبحث طبيعيا، بما يملك الداعية من فكر متكامل يميزه على المدعو.

وهنا تبدو أهمية تحديد هذه المعاني التي نعرضها على المدعو بمبادرة منا، إذ ليست كل مفردات الإسلام يفهمها، ولا هي على درجة واحدة من الأهمية، وبعضها لو ذكرت فقي موطن معين أو وقت معين لأدت إلى نتيجة عكسية، فنمتنع عن ذكرها سدًا للذريعة.

والأسلوب الصحيح في هذا الموطن أن تضع القيادات الفرعية المفردات والمواضيع ذات الأولوية في الكلام في جدول يحصرها، فكل قيادة تختار ما يناسب طبيعة قطاعها، فقائمة لما يذكر في الجامعات، وأخرى لما يذكر في المدارس الثانوية، وأخرى لما يذكر في محيط العمال، وهكذا،وستكون بعض المواضيع مشتركة حتمًا.

إن تجاهل مثل هذه القاعدة هو الذي أدى إلى مجازفات بعض الجماعات الإسلامية التي تثير مواضيع جانبية في غير أوانها مع جودة علم دعاتها، فيثيرون الفرعيات قبل الأصول، لتخلف أسلوب الدعوة عندهم، وآخرين يلحون في حمل المدعو على أفعال لا يستسيغها المدعو في بلاد العرب، يقلدون بذلك مناهج عمل تصلح لبلاد أخرى.

إن ذكرنا لهذه القاعدة لا يعني عدم مراعاة دعاتنا لها سابقا، كلا، فإن دولاب العمل اليومي عندنا قد ولد أعرافا صحيحة سليمة كثيرة، تعين الداعية الجديد على فهم الأولويات، ولكن عليه أن ينتبه إلى أن جودة طريقة العمل العرفية هذه لم تأت كنتيجة سهلة، وإنما هي حصيلة تجارب متتالية كثف التأكيد القيادي عليها حتى استحالت أعرافا يدرج عليها الدعاة وإن لم تحفظها نصوص دقيقة أو تبليغات مكتوبة، ويراد من كل داعية جديد أن يعرف هذه الحقيقة لتواصل التفكير بمثلها ولينتج خيرا جديدًا، وليورثها لمن بعده.

فيجدر إذن بكل داعية أن يفطن إلى أنه اليوم بعمله يسهم في تأسيس أعراف، شاء أم أبي، فإن أحسن الطريقة وعرف الأولويات: أنشأ عرفا حسنا، وإن خلط: أورث الغلط.

ويبدو أنه من الأفضل أن يعقد كل قطاع ندوات جماعية أشبه بمؤتمرات للتعرف على الرصيد العرفي من العمل الجيد السابق في هذا الجانب، ثم اكتشاف الإضافة المطلوبة وكيفية تتميمها.

إن الدعوة إلى تقديم ذكر جزئيات الإسلام المهمة على غيرها بنظرة نسبية في كل قطاع ولكل جمهرة ليس بالأمر المبتدع، فإن لنا موعظة في تدرج نزول القرآن، وقد قسم الشرع الأعمال إلى درجات، فمنها فرائض وواجبات، ومنها مندوبات ومباحات، تتنازل في أهميتها، وهناك لمم وفسوق وبدع وكبائر وكفر، وكان رسول الله صص يجيب بأجوبة مختلفة عن السؤال الواحد تبعا للنقص الذي يراه في كل سائل ولمدى حاجته، فوصف الجهاد بأنه أفضل العمل مرة، ووصف بر الوالدين بالأفضلية في مرة أخرى، حتى ليحسب المتسرع ذلك تناقضًا، وما هو كذلك، بل يجيب بما يناسب حاجة السائل.

 

(القاعدة الرابعة): تكثيف ذكر المبررات الواقعية لوجوب العمل الجماعي.

فالملاحظ أن أكثر يركزون على ذكر الأدلة الشرعية لوجوب العمل الجماعي دون تحليل طبائع الصراع السياسي الحالي ودور العوامل التنظيمية في إنجاح مساعي أعداء الإسلام، وهذا نقص يقلل قناعة المدعو ويفتر جانب التحدي فيه.

