الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

نظرية الأجيال القيادية

أثقل الأعباء في الدعوة: أن يتولى الداعية القيادة، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما وبعض التابعين أن الإمامة كانت إحدى الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم عليه السلام والمشار إليها في قوله تعالى: (وَإöذö ابْتَلَى إöبْرَاهöيمَ رَبُّهُ بöكَلöمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)([1]).

وإن سيادة الأقوام –عند الشاعر- فاعلم: لها صعداء مطلعها طويل، كما أن السيادة والرياسة والعلي-عند آخر- أعباؤهن- كما علمت- ثقال.

فليست القيادة بالعمل البسيط أبدًا، وإنما هى تكليف لا تشريف، كما شاع هذا اللفظ بحق، خاصة إذا كان المكلف بها مستشعرا واجباته تمام الاستشعار، جيد التحسس لمسؤوليته أمام الله تعالى إن قصر أو ضيع الأمانة، عارفا بما ينتظره من حساب مضاعف إذا تصدى لما هو أليق بغيره، وتكلف الظهور دونما إتقان عمله، والكلام في هذا عن الراشدين رضي الله عنهم وغيرهم كثير.

إن القيادة لا تنفرد بشرف خاص، بل العمل الإسلامي كله شرف، إن كان الداعية في قمة المسؤولية أو كان تابعًا منفذا، والدعاة –كما شبههم الرافعي- هم في تجمعهم كحب القمح في السنبلة([2])، إذ كل السنبلة المنظومة خير، وكلها نفع، ولست بالمميز حباتها، بعد إذ تنتفع منها. وهكذا العمل الإسلامي: أهمية كل عضو فيه وأجره كأجر القائد، حتى يكاد أن لا يبقى للقائد من قيادته إلا حمله المرهق.

من هنا يكون القائد الحاذق البصير بمصلحة دنياه وآخرته ميالا إلى عدم التفرد، حريصا على إحاطة نفسه بأعوان كثيرون يوزع عليهم الجهد، ويعينونه في حمل الأمانة، وإلا فإنه إن تفرد، أو طلب الأعوان فلم يجدهم: وقع في العجز، وقارب أن يستحيل عليه الإصلاح وإبداء أثر كبير، وأصبح في ظرف كالذي مر به عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإن همته كانت عالية، لكنه كان قد ورث مشاكل كثيرة عن الخلفاء الذين سبقوه، وكانت الفتن قد استعرت، فتن الخوارج وغيرهم، مع هبوط في حمية الجهاد، شاع بسببه بين الناس الحرص على الأموال بجشع ونهم، فلم يستطع عمر أن يستدرك، لبقاء الثقل عليه وحده، حتى قال التابعي إياس بن معاوية بن قرة:

(ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة) ([3]).

إن ظاهرة عدم استمرار الإصلاح الذي أتى به عمر تعطينا موعظة كبيرة في التدليل على أهمية الأعوان، إذ لم يكن فقهاء المدينة الذين زاملهم، وأقرانه في التلمذة لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كثرة، وكأنهم أقل من أن يسدوا جميع الثغرات التي ثلمت صفاء المجتمع الإسلامي آنذاك، وقارب عمر أن ينفرد بحمل كل الثقل، ولهذا لم يستطع بلوغ ما بلغته أمانيه، وفي هذا دليل على أن العمل القيادي ما هو بعمل فردي، بل لا بد من قيادة جماعية تكفي حاجات العمل الواسعة، فكما أن النجار لا يستطيع أن يعمل دون مطرقة ومنشار ومسمار، فكذلك القائد لا يستطيع أن يقود بدون أعوان.

إن هذه القيادة قد يكون فيها من هو بارز، وأبرع من الآخرين، وله همة أبعد، أو له حماسة أشد حرارة، ويمهر في الابتكار والتخطيط، فيحتل مركز الصدارة تلقائيا، ويكون رأس الجماعة، ولكنه إن كان فردًا لا أعوان له فكأنه صاحب مهنة لا أداة له، ولك أن تتصور بطالة حداد لا سندان له ولا نار.

هكذا الدعوة أيضًا، لابد أن تفكر بتكوين جيل قيادي مناسب في سعته لطبيعة ضخامة العمل الذي تتعرض له، ومتكامل من ناحية الاختصاصات المتنوعة.

ومن هنا كان خطأ الحركات الإسلامية التي تربط مصيرها بمصير قائد واحد مهما كان فذا بارعًا، فإنه إن مات أو قتل أو حجب عن العمل لسبب ما فإن العمل سيضمر ويضعف لا محالة.

 

التفاعل مع الخطأ نصف التربية

ولكن هذه العملية في تكوين هذا الجيل تحتاج إلى صبر ووقت، وتحتاج إلى تفهم ونظرة واقعية وتضحية من جانبين:

 جانب القائد نفسه: أن يشرك غيره في الأمور، لا يجمعها بيده، فبعض القادة يصلون إلى درجة الوسوسة في تنفيذ الأمور، فكما يبالغ المتوضئ في وضوئه: يبالغ القائد في التدقيق وطلب إتقان التنفيذ، فيرى الذين من حوله أقل مهارة منه، وأنه لو نفذ بنفسه، لازداد التنفيذ حسنا، فيحجر عليهم، يشعر بذلك أو لا يشعر، ويكون ملتقي طرق كثيرة، فتزدحم القضايا عليه، وتصبح الطرق الأخرى خالية ومجالا للنزهة، ولو أنه أوجد معاير وأنشأ جسورا ووزعها شبكة مرور منتشرة لما صار زحام، ولاعتاد الناس سلوك الطرق الأخرى وتدربوا عليها.

إذن هذا التوزيع حل حيوي من شأنه أن يكون طبقة قيادية متجانسة ذات تدريب وتجريب، مثلما هو تخفيف يمنع انفراد واحد أو قلائل بحمل ثقل العمل كله.

ومن جانب آخر، فإن هذه التضحية والنظرة الواقعية مطلوبة من الأعضاء أيضًا، ليكون القائد جريئا في تكليف غيره، وذلك بأن يعرف الأتباع ضرورة التجاوز عن المتدرب القيادي إذا أخطأ أو قصر، فإن مشاكل العمل ويوميات النشاط وعوامل التغير في المواقف تحتاج إلى اجتهاد متجدد لم يستتم له بعد، فهو في خطأ وصواب متناوبين يستمران مدة حتى يستقيم له الصواب ويطرد، ولا يكاد. كما أن نفسه لم يكمل ترويضها بعد، ولم ترتفع إلى درجة موازاة صفات التجرد الأعلى والتوكل الرفيع المفترض في القادة، ولم تنزل إلى أوطأ القناعة والذوبان الكامل في تيار الدعوة، فيلحقه بعض التقصير بين كل همتين وحميتين وجدين، وما لم يكن إخوانه من جنود الدعوة على نمط أوسط في تقدير جهوده، يرفضون الغلو في محاسبته كأنفتهم من التزلف له ومداهنته، فإن نفسه ستضحر،وسيحجم عن ممارسة قيادة فتح معها صدرة ليتلقي به بدلا عن إخوانه طعنات الأعداء، فإذا بظهره تملؤه نغزات المتزمتين من صحبة الدعاة.

