الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المرأة بين الفقه والقانون
المؤلف: مصطفى السباعي
التصنيف: قضايا الشباب
 

محتويات الكتاب

في الأحوال الشخصية - في الزواج

          من المعلوم أن أحكام الأسرة عندنا كانت تؤخذ من مذهب أبي حنيفة رحمه الله  خلال مئات السنين، وكذلك كان الحال في لبنان والأردن ومصر والعراق، كما كانت تؤخذ من مذهب مالك في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وكانت تؤخذ من الشافعي في الحجاز وبعض البلاد الأخرى، وتؤخذ من مذهب أحمد في السعودية والكويت وأمارات الخليج العربي. وحين تخاصم الناس فيما بينهم ويتحاكمون الى فقيه من فقهاء الشريعة. كان كل فقيه يفتي بمذهبه الذي يتمذهب به. ولا شك في أن كل مذهب قد يحتوي من الأحكام ما لا يتفق مع مصالح الأسرة، وبخاصة بعد تطور الحضارة والعادات والتقاليد، لذلك بدأت الدولة العثمانية في أواخر عهدها باصلاح ما تراه ضرورياً من أحكام القضاء في شؤون الأسرة، فأصدرت في عام 1336 هِ قانون حقوق العائلة الذي أخذ بعض أحكامه من آراء في المذهب الحنفي نفسه، ومن آراء من المذاهب الاجتهادية الأخرى، كما أخذت مصر تسن في بعض مسائل الأحوال الشخصية قوانين تأخذ فيها بآراء غير المذهب الحنفي، فصدر في عام 1920 القانون رقم 25، وفي عام 1929 القانون رقم 15، كما صدر في عام 1943 القانون رقم 77 وهو المتضمن لأحكام المواريث، وصدر في عام 1946 القانون رقم 71 وهو المتضمن لأحكام الوصية كلها.

وقد صدر في سورية عام 1951 قانون الأحوال الشخصية شامل لأحكام الزواج وانحلاله، والأهلية والوصية والمواريث. وقد أخذت بعض أحكامه من آراء المذاهب الاجتهادية غير المذهب الحنفي، ونص في آخر مادة منه (المادة 308) على أنه في الحالات التي لا يوجد عليها نص في القانون يعمل فيها بمذهب أبي حنيفة. وكذلك صدر في كل من الأردن وتونس والمغرب والعراق قوانين جديدة تنظم أحكام الأسرة من المذاهب السائدة فيها. وقد تضمنت بعض هذه القوانين أحكاماً جديدة في أحكام الأحوال الشخصية كالمواريث تخالف أحكام الشريعة صراحة. ومما تميز به قوانين الأحوال الشخصية التي صدرت حديثاً في البلاد العربية أنها أزالت كثيراً من الشكوى التي كان يشكو منها الناس نتيجة التقيد بمذهب معين كما كان العمل عليه في المحاكم الشرعية، مع أنه ليس لذلك سند من شريعة أو مصلحة. وسأقتصر في بحثي هذا على أهم الاصلاحات التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية السوري ومثله في القوانين المصرية، ولعل مثله جاء في القوانين العربية الأخرى.

 

1- في الزواج

 

1-    منع زواج الصغار دون سن البلوغ

ذهبت الآراء الاجتهادية في المذاهب الأربعة وغيرها الى صحة زواج الصغار ممن هم دون سن البلوغ، واستندوا في ذلك الى اجتهادات من نصوص القرآن الكريم، وإلى وقائع حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. وخالفهم في ذلك عدد قليل من الفقهاء منهم ابن شبرمة والبتي، فذهبوا الى عدم صحة زواج الصغار مطلقاً، وأن العقد الذي يعقده أولياؤهم نيابة عنهم يعتبر باطلاً لا يترتب عليه أثر ما. ولا شك في أن حكمة التشريع من الزواج يؤيد هذا الرأي، وليس للصغار مصلحة في هذا العقد، بل قد يكون فيه محض الضرر لهم، إذ يجد كل من الفتى والفتاة نفسه بعد البلوغ مجبراً على الزواج بشخص لم يؤخذ رأيه في اختياره، وقد لا يتفق معه في المزاج والأخلاق والطباع وقد يكون احدهما سيء الأخلاق، الى غير ذلك مما يقع كثيراً.