ولا نشك في أهمية ذكر الأدلة الشرعية، لتعين على تأسيس النية التعبدية العقائدية للممارسة الجماعية في نفس المدعو، لكن العنصر الجديد لا يفقه في كثير من الأحيان هذه المعاني الشرعية، ولا يقوم في قلبه تبجيلها كما يبجلها القديم المتوغل، بينما تفرض المبررات الواقعية نفسها عليه بقوة.

إن على الداعية أن يثير انتباه المدعو إلى طبيعة الصراع الدائر بين الخير والشر، والإسلام وأعدائه، وكيف أن هذا الشر لا يعمل فرديا وإنما بانتماء حزبي وحكومي، ويدخل الداعية في جولة طويلة من ذكر معالم التاريخ السياسي الحديث والقوى المتواجدة في الساحة، ليخلص إلى ضرورة مقابلة ذلك بعمل جماعي إسلامي مكافئ يوازي قوة الهدم.

إن المدعو قد لا ينتبه ذاتيا إلى حقائق الحياة السياسية والفكرية، ويكون بحاجة ماسة إلى أن ننبهه، فكثير من الجامعيين مثلا لا يفطنون إلى التنسيق الكامن خلف كلام الأساتذة اليساريين في الجامعة، ويظنون  أنهم يتكلمون كأفراد باجتهاداتهم الخاصة، أو يظن آخرون أن الصحافة تتكلم وفق طبائع المحررين، ولا يفطن إلى دور السياسية الدولية والاستخبارات والحكومات والأحزاب في توجيهها وشراء ذمم أصحابها.

إن إعانة الشاب على أن يمسك بيده هذه الحجج والحقائق وجعله يتلمسها قد يفيده أكثر من البراهين الدالة على الندب الشرعي للعمل الجماعي، وكأننا بحاجة إلى كتاب خاص يستطرد في شرح ظاهرة الجماعية في التاريخ السياسي والواقع الحالي، ليكون عونا على تفهيم المدعو، مثلما هو عون للمدعو على ممارسة التفكير التحليلي المتأني إذا كانت له خلوات مع هذا الكتاب.

 

(القاعدة الخامسة): الأخذ من كل مدعو حسب طاقته، والعطاء له حسب حاجته.

وهذا التعبير الاشتراكي هو الأوفى لإيجاز هذه الطريقة التربوية، وهم يذكرونها في استيفاء طاقة العمل المهني والتعويض عنها بما يكفي حاجات المعيشة، وإنما استعرناها استعارة مجازية.

فنحن نستطيع التعامل مع المدعوين وفق هذه القاعدة، وأن نطبق النسبية في الإعطاء لهم والأخذ منهم.

فالذين ندعوهم هم عناصر متباينة في أمزجتها وأخلاقها وخلفياتها الفكرية، ويندر أن نجد المجموعة الكبيرة المتشابهة، بل لكل منهم أو لكل اثنين أو ثلاثة طبائع خاصة أو متقاربة.

فأول معاملتنا لهم: أن نستفيد من كل مدعو حسب طاقته ونوعها، ولا يجوز أن ننظر إلى الحماسة وقابلية الانتظام والطاعة كشروط أساسية فيه، فإن هناك من هو أقل مشاركة من الآخرين، ولكن الداعية الذي يتصل به يدرك بحاسة سادسة، أن هذا العنصر ستكون له أهمية استثنائية في المستقبل، لعلم سياسي جيد، أو لكتابة صحفية، أو لنيته الدراسة العالية ونيل الدكتوراه واقتداره على ذلك وعودته أستاذًا في الجامعة أو خبيرًا في أجهزة الحكومة، أو لكونه ابن شخصية كبيرة في المجتمع والدولة، وأنه سيفيد الدعوة من خلال مركز أبيه، أو لثروة سيرثها ويجعل منها للدعوة نصيبا، وأمثال ذلك.

إن انتهاء الاتصال إلى جلوس المدعو أمامك عضوا في التنظيم هي الصورة المثلي للنجاح، ولكن دونها درجات من النجاح أيضًا، وقد لا يكون المدعو صالحا للانتظام، لكن حسن التعامل معه ودوام الصلة به تمكننا من تحصيل فوائد جانبية منه، وربما كانت هذه الفوائد ضخمة وتعدل عمل عشرات المنتظمين.

ثم لكل حسب حاجته، فإن نقصهم متعدد الأشكال، بحسب ما خضعوا له من تربية سبقت صلتهم بنا، والفروق بين المدعوين واضحة.