إن المتدرب القيادي يكون جريئا مقداما في تصديه لارتقاء السلم القيادي، أو جبانًا، بحسب ما يكون من تقبل الأعضاء لخطئه أو إفراطهم في الغضب، إذ أن الطبيعة الإنسانية تدعوه للكف، ويجفل، وتعود مسألة تكوين الجيل القيادي صعبة لعدم وجود من يتصدى متطوعًا، ويكثر الجلوس على التل طلبا للسلامة من لسان  الأقران، لا السلامة من أذى الأعداء.

إن الاعتدال، والتأول للمخطئ، والاستغفار له عند الكبوة:

أبواب عريضة لتكوين القادة، لكنها لا تعني بالتالي استطابة المتدرب للراحة والكسل، أو الغفلة عما في اللين السياسي والسلوكي من إلقاء الشيطان.

وهكذا، فإن هذين التنازلين المتكاملين، من القائد والأعضاء، هما ثمن هذه الأماني التي يحلم بها من يرهبه ضعف الطبقات القيادية وتعلقا لمستقبل والمصير بفذ رائد مبدع واحد.

 

يشفيك إن قال: وإن قلت: وعي

ولكن إن كلف القائد والأعضاء بدورهما في التمكين لإيجاد الصنف القيادي فإن التكليف يتجه إلى قدماء الدعاة من باب ثالث ليحسنوا دور التدرب، فإن القيادات المتعاقبة قد وضعت لهم مادة أصيلة من فقه الدعوة ونظريات متكاملة لسياسة الجماعة الخارجية وللشروط التنظيمية وطرائق التربية، وعليهم أن لا يكتفوا بترديدها فقط، بل يجعلونها مرتكزًا لمطالعة فقهية أوسع وأساسا لبناء آرائهم الاجتهادية التي يرجي لها أن تشارك في تطوير هذا الفقه وتصديق أو تخطئة هذه النظريات، فإن ما تختطه القيادات قد يصيب حقيقة الحاجة، أو يكون وهما لا يناسب الواقع،  ويفترض في المتدرب أن يتشجع ويناقش، فإذا ثبت خطؤه فيما ذهب إلى كان ذلك له بابا لتعلم الصواب.

إن قرارات الدعوة يجب أن تصدر عن لجنة قيادية تطاع في كل الأحوال، ولكن التنظيم الناجح هو الذي يستطيع الإكثار من جلسات الحوار الملتزم برقة اللفظ بين أوسع مجموعة من أعضائه، فيتاح المجال لنمو العقليات القيادية التي تستطيع أن تدير جمهور الناس الواسع في فلك الدعوة، وكلما كان المتدرب متحليا بقدر أكبر من الأدب كلما كانت القيادات أكثر شجاعة على الثقة به وإشراكه في الحوار.

فإذا ثبت لك أن القيادة جيل ومجموعة، ليست فردًا: لم يعسر عليك إدراك ما يتم محاسنها، بجعلها خلاصة أجيال متعاقبة ليست جيلا واحدًا.

والأصل الذي نستند عليه في تبرير هذه السعة وإيجابها يكمن في مقدار استمرار الداعية على التحمل والمشاركة وبذل الجهد، وفي مدى احتمال تكرار فورة الهمة لديه، فإن للهمة ذروة بلغها في أول مرة قد لا يعود قادرًا على بلوغها ثانية، فيكون التباطؤ من بعد العنفوان الذي كان في سن الشباب، ويفتقد القديم فتوة الصبا، مع ما عنده من حكمة الشيوخ، ويغدو صاحب تجربة وعلم ولكن مشاركته اليومية تميل إلى الضعف، ولكل ظاهر شواذ.

من هذه الظاهرة نشتق وجوب تطعيم القيادة تطعيمًا تدريجيًا متكررًا بعناصر جديدة من شباب الدعاة الذين يمثلون أماني وتطلعات جيلهم.

وقد وجدنا لأبي مسلم الخراساني كلاما لطيفا في ما شاهده من طبائع الهمم، وهو قائد داهية، ومن الأفذاذ، وفي قمة الكفاية القيادية، مع ما فيه من سوء وفجور وشعوبية، فقد توجه له معجب به بعد خوضه معاركه الكثيرة التي أرسى بها دعائم الدولة العباسية فسأله:

(أي الناس وجدتهم أشجع؟)

وقد توقع أن يجيبه بأنه وجد بني فلان أشجع، أو فتيان مدينة كان له على أسوارها نزال، أو جنود معركة معينة، ولكن أبا مسلم قال:

(كل قوم في إقبال دولتهم شجعان).

وهو جواب مجرب ذكي حقا، ذكر فيه الشجاعة، لكنه أوما بها إلى جميع الصفات الإيجابية في الفرد، أنها تكون في أول إقدامه على اقتحام الأمر الذي عزم على خوضه أكثر توفرًا وأظهر، وكان للأديب الثقة أبي حيان التوحيدي استيعاب كامل لهذا الإيماء، وإحساس بميزة الجواب، فقال:

(وقد صدق، وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد، وأشجع وأمجد، وأسخي وأجود، وأخطب وأنطق، وأرأى وأصدق).

وهذا  الاعتبار بنساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، وإلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان([4]).

فكل جيل من الدعاة، نشأ في ظروف سياسية وفكرية وتربوية متقاربة، ربما يكون مؤهلا لمعالجة عواقب تلك الظروف، أكثر مما يكون جيل من قادهم، ورباهم، إذا تعبوا. وألهتهم مشاغل الحياة، أو أرهقتهم مداراة البيوت والأولاد، وعلى القدماء أن يتيحوا طريقا لأصحاب الدم الفائر، ويبقون لهم أهل نصح ورواية تجربة ومشاورة، فإن استغلال جودة معدن الصاعد الممتلئ همة في تدريبه على العمليات القيادية خير من الحجر عليه.

وما نظن أن ذلك يعارض ما ندعو إليه دائما من وجوب ثبات الجهاز التنظيمي، وعدم تبدله، حفاظا على التجربة، ذلك لأننا لا نزيد هذا التطعيم بطفرة تعزل العناصر المجربة، ولا استبدالها بعملية انقلابية هي بالفتنة أشبه، ولكن بتدرج ومراعاة القواعد الموازنة بين المصالح.

إن المراقب لا يصعب عليه أن يلحظ تأثير طبائع الظروف في طبائع الدعاة الذين ينشأون في ظلها، فطبيعة مرحلة الدعوة وعلاقتها بالأحزاب، وطبيعة المواقف من الحكومات القائمة، تترك آثارها ولابد على الشباب الدعاة وتجعلهم أكثر تفاعلا معها من تفاعل الكبار، وقد يكون جيل الكبار أجزل فضلا وأوسع علما، لكنهم ربما كانوا أقل تحسسا للمشاكل المصاحبة للظروف المستجدة لأن هذا التحسس يكون نتاج الصلة الكثيفة بالناس، وبأعضاء الأحزاب الأخرى، ووليد التفاعلات اليومية مع حيثيات السياسة والنشريات الصحيفة أكثر مما يكون وليد التأمل، وصلة الشباب وتفاعلهم أكثف ولا شك، وانعكاسات المشاكل هي في نفوسهم أوضح.

إن أفراد الجيل القيادي الأول شأنهم شأن كل البشر إذا تقدموا في العمر، يترهلون، ويمرضون بالمرض السكري، وأمراض الضغط، وتزداد مشاكل عيالهم، فتنثلم مشاركتهم القيادية، ويصعب عليهم أن يستمروا في انغماسهم الأول، وتتطأطأ ظهورهم تحت وطأة الحياة، وطلبات الأولاد، فيكون من اللائق تطعيم القيادة بعناصر الشباب، لإيجاد التعادل، ودفعا لحصول انقطاع ضار في طبيعة التفكير بين الجيل القيادي الأول وأجيال الدعاة الجديدة.

