لئن كان القول بوجوب التكيف قد أوحى إليك معنى من معاني الإبطاء فإن الإطلالة على المستقبل وعلى المرحلة الأخيرة تمد أمام أنظارك أفقا فسيحا يخلب لبك جماله، فتنجذب إلى عرصاته مسرعًا.
فكما أن النفس المؤمنة لا يتم اعتدال أخلاقها وعبادتها إلا بنهية خوف وجذبة رجاء، حتى وصفها التمثيل أنهما كجناحي طائر، لا يطير إلا بهما معا، فكذلك العمل الحركي الإسلامي، يضمن اعتداله مزيج خوف من تقليد متهور، ورجاء يرصد الفرص، ويكشف الأهداف.
إن روحا محركة، ونبضة دافعا، يقترنان دائما في ثنايا كل موقف متولد من محاولة التوازن بين التخطيط الطافح بالآمال، والتطبيق المأسور إلى الإمكانات التنفيذية، فالتخطيط يدفعك وإملاء الواقع يحجزك، فتفتش عن مسارب أخرى، تخطط لها، فتأتيك دفعة، ويحجزك رصيدك الفعلي، أو تنتظر تغير الظروف، لتخطط ثالثة، فتتقدم ويتأخر، ويتكرر ذلك مرات لتتفجر من خلال التكرار هذه الحيوة اللازمة لسير الحركة، وذلك سر خفي من أسرار العمل، لا يفقه يائس عند الصدمة الأولى، ولا مغالط يفتأ متقدما لا يعبأ بالضرار حتى يوصله تقدمه إلى التلف.
ومن الممكن أيضًا أن نلاحظ مثل هذا النبض المحرك من خلاله طبائعا لحث أو اللبث لمراحل الدعوة المتتالية، وليس هو بمقصور على المواقف الجزئية، أو هو بالأحرى: إن كان متصورًا في المواقف فتصوره في المراحل أوضح وأقرب.
فمرحلة ما قبل تأسيس الدعوة مفعمة بالإحساس بضرورة المبادرة لعمل إسلامي يصلح الاعوجاج الذي فرضته وطأة الجاهلية وولده اضطرابها وظلمها، وذلك حث واضح يؤدي إلى فرط حماسة لا تقيم للمخاطر وزنًا، فإذا ما بدأت (النشأة الأولى): اقترنت بوعي كابح تتحول فيه الطاقات إلى البناء بصمت، فإذا ما أذن بِ(الانسياب)،: كانت حرارة الانبثاث لاهبة، وتولدت فورة عارمة، تواصل تقدمها في (مسالك التوغل)، فإذا ما بلغت الجبهة أقصى عمقها، مال العاملون إلى مكث المراجعة و(التدارك)، واتئاد (التكميل) الهادئ، وأدى (التكيف المرن) إلى تأمل حسابي، في إبطاء ساكن، سرعان ما يؤدي إلى اكتشاف المكانة البارزة لعنصر الرجاء الآمال من بين مكونات الذات الإسلامية إذا أطلت على ساحة العمل الممتدة فيعود التصعيد، و تعلو (نبرات الآذان) وتستأنف الحماسة نداءها، تدفع وتسوق، وقد يستعجل الداعية في فورة هذه الحماسة، ويهجم على التنفيذ هجوما سريعا متبنيا هذه الاقتراحات، في تقليد ومحاكات، فتردده (أصول التخطيط) إلى تعقل، وتغشاه من (فقه الاصطفاء) الدائم سكينة، يرى من خلالها التدبير النسبي اللائق لواقعة، ويخرج من جديد بعدها إلى اندفاع آخر، تدفعه (عوامل الجدية الجماعية)، و(فنون التجميع) فتستمر الحيوية.
مواجهة التحديات تستنبط الآراء
إن من المفيد أن نطل إطلالة على مستقبل الحركة الإسلامية من خلال رؤية نقدية لحاضرها، ولكن قد تطور الحماسة هذه الإطلالة إلى شطحات تأملية في تصور أشكال العمال، والبأس في ذلك غير وارد، إذا لم يسارع الدعاة إلى الاندفاع المرتجل في تنفيذ خواطرهم بل هذا التأمل الجرئ ضروري لإعطاء الفقه الحركي نوعا من الفاعلية، تخرجه عن الجمود على الأعراف المأثورة والموروثة.
نعم، لا بد للدعاة من طموح يؤدي بهم إلى أن يذهبوا في آمالهم إلى أبعاد سحيقة في التفكير النظري، وعليهم أن يوجدوا القدرات التنفيذية للسير فعلا إلى مكان مرمي أنظارهم البعيد الذي بلغته، فإن من لا يرى إلا المكان الذي يقف فيه، وإلا اليوم الذي يعيش فيه: يسبقه السابقون، إذ الحياة كلها طموح، وربما يكون الكافر أبعد طموحًا، وأبلغ منافسة، ولربما نجد حلول بعض مشاكلنا من خلال قذف أنفسنا في معمعتها والتصدي لاختبار حلولها المحتملة، وعندئذ فإن روح المجابهة لها وجها لوجه، وروح التحدي فينا لسبب المشكلة، كفيلتان بالوصول إلى الحل اللائق، وحصول بعض هذا الحل –إن لم يحصل حل كامل- خير من أن تلفنا سلبية الإحجام عن تجريب حلها.
ولابن الجوزي كلام لطيف يحوم فيه حول هذا المعنى، إذ أعجبه:
(من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم: صعود ورتق، كلما عبروا مقاما إلى مقام: رأوا نقص ما كانوا فيه، فاستغفروا)().
