الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المرأة بين الفقه والقانون
المؤلف: مصطفى السباعي
التصنيف: قضايا الشباب
 

محتويات الكتاب

في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - محاولات لمنع التعدد أو تقييده

المهم أن هذه الصرخات كان لها صداها فيما بعد في نفوس المخلصين من رجال التشريع، واستغلها بعد ذلك المبشرون والمستعمرون والمتزلفون اليهم، فقاموا بحملات مركزة بغية حمل الحكومات الاسلامية على اصدار تشريع يمنع تعدد الزوجات أو يقيده تقييدا يشبه إلغاءه.

 

في مصر:

يحكي لنا العلامة الجليل الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه "محاضرات في عقد الزواج وآثاره" (ص 127) أنه بعد نحو من عشرين سنة من وفاة الاستاذ الإمام وجدت مقترحات تتضمن تقييد تعدد الزواج قضائياً بقيدين وهما: العدالة بين الزوجات، والقدرة على الانفاق، وكان ذلك في اللجنة التي ألفت في أكتوبر 1926 إذ قدمت مشروعاً مشتملاً على ذلك، ولكن بعد الفحص والتمحيص والمجاوبات المختلفة بين رجال الفقه ورجال الشورى، رأى أولياء الأمر العدول عن ذلك، وجاء المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 خالياً منه. وفي سنة 1943 همت وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية أن تنشر المقبور، لأن وزيرها إذ ذاك ظن أنه يصلح للحياة، ولكنه عدل وشيكا عما هم به فكان له بذلك فضل. ثم جاء من بعد ذلك وزير آخر، وجعل من أعظم ما يعنى به هذه المسألة، فأعاد نشر ذلك الدفين، وهمّ بأن يقدمه لدار النيابة ليأخذ سيره ولكنه بعد أن خطا بعذ الخطوات، ونبه الى ما فيه من خطر اجتماعي – وممن كتب في ذلك الأستاذ أبو زهرة نفسه في مجلة القانون والإقتصاد في العددين الأول والثاني للسنة الخامسة عشرة – أعاده الى حيث كان. وبعد أن طبع الأستاذ أبو زهرة كتابه هذا، أعيد الجدل مرة أخرى في العام الماضي – 1961 – على صفحات الصحف، وقد أيدت عناصر مختلفة منع التعدد أو وضع قيود له، وعارضه علماء الاسلام وعلى رأسهم العلامة الشيخ أبو زهرة معارضة قوية. ومن الطريف أن رئيس تحرير مجلة كبرى في القاهرة – آخر ساعة – وهو الأستاذ محمد التابعي كتب مقالاً مدعماً بالاحصاءات الرسمية عن تركيا وكيف أن منع التعدد قانوناً لم يمنع الشعب التركي من التعدد فعلا، وقد انتهى فيه الى أن أي تشريع يمنع التعدد سيلقى الفشل الذي لقيه قانون منع التعدد في تركيا، وقد نقلت احدى الصحف اليومية الكبرى – الاخبار – هذا المقال برمته في شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي على ما أذكر.

 

في تونس

أما في تونس فقد صدر قانون يمنع التعدد تماماً وفرض عقوبة على من يتزوج أكثر من واحدة. ومن المعروف عن الحاكم هناك أنه غربي النزعة والثقافة والاتجاه. وقد كان لقرار منع التعدد صدى مختلف الأثر، ففي الأوساط الاسلامية والعلمية كان له صدى مؤسف بالغ الدلالة على الاتجاه الفكري الذي تساق اليه تونس في عهدها الاستقلالي، وفي الأوساط الاستعمارية والنسائية كان له صدى مستحب حيث نعت هذا الاجراء بأنه خطوة تقدمية في سبيل تحرير المرأة التونسية!

