الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

التكيف المرن

أوهام بعيدة هي، تلك التي تستولي على عجزة المسلمين، فتزويهم في نوافل متوارية، وتهليل مختبئ، وتكبير يصغرون معناه السامي ومرماه البعيد بحبسه بين الجدران، وبتلفظه بالصوت الخفيض، يظنون أنهم يسلكون أصعب الدروب لترويض النفوس.

جميل ذلك، فرضا لا يصح إسلام المرء إلا به، أو زيادة تغرس التصديق وتعمق اليقين ولكن أعالي الجنان خلقت لتكبير عريض الأصداء، قوى النبرات، في وجه كفر أو ظلم، يعيد اعوجاج الحياة إلى استقامة.

فليس صعبا أن تفطم النفس عن مألوفاتها سويعات في ذكر لله تعالى منعزل وتأمل ساكن.

إنما الصعب أن تكبِر الأصِ                 ِنام ترعي وأمرها مأتِي([1])

الأرباب البشرية، يأمرها أن تترك مكان القيادة، مثلما هو صرخة تنفذ إلى أعماق الضمائر المخدوعة، يدعوها لوعي وإفاقة.

إن التكبير العالي لا يستطيعه غير مؤمن هانت عنده الحياة، وازدري الظالمين، واستيقن ضعفهم، ولهذا كان صعبا على من لم يرسخ قدمه في التوكل، لغلبة الرهبة من الموت عليه، وفزعه الذي يضخم في نظرة قوة الباطل، غير راء شواهد التاريخ ومواعظ الأيام.

وإن من كيد الشيطان أنه يخوف المؤمنين بما عنده من الأولياء الذين يسخرهم لإظهار الباطل (فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر. وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا فقال: (إöنَّمَا ذَلöكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوّöفُ أَوْلöيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونö إöن كُنْتُم مُّؤْمöنöينَ).

المعني عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين: فكلما قوى إيمان العبد: زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه: قوى خوفه منهم)([2]).

ولهذا فإن  عجز العاجز دليل على ضعف معاني الإسلام فيه، ولكن تنبثق القوة لما تخالط بشاشة الإيمان القلوب، فتكون مقدمات محركة لها، من حزم وإقدام وبدار، ثم تستوي، لتؤدي إلى نتائج من التعزز، فتكتسب الحياة آنذاك سمتا خاصا من الطمأنينة، تنطلق معها الفطر في عمل معتدل.

وهذه الحقائق والأوصاف هي حدود الصورة التي رسمها إقبال للأخذ القوى للكتاب، المتمثل بفتيان الحرية...

فديِن الشباب الحر: بأس وعزمه   وإعلان  قول الحق، والمنطق الجرى([3])

وهذا الإعلان لقول الحق هو عند وليد أقرب مما يظنه العاجز مشقة وتبعة، وإنما يقع موقع البشائر التي يتلهف لها الكون، ورأى أن للانتفاض انعكاسات حتمية، يتواصل بها العمل الإسلامي، ويستمر تلقائيا، ولذلك اتجه خطابه للمسلم أن يجعل الانتفاض أول عمله، وطلب منه أن يحطم القيود...

حطِِم قيِود الذل وارفع يداك     وانشر على العالم نورًا هِداك

يردد الكِِون بشِوق صِداك    وترتفِِِِع رايِِة قرآتنِا

قد بِزغ الفجر وولي الظِِلام     ورفرفت رغِم أنوف الطغِِام

خفاقِِة راية قِرآننِِا([4])

ومصداق فراسته: هذه الصحوة التي تراها في كل بلاد الإسلام، وآلاف الشباب المؤمن والشابات المؤمنات، في المدارس والجامعات والمراكز الوظيفية، يتمسكون بالفكر الإسلامي الصافي، في أحلك ظروف الجبروت والقهر والفجور.

إنها آية ن آيات هذا الدين القيم، تملأ الصدر ثقة بالمستقبل.

ولقد احتشد شباب كثير في سنوات سابقة مثل هذا الحشد في عدد من البلاد، ولكن كانت العواطف تشكل معظم رأس مالهم، ونقصهم الوعي، فآذاهم الكافرون والظالمون، وأخروا المسيرة.

لكنها اليوم صحوة، لا اندفاعه حماسة ساذجة، إذ اكتسب جمهور الدعاة الشباب ذلك الوعي الذي افتقد سلفهم بالأمس كثيرا منه، تعلموه مما جرى لهذا السلف الطاهر، فأصبحت الآمال أوضح من ذي قبل.

وكان محمود آل جعفر، خلال حنينه إلى الفجر الإسلامي الوشيك، ف صيحا في الإبانة عن سمات الشخصية الجديدة لرجل العقيدة وصفاته التي تؤهله للانتصار في الجولة الحاضرة مع الباطل، فمشي معه، يقبس له من بهائه...

مشي يحدوه منهجِه الإلهِي                 أبي في عقيدته بياهي

يخط طريقِه يقظِِا وقورا         ويرقب سيره خوف المتِِاه

مشي والحق يملأ أصغِريه          حصيف الرأي ماض بانتبِاه([5])

فتأسرك فخرًا واعتزازًا هذه المباهاة بالتوحيد الذي يدين به داعية الإسلام، وتحدياته للإلحاد، بلا تلعثم ولا استحياء، ثم تزداد ثقة به وبأهليته وبمتانة خطته بهذه اليقظة، وهذه المراقبة، وهذه الانتباهة.

ولربما تظن أن الحذر يجمع هذه الصفات، إلا أن مسحة من السلبية تقترن بالمعني العرفي للحذر كأنها تنهاك عن كثرة إيراده في قاموس الوعي، إذا اكتسب مدلوله سعة تبدي ثغرة يلج منها المنهزم متفلتا، إنما هو (فن الحساب النسبي) أجدر بلغة الدعوة وأليق، وأشهر في مذهب البلاغة، فإن رأي الداعية اليقظ، في الإفصاح الشعري:

رأي تفنن فيه الريث والعجل

فهو ينتظر متحفزًا مراقبًا، إذا كان الريث أولى.

يقتحم، راكضا مقبلا، إذا كان العجل أولى.

وقبلهما، وما بينهما، وبعدهما: موازنات وتخطيط، فيري تفاضل المجالات في الأهمية، وضرورات مراعاة الظروف، وإحلال التكامل الموضوعي، وتنسيق الحاجات المرحلية، والترجيح بين المصالح المتعارضة، وحكم الواقع، والإمكانيات المتوفرة دونما مثاليات حالمة.

إن هذا المنحي التحليلي لأبعاد العلاقات المتنوعة الرابطة بين الواقع والغاية يجعل كل خطة محلية، في كل قطر، مأسورة إلى قواعد تتحكم بطبيعة المرحلة التي هي فيها من المسار، وفي تطبيق نسبي لفنون العمل العامة، بحيث يحصل تكيف مرن مع البيئة، تكون معه المحافظة على الأصالة، وتمييز تردد مهمتنا بين الواجب الدعوى والاجتهاد الفقهي، والإفلات من مخاطر الضرب التي تصاحب الانكشاف، وتحديد مكانة آراء القادة والأتباع، ومدى نفوذها، مثلما يتم إحلال تكييف من نوع آخر لعوامل الإغراء بالتقدم والولوج لتناسب قدرات الجماعة الفعلية ورصيدها الحقيقي، فيكون التخلص من سلبيات محتلة ترافق السير السريع المتجاوز لما يوجبه هذا التناسب، ويظهر هذا التكيف الثاني في صور من التدرج في الإصلاح، والعناية بالتربية العبادية الخلقية، وتجزئة الهدف، وتأجيل استقطاب القوى الثانوية، والانسحاب من المعارك الجانبية، وربط تصعيد الصراع بنضوج الظروف المساعدة.

فهي عشرة قواعد إذن:

 

(القاعدة الأولى): الأصالة واستقلال التقدير، دون تقليد جزافي:

فإن التقليد عيب، إذ هو تكرار حرفي لا يقيم وزنا أو يعطي دورا للفروق بين الأحوال المختلفة، وهو غير الاقتباس الواعي الذي تأخذ فيه أشياء وتدع أخرى، وتوسع وتضييق، وتقرن به المكملات المساعدة والتشذبيات المستدركة، إضافة أو نحتا.

وأكثر ما يرد هذا التقليد في صيغتين:

الأولى: تقليد حركة إسلامية أخرى ذات مرحلة متقدمة، أو جزء آخر من الحركة في بلاد أخرى توغل في العمل، والمقلد ما زال مبتدئا أو متوسطًا، فيبدأ من حيث انته الآخرون، دون رؤية مراحل الاستعداد والتحضير، ولا يسوغ لداعية تمر الحركة التي ينتمي إليها في بلده بمرحلة التجميع والانتقاء والتربية أن يفكر بأساليب المظاهرات والضغط السياسي والمحالفات، ومما تستعمله الحركات القديمة للتواجد في الساحة، ولا يسوغ لمؤسس مكلف بالتشدد في شروط اختيار دعاة القاعدة وصفوة الارتكاز أن يتساهل تساهل من أكمل ترتيب الصفوف واحتاج كثافة عددية ترجح كفته في الصراع.

الثانية: تقليد بلاد أخرى ذات ظروف اجتماعية وسياسية وجغرافية تخالف ظروف بلادنا وتغايرها، كداعية في البلاد العربية يفكر بطرق الدعوة العامة لجمعيات الجاليات الإسلامية والاتحادات الطلابية الإسلامية في أوروبا وأميركا، أو يقيس عمله على عمل المسلمين في الهند، وهم أقلية بين أكثرية كافرة، وأبعد مطامحهم أن يناولا حقوقهم ويحافظوا على تدين عامتهم وأبنائهم من خلال تأسيس مدارس وجامعات إسلامية وتنظيم جمعيات خيرية وبناء مساجد وإصدار صحف ثقافية، وليس يخامر أذهانهم أن يقيموا دولة إسلامية، لقلتهم بين السكان في دولة علمانية.

بل ربما الضغوط النفسية التي يتعرض لها بعض الدعاة العاملين في بلاد يسودها الإرهاب أن يفكروا بما هو أبعد من هذين التقليدين، وتستبد بهم خيالات بناء قرى إسلامية تكون نموذجا للحياة الإسلامية، ما هم بقادرين على إنجازها مهما صغرت، في ظل الظلم المخيم على جميع أجزاء العالم الإسلامي بلا استثناء فضلا عن تأدية هذه القرى إلى انعزال الدعاة وانقطاع تفاعلهم اليومي مع المجتمع من خلال انبثاثهم وانتشارهم فيه.