ولهذه الألفاظ قيمة كبيرة عند اللبيب المجرب، إذ لا ينبغي للمؤمن أن يقنع بما حاز من الخير، بل هو أبدًا في سير، وكلما وصل بجده وسعيه إلى مكان جديد ورأى المكان السابق الذي كان يقف فيه: أدرك تخلفه الأول، فيأسف، لم لم يسرع؟ ولم لم يكتشف هذه اللذة مبكرًا؟ وقد استخدم ابن الجوزي كلمتين لطيفتين لوصف المؤمن: الصعود، والترقي، والدعوة الجامعة أولى بمثل هذا الصعود.
إن أحدًا لو أراد صعود جبال عال وعر فإنه لا يجازف دون تأمل، وتحضير بل يظل مدة يحاول تعيين الطريق الذي يبدو له أنه أقرب و أسهل، ويتزود بخارطة ومعدات، وماء وطعام، وينتظر انقضاء الشتاء، وكذلك أمر الدعوة، إذ لا بد لها من رؤية سابقة للمكان الذي تريد أن تتقدم إليه، ولابد لها من رصد المناخ الملائم، وإلا كان تقدمها مغامرة.
حوار الحكماء لا تقطعه رنة النياحة
فمن أجل هذا الصعود كان طرح التصورات المبكرة للمراحل المتقدمة ضروريا، كي نضمن تقليب وجهات النظر، ونمنع الارتجال، ونستعد قبل حصول الحاجة بمدة، لنواجهها على بينة من غير مفاجأة نضطر معها إلى حلول سريعة.
وقد يلهي الحديث المبكر بعض الدعاة في أحلام أكثر مما يلهيهم بعلاج أسس الخطوات اللاحقة، وتلك ظاهرة سلبية تقترن دائما بصفات الكسل والتراخي لم يتحرروا من تأثيرها، ولكن هذا الحديث المبكر هو عند آخرين إيجاب كله، إذ يطول التفكير فيكون الاتقان، وتطرح الاحتمالات المتعددة، فيكون الاختيار، وتتكرر جلسات الحوار فيكون نبش الركاز التجريبي وتطفو الأفكار المغمورة من بعد نسيان ولدته القناعة بالحالة الراهنة وضمور النقاش للذي ندرج عليه، كأننا نعتبره أمرًا مبتوتا فيه.
*إن ليس حديث تأسف على الماضي هذا الذي نريده، تقتل التأوهات التي تصاحبه همم أصحابها، ولكنها حاجة إلى نظرات تحليلية ناقدة، ورؤية فوقية لرصيدنا، كي نضمن التحرر من إملاء الواقع، ونجر أنفسنا من إسار الجزئيات المتكررة التي نعيشها أسبوعيا و ننظر من مكان عال إلى مدى اتساع ساحتنا، لعلنا نظفر برؤية شمولية، و ندرك حقيقة الجبهة التي ن عمل فيها دون تقليد ومجرد سماع لقول مشاع.
المثل في ذل كمثل الجيش الذي يستعرضه القائد، فالضابط لا يرى إلا فصيله وكتيبته، ولكن القائد يتجول، ليرى دقة التوزيع ودرجة المعنويات وأمور التموين وأعمال التنسيق، ثم يحلق مع أركان حربه بطائرة ليري التضاريس الأرضية وتكافؤ الجبهات.إن هذه الرؤية الفوقية من قبل مجموعة الدعاة القدماء القياديين قد تكشف أخطاء، وتحمل الرائي على اعتقاد اجتهاد جديد، وهذا يستعدي جرأة في الإشارة إلى الخطأ والقول أنه خطأ، إذ ليس العيب ليس في أن نقع في الخطأ، فإن ذلك سنة البشر، بل العيب في الإصرار عليه، ولا يوقف فوائد النقد فضول جديد لا يفقه، ولا وجود من يتجاوز الأدب ويستعمل اللفظ الخشن واللسان السليط، ويظن ظن السوء، فإن مثل هذا تركنه الجماعة جانبا، وتحجر عليه، وتبقى القافلة ماشية، والخوف غير وارد ما دام (التدارك والتكميل) يتكفل بإذابة الاجتهادات الفردية، ولنتذكر أننا تنظيم ومجموعة تربوية، ولنا آيات تعظ، وقوانين تضبط، وأعراف تعاتب ولسنا قاعة برلمان تتصارع فيه الكتل ويخاف كل عضو من جليسه، ولا هيئة أمم متضاربة المصالح تشن تحت قبتها الحروب الباردة.
*وما يطرح في (المسار) ليس خطة قيادية معينة، وإنما اجتهادات تستفز أذهان الدعاة، ورؤى تحرك فيهم التفكير لوضع أوصاف الاقتراف، وشيء مثلها، ولا يسوغ أن تبقي فينا نفسية المأمور المقلد، بل نحن أحوج إلى سمت المبتكر المبدع المتفرس، ومن أساء: زجرناه، وإلا: بترناه، إذ ليس في الوقت متسع لإطالة النفس مع ملحاح.
جوانب الاستعداد للاقتراب
مهمتان في انتظارنا: مهمة التحضير لصراعنا مع الباطل وتحديد ما يمكن فعله، وخوض الصراع نفسه، ولا ينبغي هذه الأيام إلا التماس أوصاف التحضير الأول.