 

في الباكستان

وقد جاءت أنباء الباكستان أخيرا تفيد بأن رئيس جمهوريتها السيد أيوب خان أصدر قانونا – بصفته الحاكم  العسكري – يضع قيودا شديدة جدا للزواج بأكثر من واحدة، منها أن يعرض ذلك على مجلس عائلي، وأن يدفع مبلغاً ضخماً من المال، الى غير ذلك مما لا نستطيع الافاضة فيه لأننا لم نطلع على نص القانون كما هو، وإنما وافتنا أنباء الصحف بمعلومات مقتضبة موجزة جداً عنه. وقد قوبل هذا القانون في الباكستان في الأوساط العالمية الاسلامية وفي الأوساط الشعبية بالسخط والاستنكار، كما قوبل من السيدات المثقفات ثقافة اجنبية وأمثالهن من المثقفين كذلك باستحسان وسرور، وقد أيدته الصحف الاستعمارية والأوساط التبشيرية وأثنت عليه كثيراً. أما في سورية فقد جاء في قانون الأحوال الشخصية الذي صدر بتاريخ 17/09/1953 ما يلي في باب الأهلية: وهذا كما نرى تقييد للتعدد بقيد واحد، وهو قدرة المتزوج بواحدة على الانفاق على الزوجة الأخرى، وان للقاضي أن "لا يأذن" بهذا العقد إذا تحقق عدم القدرة المالية. وهذا النص صريح في أنه عند عدم القدرة تكون سلطة القاضي في عدم الاذن فقط، ولم يتعرض القانون لعدم صحة العقد، وذلك يدل على أن العقد صحيح تترتب عليه آثاره الشرعية وهذا يتفق مع الأحكام الفقهية المجمع عليها، ولكن صاحب العقد يتعرض للعقوبات المالية كأي عقد من عقود الزواج لا يسجل في المحكمة الشرعية.

 

مناقشة للمنع

نريد أن نذكر أمراً واحداً قبل الدخول في مناقشة هذه المحاولات وهي أنه لا توجد في العالم الاسلامي الآن مشكلة تعرف بمشكلة تعدد الزوجات، فالاحصاءات التي تنشر عن الزواج والطلاق في البلاد العربية الاسلامية تدل على أن نسبة المتزوجين بأكثر من واحدة نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تبلغ الواحد بالألف. والسبب في ذلك واضح، وهو تطور الحياة الاجتماعية، وارتفاع مستوى المعيشة. وازدياد نفقات الأولاد في معيشتم وتعليمهم والعناية بصحتهم. يضاف الى ذلك أن الزوج لم يعد متفرغاً – كما كان من قبل – لشؤون الأسرة ومشكلاتها، فهو مع زوجة واحدة وأولاده منها لا يكاد يتفرغ تفرغاً كافياً للاشراف على شؤونهم والقيام بواجباتهم، فكيف يضيف الى هذا أعباء جديدة ومشاكل جديدة؟ ثم إن التعدد كان يقع غالباً في الريف، في الأسر الغنية رجاء أن يكون لرب الأسرة أولاد يكفون لزراعة أراضيه والقيام على شؤونها، وقد كان الأولاد يرضون أن يقيموا في الريف مع أبيهم على جهلهم أو على شيء قليل من العلم. أما الآن فقد انتشر التعليم ولم يعد ابن القرية الذكي الطموح ليرضى أن يظل مزارعاً طيلة حياته مهما غلّت له ارضه عن غلات، بل يريد أن يتعلم ويدخل الجامعة ويتوظف ويقيم في المدينة، ولهذا كثرت هجرة أبناء القرى الى المدن هجرة تقلق بال الباحثين الاجتماعيين. ويضاف الى هذا قوانين الاصلاح الزراعي التي أخذت تحدد الملكية الزراعية بما لا يترك في أيدي المالكين أراضي شاسعة كما كان الأمر من قبل. كل هذه العوامل وغيرها من انتشار الوعي الاجتماعي والصحي والحضاري أدى الى انخفاض نسبة تعدد الزوجات، وسينخفض كلما ازدادت هذه العوامل رسوخاً في مجتمعنا، فليس التعدد عندنا الآن من الأهمية بالمكان الذي تثار من أجله كل هذه الضجة، اللهم الا من راغبين في الشهرة بأنهم تقدميون.. وانهم متحررون. وهي لا تكلفهم الا بضع كلمات في مقالة، أو سطرا واحدا في قانون يصدرونه حين يكونون في الحكم. ومن أجل هذا لا نرى فيما فعلته تونس والباكستان وتحاول أن تفعله بضع البلدان الأخرى إلا مجرد استرضاء للغربيين اثباتاً لتحرر هؤلاء المسؤولين من سيطرة عقائدهم وتراثهم عليهم، وهو في الوقت ذاته دليل تهافت الشخصية، واحتقار الذات، وترام على اقدام المتعصبين الغربيين لاستجلاب عطفهم وثنائهم وثناء صحفهم ومبشريهم ومستشرقيهم على حساب امتنا وكرامتنا وديننا. إنني لست أخشى من انتشار تعدد الزوجات أو بقاء نسبته كما هي، بقدر ما أخشى انعدامه في مجتمعنا الاسلامي. ذلك أن من الملاحظ اعراض الشباب عن الزواج، ورغبة المتزوجين في عدم الاكثار من النسل، وهذا يؤدي في المستقبل الى عدم تكاثرنا بالنسبة للأمم الأخرى، وبخاصة للأمم المجاورة لنا، وفيها أمم تناصينا العداء، وتزيدنا اضعافا مضاعفة في السكان أو دولة – كاسرائيل – تحاول بكل جهدها أن تزيد من عدد سكانها بإغراء اليهود على الهجرة اليها وتخشى كل الخشية من زيادة سكان البلاد العربية لها وبخاصة مصر التي يقدر أنها في نصف قرن سيبلغ تعداد سكانها خمسين مليونا. وهذا ما يرعب اسرائيل والاستعمار. فعوضاً عن التفكير في تشجيع الزواج وتكثير النسل بأية طريقة مشروعة، نحاول أن نعمل بأيدينا على انقاص عددنا مأخوذين بأكثر النظريات الخاطئة التي يشيعها الغربيون – عن سوء نية أو حسن نية – هي من فوائد تحديد النسل، ومضار التعدد، والخطر الذي سيدهم العالم يوما ما نتيجة تكاثر السكان، وهو خطر المجاعة...