فإذا كانت هاتان الصيغتان من التقليد يحوطهما العيب لمجرد اختلاف المرحلة الخططية أو الظروف المحيطة، فإن تقليد الأحزاب الكافرة في أساليبها أكثر بعدًا عن الصواب، وأولى أن نربأ بأنفسنا عنه بل يجب أن ننقد أساليبها بمعيار شرعي من قبل دعاة فقهاء يعلمون حدود الحلال والحرام والشبهات، ولا نقتبس منها إلا ما لا بأس به شرعا أو أمكن تخريجه على أحكام مراعاة المصالح واستثناء الضرورات.

وكما يعيب التقليد الأصالة التخطيطية يعيب الأصالة الفكرية الاجتهادية أيضًا، وتضمر قابلية الاستنباط المفترضة لدى الداعية، وتبرز هذه الظاهرة ف ي بعض البلاد التي تعتمد في تثقيف دعاتها على من يزورهم من خارج ويتكلم لهم، وهي خطة مفيدة، لكنها تولد معها ظاهرة سلبية تعدل الفوائد، فإن دعاة ذلك البلد يصبحون أقل مطالعة وأقل وعيا للكلام الجاد الذي يفتقد الصنعة البلاغية والجملية التي يحرص عليها الماضر الزائر، ويصبحون مقلدين يسمعون فقط لا يعرفون الاجتهاد والإبداع إلا قليلا، ولا يفهمون الكثير من الدروس التجريبية التي تأتي على لسان قدماء الدعاة، فيزهدون بها.

إن من المهم لمثل هؤلاء الدعاة أن يعرفوا أن المعاني المهمة ليست هي الجديدة فقط، والتي يحرص المحاضرون على اختيارها، بل تكمن أيضًا في اكتشاف أسباب ظواهر معروفة، وتحليل أمر مجمل إلى جزئياته، وبيان الفروق بين أمرين معلومين، وبيان وجوه التشابه، واكتشاف علاقة بين ظاهرتين معروفتين قد كان يظن الظان أن لا علاقة بينهما.

إن الترف في التدريس يجعل التلامذة أهل حرص على النتائج الموضوعية فقط دون جذورها وضوابطها وأسبابها وشروطا، ويصبحون أصحاب علم غير مبرمج ولا منهجي، بل حصيلتهم شتات وأكداس متنوعة،مسموعة أكثر مما هي مقروءة بتتابع، ويصير احتفالهم بالمحاضرات وفقه الدعوة وبما يطبع لهم مستندًا على عاطفة وتجاوب روحي أكثر من ابتنائه على معاناة وتفاعل علمي وتأملي، ويكون لهم سمت اتكالي في التفكير، يبعدون معه عن هذه الأصالة المطلوبة.

وعلاج هذه السلبيات إنما يكون بتكثيف المطالعة الشخصية المنهجية المتدرجة، في أبواب الفقه والتاريخ والاقتصاد والسياسية، ولا ينهض الانشغال الكثير بيوميات العمل الحركي عذرا لتقليل هذه المطالعات، فإن مصالح الدعوة مجتمعة، وكما أن مصلحتها واضحة في زيادة النشاط، فإن مصلحتها أ,ضح في الارتفاع بالمستوى الثقافي الفكري لدعاتها، ولا بأس من تحديد حجم بعض هذا النشاط من أجل تمكين الدعاة من حياة هذه الثقافة، وتمكينهم من التهام الكتب.

 

(القاعدة الثانية): ترجيح تنفيذ متطلبات العمل الحركي على المساهمة في تجديد الاجتهاد الفقهي:

فإن من أهم جوانب التكيف أن نعرف نسبة مراحل الدعوة مجتمعة إلى مرحلية أخرى أوسع، ذلك أن هذه المراحل الثلاث المذكورة إن هي إلا أجزاء المرحلة الأولى من سير الدعوة إلى غايتها وهي مرحلة العمل للوصول إلى الحكم الإسلامي، وستتلوها مرحلة ثانية هي المرحلة التطبيقية، وصنع نموذج الدولة الإسلامية.

وهذا التقرير يدعونا إلى الإبطاء نوعا ما في مواطأة بعض الدعاة الذين يشاركون في أعمال الموسوعات الفقهية ويحضرون المؤتمرات الإسلامية فيما يكون منهم من ميل قوى إلى إشراك الدعوة في حملة تجديد الاجتهاد الإسلامي وتفاعل الشريعة مع الواقع المتطور وتحرر الفقه والإفتاء من قيود الجمود والتقليد التي أسرته إلى آراء الأقدمين.

ومما لا شك فيه أن تجديد وإحياء الاجتهاد يشكل اليوم عاملا مهما في حياة الدعوة الإسلامية، ويساعد على إيصالها إلى جماهير اكبر وأعظم، و ينقل كثيرا من المتشككين إلى اليقين، ومن الواهمين إلى تلمس الحقيقة الناصعة الدالة على جدارة الإسلام في أن يأخذ بيد هذا المجتمع المعقد الحديث، و أن يقدم له حلولا لمشاكله هي أحسن من حلول الاشتراكيات والديمقراطيات التي افتن الناس بها.

هذا حق لا شك فيه، ولكن الإسراف في تصور مدى ذور الحركة الإسلامية في مرحلة سيرها إلى الحكم في هذا التحرير لفكر الإسلامي والاجتهاد الذي يقتضيه يولد سلبيان فيهما تعويق.

السلب الأول: أن الدعوة عندئذ قد تتحدد في شكل تجمع فكري مجرد يعطل طاقات كثيرة من طاقات الدعاة عن التجميع والتربية والممارسة السياسية، في الوقت الذي يشير فيه واقع المسلمين في جميع البلاد إلى أن بقية الخير الموجودة في كل بلد هي بقية كبيرة، وأن بالإمكان الاستدراك بجمعها وتنظيمها وتربيتها ووضع الخطط لها، ولتصل إلى الحكم بسرعة، وهاذ الوصول سيجسد عند ذاك هذا النداء لتحرير الفقه الإسلامي من أسره، ويوجد في الدولة الإسلامية مثالا واقعيا يكون أبعد تأثيرا في إفهام الناس، بل إن هذه الدولة ستتيح هي بإمكاناتها التي تضعها في خدمة المجتهدين الجدد أن يدلوا باجتهادات بتيسر سيبل الإجماع  عليها، وأن ينطلقوا من معالجة واقع ورغبة حكم يريد أن يحل كل ترسبات سني الانحراف والشرود الذي أصاب الأمة، ويستبدلها بحلول إسلامية، وعندئذ ت كون حلولهم أقرب إلى الواقع الذي ستطبق فيه.

إن حرص الحكم الإسلامي على تطبيق نتائج بحوث الفقهاء سيزيدهم  حماسة دون شك، ويجعلهم أكثر صوابا، وأعمق تفاعلا مع القضايا التي يبحثونها، وسيكون حكمنا أكثر توفيرا للوسائل المطلوبة، وأجزل عطاء لمشاريع إحياء الاجتهاد، كإنشاء المجامع الفقهية، و عقد المؤتمرات الخاصة، وتفريغ العلماء بعد استقدامهم من جميع أنحاء العالم، وإتاحة فرصة التحدث العام لهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة لتكوين رأي فقهي عام موحد يقارب الإجماع، وما أشبه ذلك.

إن ظاهرة وجود بقية الخير تلزمنا أ، نستغل معم طاقات الدعاة في الميادين التجميعية والتربوية، وفي التخطيط وقيادة الجماهير، في كل هذه المراحل الثلاث، لا أن نعطل طاقات كبيرة ونرصدها لهذا الاجتهاد وتحرير الفكر الذي يحل الحركة إلى مجمع فكري يتباحث ويتناظر أكثر مما يعمل.

نعم، لا بأس أن تخصص الحركة جماعة من الدعاة أولى الثقافة ممن تظن أنهم أهل للاجتهاد إذا تركوا إرهاق العمل اليومي المتشعب وتفرغوا للبحث، ليجتهدوا، ولينطلقوا عند تلبية حاجة الدولة التي ستقوم من معاناة حقيقية مع سير الدعوة، ولكي لا يكون الاجتهاد بمعزل عن الحركة، ولكي لا يقفوا على أرضية يوم كثرة الحاجة لإفتائهم هي غير الأرضية التي ينطلق منها الدعاة، ولكي لا يفتقدوا خلفية تنسق الأفكار عندهم وترتبه حسب أولوياتها التي يتعارف عليها الدعاة.

فنحن لا نشك في أن الحركة مدعوة إلى تخصيص بعض الباحثين من الدعاة بعدد قليل، لنحصل على نموذج الفقهية المعاني الفاهم للنفسية التي تسود الحركة ولموازينها واتجاهاتها التربوية، وبذلك يوجد التخطيط الفقهي المرتبط بأهداف القيادة السياسية غير المنعزل عنها، بل ومن المحتمل أن يكون هؤلاء الدعاة الفقهاء أعضاء في القيادة نفسها، أو في فروعها الاستشارية على الأقل.

إن جانبا كبيرا من الاجتهاد ينبني على قواعد المصلحة وسد الذارئع، وسعة أفق الدعاة يسمح لهم بأن يبرعوا فيا لتخريج وفق هذه القواعد لأبعد مما يصل إليه الفقيه السائب، ووجد هؤلاء الدعاة الفقهاء هو وحده الذي يضمن الوقوف في وجه مدارس فقهية جديدة متساهلة قد يدفعها الدافعون لمصادمتنا، ويكون أصحابها أجرأ فيا لكلام علينا، لسماحتنا، وربما كانوا اليوم في سكون أمام الطغاة.

إن الدعوة الصائبة إلى تجديد الفقه الإسلامي يتصورها البعض شرطا للوصول إلى الدولة الإسلامية لابد منه إذا أردنا كسب الناس وتجنيدهم في الدعوة، والأمر أسهل مما تصوروا فإن هذا البعث الفكري هو حاجة العصر الحاضر من عصور الإسلام من بعد الجمود الفقهي في عصر الانحطاط الذي تاه في الفروع وأهمل النظرة الشمولية، ولكن فيا لناس بقية باقية بعدد ضخم جدًا، تؤمن بالإسلام، وتستطيع إعادة حكم الإسلام إذا تم اتحادها وتجمعها حركيا وسارت وفق خطة جماعية في مرحلية موزونة، ثم تضخم الدولة الجديدة فرص تجديد الفكر الإسلامي في ظل الحرية التي ستوفرها له، والإمكانات المالية والدعائية الضخمة التي ستضعها في خدمته، وليست مدة هذا السير لهذه البقية الثابتة من الناس إلى الدولة ووصولها لها إلا جزء صغير ضمن العصر الحديث الذي تكلف الحركة بتجديد الفكر الإسلامي خلاله، وهذا يعني أن مهمة تجديد الفكر أشمل من أن تكون من مهام الحركة الإسلامية في فترة عملها الحاضرة لاستعادة الحكم الإسلامي، وإن استعادة الحكم الإسلامي أبسط من أن تحتاج لهذا التجديد احتياجًا حتميا، وإنما حاجتها:

·                                 إلى همة توقظ الراقدين وتقيم القاعدين من المؤمنين.