*وأول مراتبه: وجوب الانعطاف نحو تحضير لتصورات الخططية للمرحلة المتقدمة، ولا نعني وضع خطة نهائية، بل تلك بنت يومها، وإنما تصورات عامة تظل تضيف لها وتحذف مع الأيام، وقد تعد شيئا ثم لا تستعمله، كقائد الحرب يدرب جميع الأصناف، من مشاة ودروع ومدفعية وطائرات وغير ذلك لكنه يوم يواجه المعركة يكون ابن يومه، ويستعمل ما يناسب المعركة من صنوف جيشه، وقد ينهي المعركة كلها بهجوم خاطف للقوة الجوية، وتتقدم الأصناف الأخرى لاستثمار الفوز فقط لا لحمل أعباء المعركة.
كذلك العمل السياسي الفكري، أمره شبيه، وقواعده مشتقة من أصول الحرب.
*فمن هذا الانعطاف: تكوين لجان وقتية لوضع دراسات تحلل تجارب الثورة الإيرانية وسلبياتها وإيجابياتها، وكيف بدأت وكيف انتهت، من خلال جرد الجرائد والمجلات الصادرة أثناءها، وبالمشافهة، وكذلك عملية الإضراب والمعارضة التي أسقطت حكم بوتو في الباكستان، والأساليب المستعملة خلال مختلف وجوه الصراع الحزبي والحكومي في السنوات العشرين الماضية في بلاد العرب والعالم الإسلامي، باستنطاق بعض دعاة معاصريها من الدعاة في كل بلد.
وتظاهر هذه النتائج أجوبة ما لا يقل عن مائة من قدماء العاملين على نحو مائة سؤال تضعها وتجمعها لجنة، فتستثير كوامن صدورهم، وتستفز حواسهم للإبانة عن مذخور أذهانهم، وتحملهم على النطق من بعد عجمة، في مقابلات كأنها جلسات تحقيق، تصطاد خلالها فلتات ألسنتهم، إذ قد لا يحسن بعضهم الكتابة، أو لا يجد لها وقتا، وقد يجيبها الواحد منهم عن بعض ما تسأل فقط ولا يستطرد، وما في ذل كبأس، بل كل جواب كنز.
ومن الممكن أن توسع هذه اللجان آفاق هذا التحضير باستلال تجارب من كتب لينين وماو، وغيرهما من الشيوعيين، ولقد كانوا ملاحدة، وابنتي تنفيذهم على أفكارهم الجاهلية في الصراع الطبقي ولكن الكثير مما فعلوه لا علاقة له بعقيدة، ويستوي فيه البشر، ويمكن اقتباسه من قبل دعاة فقهاء من حملة القرآن أصحاب مناعة ضد الشبهات.
فإذا اجتمعت هذه الموارد الثلاثة إلى أنباء يفرعها جهاز استخبارات الإسلامي لبق ذكي مبثوث: كان التصور إن شاء الله واضحا ثم مستمرا في الوضوح.
إن هذه الاستلالات والدراسات والمشافهات والأخبار المستمرة التدفق يفترض أن تستغلها لجنة تخطيط دائمية يعفي أعضاؤها من الأعمال الإدارية والتربوية إلا قليلا، وتتفرغ لوضع تصورات عديدة لمجابهة كل الاحتمالات، وبدونها ننسى الأشياء المهمة عند الحاجة لها، فإن النسيان طبيعة الإنسان، والقيادة لا تعوض عن وجوه هذه اللجنة، نظرًا لانشغالها بيوميات الدعوة ودراسة المواقف الآنية.
وما من شك في أن هذا الاستقصاء يتطلب جهودًا كبيرة، ويحجز عناصر من أذكى الدعاة عن التجميع والتربية، حتى ليظن ظان أن رصدهم للاتصال بالشباب والتبشير في أوساطهم أنفع وأجدى، وليس الأمر كذلك، إذ أن الأعمال متكاملة، والآراء جنود مجندة، أكدت تجربة البحتري دورها حتى قرن ارتباط النصر:
بمصيب مفاصل الرأي إن حِِا رب كانت آراؤه من جنِوده
ولئن كان رهط الدعاة قليلا فإن الخطط الدقيقة والآراء الصائبة تثكره، والعزمات تنمية، والنيات الصالحة تبارك فيه.
بل "نير الفكر يقود العملا" كما يقول إقبال، قيادة تتعدى مجرد الجندية له، وإنما لعمل تابع لومضة الرأي "مثل رعد بعد برق جلجلا".
*ولا بد أيضًا من انعطاف آخر في النشريات الحركية نحو تأجيج الحماسة عند حصول الاقتراب.
فإن قلوب البعض قد علاها ران وصدأ، لطول الانتظار، فمالت إلى ترف، ولفتها رهبة، ولابد من جليها بأدب حماسي ورقائق زهدية، عمدتها الحديث الصحيح وكلام الثقات، دون الضعيف والموضوع وتكلفات أهل الابتداع، فإن هذه الخطط تمنيات بعيدة لها سيماء الأحلام، وما لم تكن هناك همة عالية تقترن بتقلل من الدنيا فإن الوصول صعب، لا ننطلق لذلك من من طلق زهاد المتصوفة، بل لأن هذا العمل الجبار الذي نحن بصدده يقتضي التقلل.
وفي أنواع البذل خيار، والتمتع بالمال والطيبات حلال، ولكن النصر رهن بوجود ثلة فداء من بين الدعاة، ويكفي أن تكون مفرزة صغيرة، تسل نفسها من المباح الذي رضيه جمهور الدعاة لأنفسهم، وتطفق تتخفف، على طريقة النساك الخشن، لولا أناقة ملبسها، أو كأنها من البدو الرحل، لولا عيشها في المدن والحواضر ثم تتخفف ثانية، حتى لا يكون دون منزلتها إلا أبناء السبيل.