ان الغربيين قد يقولون هذا صادقين بالنسبة الى رقعة ارضهم وعدد سكانها، ولكننا نحن العرب، نحن المسلمين، نسكن مساحات شاسعة من الأرض، لم نستثمر من خيراتها حتى الآن إلا الأقل الأقل مما تحتويه. فلو استثمر استثماراً علمياً فنياً لاتسعت لأضعاف عدد سكانها الآن.. فالتهديد بخطر المجاعة من تكاثر السكان.. لست أدري بماذا أصفه – على قلة خبرتي في هذا الموضوع – ولكني أحس احساساً عميقاً بأن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يقال لنا، وان جهات استعمارية أو صهيونية تروجه، ولا ينبغي لنا أن نصغي اليه قبل أن نستنفذ كل امكانيات ارضنا الطيبة الخيرة الغنية... اننا في سورية مثلاً نشكو من قلة السكان بالنسبة لأراضينا الواسعة الشاسعة التي لم تستثمر بعد، فهل يجوز التفكير بمنع تعدد الزوجات، والتعدد يمدنا حتما باعداد من الأيدي العاملة لا يمنحنا اياها نظام الزوجة الواحدة! وأعتقد أن ما يقال عن بلادنا في سورية يقال عن كثير من بلادنا في غيرها فقد أعلن مدير البنك الدولي أن ثروات العراق تكفي لأن يعيش فيها سبعون مليونا في مستوى من العيش لا يقل عن أمريكا هذا مع العلم بأن عدد سكان العراق حالياً سبعة ملايين فقط.... فالتسرع في سن التشريعات التي تؤدي الى اضرار بالغة في مستقبل الأمة عدديا أو عسكريا أو وطنيا أو غير ذلك، تسرع فهو في مصلحة خصومنا الذين لهم مؤسسات علمية خفية منبثة لا يشعر بها كثير من المسؤولين. فليتقوا الله فإن المؤامرات كثيرة، والأعداء ايقاظ، والحيل واسعة، والخداع محكم، والمتنبهين قليلون.

 

مناقشة التقييد:

ليست هنالك قيود يمكن أن توضع لتعدد الزوجات وهي مستقاة من الشريعة إلا قيدين اثنين:

القيد الأول: العدل بين الزوجات، وهذا كما رأينا شرط صريح في القرآن لإباحة التعدد، لا لصحته، باجماع العلماء، وقد مر بنا قول الاستاذ الامام محمد عبده في ذلك. فلو جعل شرطاً قانونياً لسماح القاضي بالزواج بامرأة ثانية لمن عنده زوجة واحدة، كيف يمكن للقاضي أن يتحقق من ذلك؟ هل للعدل أمارات سابقة؟ هل يمكن أن يثبت ذلك بالشهادة؟ هل يكتفي فيه بيمين الزوج أنه سيعدل؟ هل هو مما تجري فيه الفراسة؟ وهل يكون القضاء بالفراسة؟ هل يسأل القاضي أقرباء الزوج وأصدقاءه عن خلق الزوج في العدالة وعدمها؟ وهل يمكن أن يحكم القاضي بشهادتهم في ذلك؟ ثم كيف يمكن أن نمنع عقداً لمحظور لم يوجد بعد! ولا سبيل الى التحقيق من وجوده في المستقبل؟ نحن مع الأستاذ الجليل أبي زهرة في أن العدل الذي جعل شرطاً دينياً لا يمكن أن يجعل شرطاً قانونياً يتوقف عليه السماح بالتعدد أو عدمه[1].

القيد الثاني: القدرة على الانفاق على الثانية مع الأولى والقدرة على الانفاق على أولاده منهما أو منهن. وقد قلت إن هذا الشرط يستفاد ضمناً من قوله تعالى {ذلك أدنى ألا تعولوا} على تفسيرها بألا تكثر عيالكم كما ذهب الى ذلك الشافعي رحمه الله. ويستفاد أيضاً منه اشتراط العدالة، فان الذي لا يستطيع الانفاق على زوجتيه وعلى أولاده منهما لا بد له من أن ينفق على احداهما دون الأخرى، فتنتفي بذلك العدالة المشروطة ديناً، ولا بد له من أن يهمل الانفاق على بعض أولاده وهذا تفريط يحال بينه وبين أسبابه. ان هذا الشرط ممكن، ويستطيع القاضي أن يتأكد منه، بالسؤال عن قدرته المالية، ومعرفة دخله وإيراده، فاذا وجده قادراً على الانفاق على زوجتيه وأولادهما لم يكن هنالك مانع من السماح له باجراء هذا العقد. ونحن في هذا نخالف الاستاذ الجليل أبا زهرة في ادعائه بأنه شرط لا يمكن التحقق منه كالعدالة، فالواقع أن هناك فرقاً واضحاً بينهما، ذلك أن العدالة أمر معنوي مغيب لا يعرف إلا عند المعاملة، أما القدرة المالية فهي أمر مادي يمكمن أن تعرف حالاً، ولها أدلة تثبتها بكل سهولة، ودعوى الاستاذ أبي زهرة بأنه لم يؤثر عن النبي وصحابته أنهم تحروا في القدرة على الانفاق يجاب بأن المعيشة في عصورهم كانت بسيطة، وكانت الأرزاق على الأولاد وغيرهم جارية فلا خوف من الضياع. ونرى في هذا الشرط منعاً لاساءة استعمال التعدد في بعض حالاته، حين يقدم بعض الناس على التزوج بأكثر من واحدة، لشهوة عارمة، أو رغبة في التفكه أو الانتقام من زوجته الأولى، وهو غير قادر على الانفاق على البيتين معاً، فتضيع الزوجتان، ويهمل الأولاد، وتتشرد الأسرة. إن مثل هذه الحالة سفه محض، وتستطيع الدولة أن تمنعها دون أن تقف مكتوفة الأيدي، كما تتدخل في أمر كل سفيه فتحد من تصرفاته، وتمنع عنه وعن غيره الضرر والأذى. وبعد هذه المناقشة أرى أن موقف القانون السوري هو أعدل المواقف وأحكمها وقد وقف في ذلك موقفاً وسطاص بين المانعين، وفي ذلك ما فيه من العدوان على شريعة الله والتضييق على مصلحة الأمة وبعض الأفراد، وبين المطلقين الذين يمنعون أي قيد فيه، وفي هذا ما فيه من فسح المجال لبعض السفهاء باستعمال هذا الحق في غير موضعه، فتضيع الزوجات والأولاد. ولست أرى الذهاب الى أبعد من ذلك في هذا الموضوع، والعناية بالتربية الدينية وتنمية الوعي الاجتماعي كفيلان بحسن استعمال هذا الحق حين يستعمل عند الضرورة، دون إضرار بالمجتمع أو اساءة الى وحدة الأسرة وتماسكها. إنني أنا شخصياً ممن لا يفكر في الزواج إلا بزوجة واحدة، وقد قلت في بعض ما كتبت[2]:

"أقوى الناس على تحمل المتاعب من يتزوج اثنتين، وأسرع الناس الى الهلاك من يتزوج ثلاثاً، وأقرب الناس على الجنون من يتزوج أربعاً، وليس في اباحة الله لنا ذلك، ما يحملنا على التعرض للمتاعب من غير ضرورة ملجئة". وشريعة الله حين أباحت التعدد إنما تركت الباب مفتوحاً لمعالجة الضرورات الفردية والاجتماعية ولم ترغب في ذلك ولم تنفر، لأن طبيعة الانسان تغني عن الترغيب او التنفير من ذلك، ففي فطرة كل انسان ان لا يتحمل طائعاً مختاراً إلا زوجة واحدة، وان لا يهدأ ولا يستقر إلا بذلك، ولكن التشريع الخالد ما وجد فيه الناس جميعاً حاجاتهم، وما وجدت فيه الأمم طلباتها في مختلف ظروفها وأحوالها.

فليس في ترك التعدد مباحاً كما هو في الشريعة ترغيب للناس في ذلك، وهذا هو الواقع المشاهد، ولكن في تضييقه أو منعه حيلولة دون معالجة مشكلات خاصة تجد علاجها في التعدد، ومنع الأمة في ظرف من الظروف الطارئة من حل مشكلة من مشكلاتها لا علاج لها إلا بالتعدد، والتشريع الحكيم هو الذي يترك الباب مفتوحاً لمعالجة المشاكل ولا يوصد الباب دونها. إذا كانت بعض الأمم تفكر في الاستفادة من نظام التعدد عندنا لمعالجة أخطر مشكلاتها الاجتماعية بعد الحرب، أفلسنا نحن معرضين لمثل ما  تعرضت له هذه الأمم؟ ألسنا نتهيأ – حكومات وشعوبا – لخوض معارك طاحنة مع اسرائيل، ونحن نعلم أننا لن نخوضها مع اسرائيل وحدها، وقد لا نخوضها نحن وحدنا، فالحرب المقبلة ربما كانت أخطر حروب تخوضها أمتنا في تاريخها الطويل، إنها ستكون أخطر من معاركنا مع التتار، ومن معاركنا مع الصليبيين، ومن معاركنا مع الفرس والروم، وأنا لا أشك أن أمتنا بعد هذه الحروب أو في هذه الحروب، ستجد في نظام التعدد أكبر عون لها على بقائها صامدة في المعركة، تمدها بقوافل المجاهدين عشرات فعشرات، وتعوض بعد الحرب ما أفنته الحرب من شباب ورجال.. لست أقول هذا خيالاً، إنني أرى بوادره منذ الآن، وليس من الحكمة أن نضع أيدينا على أعيننا لئلا نرى الحقائق.

 

أرى خلل الرماد وميض نار                    ويوشك أن يكون لها ضرام

 

ومن ناحية أخرى نرى اسرائيل تحاول أن تحشر في الأرض المحتلة من فلسطين – على ضيق رقعتها – عشرات الملايين. وهي غير حاسبة لمشكلة معيشة هذه الملايين حسابا، مع أن امكانياتها الزراعية ضيقة. بل كل همها أن تكثر من تعداد سكانها، ضاربة بعضر الحائط كل ما يقال عن وجوب تحديد النسل احتياطاً لمعيشة سكان الأرض، حيث يرى بعض خبراء التغذية أن الأرض ستصبح في يوم ما عاجزة عن تأمين القوت لسكان كوكبنا الأرضي.. إنها وهي ذات الرقعة الضيقة والموارد الزراعية المحدودة لا تهتم إلا بحشر أكثر عدد ممكن فيها من يهود العالم لأغراض سياسية عدوانية... فكيف نستجيز لأنفسنا – نحن سكان البلاد العربية خاصة – أن نخدع بالنظريات التي يروجها علماء من اليهود أنفسهم، حول وجوب تحديد النسل، مع أن أراضينا واسعة، تتسع لعشرة أضعاف سكانها الحاليين – حتى مصر يقال إن مشكلة تكاثر السكان فيها يحتم التفكير في منع تعدد الزوجات والأخذ بمبدأ تحديد النسل – اذا استخدمت ثرواتها الطبيعية الظاهرة والدفينة، وحشدت كل طاقات امكانياتها البشرية والفكرية، وأقيمت الصناعات المختلفة ما بين مدنية وعسكرية. ومثل ذلك يقال عن باكستان بالنسبة لجارتها الهند التي يبلغ سكانها خمسة أضعاف سكان باكستان أو أكثر، وهي في مشكلات مع الهند لا يؤمن معها يوماً أن تقع الحرب بينهما. فأية جريمة هذه التي يحاول المسؤولون فيها أن يضعوا عراقيل تؤدي الى منع تعدد الزوجات بدلاً من أن يفكروا في الوسائل التي تؤدي الى كثرة سكانها مع رفع مستواهم المعيشي؟ وليس ذلك بمستحيل إذا صدقت العزائم واستخدم العلم في تنمية الثروة القومية. وأرى أن أختم هذا البحث بكلمة قيمة للأستاذ العقاد. قال في كتابه "المرأة في القرآن الكريم (ص 137):