·                                 وإلى وعي يفتح أعين الساذجين.

·                                 وإلى شجاعة تتقدم بالخائفين.

·                                 وإلى تواضع يرجع إلى الصف الخارجين.

إنها حاجتنا إلى البراعة في استغلال بقية المؤمنين الباقية في كل قطر من قبل أن تشيخ أكثر مما هي حاجتنا إلى فكر إسلامي متحرر.

فالجيل الذي نراه الآن فيه هذه البقية الخيرة، وإذا أبطأنا ورودنا لها بضع سنين قليلة فقد تشيخ وتصبح مشاركتها في الأحداث قليلة، وينشأ جيل أبعد عن الإسلام.

فاستباق الأيام، والحيلولة دون تحول الرضوخ الحاضر عند الناس لحكم الجاهلية إلى ذلك ومهانة تنسيهم معني الحرية الفطرية والإسلام الموحي، يدعوان إلى رصد أكبر كمية من الجهد للتجميع والتربية، وإلى تقليل الجهود التي تحاول إعطاء إفتاء في كل شكل مستجد من أشكال التعامل يأتي به التطور.

ألا تحصى معنا كم من مسلم راقد يصلي معنا، من المسجد إلى البيت، ثم إلى المسجد، ولم تمسه يد الدعاة بعد فبقي منعزلا؟ أو ليس العمل معهم أولى من المتفلسفة المتشككيين؟

أولا تحصى كم من شجاع يتألم لمصائب المسلمين، لكنه يرضي بعمل مغلف بواسطة الجمعيات الإسلامية واحتفالاتها لقلة وعيه؟

وحتى الذين ينسحبون ونظنهم جبناء: ربما هم ليسوا كذلك، وليست الشجاعة بظاهرة عند الشجاع دائمًا، فإن هناك من الشجعان من يفهم أن سيطرة الطغاة قوية ولا يمكن إزالتهم، فيبقى حذرًا، ولو أفهمته ضعفهم، وما هناك من مبالغة في تقدير أمرهم لا ستسهل العمل، فهو مثل سائر بليل في صحراء ظلماء، يرى شبحا أسودًا من على بعد، فيحذر ويكتم أنفاسه ويقف، خوفا أن يكون من اللصوص والأشقياء، مع ما عنده من الشجاعة، وربما كان ذاك السواد لمسافر آخر استولت عليه نفس المشاعر، ولذلك فإن وصف الواقع بدون إسراف ومبالغة يساعد في تشجيع كثير من الناس الذين ينعزلون عنا الآن، بما نريهم من اضطراب الباطل واهتزاز بنيانه.

إن تخلف الفكر الإسلامي، وعدم اتساع باب الاجتهاد الجديد، وعدم وجود دستور إسلامي تتبناه الحركة، كل ذلك سيضع الدولة الجديدة أمام مهمة صعبة في أول أيامها، ونكران ذلك يعتبر مغالطة، ولكن هذه الصعوبة ليست أكبر من بقاء الحركة الإسلامية  بعيدة عن الحكم نفسه، تتلقى الضربات من الأحزاب والطغاة، وكل تجميد لعدد أكبر من الدعاة في مهام الاجتهاد يعتبر تمديدًا لهذا البقاء البعيد عن الحكم، وتكون آثار بحوثهم في عملية التجميع أقل حجما من آثار نشاطهم اليومي كدعاة منبثين في أوساط الشعب، وقد أوجبنا من قبل في بيان المسار وسنوجب من بعد على الحركة أن تطرح على الناس آراءها في قضايا الساعة وتقترح حلولا إسلامية للمشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولكن هذا الإيجاب ينبغي أن يفهم بحدوده الوسطي دون إسراف.

وعلينا أن ندرك أن جو الحرية هوشرط لا بد منه لكتمال هذا الاجتهاد المبتغي حتى مع إمكان قيام بعضه والبدء به في مثل هذا الجو الخانق الذي يسود معظم بلاد الإسلام، وجو الحرية ستوفره الدولة الإسلامية أني قامت بأبهى صوره، وهذا يدعون إلى رصد الجهود، حتى جهود أصحاب الكفاية الاجتهادية، لإقامة الدولة ببقية الخير الكافية في أعدادها لو انتظمت ووعت وجسرت، وإنها لمهمة سهلة مهمة هذا الوصول وهذه الإقامة تصعبها ألفاظ من يتحمس لنهضة الفقه والفكر.

أما السلب الثاني الذي قد يولده اشتراكنا بإسراف في حملة تجديد الاجتهاد فإنه يكمن في كثرة الإلتهاء بهذا الفقه الجديد وإحداث موجة كبيرة من الخلافات والتشعبات، قبولا ورفضًا لاجتهادات المجتهدين، تؤدي إلى إلهاء العاملين أنفسهم، وليس إلى مجرد تعطيل طاقات عن التجميع والتربية بأعمال الاجتهاد.

لاشك أن الحجر على العقول غير ممكن ولا مستساغ، وإن خلاف الفقهاء يطور فقههم، ولكن ندع ذلك إلى فترة السعة.

وعلى هذا فإنه لا يسعنا إزاء هاتين السيئتين اللتين يولدهما الإسراف في الحماسة في إحياء الفقه إلا أن ندعو إلى فهم واقعي لهذه الرغبات الصادقة على ضوء حاجتنا الحقيقية المرحلية وطاقتنا البشرية التي نستطيع توفيرها.

إن الذي عندنا الآن من إنتاج فكري ومجاميع مؤلفات تكاد وتقارب أن تكفي لتلبية حاجات سيرنا للوصول إلى إقامة الحكم الإسلامي، وتعتبر المكتبة الإسلامية أوسع مكتبة فكرية، وليس هناك حزب ينافسنا يملك مثل تراثنا الفكري، وفي الإنتاج المنتظر من قبل هؤلاء القلة من الدعاة الذين أقررنا بوجوب توجيه جهودهم لتحرير الفكر ما يتكامل به رصيدنا الحاضر، وللدولة الإسلامية يوم قيامها رب يحميها ويفر لها من يسد حاجتها إلى تفصيلات دستورية أو إفتاء تعاملي، والذين يشردون الآن عن الحركة الإسلامية لمجرد نقصان هذه التفصيلات والفتاوى لن تحتاجهم الحركة بإذن الله، بما أبقى الله تعالى لها من بقية الخير التي لا يخلو منها بلد.

هؤلاء قوم إيمانهم ميكانيكي لا ينبعث عن قلب، وإنما هو في عقلانية مجردة، وإذا اقتنعوا بمسألة فقد لا يقتنعون بأخرى مهما اجتهد المجتهدون، ولسنا على استعداد لنصرف أطنانا من الكلام كي نحوز رجالا من هذا الصنف، وأحكامنا واجتهاداتنا الآن كثيرة، وهي واضحة، ونرجع إلى قرآن كله حق، ومع ذلك فإنهم لا يأتوننا، أفيأتوننا ببضعة اجتهادات نضيفها؟؟

كلا، وحاجتنا الفعلية ليست هي في هذه المهمة الصعبة المحدودة الجدوى، وإنما في كتب تربوية وسياسية وتخطيطية جديدة توسع مدارك الدعاة، وتنقلهم إلى الوعي، وتختصر لهم الطريق.

 

(القاعدة الثالثة): إخفاء الحركة لبعض حقائقها، وعدم استعراضها لكل عضلاتها.

إذ من المهم أن يفقه دعاة الإسلام أنهم ليسوا في مسابقة الكمال الجسماني، وأن الذين حولهم لا يحملون آلات تصوير ولتخليد منظر البنية القوية التي يملكونها، وإنما يحملون آلات فتك وتعذيب.

تتكرر اللدغات، ولا تدري لماذا لا يكون الاتعاظ؟

وإن مراقبة مسلك الكفر يوضح تواصي أطرافه، في مدى عشرات السنين على ضرب رؤوس الحركة الإسلامية، كلما أينعت، بإعدام أو اغتيال أو سجن أو تهجير، ويفتعلون شعارًا مزخرفا تذبح عنده ورقاب الدعاة.

وقد تقودنا الحماسة إلى تقرير فشل أعداء الإسلام في قهر الدعوة والقضاء عليها، وأنها تخرج من كل جولة، قوية، رافعة الرأس ولدعاتها ثبات أرسخ، وعزائم أحر اتقادًا، ولقد نقول إن الكفار اليوم يبدلون أساليبهم في محاربتنا، ولم يعد الإرهاب ينفعهم.

وذلك صحيح إلى حد ما، ولكنها ليست الصحة المطلقة، فإن الكفر لا يستطيع الإسراف في الدماء وتوسيع السجون ولا يهمه ذلك كثيرا، بل يهمه أن يحرم الدعوة من قادتها الوعاة ودعاتها المجربين، الذين تفقهوا في الدين وعرفوا خفايا السياسية، واكتشفوا طريق العمل المؤثر، لتبقي بقية في لذة المشاعر والهتاف، والتكاثر والعواطف، والتعارف والتحادث، ويضمحل العمل الهادف، وتلك صورة لا تشكل خطرا على الكافرين والظالمين، فإذا ما تكررت التجربة وأينعت ثمار جديدة: استؤنف القطاف.

من أجل ذلك وجب علينا الاتعاظ بمدلول هذه الظاهرة المستمرة والإسراع في تحوير طريقة العمل في البلاد التي ضاقت فيها الحريات وتتعرضا ليوم الإرهاب، بتوجيه من انكشف للعمل في مجالات النشاط العام، وتكوين طبقات جديدة منتقاة بمقاييس نموذجية دقيقة، تتخفى لتنبث في هدوء إلى مراكز التأثير وتتجرد لاتصالات الشخصية الثنائية ذات المردود التربوي المركز، ويتم تحويل الأعباء ووضعها على عاتق هذه الطبقات بالدرجة الأولى، فيكون الثقل القيادي فهيا، وتظل تتعالى على مغريات العمل الظاهر، وتزهد بما في أيدي الناس، وتتمرد على أعراف ابطر، إلا ما جاءها منه أخذته، دون أن تتكلف السعي الكثيف له، حتى يأذن الله تعالى برفع الغمة عن الأمة.

جمهرتان متلازم سيرهما، تكمل إحداهما الأخرى، بوجودهما معا يتم التوازن، ويبرق نور أمل الوصول.

الأولى: تمهد، وتصنع الظروف الحسنة، وتثبت الأخلاق، وترفع الهمم، بالتأليف، والكتابة الصحفية، والوعظ، والخطابة، والمحاضرة، وخوض الانتخابات، والاندماج مع الجمهور، في المجالس والمساجد والمدارس والمعامل والأرياف، ورعاية النساء والأشبال.