والذي يحمل الناس – وخاصة في الريف – على اجراء مثل هذه العقود رغبة الوليين -  وقد يكونان أخوين في ربط أسرتيهما  برباط المصاهرة لمصلحة عائلية أو مادية أو شخصية، ومثل هذه المصالح لا يقيم لها الشرع وزنا، ولم تعد في حياتنا الحاضرة محل اعتبار بالنسبة للسعادة الزوجية، ووجوب الاحتياط لكل ما قد يؤدي بها الى الضعف أو التفكك. لقد كان الأمر قديماً في مجتمعنا أن الفتاة لا رأي لها في اختيار الزوج، بل أبوها يزوجها بمن يريد أو تريد أمها، وما دام كذلك فمن السهل عليهم أن يزوجوها وهي صغيرة فاذا كبرت وجدت نفسها ملزمة بهذا الزواج لا تستطيع أن تبدي عليه اعتراضاً، وإلا كان نصيبها التأنيب والاهانة وقد يصل الأمر الى القتل اذا أصرت على الرفض والامتناع. وهذا أمر لا تقره الشريعة. ولا تبيحه مصلحة الأسرة والمجتمع وفيه عدوان صارخ على حق الفتى والفتاة في اختيار كل منهما من يشاء لبناء حياته الزوجية المرتقبة. وقد أيدت التجارب فساد مثل هذا النوع من الزواج وفشله وكثيراً ما ينتهي بجرائم خلقية أو عدوانية. ومن هنا أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري بمبدأ عدم صحة زواج الصغار، وأن أحداً لا يملك تزويجهم ولياً كان أم وصياً، وإن كان ذلك كان لغواً لا أثر له. وقد اقتضى قانوننا في ذلك إثر قانون حقوق العائلة العثماني. أما قانون مصر فقد منع سماع دعوى الزوجية في مثل هذه الحالة، ومعنى ذلك أن العقد صحيح ولكن المحكمة الشرعية لا يمكنها تسجيله، ولعل عذرهم في ذلك واقع الريف المصري، فان زواج الصغار منتشر جداً، فأرادوا احترام الأوضاع الاجتماعية القائمة، واعتبروا عدم سماع الدعوى في هذا الزواج خطوة أولى في طريق إيقافه. والذي نراه أن ما فعله قانوننا أصح وأحزم.

 

2-    تحديد سن الزواج

ليس في الفقه الاسلامي تحديد لسن الزواج، بل أحكامه العامة قاضية ببلوغ الرشد حين البلوغ الجنسي فعلاً، أو تقديراً بخمس عشرة سنة ولكن قانون الأحوال الشخصية جعل سن الأهلية الكاملة للزواج ثمانية عشر عاماً للفتى، وسبعة عشر عاماً للفتاة، وأجاز القانون للفتى اذا بلغ خمسة عشر عاماً، وللفتاة اذا بلغت ثلاثة عشر عاماً، وأرادا الزواج، أن يتقدما بطلب الى القاضي للاذن لهما بعقد الزواج. فاذا وجد القاضي أن جسميهما يحتملان الزواج ووافق الأب أو الجد فقط على ذلك، يسمح لهما بالزواج وإلا فلا. وليس لهذا التحديد مستند من آراء الفقهاء الاسلاميين، ولكنه أخذ عن القوانين الغربية، وللغربيين بيئتهم وأوضاعهم الخاصة، غير أني لا أرى هذا التحديد متفقاً مع مرحلة البلوغ الجنسي لكل من الفتى والفتاة في بلادنا، ولا يتفق مع المصلحة الأخلاقية العامة، فيجب أن يسمح بالزواج منذ البلوغ الجنسي، والفتى والفتاة وأولياؤهما أدرى بالمصلحة متى تكون في الزواج، أهو بمجرد البلوغ أم بانتظار سنوات بعد ذلك، وتدخل القانون في هذا الموضوع لا معنى له، بعد أن فتح الباب بالسماح بالزواج بمجرد البلوغ الجنسي ولكن عن طريق اقتناع بأن جسم الفتى أو الفتاة يحتمل الزواج!.. كأن القاضي أغير على مصلحة الفتى والفتاة منهما أو من أوليائهما!