من ذلك أن تجد شابا جامعيا كان بعض أساتذته في المدرسة الثانوية من دعاة الإسلام أو أهل الستر، فنشأ صافيًا، وآخر كان بعض أساتذته ملاحدة فلقنوه الشبهات الكثيرة التي شابت معدنه الحسن.

وشاب يصلي قد ربها أبواه على أخلاق فاضلة، فسكنت نفسه وآخر لم يعرف الصلاة، سليل أبوين غافلين، ولكن التحديات السياسية والعاطفة الإسلامية العامة تدفعه إلى التقرب منا.

وشاب بين أبويه خلاف، وراسب في دراسته، فهو معقد.

وصاحب غريزة جنسية قوية، يعيش في قلق واضطرب نفسي بسببها.

وعاصمي، جمع أياه صباه بين الدراسة ومعاونة صاحب صنعة من أجل العيش، فهو همام متحرك، على النقيض ممن ينعم برفاهية، قد دلله أبواه ولا يعلم أنهما ردا له طلبا.

فحاجة كل واحد من هؤلاء تختلف عن حاجة الآخر، ونعاملهم بمعاملة متعددة الوجوه.

وقد نلحظ بعض الدعاة يجهلون احتمال استمرار بعض صفات المراهقة لدى الطالب الجامعي الذي يدعونه، ويحلونه في محل أكبر مما يحتمله واقعه الحقيقي، وذلك خطأ، فإن بعض طلبة الجامعات نجد عندهم ما نجد من تعنت طالب المرحلة الثانوية، وتفرده بالرأي، وحب الاستقلال، وانتقاض رأيه بين آونة وأخرى، والتفلت من الأوامر، وعينا مراعاته، وأول هذه المراعاة: أن نجعل هذه الطباع متوقعة منه غير مستغربة، وأن نعتبرها نتيجة ظاهرة نفسية عند عموم الشباب لا تستحق أن نصف صاحبها بعدم الصلاحية من أجلها، ونترقب اليوم الذي يكتمل فيه رشده.

كما أن الجامعي قد يتأثر بالنظرة العرفية القديمة التي تضع الجامعيين في مكانة عالية، فينظر إلى نفسه على أنه مشارك في الأفكار والسياسة، ويحس بأنه أرقى من بقية الناس، ويأخذه كبر وغرور، خاصة في البلاد الفقيرة التي لا يزال التعليم الجامعي فيها ضيقا، وفي هذه الحالة علينا أن نوسع صدرنا قليلا، وننتظر رجوعه إلى التواضع، فإن ذلك من الآثار الوقتية الطارئة لهزات المراهقة فيه أكثر مما هو من العيوب الأصيلة الدائمة.

 

(القاعدة السادسة): إرجاء معركة المدعو مع أهله.

ذلك أن بعض العناصر المدعوة يكون عندها مقدار زائد من الحماسة يشجعهم على قطف الثمار بسرعة، فيسرعون الإنكار على أب مقترض بربا أو شارب للخمر، ويأمرون نساء بيوتهم بالحجاب ويلزمونهن ترك المعاصي التي درجن عليها واستسهلنها، فيكون الرفض، وتستعر معركة مبكرة متعبة مع الأهل تفقدهم السكينة اللازمة لمرحلة التربية الابتدائية، مع أنها قد تكسبهم الصلابة والعزم.

يجب أن يفهم الشاب بأننا ندرك عدم مسئوليته عن أمه وأخواته بوجود أبيه، وأن معاصيهن لا تعيبه عندنا ولا تثلم مكانته، مثلما نفهمه أنهن ضحية تربية اجتماعية خاطئة وأعراف منحرفة أكثر من كونهن رافضات بتصميم، وأن علاقته بأمه السافرة لا تقتضي أن يقف موقف سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه مع أمه، إذ لا كفر ثم، وإنما هي الغفلة ومواطأة الناس، أو أنها تمنعه عن نشاط وانتماء جماعي وليست تزين له التحول عن التوحيد.