والثانية: تستثمر في سكون،وتلتقط بفراستها كل ذي عين تومض، وفؤاد يلتذع، وظهر نحو الترف مدار، وقدم إلى لجنة ممتد، وتغلق وراءهم الباب، حتى ينساهم الذاكرون، فإذا غابوا: لم يفتقدوا،وإذا حضروا: لم يعرفوا، وليس لهم من بعد إلا خروج واحد، يم يتضمخون بالأحمر القاني ليرتفع اللواء، أو قبل ذلك بقليل، يوم يبلغ التحدي ذروته، فيخرجون لقيادة الناس.

إن خلاصة التقويم للتجارب الكثيرة لا تجيز أبدًا التفريط بإحدى الطائفتين: فإن فقدان الأولى: يقسي قلب الثانية، ويجنح بها إلى التطرف والمجازفات وتكوين الجيوب، فإن الممارس القديم فقيه وإن انكشف أمين وغن خالطه الترف، وانتفاء الثانية يذهب بهيبة الأولى، فيستضعفها الظالمون، ويؤذيها المتجبرون، وكل تحمس زائد لتصور صواب الاقتصار على نمط واحد فقط من العمل في البلدان المكبوتة يعتبر تجاهلا لدلالة الواقع لا يساعده النظر الحصيف.

ونلاحظ هنا بصورة خاصة أن سلبيات تأخر سير الحركة الإسلامية  بفعل الضربات والمحن الشديدة قد اختلطت بنتيجة إيجابية متمثلة في تكين جيل من العناصر المجربة العميقة الإيان الواسعة الإطلاع، وكثرت العناصر الراكزة، وحصل تعادل في بناء المجموعة يمكن أن يستثمر بنجاح، بينما كان سير الحركة قبل المحن معتمدا على علو الهمم وفرط الحماسة، أكثر من اعتماده على الوعي، بل ما كنا لنقع في المصاعب لولا فقدان التجريب، وفي هذه الحقيقة ما يقنعك بأن الاستدراك الذي نريد أن يقوم به الخط الثاني لا يمكن أن ينفصل أبدًا عن المعادن الأولى التي عركتها المسيرة الطويلة.

إن التأمل الرزين يبدي خطأ الاقتصار على الخط الحذر، إذ كيف تتربى العناصر المؤمنة في الخطين بدون هذه الوسائل التربوية التي وصفتها خطة الانسياب؟ ولماذا تتعمد إهمال أناس من الأخيار ولا تضعهم في تيار الضغط وإن لم يكونوا أهلا لعمل فردي صامت طويل ويلزمهم التحريك الجماعي؟ إن تجربة الثورة الإيرانية على الشاه تعطي قيمة كبيرة لأهمية التجميع الواسع للعناصر التي هي دون مستوى الانتماء الملتزم وإدارتها في فلك الدعوة، ولا تستطيع إعدادها بغير إسماعها الكلام بمختلف فنونه ووسائله، وبغير الحرف المطبوع، وهما واجب الخط الأول.

 

نظرية الالتفاف

ولكن بالمقابل علينا أن نفهم أن مثل هذا التجمهر الشعبي الواسع لا يسوغ إيجاده قبل اكتمال خلفية له من الدعاة الباذلين بصمت، وإنما هو مرحلة متقدمة في الخطة وعمل مؤجل لابد أن يسبقه إتقان لسير منضبط طويل، ويجب أن تستمر سيرا في الخط الثاني المناور في حالة من الكتمان التام، تحفظ به الوعاة من الضربات، وتسلهم من قسوة المفاجآت، ومكايد المخابرات، وإلا التقط الطغام الرؤوس وكنت كمن يقدم إلى جائع طبقا فيه أجود الثمر، ف ينكب عليه بنهم، وتمتد يده إلى أحسنه وأينعه.

إن من بساطة التفكير أن تميز في توقعاتك بين حاكم متهتك ملحد وشهواني يداري، وبين مرتكز على شرق أو مستأنس بحماية غربن وبين أسرة حزبية أو أسرة ملكية، أو بين يسار ويمين، فإن الظلم من شيم الجميع، ولا يمتنعون عن امتحان المؤمنين إذا خافوا على مصالحهم أو آتاهم الإيعاز وصدرت لهم الأوامر، المملوك منهم والمكاتب، والمتحر وماذا تنتظر لك بعدما رأيت أقوى ا لاستخبارات العالمية تقتل ملكا تعاون مع دولتها دهرا لما بدت منه بوادر توبة وصحوة؟

هناك خط حدود مرسوم، يسمحون لك بما هو دونه، من وعظ وإرشاد وعموميات، فإن خصصت، وضبطت البوصلة، وتجاوزت الخط: حركوا الصنائع لإيقافك، وقد لا يكون بعضهم راغبا بحمل وزر أذاك، لكنه مهدد بالخلع هو نفسه إن لم يؤذك.

نعم، نحن لا نرهبهم، ولا نقعد عن العمل، ولا نضخم مقدرتهم، فإنهم بشر مثلنا، تعتريهم الغفلة، ويستبد بهم اليأس، وتخالف الدنيويات بين قلوبهم، ولكن من العبث أن تتقدم حاسر الرأس مكشوف الجنب، وإنما عليك أن تغلب كيدهم وأجهزتهم بإتقان الالتفاف من المسارب الخلفية.

 

المبالغة في السرية تجفف ا لقلوب الندية

إلا أن هذا الوعي لضرورة هذا المنحنى اليقظ ينحرف به الغلو ع ن مقصده وسمته فقد يتصور البعض طبيعة من السرية الصارمة وفردية الاتصال وتباعد وقت اللقاء، ذلك ممكن لكنه في الأحزاب لا عندنا، لأن شخصية الداعية المسلم ليست كغيرها، وتلزمها رقة وشفافية، وتقوى واعتدال مزاج، ولطف حس ودماثة خلق وعمق فقه، والتفرد يضعف هذا الخصال في الداعية، ويجعله جافا، كثيف الروح، ولقد أرهقتنا تجربة الجهاز السري بمصر في أعقاب مقتل الإمام البنا رحمه الله، وتحولت بعض عناصره إلى شبه عصابات اختلفت فارتكبت القتل، وسالت دماء مسلمة بريئة، وما كان ذلك إلا من جراء المبالغة في السرية ووضع السلاح في أيدي الضعاف قبل حصول التربية العميقة، فقست القلوب، وطفح الغرور.

إنه درس ينطق، يعلمك، وجوب الاحتياط المضاعف وترسيخ التربية الإيمانية وإطالة الفترة التجريبية.

لسنا ألوية إيطالية حمراء، ولا رجال عصابات، ويجب أن لا يطغي الضرر على المصالح التي نجنيها، فضلا عن صعوبة هذه الصرامة، إذا يحول دونها ارتياد المساجد، وحجاب نسائنا، وأدبنا الفريد وعفافنا المميز، وفي هذا ما يجعل التجميع الواسع ضرورة فوق كونه تيار ضغط ومجال انتقاء، لتضيع القلة المصطفاة في الكثرة المنشرة، دون أن يعرفها المراقب والفضولي.

وثمن ذلك: فطم لسان الدعاة عن كلام كثير يستسهلون تداوله اليوم أثناء التعارف والاستطراد في المجالس، ومن خلال تحقيقات الصحف الإسلامية، فهم يذكرون أسماء وأخبارً لا ضرورة لذكرها، وينبشون تاريخًا، ويفضحون أسرارًا، وما لم تتبدل هذه الطبائع، ونجيد التمييز لحدود الأحاديث المتبادلة والمقالات الصحفية فإن صفنا معرض كله للانكشاف والمخاطر.

كفي، كفي أيها الأخوة.

كأننا نتقدم نحو ساحة الصراع ببراءة الطفولة وسذاجة الدراويش, والمفروض أن يكون الذي جرى لنا كافيا للموعظة والذكرى، ولتكوين الوعي والفطنة، وكل ما يقال عن اختلاف الظروف ووجود المجالات الحرة في بعض البلاد إنما هو كلام نظري لا تنهض له شواهد واقعية، وكل ما في الأمر أن التضييق على الدعاة لم يحن أوانه بعد في تلك البلاد، لضعفهم وعدم توليدهم لخطر حقيقي على أعداء الإسلام، وسيضربون ضربة موجعة متى اقترب خطرهم، وأل ما يجب على الدعاة إذا استبعدوا هذه التخوفات: أن يجعلوا طبيعة التكتم أو الإعلان أمرًا نسبيًا، لا يسارع معه من يفضل الإعلان منهم إلى إعابة مسلك المتكتمين، فإن لكل بلد ظروفه التي يقررها أهله.

وأما ما يقال عن المصالح التي تكمن في علنية القيادة وانتصاب أركانها قدوات للدعاة وزعماء للجمهور فكلام صحيح لا شك فيه، ولكن الإبقاء عليهم أحرارًا يفيدون الدعوة بعلومهم ووعيهم وتجاربهم بعيدًا عن أيدي الطغاة ورصاص جماعات الاغتيال الحزبية يضمن مصالح أكبر وأكثر، ومن الممكن أن يقوم بدور الزعامة الجماهيرية دعاة من غير أعضاء القيادات.

 

(القاعدة الرابعة): اعتقاد نسبية الإلزام والإعلام في الشورى:

وإنما هي الشورى ذات السمت الحسن الوسط نعنيها، البريئة من قيل وقال وإحراج الرجال، البعيدة عن المراء والرياء، فكما أن نفس الداعية تتمنى أن لا يصدمها احتكار الآراء، فإن نفس القائد ترغب أن لا يكون هناك إسراف في تدخل المستشار تصير به الجماعة جماعة قول أكثر مما هي جماعة عمل، وكلا الرغبتين حق، والتعادل بينهما وجاب، وقد يكون لعنصري الحزم والسرعة في اتخاذ القرارات مثل أهمية الآراء الصائبة الكامنة فيها.

وليس يضيرنا ما نجده من اختلاف الفقهاء والباحثين تجاه حكم الشورى، فإن بعضهم لم يصرح بوجوبها، ولم يتجاوز ابن القيم اعتبارها من المستحبات، ففي معرض كلامه عن بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية قال: (ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه، استخراجًا لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأمنًا لعتبهم، وتعرضا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالا لأمر الرب في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر)([6]).

ولغيره من الفقهاء، منحى مقارب له، وفي كلام بعض دعاة هذا العصر أيضًا.

إلا أن جمهرة أخرى مقابلة تصرح بالوجوب، وأقوالها مشهورة، ترى وجوب المشاورة، ثم وجوب نزول الإمام أو القائد عند قول الأكثرية، أنها ملزمة ليست معلمة فقط.

ومال الأستاذ عبدالكريم زيدان  في (أصول الدعوة) إلى القول بعدم إلزامها للقائد الحركي، وفي (الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية) إلى إلزامها للإمام الحاكم، في شبه تعارض، ولكنه أراد أن عمل الدعوات تغلب عليه الظروف الصعبة، ويتطلب سيرة منضبطة وحزما زائدًأ قد يثلمه الإلزام ويكون معه الارتخاء، بينما يكون للدول سعة وهيمنة وهيبة وظروف حسنة تساعد على الإلزام وتجعله أحوط.