على أني لم أجد فائدة لتدخل القاضي في هذا الموضوع، فالآباء الراغبون في زواج بناتهم قبل بلوغهم سن الزواج القانوني يلتمسون من الحيل ما يفسد احتياط القانون لذلك، ومن أهم هذه الحيل أن يعرضوا على القاضي أو مندوبه شقيقة الفتاة الكبرى، أو بنت عمها، أو احدى قريباتها أو احدى جاراتها على أنها هي التي يراد زواجها، فيوافق القاضي... فما فائدة هذا التدخل؟ ولم ندخل القاضي في مثل هذه المشاكل؟

إن عصرنا عصرñ وعى الناس لمشكلاته تماماً، فالفتاة تعرف مشكلات الزواج ومتاعبه، فلا توافق أولياءها على الزواج إلا وهي مقتنعة بأن مصلحتها فيه، وكذلك أولياؤها يعرفون متاعب الزواج المبكر جداً، فاذا رغبوا في زواج فتاتهم بعد بلوغها بسنوات قلائل كان ذلك عندهم أنه في مصلحتها.

قد يقال: إن بعض الآباء يرغمون بناتهم على الزواج وهن في سن مبكرة رغبة في منافع مادية يؤملونها. والجواب على هذا بأن مذهب أبي حنيفة – وهو الذي أخذ به في قانون الأحوال الشخصية – أن الفتاة متى كبرت لا يستطيع أبوها أو أولياؤها إجبارها على قبول الزواج، بل لابد من رضاها، وفي هذا ضمانة كافية لمنع تسرع الآباء في تزويج فتياتهم رغبة في منافع مادية.

 

الزواج المبكر

إنني من أنصار الزواج المبكر نسبياً، فالزواج المبكر أحفظ لأخلاق الشباب، وأدعى الى شعورهم بالمسؤولية. وهو أفضل لصحة الزوجين، وللزوجة بصورة خاصة. وقد ثبت علمياً – كما أيده الدكتور فيكتور بوجومولتز في كتابه "من الجلد الى الذهن" وترجم أخيراً بعنوان "عش شاباً طول حياتك" – ان انجاب الأطفال شيء مهم جداً في حياة المرأة من كل ناحية، ولم يقرر أحد من المختصين أن تعب البنية من كثرة الولادة قاض عليها، ويقول (ص 68):

"إن من المؤكد أن عملية الحمل والولادة عامل حيوي جداً في نشاط بنية المرأة، ولست أميل الى القول بأن المرأة تتعرض لتقصير حياتها بافراطها في انجاب الذرية، فكلنا نعرف نساء أنجبن كثيراً من الأولاد، وعمرن طويلاً جداً".

"اذا رجعنا الى أمثلة معينة بين من نعرف فربما بدت لنا القوة التناسلية دليلا على حيوية خارقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك. فلاح روسي اسمه "فيودور فاسيليان" يبلغ من العمر خمساً وسبعين، وقد أنجب ثلاثة وثمانين طفلاً من زوجتين متعاقبتين، فقد ولد له من الأولى أربعة توائم، أربع مرات متتالية، وثلاثة توائم، أربع مرات متتالية أيضاً، وتوأمان ست عشر مرة، وولد من من زوجته الثانية الحالية ثلاثة توائم مرتين، وتوأمان ست مرات، وخمسة أطفال فرادى".