وقد لا يقوي على الانتساب لهذه الثلة متورط بتربية أولاد، ولك يقوى عليها شباب أحرار لم يتطأطأوا لثقل الالتزامات العائلية بعد، أو آخرون قدماء، وفوا بالتزاماتهم، وأدوا ما عليهم لأبنائهم، ومتعوا نساءهم، حتى أذن لهم أن يضعوا على عواتقهم عصا التسيار، وأن ينسوا حساب الدرهم والدينار، فهم خارجون من الأسر، وما ثم حرج عليهم في اختيار الفقر.
هكذا، بهذه النشريات، وبهؤلاء القدوات، يكون الجد، ونقطع هذا التثاقل، ونربي نموذج الداعية الهائم الراكض إلى الجنة، الذي يكون جلوسه وقيامه كله لخدمة الإسلام.
إن القدوات لاتصطنع، بل هم مفقهون يلهمهم الله الاستعلاء إلهامًا، ولكن على القيادات إذا رأت موفقا أن لا تبعثر كفاءته بإداريات، بل تنزله يعايش الشباب يعلمهم عشق الجنة، وقد يعدل إنتاج القدوة الواحدة الرفيع المستوى إنتاج رهط من المربين وأثر رزمة من الكتب المنهجية.
وتصطنع الدعوة في كل بلد شاعرًا، ممن وهب الملكة ويحتاج لصقلها بالدرس والترحال وملاقاة الرجال، فتتيح له ذلك، ولا تمتنع لمجرد هواجس باحتمال غروره عند تعضيده، إذ لو احتكم الناس إلى الهواجس لما ركب أحد طائرة، خوف السقوط، ولا بحرًا، خوف الغرق، ولكنه التوكل على الله تعالى، ولكل نتوء مقص يشذبه، أو منفوخ إبرة تثقبه.
إن شعراء الحماسة ما زال بإمكانهم أن يقوموا في أيام التحدي خاصة بدور كبير رغم ضعف الذوق الأدبي عند الناس، ويوم كان شاعر الدعوة يشهد الدنيا:
يا هذه الدنيا أصيخي واشهِِدي أنا بغير محمد لا نقتدي
كان بيته في اليوم الثاني نشيدًا تخرج كلماته من كل قلب، وشعارًا يميز كل مؤمن عن شراذم الإلحاد.
*ثم انعطاف ثالث في الثقافة نحو فقه الدعوة والناحية العملية، فقد كاد أن يحصل إشباع فكري عندنا، ولابد من استثمار الوضوح الفقهي العام بفقه في أمور الدعوة خاص، وبيان قواعد العمل الحركي، ورواية التراث التجريبي.
ودروب هذا الانعطاف أربعة:
(الأول): اكتشاف تبرير التصورات الخططية، لإقناع الدعاة بها، فإن الملامح العامة في الخطط تكاد أن تكون معروفة، ولكن ذلك غير كاف إذا القائد الذي يكفيه الإيجاز لا يعامل دعاة كلهم فقهاء، أو من أولى الألمعية، بل فيهم الذي يحتاج البديهية وعمق قناعته الأمثال، وفيهم صاحب الاستعداد الاجتهادي، الذي تدربه على نبذ التقليد بذكر الأسباب والتبريرات لما تختار، ويزداد استيعابه إذا طرحت بين يديه التعليلات والفروق والنظائر والأشباه.
إن الدعاة بحاجة إلى فقه عمل، ولا تكفي الخطة المسطورة في بنود موجزة، ولا الخلاصات الجامدة، ولا بد من ترك المنفذ يحس بمغزى الخطط وعلل الأوامر ليندفع في التنفيذ بجد، ومن الملاحظ أن تجارب الأقطار لم تدون بعد رغم كثرتها ووفرتها، وليس في أيدينا إلا كراريس قليلة في فقه الدعوة أنتجها الجهد الفردي، ولا بد من كلمات قيادية تضع كثيرا من الأمور في نصابها الصحيح، وتنفي الخلاف وتعدد التفاسير.
(الثاني): تقليب وجوه الأمر واستقصاء دقائقه من خلال بحوث جماعية تنظمها مؤتمرات صغيرة في كل منطقة وقطاع تبعث بمندوب عن كل منها إلى مؤتمر أعلى، ففي أول سنوات الدعوة لا يكون هناك خلاف في الرأي كبير، لقلة العدد، وقرب القيادة منه، ولكن التقدم المرحلي يوجد توسعا يحمل معه تعدد الآراء، و تتعقد الأمور، والقادة بشر يعتريهم النسيان أو التعب، وتلهيهم المشاكل المعاشية، والمظنون أن يأتي هذا التطبيق للشورى الإسلامية بواسطة المؤتمرات بمقترحات يغربلها التنقيح القيادي إلى خطة تفصيلية، ومن الضروري أن تدن نتائج كل مؤتمر ومحاوراته المهمة في رسالة مستقلة لتساهم في تفقيه عموم الدعاة وتوعيتهم، وتكون هذه الرسائل من جملة منهج الإعداد القيادي، مطالعة أو تدريسا.