وعلى كل فإن لكل فقيه حقا في الميل إلى أحد الرأيين حسبما يظهر له من م عاني الأدلة، ولسنا نميل إلى القول باطراد الإلزام في الشورى، ولا بإطراد عدم الإلزام، وإنما نرى أن المؤمنين عند شروطهم، ولكل حركة أن تدرس في كل مرحلة أي حاجتيها أكبر: حاجتها إلى الرأي، أم احاجتها إلى الحزم؟ فتتخذ ما يناسب مصلحتها، وتودع قرارها مادة في النظام الداخلي واضحة تكون البيعة وفقها، وللقائد أن يشترط لنفسه شروطًا إن كان يرى عدم تجاوز مجرد الإعلام، في غير ما هوي، واعظًا نفسه بمعاني التقوى.

لابد من وضوح إحدى الطريقتين في النظام، ولا تجوز التعمية، فإنها تسبب الفتن، ونحن نميل إلى جعل حكم الشورى نسبيا يصح فيه الإلزام والإعلام، بحسب البلد الذي تطبق فيه، ومعادن الرجال، والمرحلة، واليسر أو العسر، والمحبة أو الشقاق.

ودليلنا على ذلك كامن في قصة بيعة الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه، وهو دليل غفل عنه جميع من كتب في مسائل الشورى من أنه من أوضح الأدلة على فهم السلف للمعنى النسبي الذي نذهب إليه، ففي صحيح البخاري أن عبد الرحمن بن عوف لما صار حكما بين بقية الستة الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه و عنهم فيهم أمر الخلافة ثم استقر رأيه على مبايعة عثمان بن عفان رضي الله عنه قال لعثمان:

(أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)([7]).

قال الحافظ ابن حجر: (وأخرج الذهلي في الزهريات وابن عساكر في ترجمة عثمان من طريقه، ثم من رواية عمران بن عبد العزيز، عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: كنت أعلم الناس بأمر الشورى، لأني كنت رسول عبد الرحمن بن عوف، فذكر القصة، وفي آخرها: فقال: هل أنت يا علي مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل؟ قال: لا ، ولكن على طاقتي، فأعادها ثلاثا، فقال عثمان: أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك، قالها ثلاثا، فقام عبد الرحمن، واعتم، ولبوس السيف فدخل المسجد ثم رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أشار إلى عثمان فبايعه)([8]).

ثم قال ابن حجر: (واستدل بهذه القصة الأخيرة على جواز تقليد المجتهد، وإن عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك بخلاف علي، وأجاب من منعه، وهم الجمهور، بأن المراد بالسيرة ما يتعلق بالعدل ونحوه، لا التقليد في الأحكام الشرعية، وإذا فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد احتمل أن يراد بالاقتداء بهما فيما لم يظهر للتابع فيه الاجتهاد فيعمل بقولهما للضرورة).

وتفسير الجمهور لهذا الشرط يقلل من إمكانية الاستشهاد بهذه القصة، لكنه لا يعدمها، فإن مراد عبد الرحمن لو كان محصورا في تحرى على مثل عدل أبي بكر وعمر لما نفاه علي ولما رفضه، وكون العذر ينتهض لعلي إن لم يستطيع ذلك وقصر عنه يعتبر ميزانا بديها من موازين الإسلام لا يغفل هو وعبد الرحمن عنه، فإن الله تعالى يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستدرك إذا أخذ بيعة فيقول: فيما استطعت، ولذلك فإن الأظهر من مراده هو تقييد الخليفة الجديد باجتهادات أبي بكر وعمرن وكأن نفي الجمهور لهذا المراد إنما جاء في   غمرة حماستهم لنفي التقليد المذهبي، والقلب يشهد بمعنى في القصة مما نذهب إليه وإن صادمه قول الجمهور.

فإذا كان الميل إلى هذا المعنى فإن الاشتراط على الأمير يكون صحيحا، ومعنى ذلك إن بإمكان الأتباع أن يتوسعوا في مدى هذا الاشتراط وتنويعه ليشمل إلزامه برأي الأكثرين من الأعوان المساعدين له.

هكذا، شرط رفضه علي، وقبله عثمان، وفي الرفض والقبول دليل على أن القائد قد يشترط توسيع صلاحيته أو يتنازل عن بعض حريته وحقه، وإذا مال الأتباع إلى تضييق مجال القائد ولم يمل معهم القائد إلى الذي مالوا إليه فإن طريقه إلى رفع الحرج عن نسه يكون بما كان من علي رضي الله عنه، فيرفض تسلم القيادة وتحمل التبعة، وذلك سائغ في الأحوال التي فيها سعة، ولا إثم عليه إن شاء الله، لكونه متأولا، إلا إذا كان الحال لا يصلح إلا بوجوده، ويترجح حصول الفتن أو الوهن باعتزاله –فإن بعض الإثم قد يلحقه والله أعلم، ومعاني المروءة تخاطبه بالتنازل عن بعض شروطه، أو تخاطب الأتباع، تندب لهم الحرص على تولية هذا القائد بالتنازل عن بعض شروطهم، وتوسيع حريته، وإذا تحرى الطرفان مصلحة الدعوة لم يعسر عليهما الاتفاق الوسط.

إن الأمر أمرنا، وقد ترك الشرع للقائد وللأتباع حرية في الاشتراط، إذ أن الأصل في الأمور الإباحة، وليس هناك نص يمنع، والاستشهاد بهذه القصة مهم، فوق أن الركن إلى مذهب في الشورى ليس بابا من العقيدة والتعبد، وإنما هو باب تقرره مقادير وأنواع المصالح التي يوفرها كل مذهب، ويكون تطبيقه على ضوء قاعدة سد الذرائع.

بيد أن اعتقادنا نسبية الشورى لا يمنعنا من التصريح بأن التجارب الوافرة التي مرت بها الحركات الإسلامية الحديثة ترجح جانب وجوب الاستشارة، وأولويتها، وتدعو إلى أن نشارك الأديب الثقة أبا حيان التوحيدي في اعتقاد أن:

(المستعين أحزم من المستبد، ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص)([9]).

هذه هي المسألة الرئيسة، فإن من تفرد لم يكمل، وسبحان الله الذي خلق كل بشر عن الكمال ناقصا كما أن من شاور لم ينقص، فإن قوة الرأي والحجة إذا توفرت عند القائد: فرضت نفسها.

ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه يمنع التفرد ويقول:

(الزموا المساجد، واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر)([10]).

ثم من بعد ذلك نرى إلزامها.

وإذا كان هناك تخوف من الخطأ إذا كانت آراء أكثرية المستشارين ملزمة للقائد، لجودة وعيه ونقص تجربتهم، فإن الاحتياط المناسب لا يكون بالحجر عليهم، وإنما بأن نشترط للأمور المهمة موافقة أكثرية الثلثين أو أكثر أو أقل وليس مجرد موافقة الأكثرية المطلقة التي هي النصف زائدًا الواحد.

 

(القاعدة الخامسة): توازن الممارسة السياسية والتربية الإيمانية.

فإن طريقنا ليس مثل طرق الآخرين، والأحزاب العلمانية إنما تعتمد الخداع أو الإرهاب والبطش في توسيع نفوذها، أو هي تغريهم بالمصالح والمنافع المادية، ولكن ليس لنا نحن إلا علوم الشريعة نتحدث بها ونحلل الواقع والمستجدات وفق موازينها، وإلا هذا لإيمان الذي يكون في القلب، فيفيض على الوجه والجوارح، فيقلده الناس إذا شاهدوا آثاره، ويكون هو مدخلنا لإقناعهم بأفكارنا وانضمامهم إلى حركتنا.

إن هذا الطريق الإيماني هو الضامن لعدم الانحراف، وبدون الرتبية عليه تنتج نفوس تفقه السياسة، لكنها صلبة لا تعر الرقة، وقلوب ربما تجيد الفوارت والثورات، لكنها قاسية، وربما نشا التضارب بينها.

وبعض إخواننا الذين يدعون إلى تجاوز التمهيد التربوي يستشهدون بالثورة الإيرانية، كيف أنها كانت ممارسة سياسية جمعت الجماهير واستوعبت ونجحت.

وما نظن استشادهم في محلة، فإنهم رأوا الخميني ثائرا ولم يروه مربيا وممهدًا، إذ كان له عمل قديم لسنوات طويلة يوم لم يكن أحد يعرفه، واستثمر المشاعر التي تركها نواب صفوى رحمه الله وأصحابه من جماعة فدائيان إسلام، وكتابات على شريعتي في الفكر والتربية، فوق استناده أساسًا على قوة مركز العلماء في الجمهور الشيعي، وعلى شعور الترابط الذي يسودهم كطائفة.

لقد عرفوا الخميني بتعريف وكالات الأنباء والصحف له لما بدأ معارضته، وغفلوا عن تاريخه السباقن فظنوا أن تجاوز المراحل في العمل مستساغ، وأصبحوا يريدون القفز من على الأسوار التي يقرها العقل السليم لكل مرحلة من مراحل العمل.

كلا، فإن الخميني لم يكن متسورًا، ولا قفز قفزًا، بل تأني ومهد وربى، وعلى إخواننا أن يفعلوا الذي فعل.

إن البعض يحاول نقد مسيرة الدعوة كلما رأى فوز الآخرين، ومنهم من يعزو طول الطريق إلى الجمهور التي تستهلكها التربية الإيمانية، فيدعو إلى اطراحها وتجريد العمل في السياسة، ولكننا نرى أن العمل التربوي هو الأساس الذي تستند عليه جولاتنا السياسية، ونظنه خطًا أصيلا يميز العمل الجدي الدائم عن العمل الارتجالي السريع.

 

من جانب المحارب يبدأ سيرنا

وللحركة في السودان ترجيح للمنهج السياسي منذ اكتشافها التأثير الإيجابي للممارسة السياسية في البناء الإيماني، وهو منهج صائب في كثير مما يدعيه، مستقيم الزوايا، ولكن بعض الدعاة منهم يوم ابتدأت التجربة في أوائل السبعينات، في جو مساعد مفتوح بوجود حكومة ضعيفة وانفصام فكري واضح مع الحزب الشيوعي المعادي يمكن جمهور العامة من الناس من فهم تبريرات الصراع بسهولة، ويحدو بهم سراعا إلى الوقوف في الصف الإسلامي، يومها، أخذت إخواننا أولئك ونشوة سببتها لذة البداية في صراع ناجح، فكانت لهم مبالغة ومغالاة متنكرة لأساليب التربية الفردية والاعتكافات اليومية العلمية والعبادية، وفلتت ألسنتهم بألفاظ مستعجلة أجفلت غيرهم من أهل التأني الذين يعانون من ظروف أصعب من ظروف السودان.

إن هذا المذهب السياسي المجرد الناقد لجهد التربية مازال يتنامي في السودان، والذي نراه أنهم إنما يعممون القول دونما نظرة نسبية، ونظنهم لا يجيدون التعبير في وصف حالة خاصة تمكنهم من إقلال الجهد التربوي، وذلك أن تدين الشعب السوداني يغنيهم، إذ وفرت البيئة الأنصارية أو الختمية كثيرا من الجهود التي يفترض أن تؤديها الجماعات الإسلامية العاملة في البلاد الإسلامية الأخرى، وما زال الشباب السوداني العادي وافر الإيمان، نقي الفطرة طاهر السلوك وتكثر فيهم المحافظة على الصلاة، ولا يحتاج كي يتحول إلى داعية إلا إلى وعي سياسي وارتباط تنظيمي، بينما تجد شعوبا أخرى كثر فيها النفاق، ويبدأ الدعاة فيها تعليم أصحابهم الجدد مبادئ الصلاة وأوليات الأخلاق.

ومع ذلك فإن تزايد تعقد الحياة يضطر دعاة السودان إلى زيادة مقابلة في رعاية الجانب التربوي اضطرارًا، فإن المؤشرات التي تأتي بها المسيرة العملية الفعلية قد تنقض القناعة النظرية التأملية والظنون المستعجلة، وآية ذلك ما نشره الأستاذ الترابي عن (الصلاة) و(الإيمان) إذ نجد في هذين الكتابين مساهمة تربوية لطيفة، وتذكرة قلبية رقيقة، وفيهما دليل على استحالة نفي الأقتران الذي ندعيه بين التربية والعمل السياسي.

 

(القاعدة السادسة): التدرج في الإصلاح:

ذلك أن النفوس تألف الاعوجاج إذا عاشت فيه دهرا طويلا، وتتصلب على ما تألف من المعاصي، وإذا أردنا لها نقلة مفاجئة سريعة،: حاصت وتمردت، وتفلتت، تبغي التملص فنضطر إلى الترفق، وتجزئ الخير في ورود متتابع متصل، حتى يكتمل.

والأساس الفقهي الذي تستند عليه قاعدة التدرج يكمن في قاعدة ترجيح المصلحة الكبيرة على الصغيرة عند تعارضهما، فإن، امتناع الناس عن قبول الخير دفعة واحدة قد يؤدي بهم إلى شقاق لنا يتطور إلى فتنة عارمة، وهي مفسدة كبيرة، نبعدها وننأى عنها باحتمال مفسدة تأخير إعلان وتطبيق الحق الذي يرفضونه.

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

"إنما نزل أول ما نزل منه –أي القرآن- سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام: نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا".

ولسنا نريد بذلك التملص من بعض الشرع، فإن الشرع كامل، وكله واجب، ولكننا في تطبيقه على الناس أول أيام حكمنا أو في دعوتنا الناس له قبل أن نحكم، أو في تربية الدعاة عليه: يسوغ لنا أن لا ن تحدث به أو نطبقه دفعة واحدة، بل في خطوات.

ودليلنا على صواب هذا السلوك ما كان من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه خليفة فقيه، وكان قدجاء إلى الحكم بعد مظالم ارتكبها بعض الذين سبقوه، فتدرج ولم يستعجل، فدخل عليه ولده عبد الملك فقال له:

(يا أبت: ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك.

قال: يا بني: إني إنما أروض الناس رياضية الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذا)([11]).

أي يخرج طمعهم بالموعظة والتأني، ليكون عن قناعة، لا بخوف من السطوة والعقاب.

ويبدو أن هذا الولد الصالح قد حاز حماسة فاقت التي عند أبيه فدعته إلى معاودة الاستغراب من سياسة التأخير والتدرج، فكان منه أن:

(دخل على أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدًا، إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟

فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا.

يا بني: إن قومك قد شدوا هذا المر عقدة عقدة، وعرورة عروةن ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم: لم آمن أن يفتقوا على فتقا يكثر فيه الدماء. والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة؟)([12]).

هكذا... إذ المهم أن تكون هناك نية جازمة، وسير وإحلال للخير والسنن، وأما مقدار ذلك فتحدده الظروف وردة الفعل المعاكسة، ولا بد من تكيف للمحيط، ولابد من مرونة تمتص الصدمات المحتملة.

 

ضرورة التمهيد الربوي وإثارة الأشواق

وتحتاج المواقف العملية والتطبيقات السياسية إلى أسلوب في التربية خاص، يمهد، ويؤسس مقدمات، يكون ظهور وتنفيذ الأمور العظام والمنعطفات المهمة معها متوقعا دونما استغراب من الناس، أو أن نحرك في نفوس الناس أشياء ومفاهيم وموازين من شأنها أن تتركهم في استفهام متواصل بحيث يجئ الأمر العظيم بعد ذلك جوابا لاستفهامهم، ويقبلونه بما عندهم من أهلية القياس وفق الموازين التي مهدنا بها للأمر.

وهذا الأسلوب هو فرع للتدرج في الإصلاح، وأوضح مثل له ما كان من الممهدات التي أوردها الله عز وجل بين يدي تحويل القبلة من بيت المقدس نحو المسجد الحرام.

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:

(لما كان أمر القبلة وشأنها عظيما: وطأ سبحانه قبلها:)

أ-                              أمن النسخ وقدرته عليه وإنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله.

ب-                           ثم عقب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقد له.

ج-           ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، وحذر عبادة من موافقتهم وإتباع أهوائهم.

د-                             ثم ذكر كفرهم وشركهم به وقولهم: إن له ولد، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا.

ه-            ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عباده وجوههم فثم وجه الله، وهو الواسع العليم، فلعظمته ووسعته وإحاطته: أينما يولي العبد فثم وجه الله.

و-                            ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا يصدقونه.

ز-            ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأنه إن فعل وقد أعاذه الله من ذلك فما له من ولي ولا نصير.

ح-                           ثم ذكر أهل الكتاب بنعمته عليهم وخوفهم من بأسه يوم القيامة.

ط-                            ثم ذكر خليله باني بيته الحرام، وأثنى عليه ومدحه وأخبر أنه جعله للناس إماما يأتم به أهل الأرض.

ي-                           ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له، وفي ضمن هذا أن بأني البيت كما هو أمام للناس فكذا البيت الذي بناه إمام لهم.

ك-                           ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس.

ل-                            ثم أمر عباده أن يأتموا به ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين.

م-                             ثم رد على من قال إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودًا أو نصارى.

وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة، ومع هذا كله فكبر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم، وأكد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به حيثما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن حيث خرج)([13]).

 

(القاعدة السابعة): إرجاء الإكثار من الواجهات

والواجهات الإسلامية هي جمعيات علنية مجازة من قبل الحكومة ذات أهداف محدودة تمثل أجزاء من الهدف الإسلامي الكبير، أو تكتلات طلابية وعمالية وفلاحية غير مجازة رسميا ذات اهتمامات فكرية وثقافية إسلامية في نطاق محيطها المهني.

وسبب وجود هذه الواجهات يعودإلى جفلة وتخوفات من العمل السياسي الحركي الصريح في أسلوبه التغييري للمنكر، يتخوفها أناس تعوزهم الجرأة، أو تعوزهم القناعة، بجدوى وصواب هذا العمل، أو يستثقلون تبعات البيعة والالتزامات التنظيمية الدقيقة والأوامر الحاسمة، إلا أن في هؤلاء غيرة دينية وحماسة وحمية لخدمة الإسلام ترفعهم عن التسبب، وتقربهم من الدعاة، فيبادرون إلى الانضمام إلى هذه الواجهات إذا وجدت، أو يمكن إقناعهم بسرعة للانضمام لها، وبذلك تستقطب الحركة قوى ثانوية عديدة وكثيفة وتوجهها للمشاركة في تحقيق بعض أهداف الخطة العامة، وتضمن من خلال هذه المشاركة ترعرع وتنامي شجاعة ووعي هذه العناصر، ولربما تكون بعض العناصر ساذجة سذاجة مفرطة فترى الجماعة أن من الأصوب عدم قبولهم في صفوفها حتى لو أرادوا ذلكن وتختار لهم هذه الواجهات كميدان نشاط، أو يكون المانع سببا اجتماعيا، أو غير ذلك.

وتستخدم الأحزاب، والشيوعية منها خاصة، هذا الأسلوب بنجاح، وما حركات أنصار السلام، واتحادات الطلاب الديمقراطية وأمثالها إلا بعض واجهاتهم، ولا يضير الحركة الإسلامية شيئا أن تقتبس عنهم هذه الطريقة في النشاط والتحريك، إلا أن عليها أن تدرك أن التوسع في إنشاء هذه الواجهات يضع عليها واجبا إداريا ضخما يؤثر تأثيرا سلبيا على إدارة تنظيم الحركة نفسه، إذ ستضطر الحركة لإسناد قيادات الواجهات، بدعاة أكفاء منها، كما أن الانضمام إليها قد لا يكون واسعا ما لم تكن هناك محركات نفسية أولية عند عموم الناس يسببها وضوح التحدي المتبادل بين التيار الإسلامي والأفكار المناهضة له، أو الشعور العميق بوطأة لم سائد، وما أشبه، وهذا التحدي وهذا الشعور لن يكونا إلا في المراحل المتقدمة من مسيرة الدعوة.

ولهذا وجب على الحركة أن تلتزم سياسية الخطو المتدرج في إقامة هذه التفرغات، والروافد، انتظارا لوضوح التحدي، وتجنبا للإرهاق الإداري، ولئلا تشغل يومياتها حيزا كبيرا من اهتمامات قيادة الحركة يلهيها عن رعاية الأصل الداخلي الرئيسي، ولقد تورطت بعض أجزاء الحركة من قبل باستعجال وتقليد غير مدروس للأحزاب، فأكثرت من الواجهات، في وقت واحد، وبدأت من حيث انتهى الآخرون لا من حيث بدأوا، ولفها سهو عن رؤية الفرق بين مرحلتها الأولية وبين المرحلة الخططية المتقدمة التي كانت عليها الأحزاب الأخرى، أتاحت لها حرية انبثاث وانتشار لم تكن تملكها الحركة، وأدى ذلك إلى فشل الواجهات الإسلامية وقلة، المنتسبين لها، وضعف التنظيم الحركي نفسه أيضًا، وإذن، فلا بد من التأني الشيد في الإذن ببناء الواجهات ما دامت الحركة في مراحلها الأولى والوسطي، ولا يكون انفتاحها على هذا الأسلوب إلا في المرحلة المتقدمة، ومن بعد رسوخ تنظيمها وحصول سعة في الطبقات القيادية المؤهلة. وأهم من ذلك: أن تكون بعد اكتمال هيبة الحركة ومكانتها المعنوية وبروز دورها الريادي القيادي، لضمان تبعية الواجهات لها، ودورانها في فلكها، دونما تقدم بين يديها أو تحديث نفسها بتحديات للحركة عند اختلاف الاجتهادات تؤدي إلى تعارض مواقفهما المعلنة، كمثل شباب  أقران يدرسون الفقه في حوار متكافئ بينهم، سرعان ما يختلفون ويكون افتراقهم، ليسوا كآخرين يلتفون حول شيخ أفقه منهم وأكبر منهم سنًا، فيهابونه ولا يتطاولون عليه، وإذا اختلفوا بينهم كان هو الحكم القاضي والمرجع المطاع.

 

(القاعدة الثامنة): تجزئة المرحلة إلى أهداف متتالية.

وهذا يقتضي عدم التوجه المباشر للهدف الكبير، بل إقرار منهج الغايات القصيرة المتكاملة، و رعاية الأولويات الآنية، وإنما نوجب هذا المنحى التدريجي كعلاج لانخفاض القدرات التنفيذية عند توزع الجهود في ميادين كثيرة.

وتكون التجزئة بأن تحصى وتمسح القطاعات الاجتماعية والحكومية والعلمية التي يلزم الحركة الإسلامية أن تتواجد فيها، وتختار كل سنة قطاعا منها يتم التركيز على الانبثاث فيه أو تمتين التواجد الإسلامي فيه أو العناية به، وربما زادت المدة على سنة، أو ربما تم اختيار أكثر من قطاع في وقت واحد، مع عدم إهمال القطاعات الأخرى، وقد يفترض هذا التركيز المتنقل وجود ثلة احتياطية دائمية من دعاة ليس لهم ارتباط ثابت بقطاع معين من التنظيم، تكلف كل سنة بإسناد عمل الدعاة لآخرين في القطاع الذي أعطته الخطة الأولوية، وتستخدمهم القيادة كاستخدام القائد الحربي للقوة الاحتياطية التي يدخرها في الخطوط الخلفية لنجدة الأجنحة التي تتعرض لضغط شديد، ولسد الثغرات، والتصدي لعمليات الالتفاف، ولربما لا يكون سحب هؤلاء الدعاة المساندون ثانية في آن واحد، بل على مرحلتين أو أكثر ، تجنبا لحدوث فراغ مفاجئ وهزة في العمل المسند.

إن هذا الإسناد للقطاع المختار بالثلة الاحتياطية ليس هو إلا بعض ما يفترض، إذ لا بد أن تظاهره اهتمامات قيادية أيضًا، على مستوى التخطيط والمتابعة التنفيذية، بحيث ينال ذلك القطاع الحصة الكبرى من هذه الاهتمامات، ومن الميزانية المالية كذلك، وتوزيع النشريات المساعدة الملائمة للجمهور في ذلك القطاع، والدعاية الصحفية والمقابلات والندوات، وتفريغ الكفايات والتوعية الداخلية للدعاة حول طبيعة المجال المختار وأهمية العمل فيه وكيفيته، وتوجيه بعض الدعاة لعمليات إحصاء وبحوث ميدانية عن ذل كالمجال في السنة التي تسبق بدء العمل المكثف فيه لتحديد طبيعة الحاجات والمشاكل والإعانة في التخطيط، ثم عقد مؤتمر للمسؤولين لسماع اقتراحاتهم.

فمرة نضع تكثيف تأثيرنا فيا لمدارس الثانوية هدفا آنيا لنا، ونجعل ذلك قضية الساعة في محيط التنظيم، ونركز الجهود عليها، ومرة نحول الاهتمام إلى الجامعة، وفي ثالثة إلى المجال العمالي، وفي رابعة إلى التوعية الإسلامية والتأليف والنشر، أو توجيه الدراسات العليا التخصصية لمجموعة من الدعاة، أو استقطاب العناصر السائبة ذات التأثير المضاعف، وغير ذلكن ولا يكون التحريك الشامل المتكافئ والتصعيد إلا بعد الفراغ من تعزيز الدعوة لمراكزها في هذه المواقع التي تتكون من مجموعها ساحة الصراع، ولولا هذا الاضطرار للتجزيء والرعاية للأطراف، والتدارك الجانبي، ورفء الفتوق والبثوق الحادثة الطارئة، لكان الوصول سهلا، ولكانت الخطة علما بدائيا لا يقضي التفنن النسبي، ولكان يكفي فيه أن نعلق سهما إعلانيا موجزًا يشير إلى الهدف الكبير.

تماما كالحرب، فلعلك لا تحتاج دخول كلية الأركان العسكرية لتعلم أهمية رصد قوتك للمعارك الحاسمة، لكن علمك بهذه البديهية لا يضمن لك النصر ما لم تتكيف للمحيط، وتتوغل بتدريج، وتوفر العوامل الفرعية التي تؤثر في المعركة الرئيسة سلبا، وإيجابا، ومثل هذا هو الذي عناه تشرشل لما نبه خلال خواطره عن الحرب العالمية الثانية بأننا (نسمع من الأخصائيين في الفنون العسكرية إطراء كثيرا على ضرورة إعطاء الأسبقية للمعارك الحاسمة وفي ذلك ما فيه من الحكمة غير أن هذا المبدأ في الحرب – كغيره من المبادئ- يسيطر عليه الواقع والظروف، ولولا ذلك لكان الحرب سهلا للغاية، بل وكان يصبح كتابا مسطورا لا فنا من الفنون)([14]).

هكذا عمل الدعوة أيضًا، لا يصح فيه تشتيت الجهود وتوزيعها في ساحة عريضة، ولا ينبغي فيه القفز المتفائل، ولا صلابة الخطة، مثلما لا ينبغي فيه الإحجام المتشائم وليونة المواقف، بل هو خطو معتمد على توفير تكامل أنواع القوى، وعلى تأمين الجبهات الجانبية، وعلى المرونة إزاء الظروف المتغيرة.

ولابد أن نعي أيضًا أن تطبيق أسلوب الأهداف المتتالية هذا لا يشترط أن يكون في بداية مسار الدعوة فقط، بحيث إذا أخطأت القيادة اتباعه وتجاوزته فإن الفرصة من الاستفادة منه تكون قد فاتتها، بل هو أسلوب يمكن تكراره لمن طبقه مرة، ويمكن الاستدراك به في مرحلة لاحقة على جزاف مرحلة سابقة، فأيما مجموعة عمل متقدمة وعته من بعد نسيان فإن بإمكانها أن تلجأ إليه وتوقف انفتاحها العام برهة إذا رأت توفر المصالح بواسطته.

 

(القاعدة التاسعة): الانسحاب من المعارك الثانوية والجانبية

فإن أنفاس بعض الدعاة قد تطول مع أقرانهم من دعاة الجماعات الإسلامية الأخرى، في مباحث فقهية خلافية ليس وراءها كبير نفع، أو في مواقف خطية يتعدد فيها وجه الصواب، فيكون في بحثهم التهاء عن قضايا الساعة الجادة، وتبدو جمهرتهم أمام المسلم الذي يطلبون تأييده ومساندته في صورة الجمهرة المختلفة المتجادلة التي لا تستحق أن يمنحها ما تطلب من مساندة وتأييد.

لسنا نقول بانتفاء الفائدة إذا أدلينا برأي، ولكننا نقول بأن موضوعات الخلاف مفضولة في الظروف الحالية الصعبة، وليست فاضلة، مرجوحة، وليست راجحة، ولها مجال في أيام السعة، والداعية الذي يشترط أن نبدي آراءنا الاستدراكية على كل قول مخالف لأقوالنا من أقوال الجماعات الإسلامية الأخرى إنما هو داعية يمكن الاستغناء عنه، وشرطه دليل على أن محنة المسلمين الحاضرة لم تلذع قلبه لتخرج منه بقية البطر.

ويجب أن نفهم أن أهم واجب على العمل الإسلامي اليوم إنما يكمن في توعية المسلمين وترويض النفوس وتأديبها، وتزويجها بالتقوى الكافية لأن تريها ضرورة وحدة الصف، ونبذ الفتن، والتفرق والخلاف، إذ لم تؤخذ الدعوة الإسلامية إلا من هذه الثغرة، ولم يقتحم العدو إلا عبرها.

فالمتوقع أن الحكومات التي تضيق ذرعا بالتيارات الإسلامية النامية المتصاعدة في بلاد كثيرة لن تلجأ إلى سرعة الضرب والإرهاب، بل تصبر، حتى تكتشف بعض من ينتسب إلى طريق الدعوة ولديه مراء، وجرأة على الفتوى، واستعجال في البحث الفقهي، من أي جماعة إسلامية كانوا، فتدس من يشجعهم على ترويج آراء غريبة وإثارة قضايا لا ينبني عليها عمل ولا تعالج واقعا قائما، وتعطي في الوقت نفسه المجال الواسع لبقية الدعاة للرد على ذلك، فتندلع معركة فكرية فقهية حامية الوطيس بين الجماعات الإسلامية، يحتار لها القلب المسلم السائب، فيزهد في الجميع ويؤخر قدما كان قد مدها لتقدم وسير، فتخلوا الساحة من نصير، وينعزل دعاة الإسلام عن رجال المساجد وشباب الجامعات وحملة الفكر وأعيان الناس، فتبدأ الحكومات آنذاك تحرشها وكبتها، في حملة إعلامية تجسم أ×طاء المسلمين أنفسهم، مسنودة بمظلة من أعمال حكومية ذات صفة إسلامية عامة تعطيها صورة حسنة لدى الساذج، من بناء المساجد المزخرفة، وطبع المصاحف الملونة وعقد المؤتمرات الإسلامية، وجلب الوعاظ، وإنشاء المؤسسات الخيرية، تنطق لسانه بثناء وحمد لها، وتحجب بصره عن محنة تكوي أهل الحق المختلفين، وما مسكنه عنهم ببعيد.

إن الآراء الفقهية الخلافية، أو تفاصيل الأنظمة الإسلامية، إذا لم تظهر اليوم ضرورة لبحثها، وكان الدعاة في سعة أن يسيروا بدون اتخاذ موقف جازم عاجل، إزاءها، فإنه يكون من الأفضل تجاوزها إذا أدت إلى استعار الردود بين المتلفين، سدًا للذريعة، وكبتا لاحتمالات التعصب، وحصرًا لنطاق تبادل الاتهام، وتجاوزًا لاحتمالات المحن التي تأتي بسببها أن مستغلة لها.

 

(القاعدة العاشرة): الخطو بلا قفز، والبعد عن التهور

فإن الحسم مقيد بشرطين مهمين: كفاية القوة، عددًا ونوعًا، بمقدار ترجح الفراسة معه ظن النجاح، وملاءمة الظروف، بحصول وعي لدى قطاعات واسعة من الناس وقناعة بضرورة التغيير، وارتباك المستبد أو غفلته، وتنامي الإحساس بوطأة الظلم أو الكبت السياسي أو الفوضى الاقتصادية أو التناقض الفكري، وكل تصعيد يتجاهل أحد هذين الشرطين لا يعدو أن يكون فورة عاطفية لا تقوى على الصمود، وفي كثير من الأحيان يكون من الواجب أن ندخل في هذا الحساب احتمال نجدة الخصم من قبل دولة أخرى.

ويكاد المحلل للتاريخ القريب أن يلمح بروز فرص دورية في كل بلد تتكرر في كل نحو عشر سنوات مرة، تقل أو تزيد، يتكون معها فراغ قابل للامتلاء بمبادرة مبادر منتبه حاضر البديهة سريع الجزم بقراره في غير ما تردد.

لكن هذه المبادرة لن تكون من ضعيف، وإنما من متقن أكمل استعداده ويتحين المجال، وحصول الوعي أو تنامي الإحساس لن يكونا ظاهرة تلقائية ينزوي الدعاة في انتظار بركاتها، بل هما نتاج عمل يومي كثيف طويل يقوم به الدعاة بين الناس، كتابة وتكلما، من خلال انتشار واسع.

ولقد كانت روح التقليد تدفع بعض الدعاة في أعقاب كل استغلال ناجح لمثل هذه الفرص من قبل الأحزاب الأرضية إلى تفكير بمحاكاة ساذجة يسرعون استنفار أنفسهم لها، فتصدمهم متطلبات الواقع واستماتة المسيطر الجديد الذي  لا يزال في عنفوان فورته ولم تلهه المشاكل بعد، فيفتتنون، ويخلعون الطاعة، ويصبون جام غضبهم على قيادات يتهمونها بالعجز، يوجدون ذلك تنفيسا لحماستهم المتأججة، وامتصاصا لردة الفعل التي تهزهم عند رؤية انتصار الغير.

وليس من واجب هذا الرسم الذي نرسمه لخارطة المسار أن يبين ما إذا كانت القيادات قد تلبست بتقصير بالأمس، أم أنها فعلت الذي بوسعها، ولا أن يتهم أو يحكم بالبراءة، لكن من واجبه أن يعلم المندفعين خطأ مثل هذا الاستدراك الانفعالي المفرق الموهن للقوى. وقد لا تكتسب صيغ عمل هؤلاء الأخوة شكل فتنة، وتظل ألسنتهم عفيفة، لكنهم يصبحون قادة أنفسهم، ويأخذون بالتشويق إلى الجنة، وترداد آيات الجهاد، فيلتف حولهم شباب متحمس لا يعترف بغير الاقتحام مذهبا، فيكون ثم تورط بمناوشات يستغلها الخصم لضربهم، ولا يصلون إلى نتيجة، ولو أنهم صبروا لكان خيرا لهم، والأمثلة والشواهد كثيرة، وفي بلاد متعددة.

وفي أعقاب نجاح الثورة الإيرانية على الشاه بدأت تظهر عند البعض نشوة مفرطة التفاؤل، تقيس مع الفارق، و ترى الصعب سهلا، معتمدة على أخبار يوميات الثورة من خلال الصحافة، دونما رؤية تحليلية أو علم  بمراحل  التحضير الطويلة لها أو إحاطة بطبيعة الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها إيران وكونت فرصة مثلى سارعت قيادة الثورة الإيرانية ألي تصعيدها واستغلالها.

وما من شك في أن بعض البلاد العربية والإسلامية تمر بظروف قريبة الشبه بالظروف التي أحاطت إيران قبيل الثورة، وتنبعث منها إرهاصات تدع المراقب يتوقع حدوث انعطافات حادة فيها، وأن من الواجب وضع دراسة تفصيلية عن تجربة الثورة الإيرانية والمسارعة إلى الانتباه والانتفاع من إيجابياتها وأساليبها الفعالة، ولكن أقطارًا أخرى بالمقابل، وهي الأكثر، يختلف واقعها اختلافا كليا، ومن الخطورة أن تتكلف الحركة الإسلامية في هذه الأقطار تصعيد المجابهة تكلفا، وبافتعال يأبى التركيب الاجتماعي والسياسي فيها الاستجابة له، وإنما عليها الانتظار، واتباع أساليب أخرى تبتكرها، أو الاقتباس من رصيد التجربة العالمية الواسعة التي يحكيها التاريخ السياسي الحديث.

ولربما نسمع نغمة لدى بعض إخواننا عندنا مثل هذه المباحث، تصف الشيوعيين بجرأة يفتقدها العمل الإسلامي، ويتوهمون أن الأحزاب الشيوعية تقذف بنفسها في المعامع دائمًا، و تختصر الطريق بالقفز المباشر إلى نهايته، ولكن التأمل الهادئ ينفي هذا الادعاء، والشيوعيون يجنحون إلى الخطأ في التخطيط وإلى الاندفاع المستعجل أحيانا كما يجنح غيرهم، وفي الضربات التي تلقاها أكثرها من حزب شيوعي عربي شواهد على ذلك، وكان للحزب الشيوعي العراقي تواجد قديم الساحة السياسية ونفوذ في أوساط الشباب جعله أقوى الأحزاب لسنوات طويلة، إلا أنه استعجل بعض الاستعجال في أعقاب ثورة 1958، وباشر التصفيات الدموية ضد أعدائه، فسقط، وكرهه الناس، وأصبح حزبا ثانويا، ودفع الثمن غاليا. وكذلك الحزب الشيوعي السوداني، كان قويا، فورطه هاشم العطا سنة 1971م، ورفع الرايات الحمراء فجأة، فدفع ثمنا باهظًا أيضًا، وأطيح برؤوسه.

ولينين نفسه، ذاك الجريء الناجح في ثورته، كان شديد الإنكار على هذا التجاوز القافز المتجاهل لضرورة نضوج الظروف المساعدة، وقد روى عنه بيلاكون، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي المجري، وعضو لجنة الأممية الشيوعية، نقدًا للحزب الشيوعي الألماني يفصح عن مفهومه الذي يؤكد وجوب البعد عن التهور.

يقول بيلاكون:

(أثناء المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية: وفي يوم من أوائل تموز (يوليو) عام 1921، وبعد الخطاب الكبير الذي ألقاه لينين في المؤتمر في 1 تموز تحدث لينين مع أحد زعماء انتفاضة آذار (مارس) في ألمانيا الوسطي وواضعي (نظرية الهجوم).

كان لينين ألين كثيرًا مما في خطابه في المؤتمر، إلا أنه لم يقلل قط من تحديده وحسمه أثناء هذا الحديث، وسعى إلى التغلب على مناهضة التكتيك البلشفي الصحيح الوحيد الذي لم يستطع حتى لينين نفسه أن يكسب النصر له في المؤتمر الثالث إلا بجهود كبيرة.

تحدث لينين بوضوح كبير عن أن من الضروري كثيرًا:

التحليل المتقن للوضع، والتقييم المحكم لتناسب القوى الطبقية، والإعداد التكتيكي الجيد إلى الانتفاضة المسلحة، وأكد بشكل خاص على أنه لا يجوز الانسياق إلى استفزاز العدو الطبقي، ولا يجوز التضحية بطليعة البروليتاريا في نضال يسعى العدو الطبقي إلى إثارته في ظرف ملائم له).

ولعل هذا الكلام لا يوضح الأمر جيدًا، إلا أن التعليق الذي كتبه المؤرخون السوفيات على المقال يوضحه، وانتبه إلى أن الكتاب مطبوع بموسكو في طبعته العربية التي ننتقي منها، فهو يمثل الرأي الحقيقي للحزب الشيوعي يقولون:

(كان أنصار نظرية الهجوم التي أيدتها الغالبية اليسارية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الألماني الموحد يعتبرون تكتيك الهجوم: التكتيك الوحيد الصحيح في أي موقف بغض النظر عن الظروف السياسية الملموسة، ودفعوا العمال إلى طريق انتفاضة في غير أوانها، وقللوا من ضرورة قيام الحزب بعمل يومي أطول بين جماهير الطبقة العاملة الواسعة، كما لم يراعوا كثيرًا المقدمات الموضوعية لحركة الجماهير.

وقد أفادت البرجوازية الألمانية من نظرية الهجوم مستفزة حركة البروليتاريا الألمانية في لحظة غير ملائمة لها لغرض القضاء على البؤرة الثورية للحركة الشيوعية في ألمانيا الوسطي، في آذار (مارس) 1921، أدخلت وحدات بوليسية إلى منطقة ألمانيا الوسطي التي شملتها حركة إضرابات، وقد رد العمال بإضراب عام تحول إلى انتفاضة مسلحة، وفي يوم 24 آذار دعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الألماني إلى إضراب عام، إلا أنها لم تتلق تأييدًا تامًا من البلاد كلها، فسحقت الانتفاضة المعروفة في ألمانيا الوسطي بسرعة، وكانت نظرية الهجوم موضع نقد شديد في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية، وأدينت في مقررات المؤتمر)([15]).

وما لم يقله هؤلاء المؤرخون عن مجري التاريخ بعد ذلك أبلغ في الموعظة، إذ أن الحزب الشيوعي الألماني كان أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم أجمع، لنشوئه في أرقى وأكبر بيئة عمالية متقدمة في العالم، وكان يملك طبقة من الكوادر القيادية المثقفة أوسع من مثيلتها في الحزب الشيوعي السوفياتي الذييقوده لينين نفسه، ولكن ضربته هذه بعد تهوره، ولدت فراغًا سياسيًا في ألمانيا استغله النازيون، فتقدموا على حسابه، وضربوه ثانية وكبتوه، فضعف، بل انمحق حتى اليوم في ألمانيا الغربية، وليست عبرة وجوده في ألمانيا الشرقية كبيرة، لاستناده إلى الحراب الروسية استنادًا كاملا.

فافهم دلالات التاريخ أيها الأخ الداعية المسلم، فإنا نريدك أن تكون عاملا بقياس وتقدير، وليس صحيحا أبدًا أننا نريدك أن تكون مترددًا أو نعوذ بالله –كما تعوذ- أن تكون جبانًا.

 



([1]) لعبد الوهاب عزام في ديوان المثاني/79.

([2]) إغاثة اللهفان لابن القيم 1/130.

([3]) مجلة (المسلمون) 1/22.

([4]) حنين إلى الفجر/39.

([5]) حنين الفجر/39.

([6]) زاد المعاد 2/127.

([7]) صحيح البخاري/ 9/98 طبعة محمد علي صبيح.

([8]) فتح الباري 16/323، طبعة البابي الحلبي.

([9]) الإمتاع والمؤانسة 1/65.

([10]) عيون الأخبار 2/233 وكأنه قال: واستثيروا القرآن، فحرفت.

([11]) كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال/99، والصعب هو فحل الجمل العنيد.

([12]) تاريخ الخلفاء للسيوطي/240.

([13])

([14]) الحرب العالمية 3/237 الطبعة الإنكليزية، نقلا عن بعض الكتب التي اقتبست منه.

([15]) كتاب (خالد إلى الأبد) ص299/300، طبعة دار التقدم بموسكو.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error