ثم يقول هذا الطبيب: ولكن مثل هذه الحالات لا تعتبر تفسيراً مقنعاً في نظر العلم، وإن المقطوع به أو الولادة مفيدة عموماً لبنية المرأة، وقد لاحظ العلامة "ألكس كاريل" أن الاناث من ذوات الثدي قد لا تصل الى غاية نموها إلا بعد الحمل مرة أو أكثر، فالحمل عند المرأة من عوامل توازنها الحيوي، أما تكاليفه من المتاعب فلما يصاحبه من ظروف عارضة، ولهذا يعتبر الطب الظاهري الحياة الجنسية والتناسلية على أعظم جانب من الأهمية لدى المرأة، ويميل الى تشجيع النشاط الجنسي (المشروع لمصلحة أعضائها واستدامة شبابها واطالة عمرها).

وأريد بهذه المناسبة أن أتحدث عن تأخر الشباب والشابات وبخاصة الطلاب والطالبات – في الزواج الى الوقت الذي يضمنون فيه مستقبلهم بعد تخرجهم، وهذه ظاهرة خطيرة أدت الى مساوئ اجتماعية لا عداد لها. إن الزواج اذا يسرت وسائله وقضي على التقاليد السيئة فيه يصبح أمراً عادياً جداً، فالطالب الذي ينفق عليه أبوه يستطيع أن يضم اليه زوجة في نفس الغرفة التي يسكن فيها دون أن يرهق والده. ويجب أن نفرق بين الزواج وبين انجاب الأولاد، فقد أصبح من الممكن علمياً الآن إيقاف إنجاب الأولاد الى الوقت الذي يصبح فيه الزوجان قادرين على الانفاق على الأولاد. والمهم أن تبكير شبابنا وشاباتنا في الزواج يعصم أخلاقهم من الانحراف، ويهدئ أعصابهم، ويقيهم أخطار الانفعالات النفسية ذات الأثر الضار في دراستهم واتجهاههم السلوكي في الحياة. وقد جاءتنا الأنباء بأن زواج الطلاب بالطالبات في جامعات أمريكا قد أصبح "الموضة" المنتشرة بينهم، وبلغ عدد المتزوجين من الطلاب والطالبات في إحدى الجامعات الأمريكية الكبرى أربعين في المائة، وجاءت الأخبار من إنجلترا بأن هذه "الموضة" قد سرت الى جامعاتها أيضاً، ويؤيد عدد من أساتذة الجامعات في أوروبا وأمريكا هذا الاتجاه الجديد بين الطلاب والطالبات، وقد صرح البروفسور هاردن أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد بأن الزواج المبكر لا يضر كما يعتقد البعض، وخاصة بين طلاب وطالبات الجامعة. إن الظاهرة التي يشاهدها الناس في الجامعات هي ظاهرة طبيعية وجد مفيدة، فالطالب المتزوج يدرك قيمة مستقبله (جريدة الوحدة الدمشقية) 5/11/1961.

إنني كأستاذ جامعي وكمتزوج أشجع وأدعو طلابنا وطالباتنا الى الزواج بعضهم من بعض، وأنا كفيل لهم بحياة سعيدة هانئة، وذلك يقتضي شبابنا وفتياتنا أن يبدؤا بأنفسهم بالثورة على التقاليد السيئة التي ترافق الزواج وتجعله عبئاً مالياً ثقيلاً، وحسب الفتاة أن تقول لأبيها وأمها إنني أرضى بالزواج في غرفة شاب يقيم مع أسرته إلى أن يتيسر له الانفراد بسكن مستقل، وحسب الشاب أن يفعل ذلك، ومتى بدأ به بعض أفراد منهم أصبح أمراً مألوفاً يحتذيه اخوانهم من بعدهم. ولا بد لي من التوجه أيضاً الى الجمعيات النسائية بأن تحمل لواء الدعوة في الأوساط النسائية الى نبذ تلك التقاليد التي نشكو منها جميعاً، وان تحاربها في اجتماعاتها ونشراتها وندواتها بكل ما وسعها الجهد، فذلك خير عمل تقدمه لجيلنا وللأجيال الآتية من بعده. إن جيلنا المثقف جدير بأن يضرب أول معول في بناء هذه التقاليد الضارة...