(الثالث): الاعتماد على البحوث الميدانية، بالنزول إلى ميدان الدعاة وأنصارهم، أو ميدان عموم المصلين أو الناس كافة، وتسجيل مشكلاتهم وقيا زوايا نظرهم دون ترك تخطيطنا نابعا من مجرد التأملات النظرية أو تابعا لروايات من يدعي التجريب، إذ كم من تأمل هو بالخيال أشبه، وكم من مجرب يتفاءل بإفراط أو يجزم بالأمور في تطرف، وإذا كان البحث الميداني دقيقا في أسئلته التي يوجهها، وعلى أيدي باحثين من أولى البديهة الحاضرة وأمانة النقل والعين المبصرة التي تضيف إلى الإجابة ما يهمله المجيب: فإن البحث يأتي عندئذ كامل الأوصاف، كأنه النظر بالمايكروسكوب.
والمهم في هذا أيضًا أن اللجنة التي ستتولى البحوث الميدانية ستكون أقدر من غيرها على الاستفادة من البحوث الميدانية العامة التي تقدمها وزارت التخطيط والجامعات.
(الرابع): وضع دراسات وصفية لحاضر العالم الإسلامي، بتركيباته القومية والاجتماعية، والطائفية، والحزبية، بالإحصاء والأرقام والأسماء المهمة والتواريخ، كي نستعين بهذا الوصف في تشخيص المرض ومعرفة الدواء، ويلحق بذلك معرفة حم النفوذ الاستعماري والنفوذ اليهودي بعد الصلح، والمتعاملين معهما، وليس يطلب من كل جزء من الحركة في كل قطر أن يصف بنفسه كل العالم الإسلامي، ولكن كل جزء يعرف حاضر بلده وما حولها من بلاد تؤثر في عمله بتعاون مع الحركات الإسلامية المجاورة، إذ إن العالم مقسم إلى كتل جغرافية اجتماعية سياسية اقتصادية، فالشمال الأفريقي وحدة واحدة يهم الحركة في أي بلد منه ما يجري في البلد الآخر، ومصر والسودان وليبيا وحدة واحدة، وسرويا والأردن وفلسطين ولبنان مجتمعاتها وسياساتها متداخلة، وسوريا والعراق أجواؤهما متقاربة، والعراق والخليج مترابطان، وللسعودية تأثير فيهما وفي اليمن، ويكون ذلك مع ملاحظة انبثاث القوى المؤثرة في كل بلد في العالم كله نتيجة الهجرة، ولم يعد التأثير في بلد قاصرًا على من هم بداخله، فالتواجد المصري في الخليج والسعودية وأوروبا يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار عند معرفة عوامل التأثير داخل مصر، والتغلغل القطبي في أميركا واستراليا وبعض أوروبا يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار عند تقدير أخطارهم، وكذلك صلاتهم في مصر بالماسونية والبهائية، وبالجيش المريمي في الأردن والمارونيين، وبالتواجد النصراني في تشاد وجنوب السودان والحبشة، والتركيبة الاجتماعية في الخليج لها علاقة بإيران، والتواجد اليماني في السعودية والخليج وموانئ أوروبا له علاقة بمستقبل السياسية في اليمنيين، وقس على وقس على ذلك، فنحن نريد معرفة كل ما يهمنا في العالم من خلال تبادل المعلومات والدراسات بين القيادات مما يضعها لها الباحثون من أذكياء الدعاة في كل بلد عن بلادهم، ولا يصح أن نكتفي بهذا النزر اليسير من المعلومات التي عندنا اليوم والقائمة على الرواية والسماع والمعايشة أكثر مما هي نتاج بحوث، أو القائمة على معلومات تاريخية مستهلكة لا صلة لها بالحاضر، حتى إننا سببنا الماسونية في بضعة كتب من جون أن نكتشف أسماء أعمدة الماسونية الحاضرة في بلادنا.
أو نأوي إلى ركن شديد
وكل حركة تقترب عليها من بعد ذلك بذل جهد مكثف لتمتين وتوسيع الطبقة القيادية مع تكييف استعداداتها لتلائم حاجات المرحلة المتقدمة، إذ أن الكثير من الذين يقودون عمليتي التأسيس والانفتاح لا يصلحون لأدوار التصعيد، ولكنهم عناصر جاهزة للتدريب على أداء هذا الدور، ولابد من تجديد تربيتهم، وإكسابهم العلوم التي تنقصهم، وتبديل السمت النفسي الذي اكتسبوه من طبائع أعمال المراحل الأولى إلى ما يلائم طبائع العمل السياسي العام.
وهذا التدريب يتم بطريقتين:
(الطريق الأول): إنشاء كليات أركان الدعوة، بمدرسين ومحاضرين، من أهل البلد أو من الزوار، وفق منهج شامل، وهي شبيهة بكليات أركان الجيوش التي تعد الفرد الضابط المتوسط الرتبة ليقود، فيعلمونه طريقة عمل كل أصناف الجيش وليس صنفه فقط، ويعلمونه الناحية السياسية وتاريخ بلده يرويها له أهل الاختصاص، فقد يأتي محافظ البنك المركزي مثلا ليحاضر للضابط عن السياسة المالية للبلد، ويأتي محافظون إداريون ليحاضروا ع ن القبائل والتركيب الاجتماعي في كل محافظة، ويأتي وزير الصحة ليكلمهم عن المستشفيات، وإمكانياتهم في السلم والحرب، وكذلك يتم استقدام رئيس مهندسي كل مجمع صناعي يحدثهم عن الطاقة الإنتاجية ومشاكل الصناعة، وقد يؤتي ببعض رجال المخابرات والمباحث ليحاضروا لهم عن الأحزاب العلنية والسرية في البلد، في مئات من المحاضرات التي تبني عقلية متوازنة لدى الركن، ومتكاملة، بعد إذ كان محاربا فقط، ويخرج بمعلومات واسعة، مطلا على أفق شامل، بحيث أنه إذا قاد معركة: عرف الموقف الشعبي المحتمل، ومقدار التجاوب السياسي، وحدود تحوير الإنتاج المدني إلى إنتاج حربي، وغير ذلك.
كذلك دعاة الإسلام الذين اجتازوا مراحل البداية: لا بد من تمتين مستوياتهم بهذه الطريقة، ولكن بنطاق أضيق تفرضه المصاعب المختلفة، فيتم تأسيس كلية مصغرة لأركان الدعوة في كل بلد أو بلاد متقاربة، تتناول تدريس فقه الدعوة بتوسع، ومكونات الوعي الحركي، وتاريخ الدعوة العام، مع مواعظ ورقائق، ويشمل منهجها أيضًا الدراسات الوصفية للعالم الإسلامي، ونتائج البحوث الميدانية من بعد تدوينها في رسائل وتقارير خاصة، والخطط التفصيلية، ومحاضرات في التاريخ السياسي، وعن الأحزاب، والثورات والشخصيات الحكومية، وعرض موجز يدلي به أهل الاختصاص من الدعاة لقضايا النفط والاقتصاد والصناعة، وعرض لاتجاهات الصحافة المحلية والعالمية، وقضايا الأدب والأدباء، ومحيط الجامعات والمعامل، والجمعيات و النقابات، في مواضيع أخرى تزيد كفاية المجرب الوقور، ويقصي عنها المستعجل الذي يحب القفز إليها ويتجاوز المقادير الابتدائية الضرورية لكل داعية من العلوم القرآنية والحديثية، ومن العبادات ومكارم الأخلاق، وممارسة التجميع والتربية.
انكباب ينحني له الظهر
ومن أهم ما يميز فترة انتماء الدعاة كطلاب في كلية الأركان هو نوع من التفرغ الجزئي لهم، وتفويض غيرهم بأداء أعمالهم التنظيمية وكالة عنهم، كي يتوفر وقت كاف لمطالعات منهجية مكثفة في كافة الأبواب تنسجم مع طبيعة الدروس التي تلقي عليهم، فالسماع وحده لا يبني فكرا كاملا، ولا بد من اختيار قائمة مطالعة متنوعة من كتب التراث والكتب الحديثة، تشمل فصولا طويلة من التفاسير، ومدونات الحديث والفقه، وكتبا في التاريخ الإسلامي العام والتاريخ الحديث، وفي القانون، والمعارف العامة، ومذكرات الساسة، والتعريف الأحزاب، ومقالات متنوعة مهمة يتم تصويرها من المجلات الإسلامية والعادية، ويزود كل طالب بنسخة منها.
ولكن من أهم مطالعاتهم: مطالعة المكتبة الحركية الجديدة الخاصة التي تنتجها اللجان السياسية ولجان التخطيط على شكل تقارير عن الثورات والتحولات السياسية، والبحوث الميدانية والدراسات الوصفية التي أشرنا إليها، ومحاضر جلسات المؤتمرات، وملفات الأرشيف، والوثائق، وأمثال ذلك، فالمفروض أن هذه المكتبة تأخذ بالنمو تدريجيًا، وتحو الدراسات المحلية التي تضعها اللجان المتخصصة، مثلما تحوى الدراسات المثيلة لها المهداة من قيادات الأقطار الأخرى، والكتب النادرة، ونشريات الأحزاب، وما يمكن أن نحصل عليه من التقارير المرفوعة من السفارات إلى وزارات الخارجية، ومن أجهزة الأمن إلى وزارات الداخلية.
ونظن أن من المفيد أن ترادف هذه المطالعات مشاهدة جمهرة من الأفلام الحربية والوثائقية، والأفلام الثقافية المتخصصة، فإن مشاهدتها عن طريق الفيدوتيب توسع المدارك وتتيح مجالا للتدرب على قياس طبائع السياسة على طبائع الحروب، وبيان صلتها بالاقتصاد والجذور التاريخية لمختلف المشاكل.
ويحسن أن يكلف كل طالب بموضوع مفيد يعد فيه بحثا صالحا للتوزيع العام أو الخاص، يشبه بحوث الدكتوراه، ويفضل أن تتناول هذه البحوث أحداث التاريخ السياسي المعاصر، والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية واقتراح حل إسلامي لها، والأساليب التربوية، وفقه الدعوة، أكثر مما تتناول تفصيل جوانب شرعية في المعاملات، وربما أصبحت هذه البحوث الجيدة ضمن منهج المطالعة للدورات اللاحقة، أو قام صاحب كل بحث بإلقاء بحثه كمحاضرة اختصاصية عليهم.