وحسب الشريعة أن تقيم الحدود، وتوضح الخطة المثلى بين الاختيار والاضطرار، وأما ما عدا ذلك من التصرف بين الناس، فشأنه شأن جميع المباحات التي يحسن الناس وضعها في مواضعها، أو يسيئون العمل والفهم فيها، على حسب أحوال الأمم والمجتمعات من الارتقاء والهبوط، وعلى المعرفة والجهل، ومن الصلاح والفساد، ومن الرخاء والشدة، ومن وسائل المعيشة على التعميم. فالمباحات الاجتماعية والفردية كثيرة تأذن بها الشريعة، ولكنها لا تأخذ بأيدي الناس ليحسنوا تناولها والتصرف فيها، فليس أكثر من الطعام المباح، وليس أكثر من اضرار الطعام بمن يستبيحونه على غير وجهه، وبالزيادة أو النقص في مقداره، وبالخلط بين ما يصلح منه للسليم، وما يصلح منه للمريض، وما يطيب منه في موعد، ولا يطيب في موعد سواه، وإنه لمن الشطط على الشرائع – وعلى الناس – أن ننتظر من الشارع حكماً قاطعاً في كل حالة من هذه الحالات، لأن الضرر من فرضها على من يتولاها بغير بصيرة، أوهم وأعظم من تركها للتجربة والاختيار. إن الممنوع من تعدد الزوجات لا حيلة فيه للمجتمع إلا بنقض بناء الزواج، وإهدار حرماته جهرة أو في الخفاء... أما المباح من تعدد الزوجات، فالمجتمعات موفورة الحيلة في اصلاح عيوبه على حسب أحوالها الكثيرة من أدبية ومادية، ومن اعتدال أو اختلال في تكوين أسرها وعائلاتها وسائر طبقاتها. فالتربية المهذبة كفيلة بالعلاقة الصالحة بين الزوج والزوجة، فلا يحمد الزوج نفسه علاقة بينه وبين امرأته لا تقوم على العطف المتبادل والمودة الصريحة، والمعاونة الثابتة في تدبير الأسرة، ولا يتهيأ له جو البيت على المثال الذي يرتضيه مع زوجتين تدعوه الى الجمع بينهما داعية من دواعي الأثرة والانقياد للنزوات. وقد ينشأ المانع لتعدد الزوجات في حالتي الغنى والفقر على السواء. فالغني يستطيع ان ينفق على بيوت كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يجد غنياً مثله يعطيه بنته، ليجمع بيناه وبين ضرة تنازعها، ولو اعتزلتها في معيشة أخرى، وقد يشق عليه أن ينفق على الزوجات الغنيات بما تتطلبه هذه النفقة من السعة والاسراف، وإذا وجد النساء الفقيرات فلعلها حالة لا تحسب إذ ذاك من أحوال الاضطرار بالنسبة لمن  يقبلن عليها من الزوجات. والفقير قد يحتاج الى كثرة النساء والأبناء لمعاونته على العمل – ولا سيما العمل الزراعي – ولكنه يهاب العالة، ويحجم عما يجهده من تحصيل النفقة والمأوى. والمجتمع يحق له أن يشترط الكفاية في الزوج لتربية أبنائه، ويتوخى لذلك دستورا يحافظ على حرية الرجال والنساء، ولا يخل بحقوقهم في التراضي على الزواج متى اتفقت رغبتهم عليه، وليس من العسير تسويغ ذلك الدستور من جانب المجتمع، لأن الأزواج المقصرين يجنون عليه، ويحملونه تبعات كل كفالة للأبناء، يعجز عنها الآباء والأمهات. ومن حسنات السماح بتعدد الزوجات عند الضرورة، أن يكون ذريعة من ذرائع المجتمع لدفع غوائل العيلة والفاقة عند اختلال النسبة العددية بين الجنسين، فاذا كان هذا العارض من العوارض التي يخطر لرجل في علم "ليبون" أنه يستلزم القوانين لتداركه، فليس افتراضه في الشريعة باطلا يقضي عليه بالعبث في جميع الظروف، ويحق للمجتمع أن يرجع اليه في تقدير تلك الظروف، فلا تصطدم عقائد الدين ودواعي المصلحة بين جيل وجيل" 1. هِ.

وأخيراً فإنني أعلن بكل صراحة أنني من أعداء منع تعدد الزوجات تشريعاً وقانوناً، أو وضع العقبات في طريقه، وإن كنت من أنصار وحدة الزوجية في حياتي الشخصية. ولا غرابة في ذلك ولا تناقض، فإن الانسان العاقل يختار الحياة الأفضل، والمتشرع الحكيم يختار لأمته القانون الأشمل. فأنا لا أدعو الى أن يعدد كل متزوج الآن زوجاته، ولكنني أدعو جعل مبدأ التعدد مسموحاً به من غير قيود – ما عدا قيود القدرة على الانفاق – ليستطيع من تلجؤه ظروفه الخاصة الى التعدد، ولتستطيع الأمة في حالة الحروب والأزمات التي يقل فيها الرجال ويكثر النساء أن تستفيد من تشريع التعدد بما يسد به نقص الرجال، وتكفل به حياة النساء، ويحال بينهن وبين التشرد والتسكع، وإغواء المتزوجين، وإغراء غير المتزوجين. وبذلك تحفظ كرامتهن، ويصان المجتمع من كثرة الفواحش وازدياد الأولاد غير الشرعيين كما يقع الآن تماماً في أوروبا. فقد أصبحت مشكلة تكاثر الأولاد غير الشرعيين مشكلة اجتماعية وإنسانية حملت كثيراً من المفكرين عندهم على أن ينادوا بوجوب الاعتراف بهؤلاء وإلحاقهم بآبائهم وأن يكون لهم في القانون حقوق الأولاد الشرعيين.. ولو أنهم أباحوا التعدد لما وصلوا الى هذه الحالة.

***



[1]  انظر محاضرات في عقد الزواج وانحلاله: 129.

[2]  من كتاب "هكذا علمتني الحياة".

|السابق| [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error