 

3-    منع الفرق الكبير في السن بين الزوجين

في المجتمع الواعي الذي يقدر القيم الأخلاقية والمعاني الاجتماعية النبيلة، يترك التشريع لابنائه تقدير الظروف والمناسبات التي يباح فيها الشيء أو يمتنع مما يختلف باختلاف الدواعي والأسباب. ومن ذلك أن الشريعة الاسلامية اكتفت ببيان الحكمة من الزواج وبيان غاياته الاجتماعية النبيلة: من كونه سبباً لسكن النفس واطمئنانها، وقيامها بواجباتها وبناء خلية اجتماعية صالحة تمد المجتمع بنسل صالح قوي عامل. ولم تضع حداً لفارق السن بين الزوجين، فذلك مما تتنبه له العقول السليمة وتعيه الارادة الحكيمة، والناس في هذا مختلفون، فكم من متقدم في السن أكثر قدرة على القيام بواجباته الزوجية، وأكثر استعداداً لاسعاد زوجته وملء بيتها رغداً وهناءاً من كثير من الشباب. إلا أن بعض الناس قد تعميهم المصلحة العاجلة عن الضرر الآجل وتهمهم مصالح أنفسهم قبل مصالح أبنائهم وذويهم، وقد يرون في الثروة والجاه وسيله للسعادة دون الفتوة والقوة والشباب، فيقدمون على تزويج بناتهم من شيوخ يعجزون عن القيام بواجباتهم الزوجية، ويستحيل أن تكون حياة الفتاة معهم حياة قلب وروح، بل حياة أشباح تتهاوى، وقبور تفتح لتستقبل أصحابها. مثل هؤلاء يسيئون الى بناتهم بالغ الاساءة، والشريعة وإن لم تنص بصراحة على منعهم من هذا العمل إلا أن روحها وأهدافها التي أعلنتها من شرع الزواج تمنعهم منه وتشنع عليهم صنيعه. وقد نص بعض الفقهاء على حرمة ذلك، قال القليوبي في حاشيته على المنهاج: ويصح أن يزوج بنته الصغيرة بهؤلاء (عجوز وأعمى) وإن حرم عليه، قال الجمهور: (انظر: 3/230). فأنت ترى أنهم فرقوا بين صحة العقد وبين حرمته، فالعقد وإن كان صحيحاً، فيه حرمة اتفق عليها الجمهور، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بتعبير آخر يجوز قضاء ويحرم ديانة. وكثير من الناس لا يردعهم القول بحرمة الشيء عن اتيانه ماداموا يرونه صحيحاً، ولذلك كثر في الأيام الأخيرة تزويج فتيات في مقتبل العمر طمعاً في ثروة الأزواج وجاههم ووراثة ممتلكاتهم، ومن المؤسف أن الفتيات أنفسهن قد يكن راغبات بهذا الزواج للبواعث ذاتها، وهذه البواعث غير كريمة في نظر الخلق ولا مرضية في نظر الشريعة، ومثل هذا الزواج لا يعصم الزواج الفتاة ولا يحقق لها الهناء والاستقرار لذلك وجب أن يتدخل المشرع في منعه، عملاً بالسياسة الشرعية، فلولي الأمر منع المباح اذا نشأت عنه مفسدة، فكيف اذا كان حراماً؟ وبذلك أخذ قانوننا في وجوب تقارب الزوجين في العمر، ونص على أنه اذا كان الفارق كبيرا ولا مصلحة في هذا الزواج فللقاضي أن لا يأذن به. ونعم ما فعل. غير أن القانون لم يحدد للفارق سناً معينة، وقد جرت محاكمنا الشرعية على اعتبار الفارق المسموح به ما كان دون العشرين عاما، فان زاد على ذلك كان غير مسموح به، وقد يكون هذا مقبولاً على وجه العموم.