تجديد سمت التعلم الأول
وما زالت تراود بعض قدماء الدعاة أحلام جميلة، نعما هي لو وجد مجال تنفيذها: أن يتم اختيار ثلاثة أو أربعة من الدعاة أصحاب شهادة الدكتوراه، في أي فن كان، في الشريعة أو القانون أو التاريخ أو علم النفس أو الأدب، وأن ينهوا دراستهم كطلاب في كلية أركان الدعوة هذه، ثم يفرغون على نفقة الدعوة ثلاث سنوات تفريغا كاملا بلا عمل مهني، وبلا واجب تنظيمي أيضًا، ويجلسون معا يوميا لساعات طويلة برياسة أمثلهم أو بين أيادي المشايخ علماء القرآن والحديث والفقه واللغة، في بلدهم أو يرحلون مجتمعين للقائهم في أرجاء العالم الإسلامي، ويقرأون في مجالسهم هذه مع أنفسهم أو بشرح المشايخ أمهات المصادر الإسلامية، حرفا حرفا، على طريقة القدماء الأولين التي انقرضت، ويبدءون بالصحيحين، وأحد تفسيرات القرآن، و ينتقلون إلى كتاب الأم للشافعي، والمدونة الكبرى، وأمثالها من كتب المذاهب، وإلى المحلي لابن حزم وموافقات الشاطبي أو أمثالهما، وإلى رسالة الشافعي وبعض كتب الأصول، وإلى بعض كتب العقائد، واللغة، والنحو، مع مطالعات شخصية مكثفة في أمهات كتب التراث الأخرى، وبذلك يجمعون بين محاسن الطريقتين القديمة والحديثة في التعلم، مع حسن ثالث أكسبهم إياه وعيهم الحركي والسياسي، ويتجدد سمت طال اشتياق الناس إليه بعد انقراض الفقهاء والمحدثين اليوم، ويكونون هم علماء الدعوة ومفتيها وناقدي طرائقها التربوية ومناهجها التعليمية، ويقومون بدور أساسي في حفظ الأصالة الشرعية والصفاء العقائدي اللذين تقوم عليهما حركتنا قبل كل شيء آخر.
إن التنظيم قد يحتاج لجهد أدني عامل، وقد يعتبر البعض تفريغ هؤلاء وتجريدهم للعلم قرارًا مفضولا، ويوجب غمسهم في يوميات العمل والتجميع وتنفيذ جوانب الخطة، ولكن الناظر لمصالح الدعوة مجتمعة يدرك التأثير القوى لوجود أمثال هؤلاء الدعاة العلماء الذين هم أشبه بالموسوعات الحية والغنم بالغرم، ولا بد من إيجادهم حتى لو اقتضى ذلك نوع تفريط ببعض المصالح.
هب أن أستاذا جامعيا شاكس داعيا وأخره عن نيل الدكتوراه مدة، أليس يرضخ الداعية ويصبر و تصبر الجماعة معه وتطيل الإذن له بالسفر؟ فلم نستكبر تأخير بتخطيطنا فيه مصلحة كبيرة؟
نعم، لا تستطيع التنظيمات الصغيرة أو الجديدة هذا التفريغ، ولكننا نخاطب التنظيمات الواسعة التي كثر دعاتها من أهل الشهادات العالية، وقد لا يوجد المال عند من يجد الأشخاص، ولكن تعاون أجزاء الحركة بالمال سائغ، وقد يغزو الغرور بعض المرشحين ويلفهم زهو وإعجاب، ولكن من يثبت على سنن الوفاء أكثر.
ومن الأوهام التي ترد في هذا الصدد أن هذا التفريغ للتعلم يتنافى مع القاعدة التربوية بالتعلم من خلال الممارسة العملية والمعاناة، ذلك أن هذه القاعدة صحيحة، ولكنها بالنسبة إلى النموذج العام الذي نريد له أن تتوازن ذخيرته الفقهية والثقافية مع الانطباعات التجريبية والفنون التطبيقية، أما هنا فنحن نتحدث عن نماذج خاصة قليلة العدد يراد لها أن تكون ضمن الواجهة الفكرية للجماعة، والعمق العلمي ضرورة لازمة لهم لأداء دورهم بنجاح، ولم يتم اختيارهم أصلا إلا من بعد سنوات طويلة، من انضمامهم إلى الجماعة، تعرضوا خلالها لهذه المعاناة المطلوبة، وتم تجريبهم، وذكر الذاكرون عنهم حسن السمت، ووفور العقل، والجدارة والنشاط.
(الطريق الثاني): محاورة القادة في قضايا الساعة، فإن القيادات اليوم، كل القيادات، ذخيرة ثمينة عزيزة مباركة، وليس سهلا أن توجد قائدًا، ولئن كان الناس مثل إبل مائة لا تجد فيها إلا راحلة، فإن القائد هو راحلة الراحل، حتى أن الجيل الكامل من الدعاة لا يبرز إلا قلائل يصلحون للقيادة، يسعة علومهم، وعمق فطنتهم، واعتدال أمزجتهم.
إن يوميات الدعوة و المشاغل الحيوية قد تلهي القادة عن تدوين تجاربهم، وبالإمكان أن نعوض عن هذا التدوين بسلسلة جلسات جماعية مع كل قائد يدل فيها بآرائه، ويجيب عن أسئلة السائلين، وفقا لبرنامج موضوعي معد سلفا، ولا يكفي أبدًأ ارتجال هذه المحاورات عند الزيارات العريضة الفجائية التي تكون في الأصل لغرض آخر، بل لا بد من موعد يضرب قبل مدة كافية يتم خلال انتظاره تهيؤ نفسي عند القائد للعطاء، وعند السامع المحاور للنقاش.
إن هناك علما تجريبيا جما في قلوب كثير من القادة والدعاة القدماء لم يدون بعد، ومن الممكن أن تنتج هذه المجالس معهم دراسات ثمينة لعلنا لا نحصل عليها بالاستكتاب.
نعم، هناك أثر سلبي يصاحب هذه المحاورات، يتمثل في الاجتهادات التي يطرحها كل قائد مخالفا بها آراء الآخرين، أو في عدم إحاطته بالظروف المحلية التي تدعو إلى ضد ما اقتنع به، ولكن هذا الإشكال يمكن حله بوجود نقاد يردون الإغراب والتطرف إن وجدا.