وهناك احتمال فهم المدعو للأوامر الشرعية بشيء من التطرف، فيأمرهم بأوامر زائدة عن الحد الشرعي المطلوب، متزمتا، دون أن يفقه الموازنة بين المصالح، والتدرج، وأساليب الحكمة والموعظة الحسنة، فهو لا يتسامح، ولا يؤجل، ولا يقبل عذرا، ويقطع الجسور مع أهله بسرعة، وقع في مأزق يسبب له القلق، وعلينا أن نعظه في هذه الأحوال، ونرده إلى الاعتدال، فإن أهله لا يدرون أسباب تحوله الحركي، ولا يفقهون معاني الانتماء الفكري الجديد الذي انتساب له، وإنما يظنونه في فورة، وفي مرحلة من اضطراب المراهقة، ولا يلحظون صفته كمصلح آمر بالمعروف، ومن هنا فإن ترفقه معهم قد يتيح لهم تصحيح مفهومهم عنه، فتكون الاستجابة الهادئة التي لا يقف دونها العناد.

لسنا نجنح بذلك إلى لين وترخص يأباهما ويمنع عنهما الورع، ولكننا نحث على اتباع أسلوب مناسب، وتأجيل معركة ينهزم فيها الشاب المسلم الجديد إذا دخلها في وقت مبكر.

 

 

(القاعدة السابعة): الحرص على تعادل أوقات النشاط العام مع اللبث في المساجد.

وفحوى هذه القاعدة: تحبيب  أجواء المسجد للمدعو، فإن بعض قطاعات الدعوة تشهد إسرافا في الفعاليات الرياضية الجماعية وأوجه النشاط العامة، ولا بد من إقامة توازن في تردد المدعو على المسجد وعلى هذه الفعاليات، لما تتيحه خلوة المسجد من مجال التفكر وتلاوة القرآن، وسبب ذلك أن مجتمع اليوم هائج مضطرب مائج، وهذا الاضطراب قد أصاب الشباب بذهول صرفهم عن التفكر حتى في بديهيات الحياة، ف كثرة مشاركتهم في الفعاليات معنا قد تولد فيهم ولاء لنا وتحزبا، وانخلاعا عن اللهو، وتربيهم على محبة المؤمنين، ولكن أحدهم قد يبقى غير ملتفت للتفكر، ولا للإنصات إلى نداء فطرته، فنكون قد أخرجناه من اضطراب اجتماعي شديد إلى وضع أحسن، فيه الطمأنينة، ولكنها تقليدية ليست ذات انبعاث ذاتي، كمن يخضع لعلاج طبيب دونما وعي صحي منه، وإذا طالت مدته على هذا النحو: استحال إلى عنصر فاقد للمقدرة على تسيير نفسه، ويحتاج تحريكا تربويا دائما، حتى يشيب على ذلك، مقلدًا، مفتقدًا التفكير القيادي الذاتي.

إننا بحاجة إلى استغلال كل الطاقة الإسلامية المتواجدة في المجتمع، وهي طاقة واسعة يستحيل تنظيمها كلها، ولكن يمكن أن نقودها، فإذا نشأ عضو التنظيم نشأة تقليدية لا تمكنه من قيادة غيره فإن بعض هذه الطاقة سيهدر ونحرم منه.

إن ما تسببه كثافة مشاركة المدعو في أوجه النشاط معنا من ولاء لنا يشكل مصلحة دون شك، ولكن حيازة الفكر القيادي يشكل مصلحة مستقبلية تساويها، ولابد من رعاية المصلحتين معًا.

علينا أن ندعه يخلو في المسجد مع فطرته، ليكتشف خطأ تصرفاته السابقة وخطأ أفكاره، وما من الله عليه من الهداية.

لا نقول له: تعال وفكر، هكذا في عملية ميكانيكية جافة، ولكن التفكير والتأمل وتوارد الخواطر الرحمانية والنظر إلى يوميات الحياة بعين البصيرة سيكون نتيجة طبيعية لخلوته مع نفسه وبعده عن الاضطراب، ولو كانت الخلوة ي غير المسجد آمنة لأقررناها، ولكن شاء الله أن يجعل البركة في بيوته ويخصها بخصائص تنفرد بها.

بإمكاننا أن نعلمه هذه الخلوة لساعة أو لبضع ساعات متفرقة خلال اليوم، تقل وتزيد، ونختار لها الأوقات التي لا تتعارض مع النشاط العام، لا بطلب وأوامر، بل بتشويق عملي من خلال صحبتنا له قبل أداء الفروض وبعدها، وتلاوة القرآن أمامه، وكأننا اليوم لا نتقن ذلك، ونرجح اللقاء الجماعي معه في الأندية والملاعب ومجالس النقاش، وليس في هذا الترجيح عيب، ولكن اعتماد أسلوبنا عليه فقط هو المعيب، حتى بتنا لا ندخل المسجد إلا قبيل الإقامة، ونسرع الخروج منه بعيد السلام.

كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرًا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتي الاندفاع، ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب، ولكنه المتقدم الحادي.

كأننا أيها الإخوة نلمس تكبرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط، ويأنسون بالمجالس خارجه، وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التي تعلي مكانة الجامعة في تطوير المجتمع، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية، وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذي لا بد وأن يمر بالمسجد طويلا.

إن العيش في المجتمع العام، والتفاعل مع أحداثه، قد يستهلكان المخزون الإيماني الذي يملكه المدعو، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك: أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام.

وقد يعترض البعض على جلب المدعو إلى المسجد واستلاله من مشاركاته في حيثيات الحياة السياسية اليومية للجامعة وقطاعات العمل، ويحتج المعترض بأن مشاركة المدعو في الأحداث إنما تنطلق من واقع وتمارس طبيعي، وما هي بالتكلفة.

وما نظن هذه الحجة واردة، فإن نقدنا منصب على حقيقتها، إذ أن الأعمال اليومية التي ينشغل المدعو بها، كالانتخابات الطلابية والرحلات وأمثالها، إنما هي وسيلة لا غاية، ولا يرتقي فهم المدعو لطبيعتها إلى درجة فهمنا، وقد ينغمس فيها انغماسا كاملا لا يبقى له وقتا لتربية نفسه على معاني الإيمان فيتربى سياسيًا وعمليا دون أن يكافئ ذلك جانب من العمل الفقهي، والرسوخ الخلق، والتطوع العبادي، وهذه الحالة  تتيح لك الانتفاخ منه وقتيا وتعدم عليك الانتفاع منه في المستقبل، إذ سينشأ جافًا، تعوزه رقة القلب، وفي هذا ما يسوغ لك أن تضحي ببعض مصالح الجماعة في النشاط العام والتنافس مع الأحزاب من أجل درء هذه السلبيات التربوية.

 

(القاعدة الثامنة): تخفيف رغبة المدعو في الاستكثار من الكتب الإسلامية.

فبعض الدعاة ما إن يلمسوا استجابة أولية من المدعو إلا ويستغلونها في أخذه إلى مكتبة تبيع الكتب الإسلامية، ويشجعونه على كثرة الشراء، فيكتال جزافا بمقدار سعته المالية، ويحوز الكثير مما لا يناسب مرحلته الأولية، ويجد نفسه أمام أنواع من إغراء العناوين والأغلفة وأسماء المؤلفين، حتى يحار في تلمس طريق البداية ومعرفة الراجح والمهم، وينتهي بأشتات من جزئيات العلم لا يجمعها تجانس، ,ربما كان في بعضها من تضاد الاجتهاد ما يزيد حيرته.

وسبب ذلك كامن في سعة المكتبة الإسلامية، إذ يمدها أضخم إنتاج فكري، تراث ومحدث، وزادت الرغبة التجارية كمية ما يطرحه الناشرون لما عرفوا حقيقة الطلب المتنامي للكتاب الإسلامي، وحال كهذه يصبح فيها من الخطأ أن ندعو المدعو أمامها وجها لوجه تثير فضوله ونهمه، بل الأحرى أن نتأنى في اصطحابه إلى المكتبات، ونعوضه ببرنامج متدرج للمطالعة نذكر له فيه من الكتب والرسائل الصغيرة ما هو ضروري له، وأليق بمستواه، مع شرح نعلمه فيه سبب هذه الاختيارات، وهذه بديهية من بديهيات التعليم والتربية بدأ الدعاة ينسونها بسبب فورة النشر الكثيف، ولها من التأثير السلبي في الخاصة ما لتأثير التلفزيون في العامة من إلهائه عن المطالعة المنهجية.

 

(القاعدة التاسعة): حمل المدعو على التأني في أداء دوره كداعية.