 

4-    منع تحكم الولي في الزواج:

لا تزال التقاليد في مجتمعنا – وبخاصة في الريف – تكاد تسلب الفتاة حريتها في اختيار الزوج، والأغلب أن يفرض عليها من يريده الأب، أو ترضاه الأم وهي بواقعها كفتاة عذراء تستحي أن تبدي رأيها، وبواقع المجتمع الذي تعيش فيه لا يحق لها أن تعترض على ارادة أبيها وأوليائها وكثيراً ما أخفق الزواج في مثل هذه الحالات، وجر وراءه مآسي كثيرة.

ولي لهذا سند صريح من الشريعة، إلا أن بعض المذاهب الاجتهادية ذهبت الى أن الأب يستطيع اجبار فتاته البكر – دون الثيب – على الزواج ويستحب له أن يأخذ رأيها. وخالف في ذلك أبو حنيفة رحمه الله ومن وافقه، فقالوا: ليس للأب ولا لغيره من الأولياء اجبار البنت البكر البالغة على الزواج، ويجب على الأب أو الأولياء استئمارها في الزواج، فان وافقت عليه صح العقد وإلا فلا. وقد كان العمل – ولا يزال – في المحاكم الشرعية جارياً على الأخذ برأي أبي حنيفة، فلم يكن للأب أو الأولياء سبيل إلى اعنات الفتاة واجبارها على الزواج بمن لا تريد. غير أن أبا حنيفة ومن معه يرون من حق الأولياء الاعتراض على رغبة الفتاة في الزواج بمن تحب عن طريق الادعاء بأمرين:

الأول: عدم كفاءة الزوج، وللكفاءة عند أبي حنيفة وغيره مقاييس من الحسب والمهنة ومكانة الآباء والجدود والغنى وغير ذلك مما يفتح المجال واسعاً أمام الأولياء الجاهلين للتحكم في زواج بناتهم إذا لم يوافقوا على مكانة عائلة الخاطب وثروته وغير ذلك.

الثاني: عدم مهر المثل، فاذا زوجت الفتاة نفسها بأقل من مهر مثلها كان لأبيها أو لأوليائها فسخ العقد لأنه مما تلحقهم فيه المعرة.

ولا شك أن تطور الحياة الاجتماعية يقتضي تغيير النظرة الى هذه المسألة تغييراً أساسياً، ولذلك عالجها قانوننا للأحوال الشخصية معالجة موفقة. فمن حيث الكفاءة أقر القانون اشتراط الكفاءة بين الزوجين، هذا من حيث المبدأ لضمان سعادتها وتفاهمهما، ولكنه ترك تحديد الكفاءة الى عرف البلد الذي يجري فيه العقد، وهذا إجراء حكيم مرن يمكن تطبيقه في كل وقت بما يكفل هناءة الأسرة. وجعل القانون من حق الأب الذي تزوجت فتاته في سن الزواج القانوني بغير رضاه أن يعترض لدى القاضي بعدم الكفاءة فحسب، فان تحقق القاضي عدم الكفاءة فسخ العقد وإلا أجراه. وبهذا حال القانون دون تعنت الآباء أو الأولياء في زواج فتياتهم. وبقي في القانون مشكلة على مذهب أبي حنيفة، وهي ما إذا عقدت فتاة في السادسة عشرة من عمرها زواجاً من كفءٍ ولم يوافق أبوها على ذلك، فان هذا العقد لا يستطيع القاضي إجراءه بحسب نصوص القانون، وهو صحيح على مذهب أبي حنيفة قولاً واحداً. أما مهر المثل فقد ألغى القانون اعتباره تماماً، ولم يجعل للأب حق الاعتراض بسببه، وقد أحسن القانون في ذلك صنعاً، فان المهر في الاسلام رمز لاكرام المرأة والرغبة في الاقتران بها، والتعيير بنقصانه صنيع البيئات الجاهلة التي تغفل الحكمة من مقاصد الزواج وحكمة المهر فيه، ومثل هذا لا يقيم له الاسلام وزناً، وبذلك قال الأئمة المجتهدون غير أبي حنيفة.