ظل خارجي.. يحقق أماني الظلال
ومن الواجب أيضًا أن تساير هذه العناية بكفاءة الأجهزة التنظيمية الداخلية للجماعة عناية أخرى بالأجهزة التي يراد لها ممارسة العلاقات الخارجية الإدارية والسياسية، ببناء حكومة ظل، كالتي عند الأحزاب الغربية، ولكن بمعنى أوسع يشمل إعداد الخبراء من ذوي المستوي التخصصي العالي الذين يصلحون لإدارة أكبر الإدارات والمرافق الاقتصادية والصناعية، وأكثرها تعقيدا وسعة.
*وما من شك، في أن الدراسات العليا التي تمنح شهادات الدكتوراه تعتبر الباب العريض الذي يمكن أن تدخله الجماعة لإعداد هؤلاء الخبراء، ولذلك لا يصح أبدًا أن تتحكم بأمانينا وزارات الدولة التي تشرف على اختيار طلاب البعوث، فتظلم وتنحاز لغيرنا، ولا أن يتحكم بالقابليات غني أصحابها أو فقرهم، بل يجب أن تبعث الجماعة بعوثها على نفقتها إن عجز الدعاة عن تدبير بعثات لهم على نفقة الحكومة أو نفقة أولياء أمورهم العائلية وتبعث في كل اختصاص عددًا من الدعاة، بحيث لو ترك الدعوة أحدهم غرورًا أو افتتانا، أو خسرته الدعوة لسبب آخر: كان هناك من يعوض عنه فثلاثة أو أربعة لدراسة الاقتصاد، إذا مات منهم سيد قام سيد، كما يقول الشاعر، وآخرين للإحاطة بقضايا النفط، وعددًا للتخصص في أنواع القوانين الدولية والدستورية والمدنية، وغيرهم للإدارة بأنواعها، وللعلوم السياسية، وغير ذلك.
*ويظاهر هؤلاء خبراء من بلاد أخرى تتضاءل أمامهم في بلدهم فرص العمل، وآخرون، لعلهم كثرة، مبثوثون في الغرب، من المهاجرين السياسيين، وممن ألجأتهم أنواع الضرورات للعيش هناك، وكثير منهم يمكنهم الرجوع إلى بلاد يقل فيها الظلم، ليندمجوا مع أهلها وأجوائها تدريجيًا، وليكتسبوا خبرة محلية تمكنهم من المشاركة في العطاء على درجة سواء مع الدعاة المختصين الخبراء من أهل ذلك البلد، دون أن تعتريهم دهشة المفاجأة إذا تأخر اكتشافنا لضرورة الاستعانة بهم.
*إلا أن عددًا أوفر، أهم منزلة وتأثيرًا، يمكن أن يدوروا في هذا الفلك، من خلال جرد الأجهزة الحكومية الحالية، وانتقاء جمهرة من الموظفين الشباب، يتحلون مع الخبرة والنجاح الوظيفي بالستر والأمانة والعفة والجد واحترام الدعوة، وإن كانوا دون مستوى الانخراط في سلكها حاضرا ولاحقا، إلا أن يشاء الله، ثم نباشر تمتين علاقاتنا الإنسانية العامة معهم، وتحسين الصلة بهم، وتزويدهم بصحفنا وكتبنا، و تعريفهم على غاياتنا ونظراتنا، ونثير فيهم الحمية الإيمانية العامة، ليصلحوا أن يكونوا أعوانا لنا، إن أبينا ربطهم بنا، لعيوب، أو أبو، لخوف.
ومن الخطأ تأجيل الاتصال بمثل هؤلاء وقصر الجهود على الاتصال بمن يرجح احتمال قبوله العضوية معنا، لأن تأخير التعرف عليهم من قبلنا يفسح مجالا لغيرنا لحيازتهم، إذ أنهم خامات لا يجيدون تمييز الباطل، وربما لبثوا دون ارتباط بأحد غيرنا، لكنهم يختلفون معنا بعد هنيهة من بداية التعاون، لانعدام التعايش الطويل بيننا وبينهم، إذ أن هذا التعايش هو الكفيل بتفهيمهم أنماط تفكيرنا ومقاصدنا وموازيننا.
نافذة التفاؤل
فما ندري بعد، أنحن من الصادقين مع أنفسنا، أم نحن من المخادعين؟ وكل امرئ فقيه نفسه، إلا أن حسن الظن واجب، ورحمة لله واسعة، تنتشل الكسول من تسويف، وتلهم الساذج بعد المتاه.
وقد يكون ذكر مثل هذه المعاني مهلكة للبعض، ممن يتجاوزون أدوارهم، فيلتهون بترديدها، ويعافون العمل، حتى تغدو لهم مثل سراب كاذب، لكنها توعية وإرشاد للمتواضع الدائب.
وليس بمستبعد أن يسبب ذكرها خطرًا يكيد به عدو متربص، ولكن الخطورة الكبرى تكمن في أن بعض أجزاء الدعوة اليوم في بعض البلاد تنظر إلى ساحة العمل من خلال ثقب صغير في جدار قديم، فتبدوا الصورة لها صغيرة مهزوزة، وعليها أن تسرع الاستدراك، وأن تطل من خلال نافذة شورية واسعة في ذروة قلاع راسخة مجدة البناء.
ولربما يفترض العدو انطباق واقعنا على هذا الكلام الطويل العريض، ويظن حجمنا كبيرًا ضخمًا، أضخم مما هو في الحقيقة فيزيد من كيدة وتضييقه، وينسي أنها مجرد تمنيات داعية لذعته برودة بعض الدعاة، إلا أن الضيق الأشد ضغطًا هو بقاء جمهور الدعاة دون مثل هذه الإطلالة الراجية.