في شبه منع أو حجر عليه، لأشهر بعد بداية مرافقته لنا، أو لسنة، فإن الحماسة قد تستبد ببعض المدعوين، فينزلون إلى الميدان، ويمارسون التبشير ودعوة الآخرين ومجادلة المخالفين وهم ما زالوا جددًا، عراة عن الخبرة وعن وعي مثل هذه القواعد في فنون التجميع، فيقعون في الخطأ، ويحيص الذي يدعونه وكانوا يأملون فيه الخير حيصة يتفلت معها، فتفضل تجربتهم، فتهزهم الصدمة، ويفتأون في يأس من الشباب لا يتشجعون معه على استئناف التجربة.

كلا، بل الصواب أن يعتكف المدعو معنا اشهرًا متعلما متلقيا، يخفي إيمانه، ويحبس طاقته، ويكل إلى مربيه أمر توقيت أوان الأذان بالصداع والأمر والنهي متى ما آنس منه المقدرة، خوفا من أن يقع في خطأ عند الاختيار، أو أن يحار جوابا إذا اعترضه المقابل بشبهات.

كطالب الطب، قد يتعلم التطبيب قبل تخرجه، لكنه ممنوع عن مباشرة التشخيص ووصف الدواء. حذرا أن يقع في الخطأ، ليس فقط يميت به المريض، بل يجفله هو إذا تخرج عن معاودة التشخيص أيضًا.

وكطالب الهندسة، ممنوع هو عن تصميم عمارة، لا حفاظا على أموال الناس فحسب، بل لأنه سيصير –إذا انهارت- تقليديا محضا في تصميماته الأخرى، ليضمن السلامة، جبانا عن الإبداع، أشبه بعامل ذكي غير مهندس يتيح له طول تنفيذه لخوارط المهندسين أن يحاكيها.

فكذلك المدعو الذي يصاحبنا: نمنعه لنحفظ له روحه الوثابة وثقته بنفسه، ولنبعد عنه اليأس.

لا تستغرب ذلك، فإن الدعاة يحفظون قصصا تصدق هذا التوقع، بل شهدت أوائل الستينات يأس رئيس جمعية إسلامية كان يعتني بتجميع الشباب بشرط متساهل ويتركونه بعد حين، فدعا إلى التجرد للعبادة انتظارًا للساعة التي رأي بعض علاماتها، حتى جزم أنه في آخر الزمان، ورد الدعاة عليه فهمه السلبي، في قصة مشهورة بلبنان.

إلا أن صرف المدعو عن مباشرة التبشير لا يمنع أن نجعله جسرا إلى بعض أقاربه وجيرانه وأبناء مدرسته، فنطلب منه أن يقيم معهم علاقة متينة ثم يعرفنا بهم ويحملهم على الوثوق بنا لنتولى نحن التحدث لهم وتربيتهم لا هو.

إن تواجد بعض الضعفاء السلبيين في صفوفنا إنما جاء نتيجة لاختيار خاطئ متكرر مارسه الجدد، وكانت الجماعة تضطر لإدامة الصلة بمن اختاروه حتى باتوا عبئا على المربين.

 

(القاعدة العاشرة): إحصاء بقية الخير في المجتمع من خلال خلوات استفزاز الذاكرة.

فإن العناصر الصالحة في المجتمع كثيرة، ولكننا ننسى أسماءها وصورها، للذي نحن فيه من زحمة الأحداث، والمظنون أن الإحصاء الدقيق لها وتسجيلها في قوائم يضمن نوعا من الصلة بها تساعد على الاستفادة منها وحشد طاقاتها لتنفيذ أهدافنا، ولا يجوز الاعتماد على المجرد على من نراهم حولنا فقط، أو من تأتي بهم الصدق إلينا.

والطريق إلى ذلك قد يبدو فيه بعض التكلف لأول وهلة، لكنه مجرب بنجاح، أو هو من التكلف الذي لا يضر.

وبدايته أن يقوم الدعاة في كل منطقة، في يوم واحد أو أيام متقاربة بالخلوة الفردية التي لا يخرج فيها أحدهم إلا إلى أداء الفروض، ويحبس نفسه في مكان منعزل هادئ ساكن ساعات طويلة يحاول فيها أن ينتزع ذهنه من الشواغل اليومية، ويفرغه للتذكر والإجابة عن مائة سؤال.

يسأل نفسه أولا عما إذا كان أحد من أبناء أعمامه وأخواله وأهله وأنسبائه يصلح لأن تتجه له جهوده لتقريبه من مفاهيم الدعوة وضمه إلى الجماعة، ويغمض عينه ويستعرضهم فردًا فردًا مدة ربع ساعة، فسينتهي إلى تسجيل ثلاثة أسماء منهم مثلا، هم طليعة قائمته.

ثم يعيش ربع ساعة أخرى مستعرضا أفراد عشيرته، ثم ربعا آخر لجيرانه، فيستخرج أربعة أسماء تضاف للأولى.

ثم يحاول أن يسترجع ذاكرته عن أصدقاء طفولته الذين ربما ابتعد بعضهم عنه، ويمر بخاطره سريعا على زملائه في المدرسة الثانوية، فيعود من جولته الذهنية هذه بثلاثة أسماء أخرى.

ثم يخصص خمس دقائق لتذكر الذين هم على هذه الصفة ممن هم في منطقة سكنية واحدة من بلدته، وينتقل إلى منطقة أخرى وثالثة ورابعة، حتى يستوفي استعراضها كلها، وقد تصل إلى عشرين أو ثلاثين منطقة، فيكون قد مسح مدينته التي يقيم بها مسحا شاملا، ومر بذهنه عليها شارعا شارعًا، ليعود بعشرة أسماء جاهزة لأن تنجدنا في صراعنا إذا تمت تربيتها.

وينتقل إلى استعراض مدن قطره على نفس الطريقة ليعود بثلاثة أسماء أخرى، ويعرج على عمال كل مصنع كبير أو نقابة، ويجرد عمال الموانئ وسكك الحديد والمصالح الكبيرة.

ثم يسأل نفسه عمن يعرفهم من طلاب كليات الجامعة، ويخصص ربع ساعة لتذكر أصحابه في كل كلية، حتى يجرد الجامعة أو الجامعات التي في بلده جردًا، ثم يجرد المدارس الثانوية، وطلاب البعثات الذين رحلوا للدراسة في الخارج، ليكتشف عشرة أسماء تغري بصحبتها.

ثم يجعل له التفافا يتذكر به معارفه الصالحين، أو آباء معارفه من موظفي كل وزارة وديوان حكومي، ويمنح ربع ساعة لكل منها، ليعود بسبعة، يتضاعفون إن جرد معارفه من أهل الخير في الجيش والشرطة.

ثم يسأل نفسه عن المعادن الطيبة من أهل كل صنف ومهنة، فيستعرض الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والتجار، والفنانين، وغيرهم، وربما راجع من أجل ذلك القوائم التي تحصى أسماءهم والتي تصدر نقاباتهم المهنية وجمعياتهم، ثم يتصفح دليل الهاتف ليكتشف أسماء أخرى.

وهكذا سيقفل آيبا تائبا حامدًا شاكرا بعد عشرين ساعة من الخلوة التي استفز فيها بواطن ذاكرته وقديم خواطره ومعه قائمة قد سجل فيها ستين شخصا أو يزيد، وقد كانت الأسئلة ومجالات التفكير متعددة متكررة ليتذكر البعض بصفة ثانية أو ثالثة لهم إن نسيهم بصفتهم الأولى، فقد ينسى واحدًا من سكان منطقة معينة إذا استعرضها بذهنه، لكنه يعود ليكتشفه عند استعراضه طلاب كلية الطب مثلا إن كان من طلابها.

ماذا سيفعل بهذه القائمة الواسعة؟

يبقيها عنده للتدقيق والمراجعة أسبوعًا، وسيكتشف أنه قد تسرع في ذكر عشرة منهم، فيحذفهم، ثم يحذف عشرة آخرين من بعد ما ييأس من معرفة عناوينهم أو إيجاد طريقة للاتصال بهم، تتقلص القائمة إلى أربعين.

يعود فيوزع هؤلاء إلى ثلاث طبقات:

خمسة عشر منهم هم أجود معارفه، فيضع خطة لإحياء اتصاله بهم، ويشرع في زيارتهم في الأفراح والأعياد، ومواساتهم عند الأحزان، ويلتزم بإيصال نشريات الجماعة لهم، وتنبيههم إلى مواعيد المحاضرات، ويدعوهم لولائمه، ويجعل أكثر اهتمامه منصبا عليهم بصورة عامة.

ثم عشرة طبقة متوسطة، يحرص عليهم بمقدار أقل، أو هم في مدن أخرى أو طلاب بعثات، فيكون اتصاله بهم بالمراسلة.

ثم خمسة عشر ضعاف، لا ينقطع عنهم، وينتظر منهم أن يعينوا الدعوة بأبنائهم إن كبروا، أو بأموالهم إن أيسروا، أو على الأقل يحفظهم كأصوات انتخابية مضمونة، أو يجعلهم جسرا يعبر عليه إلى معارفهم.

وبعرض خلاصة القائمة على رؤساء التنظيم، وبالمباشرة الفعلية لخطته في الاتصال سيكتشف أن بعضا منهم يتصل بهم غيره من الدعاة، وأنهم أولى بهم وأقدر على جلبهم، فيتركهم بالاتفاق مع هؤلاء الدعاة، ثم سيخذله البعض ممن سيتصل بهم ويجد الأيام قد بدلت معرفته القديمة بهم، فيشطبهم، وهكذا تتقلص قائمته ثانية إلى خمسة وعشرين فقط أو أقل.

إن أعضاء التنظيم لو التزموا بمثل هذه الخلوات، في عملية جماعية يشرف عليها المسؤولون، لاستطعنا اكتشاف أكثر عناصر الخير في المجتمع واستقطبناها، ولتضاعف عدد  أنصارنا ومحبينا أكثر من عشرة أضعاف تفتح لنا باب الثقة والأمل واسعًا، أم الاعتماد على الذاكرة المشغولة فإنه يفوت علينا عددًا كبيرًا نتركهم بلا اتصال، فتكون الأحزاب الأخرى أسبق لهم منا.

وما لم تكن هناك مخاطر وحكمة إرهابية فإن من الأفضل أن تنظم هذه العملية بسجل مركزي في كل مدينة يؤتمن عليه أحد ثقات الدعوة، أو يتم تجزئ ذكر أخيار كل مدينة كبيرة إلى عدد من السجلات، بحيث تدون جميع القوائم والعناوين وخلاصات الأحوال والنتائج في هذا السجل، لكل اسم كارت خاص، ليكتشف التكرار، ولتتسير للمسؤولين محاسبة الدعاة على ما التزموا به، وليكون الإحصاء مؤشرا من المؤشرات التي تعين القيادة على تحديد بعض بعض الخطوات التخطيطية، ولربما تمت الاستعانة بكمبيوتر صغير لا يتجاوز ثمنه في أوروبا اليوم ثمن سيارة صغيرة.

هو الله الهادي

أما بعد:

فما هذه إلا قواعد عامة في فنون التجميع والتربية اللازمة للمدعو في الأيام الأولى من سيره معنا، وأما ترجمة هذه القواعد إلى طريقة تعامل بالنسبة إلى كل عنصر فهي من اختصاص الدعاة، يتفرسون في المدعو، ثم يضعون خطة إقناعه وتربيته.

وإنما تؤخذ بالحسنى والفهم الوسط، لا بتطرف، فإذا تعارضت قاعدتان: كان الترجيح بينهما بمقتضى العقل، ورؤية ما هو أصلح له، ولكن الغالب أن يكون المدعو محتاجًا إلى أن نعامله وفق جميع هذه القواعد أو أكثرها في آن واحد.

إن عمليات التجميع التي تلتزم هذه القواعد وفقه الاصطفاء لهى عمليات مباركة وفيرة الإنتاج بإذن الله.

وذلك مقدار ما يجب علينا من اتخاذ الأسباب، وأما الهداية فمن الله، وعليه التكلان، ويجدر بنا أن نتوقع تساقط البعض أثناء المسير، لئلا نيأس إذا حصل هذا التساقط ونجفل ونصدم، وعلى الداعية أن لا يلوم نفسه إن رأى رجوع مدعو على  عقبيه وهربه بعد التعب معه، فإن من الناس من حكم الله عليه بالضلالة، لذنب اقترفه أو لأمر آخر نجهل حكمة الله فيه، ولئن رجع المدعو ناكصا فإن داعيته يرجع بالأجر مليئا.

فاغرس غرسك أيها الموفق، واغرس، تجد لثمره إذ أينع لذة ليست مثل معشارها لذة الأموال والترف، على أنك لست المؤلف، ولكن الله ألف بينهم.

 



([1]) كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل 1/364.

([2]) إحياء علوم الدين 4/355.

([3]) للأمير في مجلة (المسلمون) السنة الأولى/ العدد التاسع.

([4]) معالم فيا لطريق/119.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error