ليس هو  التبديل التام للقيادة الأولى، فإن في رجالها البركة كلها، وعلينا أن لا نغالي في تقدير السلبيات التي يتعرضون لها بسبب تفادهم في العمل وتقدمهم في العمر، وقد ينجو منها بعضهم ويظل أعلى همة من الشباب وأكثر صلة وتفاعلات مع الناس والأحداث، وما مثل الخميني ببعيد، ولكننا نستصوب ما فعله الخميني من إحاطة نفسه بالشباب، ونطلب توازنا قياديًا يضم المعدنين، جميعا بين الشيوخ أصحاب الحكمة والتجربة والفقه، وبين الشباب أصحاب الاندفاع والتحرك والهمة الكاملة الجديدة، التي لم تستهلك الأيام منها شيئا بعد.

إننا إن كنا عددنا، للجدية أسبابا وربطناها بالعوامل العشرة، فإن نظرية الأجيال القيادية تعتبر بالتالي روح الجدية الجماعية، إذ لم نجد في قوانين الشرف أن من وصل القيادة يوما ما يجب أن يموت قائدًا، وإنما وجدنا مصالح للدعوة يوجب المنطلق السليم علينا تحريها والحرص عليها، وإذا أراد القياديون حيازة الفخر والشرف كاملين فإن طريقهم إلى ذلك يمر بتدريب الجدد، وإكسابهم ما جمعوا من حكمة، وإلا حصل انفصام بين طبائع الأجيال، وإذا كانت الإضافة إلى القيادة أنفسهم وبانتقائهم، أو بانتخاب يتاح فيه للدعاة الاختيار، فإنها خر من أن تكون شرطًا لإنهاء فتنة، يختلط به الارتجال، ويدلس الضعفاء به أمرهم.

وبمثل هذا المنطق ننقض نظرية استقلال تنظيم الموظفين عن غيرهم من الدعاة، أو عموم التنظيمات الاختصاصية، فإن الاختلاط القيادي في كل منطقة سكنية مطلوبة، ولا بد أن تجمع بين الهمم والقابليات والطبائع ليحصل التعادل التربوي والتحرك التنفيذي، وليس من الصواب أن يحتكر الموظفون الحكمة يتدلونها بينهم بينهم، ولا أن نمنع عنهم نبضات الناسئة التي يمكن أن تهز ساكنهم، وما هي بوصايا معدودة يدونها الحكماء لتشاع الحكمة ويباع ما كان محتكًا، ولكنها خواطر تروى على عدد الساعات، وتعقبيات على الفلتات والأخطاء، وثناء على الصواب، وتوسط عند التطرف وتباين الآراء، وإصلاح عند الغضب واختلاف القلوب، ودلالة على الذوق الجميل والهدي الحسن، وإفتاء عند الحيرة، ولن يكون كل هذا إلا بالامتزاج المسترسل المنساب غير المتكلف بين أجيال الدعاة ومعادنهم المتنوعة، ولا يتجاوز هذا المعنى غير داعية محدود التجربة، ولا تدخل العلل على الخطط إلا من نقص التجريب.

 

الدعوة المعطاء

وتظل هذه الدعوة معطاء، كثيرة الخير، ذات مقدرة على نجدة القضية الإسلامية بجحافل رجال تترى، ومد الزعيم المسلم الراغب بتطبيق نظرية الأجيال القيادية بأفذاذ يقتحمون.

ولكن الدعوات التي أنهت مرحلة التأسيس ولم تتوغل في الانفتاح بعد، أو الدعوات المتوغلة التي تجبرها الظروف الإرهابية على اختصار النشاط: يلاحظ فيهما المراقب المتسرع، ما يشبه ظاهرة الجزر في تكوين الرجال، ويظن أن هناك تقصيرا في تربية العناصر القيادية ولا يوجد من يخلف ا لرعيل المؤسس المتفاني أو يشابهه في علو الهمة وبذل الجهد.

وليس الأمر كما يصفه هذا الوهم، بل المضاهاة دائبة، ولكن العجول لا يري نشأة من يقتفي آثار الأوائل، والأسباب في ذلك أربعة:

(السبب الأول): أن المجموعة الرائدة من شأنها أن تكون صغيرة، قليلة العدد، كثيرة اللقاء، فيعرف الواحد منهم جميع من يبرع في مرحلة التأسيس، فإذا انتشرت الدعوة وكثر العدد: ضعفت هذه المعرفة، بصورة طبيعية، ويصرف نظر الداعية عن رؤية معادن جيدة، تعمل في غير القطاع الذي يتواجد فيه.

كما أن الدعوة قد تنشأ علنية أول مرة، فيعق ذكر صاحب الخير العامل، وتشهره الصحافة الإسلامية أو الحفلات والنشاطات العامة، ثم تضطر الدعوة إلى التحول إلى السرية والتكتم، حتى ليعمل الداعية بيمينه ما لا تعلمه شماله، وتتعمد القيادة التورية وإخفاء أسماء الصاعدين، خوفا عليهم من بطش الحكومات وإرهاب الأحزاب، فيظن المراقب توقف العطاء.

وخذ لنفسك موعظة في هذا الباب مما يجيش في صدور البعض من وساوس إذا ساررت الجماعة باسم قائدها وحجبت عن الجدد والعامة خبره، تأمينا لسلامته وتجنبا لأذى قد يلحقه، فهم يجفلون من ذلك، وقد يستبد بهم ظن السوء، أو لا يلمسون محاسنه، لعدم تعاملهم المباشر معه، ولربما زلت قلوبهم بنكوص قبل أرجلهم، فيأتي الوعي يحاورهم، يدعوهم إلى رؤية القرينة الواضحة والدليل الأكيد على نزوله منازل الثقات وصعوده مصاعد الأخيار، ويطلب منهم التأمل: كيف أنه:

يقود، وما خبرناه، ولكِِن                   طهارة صحبة: الخير الجلي

وهذا منطق سليم قوى يفترض فيمن يعقله إنهاء صدوره والإسراع إلى الاستغفار، فإن حسن ظنه بالقائد المجهول ينبني على حسن معرفته بصدق وإخلاص وجدارة صحبة الظاهرين.

فكذلك ما يكون من خفاء أفراد الجيل القيادي الجديد، فإنك قد لا تلتقي بهم، ولا تقف على خبرهم، ولكن الضبط التنظيمي وتوسع النشاط يشكلان خبرًا جليا يفصح عن وجودهم.

(السبب الثاني): أن لعمل الدعوة شرة وفترة، والإيمان يزيد وينقص، وقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن لهذه القول شهوة وإقبالا، وإن لها فترة وإدبارًا)([5])، وتملك المجموعة قلبا مشتركا واحدا تعتريه فترات من التمهل بعد كل قوة، ولعل الرائي يري مثل هذه الظواهر الطبيعية، من الفترة والنقص، والإدبار، فيتزمت في تقديرها، ويبالغ في الإبتئاس منها، ويصفها بأكثر من حقيقتها، ويدعي أنه العقم في الدعوة، ويخفي عليه أن الإبطاء قد يعتري الجماعة كما يعتري الفرد، لوجود لافتن، أو طول، المسير ونحو ذلك، وغن الإسراع آت.

(السبب الثالث): أن الواجب اليومي الذي كان قد ألقي على عاتق جيل التأسيس في أول نشأة الدعوة يعتبر أصعب وأثقل من الواجب الذي يؤديه الدعاة في مرحلة انتشارها وسعتها، إلا أنه أقل إشغالا، وفيه تربية مستكنة لا تتطلب كثرة تحرك.

بينما نجد أن خطة بعض الحركات حين تقارب الانفتاح أو حين تتوغل فيه تجعل يوم الداعية مليئا بأنواع من النشاط كثيرة، وتكثف الجزئيات التنظيمية والتربوية، ويتعدد الذهاب والمجيء، واللقاء والاجتماع، وتتكرر المحاضرات والحفلات، والرحلات والمهرجانات، والألعاب والمسابقات، زيادة على ما قد يكون من المظاهرات والإثارة الجماهيرية، ونزول الانتخابات النقابية، وهذه السعة تجعل الوقت الحر الذي يصفو لكل داعية ضيقا جدًا، حتى ليشع رأسه على وسادته منتصف الليل مرهقا، فتضمحل مطالعاته المنهجية، ويبدأ يستهلك رصيده الذي كونه بالأمس، وتضطرب عباداته التنفلية، وشؤونه المعاشية والمهنية.

إن هذا النشاط الكثيف قد يجعل معاناة جيل الدعاة الجديد كبيرة وذات آثار تربوية تحريكية جيدة، وقد يزداد تجربة، ويتعمق فهمه لطبائع الناس، ولكن علمه بالمقابل قد يكون أقل، وسكينته الإيمانية مختلطة بتشويش، وشمائله الخلقية يشوبها نقص، ويصعب عليه أن يربي نفسه بنفس ذاتيا، وفي هذا من تعويق نشأة العناصر القيادية الكاملة ما فيه، مع أن استعدادها وافر جيد، ومع حصول نصف التربية اللازمة لهم، المتمثل بالمعاناة والتجريب.

والمظنون أن حل هذا الإشكال كامن في اختصار وجوه النشاط العام، نوعا وكما، بغية توفير أوقات حرة للدعاة، يفيئون فيها إلى أنفسهم وإلى مربيهم من قدماء الدعاة ومستنبطي فقه الدعوة، فيكون هناك تعادل وتكافؤ بين متطلبات المسار المرحلي العام ومتطلبات التربية الفردية، ويتم تخريج رهط كبير من القياديين الجدد بجهد بسيط يكمل لهم نصفهم الناقص.

إن هذه الظاهرة تقنع المراقب المنصف بأن جمهرة واسعة من الجيل القيادي الجديد موجودة فعلا، ولكن حجبها نقصها التربوي القليل ع ن الأنظار، ولا تحتاج غير نقلة يسيرة يكون بها تصديق نظرية الأجيال القيادية وأدائها لدورها فيها.

(السبب الرابع): أن التحدي هو المربي، وربما كان المفتش عن المعادن القايدية غير راء لها إذ فتش عنها في أيام لا يتاح فيها هذا التحدي كاملا، فإنه أنواع، وبواعثه مختلفة، ويفرضه وقت دون وقت.

وأول ظهوره في المسار يكون من أول أيام الدعوة في كل بلد، فإن الرعيل الأول يخوض تجربة تأسيس الدعوة، ويدخل معركة حياة أو موت، وإن كانت صامتة، فإما أن ينجح في التأسيس ويرى مبشرات استمرار الدعوة ، وإما أن يفشل، فيكون التلاوم، واستعار الفتن، و انتباه العدو، ولذلك يندفع الرواد بهمم حامية، أوفياء مشمرين، ويبذلون أقصى جهدهم، ويبدون أكمل تشيل لطاقاتهم، وتنتبه كل حواسهم، تشارك في إرساء قواعد البناء، فإذا نجح التأسيس مالوا طبيعيا لبعض الراحة والهدوء، كمثل طبيب يعالج مريضا في حالة خطيرة، يسهر معه، ويظل ملازما له، فإذا حصلت مؤشرات زوال الخطر، نام واستراح لا لكونه متعبا فقط، بل لأن في علامات الشفاء معنى التطمين.

ويهدأ بهدوء الرعيل الأول من معهم من الجدد أيضًا، فتظن أنهم لا يصلحون لعمل قيادي، بينما النقص ليس فيهم، بل في الظرف والمحيط، لا يوجد فيهما ما يستفز استعدادهم القيادي للظهور ويوقظه من سباته، وهم جيل كالأوائل قد يكون فيهم الضعيف المتراخي، إلا أن أكثر عناصره يمكن تدريبها الأداء أعمال قيادية صغيرة، وبعضهم أصحاب قابلية رفيعة تجذبهم المراكز القيادية العالية لها دونما تطاول منهم.

ثم تتاح فرصة ثانية لحصول التحديات المربيات مع دخول الدعوة في مرحلة الانفتاح، ويكون لعطاء الدعاة مجال نمو سريع، ولكن تتبدل صفات الجدارة والعوامل المحركة لروح التحدي في نفوس الدعاة، ويكون إتقان الداعية للعمل الجماهيري أو المشاركة الصحفية باعثا لإثارة ما في النفس من كوامن التحدي، بينما كان إتقان الاتصال الفردي والتربية التلقينية عنوانا للجدارة في المرحلة الأولى.

إن كثرة من الدعاة الذين نصنفهم مع الخاملين في مرحلة التأسيس يكونون من أهل النشاط في مرحلة الانفتاح، إذ أن الأعمال التي تفجر إبداعهم القيادي غير موجودة أيام النشأة الأولى، ففي البداية تتفجر طاقة من نوع واحد تتمثل في القدرة على التجميع والتربية والعمل الصامت، ولكن البشر تختلف طبائعهم وميولهم، فمنهم الكاتب، والخطيب، والسياسي، والإداري، وليست المقدرة الفردية على الإقناع والتربية غير صفة واحدة من عشرين صفة أخرى يحتاجها عمل الدعوة.

إن بعض الدعاة يغفل عن هذه الحقيقة، فيتطرف، ويشطب بالقلم على بعض من لا يجيد فن الاتصال ويحكم عليه حكما مستمرا بأنه فاشل، وذلك خطأ، فإن الناس معادن، وخدمة الإسلام متعددة المجالات، وطبيعة التأسيس لا تتيح ظهور جميع الكفايات، لعدم تيسر أغلب هذه المجالات، وإنما مثلهم كمثل ثمرة مغلفة بقشر صلب إذا كسرته: انتفعت بها.

وهكذا تنشأ صفات توثيق جديدة، ووصف للكفاية أوسع، ويتبدل مفهوم القيادية، وتصير البراعة الصحفية، أو المقدرة على الانبثاث، أو الوعي السياسي، أو البحث العلمي، أو حسن المحاضرة، أو إدارة الواجهات: أدلة بمفردها على أن صاحبها له مقدرة قيادية.

أما أن مثل هذه المقدرة القيادية هي في حدها الأدنى فنعم، ولكن لا مانع من استخدامها، إذ القيادة درجات، وأهلها طبقات، وفضلها موزع على منازل متصاعدة، ويبقى الحائزون على صفات الشمول وغزارة العلم وعمق الإيمان في القمة، ودونهم أهل الاختصاص والصفات المفردة، يتفاوتون في الفضل، وإن اشتركوا في الانتساب إلى المجموعة القائدة.

وقد يجمع الداعية بين الكفايتين المطلوبتين في المرحلتين، أو يكون صالحا لعمل قيادي تربوي هو طابع المرحلة الأولى، فاشلا في العمل الجماهيري وفي أنواع النشاط العام الذي هو طابع المرحلة الثانية، أو العكس، حيث يمكن أن يبرز لاحقا من كان يمشي الهويني آنفا، وتحتل عناصر المؤخرة مكانا واضحا في المقدمة، حتى لكأنها هي الطليعة.

كلام ما هو نتاج تأمل نظري مجرد، وإنما شهدت له أكثر من تجربة، كالذي حدث في السودان لما خاضت الجماعة معركة معارضة للحكومة والحزب الشيوعي أواسط السبعينات، وأثناء المظاهرات والإضرابات المشهورة بأحداث شعبان الخاصة، فقد أحجم دعاة عن النزول إلى الميدان بشجاعة، واحتل مكانهم المفترض رجال منسيون، كان القادة لا يعرفونهم، وإذا غابوا لا يفتقدونهم وأبانوا عن معدن مبادرة جيد، ونشأ جيل قيادي جديد واسع كان ظهوره أشبه بمفاجأة مدخرة طغي فرح القدماء بها على غرابة مقدمها حينا، وبهرت بساطة تعليلها وكشف أسبابها من كان من القدماء حينا آخر.

وكان قد حدث في العراق في أعقاب زوال العهد الملكي شيء مماثل، فقد فرضت الدعاية الناصرية قبل انقلاب تموز حصارا على الدعاة، ضاعفت أثره داعية الأحزاب العلمانية المتحالفة ضمن جبهة واحدة، فكان هناك انطواء من كثير من الدعاة على أ،فسهم، وتعطلوا عن النشاط، وكادت عملية التجميع أن تتوقف، إلا قليلا، وناء الجيل المؤسس بأعمال الإدامة دون ظهير جديد، فلما أرهقت أعمال الشيوعيين أهل العراق بعد الانقلاب، وحصلت المجازر المنكرة، تبدلت معايير الناس، وأصبحوا يرحبون بكل منقذ، وفطن الكثير منهم لما كان منهم من ظلم لدعاة الإسلام بفعل الإشعاعات الكاذبة، فانفتح مجال للتجميع غير محدود من خلال مقاومة الطغيان الشيوعي، وإن كان المجال الذي انفتح لحزب البعث وللقوميين يعتبر أرحب بكثير، لسهولة شروطهم وصعوبة التزاماتنا الشرعية، وبرز من بين الدعاة جيل قيادي جديد لم يكن الحاسب يحسب من قبل أنه سينشأ، وكان تطور الحركة الإسلامية في العراق آنذاك جزءًا لم يكن بالإمكان فصله عن التطور العام السريع للحياة السياسية في العراق.

إن هذه الأمثلة كافية للإقناع بأن لكل مرحلة جيلها وأهلها، وأن لكل حلبة رجالها، وأن هناك تفاعلا متبادلا بين كل ظرف والذين يعيشون يكفل استمرار التوالد القيادي، حتى أن الانتقال إلى مرحلة الصراع الثالثة قد يشهد مرة أخرى فشل بعض العناصر التي برزت في الانفتاح، مع ما كان لها من وعي وذكاء ومشاركة كثيفة في يوميات النشاط المختلف الوجوه، ويبزغ فجر جيل جديد آخر، وتتقدم عناصر كانت مغمورة من قبل تضغط وتناوش، وتتبدل صفات الجدارة مرة أخرى، وتكون صفات الشجاعة والبطولة في المواقف الحاسمة هوية انتساب جديدة لطبقة قيادة طارفة تستثمر ما بدأه الرهط التليد.

 

دعوة... ليست شركة تجارية

ولكن هذه النشأة التلقائية للعناصر القيادية لا تكفي، بل لا بد أن تصقلها معاناة مباشرة، فتكون المناقشة اليومية أو الأسبوعية لحيثيات الإدارة والتربية والنشاط العام بين القائد والمسؤول التابع مدرسة عملية لتلقينه الأحكام الجزئية والنظرات الاجتهادية المصلحية والنسبية في فقه الدعوة، ويجب هذا التعليم على كل قيادي، على اختلاف طبقات القياديين في التنظيم، مع القيادي الذي يتبعه، ولا يصح أن يضع القيادي الأعلى ثقته كاملة بأعوانه التابعين، فيجري لهم إرادتهم وطلباتهم دونما نقاش وحوار، فإن ذلك يضاد الحزم، ويحرمهم التعلم، ويقربهم من الهوى، وهو دليل الضعف.

وكان الوزير العباسي أبو عبد الله العارض قد عرض على الخليفة يوم استيزاره بعض أمور الرعية، فوافقه عليها الخليفة كلها، فبكي الوزير، فاستغربوا بكاءه فقال:

(عرضت على صاحبي تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة، فأمضاها كلها، ولم يناظرني في شيء، منها، ولا زادني شيئا فيها، ولا ناظرني عليها، ولعلي قد بلوته بها، وأخفيت مغزاي في ضمنها، فخيل إلى بهذا الحال أن غيري يقف موقف فيقول في قولا مزخرفا، وينسب إلى أمرًا مؤلفا، فيمضي ذلك أيضًا له كما أمضاه لي)([6]).

ودعك مما في هذه القصة المهمة من تخوف الوزير من الوشاية، وخذ إشاراتها العامة، وما على القائد من وجوب وضع نفسه وجها لوجه أمام الوقائعº فاحصا ومستفسرًا.

بل يجب على القائد ما هو أكثر، فإن المفروض فيه أن يخالط الدعاة، يرى وعيهم أو سذاجتهم، ويكتشف طبائع آمالهم وأمانيهم، ويسمعهم إذ هم على سجيتهم يسترسلون، ليكتشف... إصابتهم فينميها، ونقصهم فيسده، ولا يسوغ في عرف العمل أن تروي الأمور للقادة مجرد رواية، والقائد الذي لا يستطيع مشارفة العمل بنفسه وتصعب عليه مقابلة دعاته وجها لوجه سيكثر منه الخطأ.

إن كل داعية يقف على درجة من درجات السلم القيادي الطويل، أيًا كانت درجته القيادية، ليس له إطلاق التوكيل والتفويض والإنابة لتابع له، أو حتى لمجموعة من أتباعه، وإنما يكون له ذلك في أحوال استثنائية ولمدة قصيرة، والصواب أن ينزل إلى مستوى جميع العاملين، ويفحص القضايا عن قرب، ويشافه ويستمع ويحاور، ليري وجه الحق بنفسه، إذ قد يولد بعض الهوى عند أعوانه خللا في الوصف يخرجه إلى ظلم وهو لا يشعر، أول إلى اطمئنان في وقت يجب فيه الحذر.

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الحالة تولد تكثيف الأمور التي يمسكها الداعية الوكيل، سمي وكيلا، أو لم يسم، إذ يفرض نفسه أحيانًا بما يبدي من كثرة نشاط، وليس ذلك من حكمة الإدارة، فإن اجتماع الأمور في يد واحدة يوزع الاهتمام ويشتته في أبواب كثيرة، فتضعف الرقابة، ويمتنع الإتقان، ويحال بينه وبين الإبداع، ويحرك أهل الهمم العالمية من التنافس في الخبر، مع ما فيه من تقريب هذا الداعية النشط المكثار من أمراض الرياء والغرور والعجب بالنفس، بما ينعكس على خاطره من أصداء هذه الأهمية فوق العادية التي وضع فيها.

وهناك ما هو أوطأ من هاتين الناحيتين سلبية، ذلك أن هذا الذي تراكمت الواجبات عليه، ووسعت الصلاحيات له، لا يرتقي إلى نفس مستوى الدافع الداخلي الذي يملكه القائد في مناقشة نفسه واستشعار التقصير، إذ على غيره تقع التبعة الأخروية الكبرى، وعليه الصغرى، أو على غيره ينصب النقد في الدنيا، وهو بجانب، وعلى تلٍ، يجني ثمرات المديح إذا أجاد وأحسن، بما ملك القائد من عدل يحدوه إلى الاعتراف بالفضل لأهله، وإن هو أخطأ وأسرف: نجا، بنفس العدل الذي يلفت نظر القائد إلى دوره السببي في ذلك، دون رؤية مجرد النتيجة، وبطبيعة الناس والأتباع إذ أنهم إذا حاسبوا ونقدوا: خاطبوا الرأس والأصيل، لا الفرع والوكيل البديل، ومنطق العقل يؤيدهم في مذهبهم، وأعراف الأمم تسوغ لهم، فيكون الوكيل سيد الحالتين: ناجيا، وللثمرات جانبا.

إن هذه الناحية جد مهمة، فإن مشارفة القائد للأمور بنفسه تولد فيه عوامل التقوى، فهو يتهم نفسه بالتقصير، وتكون فيه شعبة مما كان في عمر الفاروق رضي الله عنه من استشعار عظم المسؤولية، ويأخذ يتعب نفسه حين اليقظة، ويحاسبها إذا أقبل على النوم، وما بينهما أحلام ورؤى، لا تنفك تدور في مدار ما هو فيه من العمل، ويظل يسأل نفسه كل يوم: لعله ظلم أحدًا، ولعله دلس أمرًا، ولعله أبدى تقصيرًا، ولعله فوت فرصة، ولا يبلغ الوكيل مثل هذه المعاناة النفسية المنتجة مهما تكلف لها.

ويصح المعنى المعاكس لهذه المعاني أيضًا، فإن حياتنا التنظيمية تجعل من تمام محاسن الداعية التابع المنفذ أن يناقش قائده بالحسنى وكمال الأدب فيما يعرض عليه من أمور الدعوة، لعل في ذلك ما يظهر مصلحة خفيت على القائد، ولم نجد في قاموس الطاعة الفاضلة أن يسترسل التابع في الانقياد بلا سؤال وفحص عن فقه الأوامر والخطط، فإنه أحرى عندئذ، إذا اعتاد ذلك، أن يهب للمفتتن المثبط المشكك أذنا صاغية، كما وهبها لأميره، وإنما يحسن الامتثال إذا رآه قد عزم من بعد تقليب الوجوه وتوكل على الله.

وكأن هذا السلوك هو الذي أشار إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قال: (كثرة الوفاق: نفاق، وكثرة الخلاف: شقاق) فإن هناك حدًا يمكن تمييزه بين الدوافع المتعارضة في كل من الحالتين، والوفاق وفاقان:

وفاق وعي تتشابه فيه الأفهام، وتتناظر، ويجتمع به الصواب المتوزع.

ووفاق مداهنة أو ضعف شخصية وخمول ذهن.

والخلاف خلافان:

خلاف تمييز، وإيقاض للأفكار والخواطر السابتة.

وخلاف مراء، وتبادل اتهام.

والمخلصون موقفون للخير دائمًا.

 

الشرف ينال.. لا يمنح

وبمثل هذه الحقائق نرد أيضًا رياسة الشرف فينا، فإن عالما عابدًا ضعيفا، أو حازمًا أمينا تشغله ظروفه عن إلقاء نفسه في خضم المعركة، ليعتليان ذروة الشرف إذا تواضعا وأخليا مكانهما لمقتدر ممارس، وبإمكان الأتباع أ، يتبركا بهما وهما على كرسي منطق الواقع دون أ، نضطر إلى افتعال مكان لهما على كرسي القيادة.

وقد ولي رجل في الماضي ولاية، فقيل له: (الآن يظهر فضلك، فقال: ليست الولاية تظهر الرجل، بل الرجل يظهر الولاية)([7]).

وهو جد مصيب في جوابه، فإن الولاية مركز مجرد ليس فيه تشريف، وإنما الذي يحتله هو الذي يعطيه معانيه، فتكون ولاية الرجل قوية أو ضعيفة بحسب ما فيه من القوة والضعف.

وتجتمع القوة القيادية من موارد ثلاثة: صفات طبيعية وفطرية عالية يهبها الله تعالى لمن يشاء، من ذكاء وشجاعة وكرم، ثم الممارسة الخلقية والعبادية، ثم التثقف الكثيف، في علوم الإسلام والتاريخ والسياسية.

ولكنها ليست وظيفة حكومية يتنافس الدعاة عليها، بل يتقلدها الداعية بانبثاق تلقائي، وعن جدارة من خلال العمل اليومي الطويل، فتكتشف المجموعة أن حرى به أن يقود، دون حاجة لإطالة عنقه لها.

وكيف يخاف أحد أن لا يظهر فضل الفاضل والناس تفتش عن ذوي المقدرة القيادية بالمجهر؟

والمفروض أن هذه الثلاث تمكن القيادي من ثلاث:

من تولى الدور الأهم في التحريك.؟

ومن البحث التحليلي الناقد لأوضاع الدعوة، تطويرا وتصحيحًا.

ومن الاتصال بجميع المستويات، لتنمية قدرات الإبداع أو حل المشاكل.

 

إطعام الولدان: عقلة العجلان

ولكن الكفاية العالية التي يملكها العنصر القيادي قد تطمسها مشاكل المعيشة التي يزداد تعقدها مع مرور الأيام، ولذلك ساغ التفرغ، فكم من ذكي شجاع صبور لم ينهزم في ميدان إعالة أهله، وما لم تفرغ الجماعة عناصرها الصالحة وتكفيها فإن أماني المسار تبقى حبرا على ورق.

وضرب عمر بن عبد العزيز رحمه الله أسوة حسنة في فهم ضرورة تفريغ أهل الكفاية، فقال: (والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن م سعود بألف دينار من بيت مال المسلمين، فقيل: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك؟ فقال: وأين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير)([8]).

هكذا، وهو هو عمر الذي يطفئ شمعة بيت المال إذا بحث أموره الخاصة، حتى ليظن الظان أن أمنيته هذه تخالف قصص ورعه، ولكن كذلك هو الصواب لما يكتشف المكتشف أهمية العقلية القيادية الواعية المستوعبة.

كيف تسمح دعوة للأعمال المهنية المرهقة أن تستهلك طاقة قيادييها؟

إن المهنة تستهلك أحسن ساعات النهار، وهي الصباح، ولا تبقي للدعوة من القيادي غير فضول الأوقات، وأكثرها إحراجًا، حتى ليأتي إلى الاجتماع بإخوانه يتثاءب، وما نظن ذلك يسوغ في العقل، ولا أن ترضى به جماعة تحترم نفسها وتريد أن تنتصر.

ارفع الهموم المعاشية عن كاهل الداعية، ثم انظر عندئذ نتاج عقله، وكيف ستتحول خواطره إلى اقتراحات بناءة وخطط وكتابة،  أو كيف تتحول طاقاته البدنية إلى مشاركة تنفيذية دائبة.

 

التأمل واجب جماعي تضره التجزئة

ولكن هذا التفرغ الوافر الخير قد تحكم عليه الجماعة بالفشل إذا لم تتم مراعاة شروطه، وهي شروط مهمة لم يحوها تدوين، ولكن دلت عليها تجارب التفريغ السابقة.

*وأولها: أن تعرف الجماعة أن المتفرغ المستشار لا تقاس مشاركته بجهود البدن كالموظف العادي، ولا يسوغ أن تضبط دوامه بساعات معينة تقيده، وليس من اللائق أن تضاعف الواجبات عليه أضعافا كثيرة تحطم أعصابه، فإن ميزة التفرغ الكبرى هي في إعطاء المتفرغ أوقاتا حرة وراحة بدنية يستغلهما في التفكير الهادئ واللقاء الثنائي بإخوانه، والمطالع الواسعة، وتربية نفسه، ومحاورة القياديين الآخرين، والكتابة الصحفية أو الفكية.

*كما أن تخصيص مكتب له يعد شرطا مهما لنجاحه في عمله، وغالب فشل المتفرغين يكون لعدم توفر المكان المريح البعيد عن الضوضاء والصخب، فيكون بيته هو مجاله، وتشغله زوجه، ويلهيه عياله، حتى يستأنس بالنوم والكسل تدريجيًا.

* ويجب إجزال المال له فإن العلاقات الاجتماعية التي تتاح أو تفرض على المتفرغ أوسع بكثير من علاقات الداعية المشغول بوظيفة أو مهنة، وكثر ضيوفه، ويصبح محتاجا لصرف اكبر، فإن كانت الجماعة لا تعطيه إلا كما يعطي مثيله في الوظيفة فإنه سيقع في الحرج، وسرعان ما يبدأ تفكيره بالتملص مما تورط فيه من التفرغ لجماعة تقتر عليه.

*ثم لا بد من مخصصات مالية كافية لتكوين مكتبة كاملة له في العلوم المختلفة، ولشراء الصحف اليومية والمجالات الأسبوعية المهمة، وللسياحة وزيارة رجال الحركات الإسلامية في الأقطار الأخرى والتباحث معهم، وتلك مكملا ضرورية لصقل مواهبه وإتاحة الفرصة له لاستثمار أوقاته، والمنطق الذي يبرز التفريغ هو نفسه الذي يبرز هذا الصرف.

*إلا أن أظهر السلبيات التي تعيق خطة التفرغ تكمن في الطريقة المعكوسة المنكوسة التي قد يتم بها، فبعض التنظيمات توجد طبقة من المتفرغين من الصف الثاني، ويبقى الصف الأول والقائد الأعلى دون تفرغ، فينتج عن هذا قصور الصف الأول عن مجاراة اطلاعات المتفرغين وثقافتهم وأمانيهم ومعرفتهم بواقع الحركة ويوميات العمل، ويحدث شبه انقصام بين المجموعتين، فمن متفرغ مطيع آنذاك على مضض، ويحكمه التذمر، ويود التفلت، ومن عاص والغ في تجريح الصف الأول والتكبر عليهم، والصواب أن يبدأ التفرغ  من فوق، وتكون للأوائل الأولوية فيه.

إن هذه الشروط تبدو للوهلة الأولى من البديهيات الواضحة الغنية عن البيان، ولكنها كانت مفقودة في كثير من عمليات التفريغ وسببت لها الفشل، وأعطت سمعة رديئة لمبدأ التفريغ وللمتفرغين هو منها وهم في الحقيقة أبرياء، وما نقول كلامنا عن ظن وتخمين، ولكنه الواقع ومفاد التجريب.

وقد يظن البعض أن مثل هذه المباحث هي من اختصاص القيادات فحسب، وظنهم مصيب، ولكننا نرى أن ذكر هذه التفاصيل حول خطة التفرغ أمام الدعاة من شأنه أن يكسبهم تقديرًا صحيحا لسلوك القيادة التي تريد استدراك أخطاء التفريغ السابق، ويمنعهم عن ظن سوء أو اتهام بترف وبطر وإضاعة لمال الدعوة إذا وسعت على المتفرغين، مثلما في هذا التفهيم من حث للدعاة على الإنفاق بسخاء والتبرع لصندوق الدعوة.

وإذا صح هذا المنطق: صح معه منطق التفريغ الجزئي، كداعية فقير يحتاج إلى وظيفة مسائية ثانية، أو آخر خدم الدولة طويلا، فأحال نفسه على المعاش براتب تقاعدي وأخذ يسعى لممارسة مهنة أو وظيفة في شركة، فإذا كانت الجماعة بحاجة إلى أوقاتهما، ومنعتهما من العمل الثاني: جاز أن تعوضهما بعض التعويض، لانطباق الأوصاف السابقة عليهما، وساغ أن تخصص للمتقاعد مكتبا ونفقات ضيافة وسفر وشراء للصحف والكتب، اعتمادًا على تلك التبريرات.

 

الشورى المحركة

وهكذا يكون عطاء التفرغ دليلا جديدًا يؤكد صواب الأساس الذي ابتنيت عليه نظرية الأجيال القيادية، إلا أن هذا العطاء وتلك المحاسن لا بد له ولها من بيئة حاضنة، وحافز مستثمر، وتعتبر الشورى هي هذه البيئة المبتغاة المناسبة لاحتضان القابليات القيادية، وفيها تنمية طبيعية لثمار تربية التحدي، وتكميل لإلهام المعاناة، وإذا أراد القائد أن يكون ناجحًا فحسبه أن يتيح مجالات التشاور لينطلق إبداع جميع أصحابه الذين معه انطلاقا ذاتيًا.

وهي بمعناه النسبي في الإلزام أو الإعلام نقصدها، ودعاة كل بلد أعرف بالذي يصلح لهم، ولا مجال لن ينكر دعاة الإلزام صواب الإعلام إن رآه غيرهم، فإن من أطرف ما و قع لنا عن غير ما قصد أننا في القصة التي أوردنا تدليلا على جواز الاشتراط على القائد وإلزامه جهرنا بتخطئة تفسير جمهور الفقهاء، وملنا إلى غير الذي قالوه، وفي ذلك عبرة، وإن رأى الأكثرية قد يجانب الصواب.

 

لا نقصد الملام، بل ندل على مواعظ الأيام

وهكذا تكون القابليات الفطرية الفدرية التي صقلتها الثقافة والممارسة، والتربية التنظيمية المطورة لها، وفرصة التحدي المستعلي والمعاناة، والتفرغ، والجماعية الواسعة، واشتراك الأجيال المتعاقبة: ركائز سبعا ترتكز عليها العملية القيادية الناجحة المستمرة.

فإما حرص على هذه الموارد الثورة للطاقات القيادية، وإما التسيب والاضطراب والفتن وبقاء القيادة في واد وجندها في واد.

وكما أن القيادة يراد لها أن (تصفو من شوائب الخيلاء، ومن مقابح الزهو والكبرياء) فإنه يراد لها أيضًا أن تسلم من أطوار السذاجة، ومن وهن التفرد والإبطاء.

إن من الضروري الانتباه إلى أننا لسنا نعني بكل الذي قلناه قيادة معينة، وإنما هي ملاحظات عامة نحاول فيها تحديد ملامح مستقبل الدعوة من خلال تقويم حاضرها على ضوء تجاربها الماضية، وإذا كان هناك ثمة ارتباط لهذه الخواطر بصور شخصية معينة فإن مقصد الانتفاع من صوابها أو البعد عن الخطأ الذي وقعت فيه يشفع لذكرها، يجيزه ويبرره، ولم يكن من مقاصدنا أن نمدح أحدًا أو نجرح غيره، وما زال افتعال الداعية أو التشهير من الأخلاق الضعيفة في عرفنا، وفيهما دلالة على مرض مقترفهما.

ولعل يميل الشاعر تجد هنا، لما غضب صاحبه مما كان من الانتقاد، فأشهد الله:

شهد الله ماانتقدتِِك إلا طمعًا أن أراك فوق انتقاد

وهذا القلم هو نفسه الذي حث الدعاة من قبل على اجتياز (العوائق) ونبذ الفتن، وأوجب عليهم التزام الطاعة، وفقه الدعوة لا يتجزأ، ولا يحق لأحد أن يبتسر منه ما يظن أن فيه تأييد وجهة نظره ويخفي أو يعرض عن حجج تقابلها، وفي التوسط، وتحكيم النظر المصلحي، والقياس النسبي، مخارج واسعة تنتشل القادة والأتباع من ضيق كل اختلاف.

 

حوار، ومنهج... وقلب يلتذع

وإن نظرة ناقدة لأحوال بعض التنظيمات على ضوء موازين المسار الخططية قد تكشف حاجتها لتدارك يعدل أعرافها، ويخلصها من نقصها، ويضبط صعودها، ويقربها من سمت الجد الواجب.

والمظنون أن كل ضعف يصلح بثلاثة وجوه من الاستدراك:

*(الوجه الأول): اختيار قائد مسؤول جيد المستوى، معروف بطول الانتظام والانضباط، وقدم الانتساب، ويملك سمتا تربويًا، ويتفهم نظريات العمل، وله قدرة على تحليل المشاكل والوقوف على أسبابها، وأهم من ذلك: أن يكون صاحب فؤاد ملذوع يتحرق، بحيث تكون خطة تطوير النشاط وتربية الثقات شغلا قلبيا له، وليس هو ممن أعطيت له الصدارة تبركا بورعه الذي لا يسنده حزم، ولا لشهادته العالية التي تجعله وجها اجتماعيًا، ولا لكتاباته التي جعلت اسمه ذائعًا، ولا لصرامته الزائدة الجافة التي لا يرطبها طول عكوفة مع تفسير القرآن الكريم  ومتون الحديث النبوي الشريف وتراث الفقه المبارك، حتى ليغدو كأنه قائد فيلق عسكري أكثر مما هو قدوة دعاة خلقوا للعبادة ابتداء، وكل استدراك لا يجعل تولية مثل هذا القائد أساسًا له فإنه سيصل إلى طريق مسدود لا يمكن عبوره مهما تعددت فنونه وامتدت آفاقه.

*(الوجه الثاني): المناهج القيادية الوافية والنشرات القيادية التي تخاطب الأعضاء، فإن نشوء الوعي في المجموعة لا يكون تلقائيا، ولا بد من توجيه، إذ الكتب كثيرة، وفيها متناقضات أحيانًا، والاختيار منها واجب، ولكل مرحلة من مراحل نمو الداعية ما يناسبها من الثقافة والمعلومات، كما أن الظروف الخاصة المحيطة بالدعوة في كل بلد تحتاج إلى شرح وتفهيم للدعاة، وتدوين التجارب العملية يعتبر ضرورة ومدخلا لتوسيع موارد الفوائد وتجنب أسباب الفشل، وكل ذلك من مهمة القيادة، كي يؤدي اختيارها للمعاني، ونقدها للماضي، ووصفها للحاضر إلى توحيد مفاهيم الدعاة، ووحدة المفاهيم هي أساس ترتكز عليه بالتالي وحدة القلوب ووحدة التنظيم.

*(الوجه الثالث): استضافة واستقدام دعاة قياديين من البلاد الأخرى والدخول معهم في حوار، يدلون خلاله بتجاربهم، ويتقدمون بالنصح، وتبرمج معهم الجلسات بحيث تستقصي القيادة آراءهم في المشاكل التي تتعرض لها الجماعة، وخطط العمل في جميع الحالات.

إن من الأهمية بمكان أن تفلت الحركة المستقدمة لهؤلاء من أسر العرف الدارج الذي يهتم بدعوة أصحاب الأسماء اللامعة فقط، من أصحاب المؤلفات أو البطولات الظاهرة، فإن كثرة من قدماء الدعاة يحوزون تجربة وافرة وعقلاء وفقها، ولكن انغماسهم في الاجتماعات والتنفيذ منعهم من التدوين والكتابة، وسبب سمت التواضع الذي يملكونه بعدهم عن الأضواء، حتى جهل جمهور الدعاة في البلاد الأخرى أسماءهم ووجودهم، والسؤال عن مثلهم ليس صعبًا، والإنصات لهم فيه انتفاع إن شاء الله.

وستختلف آراء هؤلاء في كثير من المسائل، ولسنا نرى بأسا كبيرا في هذا الاختلاف، وما نظن أن الخيرة ستستبد بالمجموعة القيادية أمام اختلافهم، فإن التقدير الذاتي وإملاء الظروف الخاصة يجعلانها تنتقي من كلام الوافدين وتدع، وتبقي نقاط الاتفاق هي الأكثر، وإذا رأت القيادة إغرابًا من الضيف المتكلم ومذهب في فقه الدعوة شاذًا يدندن حوله فإن بإمكانها أن تقتصر اللقاء به على نفسها فقط، دون توسيع مجال لقاء الدعاة الآخرين به.

بل من اللائق أساسًا كمعيار دائم أن لا نوسع دائرة الدعاة المشاركين في مناقشة الخطط والمواقف العامة، ما لم تكن خطة فرعية متعلقة بالقطاع الذي يعملون فيه، وذلك حفاظًا على السر من جانب، وتعويدًا للدعاة على ترك الفضول، فإن من الخطأ أن نثير تطلع الداعية الجديد في المسؤولية لأكثر مما يحتمله واقعه، إذ سيتعلم التدخل فيما لا يعنيه، وفيما لا يفهمه.

وإذا لمست القيادة فائدة محققة من استضافة القياديين والتباحث معهم فإن بإمكانهم أن تخطو خطوة أخرى أثبت وأجدر بالدوام، بأن تستعين بعنصر قيادي من الخارج، تستقدمه وتفرغه ليقيم في بلدها، ويعكف على دراسة الأحوال الخاصة للبلد ليكون مستشارًا دائمًا لها تنمو مقدرته بمرور السنين.

وبنفس مبررات هذا الوجه الثالث تبرر سياحة المجموعة القيادية في شتى البلاد فرادى أو مثنى مثنى، بحيث يتم إطلاعهم على آراء الرجال، ومبتكرات النشاط، ليرجعوا إلى إخوانهم بخير عياني يقين.

 



([1]) تفسير الطبري بتحقيق أحمد ومحمود شاكر 3/12.

([2]) وحي القلم 2/60.

([3]) تاريخ الخلفاء للسيوطي/ 239.

([4]) الإمتاع والمؤانسة 1/75.

([5]) كتاب الزهد لابن المبارك/469.

([6])

([7]) الإمتاع والمؤانسة 2/36.

([8]) الإمتاع والمؤانسة 2/36.

|السابق| [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error