 

5-    الشروط في عقد الزواج

قد تكون للزوجة مصلحة في اشتراط أمر معين في عقد الزواج، فما هو موقف الشريعة حينئذ؟

إن الشريعة تنظر الى مصالح الناس بلا ريب، وتسعى الى تحقيق ما لا يتنافى منها مع مقاصد الشريعة أو مبادئ النظام العام، أو مصلحة الجماعة بوجه عام. وللفقهاء مسالك معروفة في الشروط في العقود، ما بين متشددين في عدم السماح بها إلا في نطاق ضيق، وما بين متسامحين في قبول كل شرط إلا ما خالف مبادئ الشريعة وأنظمتها، وهؤلاء هم الحنابلة، ولكل مذهب ادلته التي استند اليها في تحديد الشروط التي يقبلها أو يرفضها. أما في عقد الزواج فالاجماع منعقد على أن كل شرط فيه يخالف نظامه الأساسي يعتبر لغوا وباطلاً، وذلك كاشتراط أن لا تدخل في طاعته، أو أن لا ينفق عليها. واختلفوا فيما وراء ذلك، والذي عليه فقهاء الحنفية وهو الذي كان معمولاً به في المحاكم الشرعية عندنا قبل صدور قانون الأحوال الشخصية عام 1951 أن كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائم نظامه، ولم يرد نص خاص بجوازه، وليس مما جرى به العرف، فهو شرط فاسد، بمعنى أن العقد صحيح والشرط لاغ لا قيمة له ولو تراضيا عليه في العقد. وعلى هذا فلو اشترطت عليه أن لا يسافر بها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها صح العقد ولغا الشرط، وله بعد ذلك أن يسافر بها، وأن يتزوج عليها، وإن كان الأولى أن يفي بما ارتضاه عند العقد، لأن الله رغب في الوفاء بالعهود والمواثيق. لقد كان ينشأ من تطبيق هذا المبدأ ضرر بالغ بالمرأة، وتغزير خطير بها فهي ما أقدمت على العقد إلا بناء على ما اشترطته فيه لمصلحتها، وقد قبل الزوج بذلك، فعدم وفائه بعدئذ بالشرط الذي اتفقا عليه إخلاف لما وعد به الزوج به، وتغرير منه. لذلك عالج قانون الأحوال الشخصية هذا الموضوع بما يحفظ حقوق الزوجة، ويمنع الزوج من التغرير بها، فاختار مبدأ الحنابلة أساساً في قبول الشروط، ولكنه قسمها تقسيماً جديداً توخى فيه مصلحة الزوج والزوجة على السواء. فقد قسم القانون الشروط الى ثلاثة أقسام:

1-     شروط باطلة لا يحق الوفاء بها، ويكون العقد معها صحيحاً، وذلك بأن يقيد عقد الزواج بشرط ينافي نظامه الشرعي، كاشتراط عدم المهر، أو انفاق الزوجة على الزوج، أو بشرط ينافي مقاصده الشرعية، كاشتراط الاستمتاع الزوجي، أو أن يلتزم فيه ما هو محظور شرعاً، كاشتراط المرأة أن تسافر وحدها. فهذا النوع من الشروط باطل، والعقد صحيح، ولا يجوز الوفاء بالشرط وقد قدمنا أن هذا حكم متفق عليه في المذاهب الاجتهادية، ولا نعلم فيه خلافاً.

2-     شروط صحيحة يلزم الزوج بالوفاء بها، بمعنى أن القضاء يجبر الزوج على تنفيذها، وهي الشروط التي تكون فيها مصلحة مشروعة للزوجة، ولا تمس حقوق غيرها، ولا تقيد حرية الزوج في أعماله الخاصة المشروعة، كأن لا يسافر بها، أو أن لا ينقلها من دار أبيها أو بلدها، فهذا الشرط صحيح ولا يستطيع الزوج أن يسافر بزوجته، فان أصر على السفر بها منعه القاضي من ذلك. وهذا مأخوذ من مذهب أحمد رحمه الله.

3-     شروط صحيحة، ولكنها غير ملزمة للزوج بمعنى أن القضاء لا يجبر الزوج على تنفيذها، وذلك في الحالتين التاليتين:

أ-      أن تشترط الزوجة في عقد الزواج ما فيه تقييد لحرية الزوج في أعماله الخاصة المشروعة، كأن تشترط عليه أن لا يسافر، أو لا يتوظف، أو لا يشتغل في السياسة! أو لا يتزوج عليها.

ب-   أن تشترط ما يمس حقوق غيرها، كاشتراطها أن يطلق زوجته الأخرى.

فالشرط في مثل هاتين الحالتين شرط صحيح، ولكن لا يلزم الزوج الوفاء بسلطة القضاء، فاذا لم يف كان للزوجة طلب فسخ النكاح. وهذا متفق مع مذهب أحمد رحمه الله أيضاً، الا في اشتراط تطليق الضره، فان للحنابلة رأيين: أحدهما يقول بجوازه، والآخر، لا. ومن هنا تبين أن القانون قد أعطى الزوجة حق اشتراط ما تشاء من الشروط التي لا تنافي نظام عقد الزواج، وأن هذه الشروط منها ما تستطيع ان تجبر الزوج على تنفيذه بسلطان القضاء، ومنها ما يعطيها الحق بطلب فسخ النكاح اذا نكل الزوج عن الوفاء به. وبهذا رفع غبن كبير عن المرأة كانت تئن تحت وطأته بسبب التقيد بمذهب أبي حنيفة قبل صدور القانون.

غير أن الحق فسح المجال كثيراً أمام شروط الزوجة قد يعود بالضرر البالغ على الزوج، خذ لذلك مثلاً: اشتراطها أن لا يسافر بها من بلدها، ان الزوج قد يجد نفسه مضطراً للسفر، كأن يكون موظفاً صدر الأمر بنقله الى بلد آخر، فاذا أصرت الزوجة على عدم السفر معه، لم يكن أمامه إلا أن يتركها تعيش وحدها، ويعيش هو وحده، وفي هذا من تشتت للأسرة، وتعرض الحياة الزوجية لعدم الاستقامة، وإما أن يضطر الى طلاقها، وفي هذا خراب بيته، وانهيار حياته الزوجية، وتعريضه لهزات عنيفة ليس من اليسير تلافيها... إني أرى اعادة النظر في مثل هذه الشروط بحيث لا يعنت الزوج، ولا تعنت الزوجة، والحياة الزوجية ليست شركة مادية يحاول كل طرف فيها أن ينال أكبر كسب ممكن، بل هي شركة معنوية، لا بد أن يتنازل فيها كل واحد للآخر عن بعض حقه. حتى يتم الوئام والانسجام والاستقرار.

بقيت هنا نقطتان لا بد من الاشارة اليهما:

الأولى: أن فقهاء الحنفية يقررون أنه اذا اشترطت الزوجة في العقد جعل حق الطلاق بيدها بحيث تطلق نفسها متى شاءت، فان هذا شرط محترم، ويكون من حقها أن تطلق نفسها في أي وقت تريد، وهم يحرّجونه لا على أنه من قبيل الشرط حتى يكون فاسداً كما هي قاعدتهم، بل على أن الزوج قد ملّكها حقاً يملكه بعد العقد متى يشاء، فله أن يعجل بتمليكها هذا الحق عند العقد. وليس في هذا ما ينافي القواعد العامة.

الثانية: أن قانون حقوق العائلة قد نص على أن الزوجة اذا اشترطت أن لا يتزوج عليها، واذا تزوج كانت هي أو ضرتها طالقة، فالعقد صحيح والشرط معتبر (المادة 38) وهذا ليس من قبيل الشروط الفاسدة، بل هو من قبيل تعليق الطلاق بشرط، وهو صحيح كما اذا قال لها: إن ذهبت الى مكان كذا فأنت طالق. ثم ذهبت فالطلاق واقع قولاً واحداً.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإستشراق والمستشرقون 

مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا 

المرأة بين الفقه والقانون 

نظام السلم والحرب في الإسلام 

السيرة النبوية دروس وعبر 

هكذا علمتني الحياة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca