الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المرأة بين الفقه والقانون
المؤلف: مصطفى السباعي
التصنيف: قضايا الشباب
 

محتويات الكتاب

في الأحوال الشخصية - في الطلاق - الاصلاحات التشريعية في الطلاق

وإنني سأستعرض بإيجاز أهم ما احتواه قانوننا للأحوال الشخصية، وهو في ذلك متفق مع قوانين مصر في كثير من هذه الأحكام. وينفرد عنها بأحكام جديدة.

1-    جعل الطلاق رجعياً

جعل الطلاق كله رجعياً إلا في الحالات الآتية:

أ-      الطلاق الثالث فإنه يقع بائناً فوراً.

ب-   الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة.

ت-   الطلاق على مال وهو الخلع أو المخالعة.

ث-   التفريق للعلل الجنسية.

ج-   التفريق للشقاق بين الزوجين.

وقد كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة من أن ألفاظ الكناية والطلاق المقترن بما يفيد التشديد فيه وغير ذلك يعتبر طلاقاً بائناً، فكان إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام يقع الطلاق بائناً ولا يمكن للزوج مراجعة زوجته في العدة. ولكن المذاهب الأخرى لا تذهب الى هذا التضييق، ولذلك ذهب قانوننا الى أن كل طلاق يقع رجعياً إلا ما ذكرناه، وفي هذا اصلاح كبير، فإنه يترك الفرصة خلال العدة لمراجعة الزوج من غير أن يحتاج الى عقد ومهر جديدين.

 

2-    الطلاق الثلاث بلفظة واحدة

جعل الطلاق الثلاث بلفظة واحدة إلا طلقة واحدة، وقد كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة وتؤيده المذاهب الثلاثة الأخرى الى أن الطلاق الثالث يقع ثلاثاً مرة واحدة، وكانت تقع نتيجة لذلك من المشكلات والحيل واللجوء الى "المحلل" ما يندى له الجبين. ولكن قانوننا أخذ برأي بعض الصحابة والتابعين وبعض أتباع المذاهب الاجتهادية الأخرى كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. ومذهب الامامية على الراجح عندهم من أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة. وأنا لا أريد الخوض في مناقشة الأدلة التي يوردها الطرفان حول هذا الموضوع، ولكنني ألفت النظر الى أن آيات الطلاق في القرآن تشير الى أن جعل الطلقات ثلاثاً إنما هو لفسح المجال لعودة الصفاء بين الزوجين بعد الطلقة الأولى والطلقة الثانية، ويكاد يكون النص القرآني صريحاً في ذلك. يقول الله تعالى: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ثم يقول بعد ذلك: {فإن طلقها (أي للمرة الثالثة) فلا تحل من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}. فهو هنا صريح في أن الطلاق على مراحل، تقع الطلقة الأولى فاما أن يمسكها بمعروف أي يراجعها وإما أن يسرحها بإحسان، فإذا راجعها ثم طلقها للمرة الثانية كان عليه أيضاً أن يراجعها وإما أن يسرحها بإحسان. فإذا طلقها للمرة الثالثة لم تعد تحل له حتى تتزوج غيره.

هذا هو نظام الطلاق بصراحة في القرآن الكريم، فكيف يتأتى تطبيق هذا النظام فيما لو طلقت الزوجة طلاقاً بائناً بينونة كبرى بمجرد أن يطلقها زوجها ثلاثاً بلفظ واحد في مجلس واحد وفي ثانية واحدة؟ ثم إن الله تعالى يقول في سورة الطلاق {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}. فهذه الآيات صريحة في أن الطلاق يجب فيه التأني، وأن المطلقة يجب أن تعتد في بيت الزوجية ولا تخرج منه احتمال أن يحدث الله بعد ذلك أمراً، أي احتمال أن يعود الصفاء إلى قلب الزوجين فيعودا الى حياة الزوجية، فاذا انتهت العدة فاما أن يمسك الرجل مطلقته أي يعيدها اليه كزوجة، وإما أن يفارقها، وقد أخبر الله في هذه الآيات أن من لم يتقيد بهذه الحدود فقد ظلم نفسه. فهل يمكن تطبيق ذلك في الطلاق الثلاث بلفظ واحد إذا أنفذناه ثلاثاً فبانت منه زوجته بينونة كبرى؟ هل هناك أمل بأن يحدث الله أمراً؟ هل يمكنه أن يمسكها بعد ذلك بالمعروف؟ وإذا رجعنا الى آية الظهار نجد أن الله أمر من ظاهر امرأته – بأن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي – أن يتربص أربعة أشهر فلعله يعود إليها ويرجع عما انتواه من هجرها وطلاقها، فاذا انتهت الشهور الأربعة، وقع الطلاق إما بنفس الظهار أو بلفظ جديد على خلاف بين الفقهاء. الذي نستنتجه من مجموع هذه النصوص أن الله لم يشرع الطلاق لبيت الحياة الزوجية بتاً نهائياً، وإنما جعله على مراحل، وترك بين كل مرحلة وأخرى فرصة للمراجعة والمصالحة.. وهذا لا يتأتى مع إنفاذ الثلاث بلفظة واحدة. إن قانوننا أحسن صنعاً بالأخذ بهذا الرأي – كما أخذ بذلك من قبل قانون مصر – وخلصنا من مشكلة التحليل والمحلل وما يلابسها من مخازٍ ومخجلات....

 

3-    طلاق السكران والمكره والمدهوش

الأصل في صحة التصرفات كلها اكتمال الأهلية وذلك بالعقل والبلوغ، وتمام ذلك بالرضى، وعلى ذلك كان مقتضى القواعد العامة أن لا يقع طلاق السكران ولا المكره، أما السكران فلفقدان التمييز والعقل حين تلفظ بالطلاق، وأما المكره فلفقدان الرضى منه. ولكن مذهب أبي حنيفة صحة طلاق السكران، ويرى ذلك من قبيل العقوبة له على سكره، فيكون إيقاع طلاقه رادعاً له عن السكر، ولكن الواقع أن هذا الحكم لم يردع السكارى عن سكرهم، وأن هذه العقوبة جاءت على رأس الزوجة المسكينة التي ربما كان طلاقها لأنها أنبت زوجها السكران على سكره، فعاجلها بالطلاق، لذلك كان الصحيح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من عدم صحة طلاقه. وهذا ما أخذ به قانوننا. وأما المكره فقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم صحة طلاقه أيضاً، لفقدان الرضى منه، ولكن أبا حنيفة خالفهم فأجاز طلاقه، وقد أخذ القانون بما ذهب اليه الأئمة الثلاثة. وأما المدهوش وهو الغضبان الذي فقد تمييزه من شدة الغضب أو المرض أوغيرهما حتى أصبح لا يعي ما يقول، فقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى صحة طلاقه، ولكن أبا حنيفة ذهب الى عدم صحته، وهذا هو المعقول وهو الذي أخذ به القانون.

 

4-    اليمين بالطلاق

كان العمل في المحاكم  على أن من حلف على امرأته بالطلاق أن لا تفعل شيئاً ففعلته، يحكم بطلاق المرأة، ولكن مذهب الظاهرية والى ذلك ذهب بعض أصحاب الشافعي وأحمد، التفصيل في ذلك:

فان كان قصد من قوله، إن دخلت، أو قصد بذلك التأكيد عليها بعدم دخول لا إيقاع الطلاق إن دخلت، أو قصد بذلك التأكيد عليها بعدم دخول الدار، لا يقع الطلاق بدخولها، وكان كلامه كاليمين يقصد به التأكيد والاستيثاق، وتكون فيه كفارة اليمين. وإن قصد أنها إن دخلت الدار طلقت فعلاً، فإنها تطلق بدخول الدار. ولما كان أكثر الناس يقصدون من مثل تلك العبارة معنى اليمين لا إيقاع الطلاق، كان الأخذ بذلك التفصيل أرفق بالناس. وأكثر تضييقاً لدائرة الطلاق، وبهذا أخذ قانوننا.

 

5-    اشتراط المرأة جعل الطلاق بيدها

قلنا إن مذهب أبي حنيفة جوز أن تشترط المرأة في العقد أن يكون أمر الطلاق بيدها تقوله متى شاءت، وهو من الشروط الجائزة في مذهب أحمد كما ذكرناه، ولما كان في الأخذ به احتياط لمصلحة المرأة، ومنع من استبداد الرجل بأمر طلاقها، فقد أخذ القانون بصحة هذا الشرط.

 

6-    الطلاق للغيبة:

إذا غاب الرجل عن زوجته غيبة منقطعة بحيث لا يدري أين هو؟ فما حكم زواجه؟

مذهب أبي حنيفة والشافعي أن الزوجة تظل في عصمة زوجها الغائب حتى يحضر أو يحكم القاضي بموته، واختلفوا متى يحكم القاضي بموته؟ وأشهر الأقوال في المذهب الحنفي أن يموت آخر واحد من أقرانه، وقيل أن يبلغ من العمر ثمانين سنة. وذهب مالك وأحمد الى التفريق بينها وبين زوجها الغائب بعد مدة قليلة قيل إنها أربع سنوات، وقيل ثلاث، وقيل سنة، وقيل ستة أشهر. ولا شك أن الأخذ بمذهبي أبي حنيفة والشافعي فيه إعنات بالمرأة واضرار بالغ بها، اذ عليها أن تنتظر حتى يبلغ عمر زوجها ثمانين سنة، ثم تعتد بعد ذلك وتحل للأزواج، ومن الذي يتزوج بها حينئذ؟ وكيف نجبرها على الوحدة والصبر خلال هذه السنين الطوال؟ وغالباً ما تموت قبل أن يحكم القاضي بموت زوجها على مذهبي الشافعي وأبي حنيفة. لذلك كان الأرفق بالمرأة، والأحصن لها أن يؤخذ برأي المذاهب الأخرى، فاختار القانون أن الزوج إذا غاب بلا عذر مقبول أو حكم عليه بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من غيابه أو سجنه أن تطلب الى القاضي التفريق بينها وبين زوجها، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه. ثم نص القانون أن هذا التفريق طلاق رجعي، فاذا رجع الغائب أو أطلق السجين والزوجة في العدة حق له مراجعتها. والغيبة المنقطعة هي أن لا يكون للزوج مكان معلوم، أو كان في مكان لا تصل اليه الرسائل. ويشترط في الغيبة أن لا تكون لعذر مقبول، إذ يكون ذلك دليلاً على قصده الاضرار بها، فان كان لعذر مقبول، كالغياب في خدمة العلم، أو الجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، لا يحق لها طلب التفريق لأنه لم يقصد بغيابه الاضرار بها.

 

7-    الطلاق لعدم الانفاق:

اذا امتنع الزوج عن الانفاق على زوجته، فقد ذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد الى جواز التفريق بينهما، أخذاً من قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} [البقرة: 131] ولا شك في أن امساكها مع الامتناع عن الانفاق عليها إضرار بالغ بها. وذهب أبو حنيفة الى عدم جواز التفريق لعدم الانفاق، لأن الزوج لا يخلو من أن يكون معسراً أو موسراً، فإن كان معسراً فلا ظلم منه بعدم الانفاق، والله تعالى يقول: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدر عليه رزقه (ضُيق) فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرٍ يسرا} [الطلاق: 07] وإذا لم يكن ظالماً فلا يجوز أن نظلمه بإيقاع الطلاق عليه، وإن كان موسراً فهو بلا شك ظالم في امتناعه، ولكن دفع ظلمه لا يتعين بالتفريق بينهما، بل هنالك وسائل أخرى لرفع الظلم، منها: بيع ماله جبرا عنه للانفاق على زوجته، ومنها حبسه لإرغامه على الانفاق، وأيا ما كان فان الظلم لا يدفع بالظلم. كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة، ولكن قانوننا أخذ بمذاهب الأئمة الثلاثة حفظاً للزوجة من الضياع، وصيانة لها عن الانحراف، وقد فصل القانون في هذه الحالة تفصيلاً ليس هذا محله.

 

8-    الطلاق المعلل:

الأصل في الزواج أن يكون لسكن النفس واطمئنانها، ومما يؤثر في ذلك وينغض الحياة الزوجية وجود العلل والأمراض في أحد الزوجين فما مصير الزواج اذا اكتشف أحدهما علة في الآخر بعد الزواج؟.

تنقسم الى قسمين:

1-    علل جنسية تمنع من الاتصال الجنسي كالحَبب والسُعنة والخصاء في الرجل، والرَتق والقرن في المرأة.

2-    علل لا تمنع من الاتصال الجنسي ولكنها منفرة أو معدية أو ضارة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر، كالجذام والبرص والجنون والسل والزهري.

وتختلف مذاهب العلماء في حكم هذه العلل بالنسبة للزواج. فذهبت الظاهرية إلى أنه لا يحق لأحد من الزوجين طلب التفريق بسبب علة من العلل مطلقاً، ولو كانت عللاً جنسية. وهذا بعيد عن حكمة التشريع، ولذلك لم يوافق عليه أحد من أئمة الاجتهاد. وذهب فريق من العلماء – منهم ابن شهاب الزهري وشريح وأبو ثور – إلى جواز طلب التفريق من كل عيب مستحكم، سواء كان في الزوج أو الزوجة، لأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فاذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار، وهذا قول قريب جداً من حكمة التشريع. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف الى أن العيوب الجنسية ان كانت في المرأة فلا خيار للرجل في فسخ النكاح، لأنه يملك تطليقها في أي وقت يشاء... وإن كانت العلل الجنسية في الرجل فللمرأة حق طلب فسخ النكاح في ثلاثة منها فحسب، وهي: الجَب، والخصاء، والسعنة. أما العلل غير الجنسية فلا خيار للرجل ولا للمرأة في حق الفسخ. ومعنى ذلك أنه لا حق في طلب الفسخ من مرضٍ كالسل أو الزهري أو غيرهما من الأمراض المعدية أو المنفرة. وهذا بعيد عن حكمة التشريع في الزواج. وذهب محمد الى أن العيوب إن كانت في المرأة فلا حق للرجل في طلب الفسخ جنسية أم غير جنسية، لأن الرجل يملك التطليق حين يريد. وإن كانت في الرجل فلها طلب الخيار في العيوب الجنسية، وفي غير الجنسية إذا كانت لا يمكن المقام معها إلا بضرر. هذا هو الصحيح من مذهب محمد[1] خلافاً لما توحيه عبارات بعض فقهاء الحنفية. وذهب مالك والشافعي وأحمد الى أن لكل من الرجل والمرأة طلب التفريق اذا وجد أحدهما بالآخر عيباً جنسياً أو منفراً بحيث لا يمكن المقام معه إلا بضرر. وهذا هو أقرب الآراء الى حكمة التشريع في الزواج، وإلى منع الضرر عن الرجل والمرأة على السواء.

 

في قانوننا:

كان العمل قديماً قبل صدور قانون حقوق العائلة برأي أبي حنيفة وأبي يوسف من أن العلل التي تبيح للرجل طلب فسخ النكاح إذا وجدت في المرأة هي العلل الجنسية الثلاثة المذكورة آنفاً. وهي الجَب، والخصاء، والسُعنة. ثم جاء قانون حقوق العائلة فأخذ بقول محمد وأجاز للرجل طلب الفسخ لكل العيوب المنفرة. ولما صدر قانوننا للأحوال الشخصية كان موقفه غريباً من هذا الموضوع فقد كان رجعة الى الوراء، إذ جعل من حق الزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها إذا كان فيه احدى العلل المانعة من الدخول بشرط سلامتها منها، وإذا أصيب بالجنون بعد الزواج. ومعنى هذا أن المرأة لا حق لها في طلب التفريق اذا وجدت بزوجها مرضاً معدياً أو منفراً، كالسل والجزام والبرص والزهري وغير ذلك. وهذا في منتهى الغرابة، إذ كيف تستطيع المرأة أن تصبر على زوج مبتلي بمثل تلك الأمراض وتعيش معه وتمنحه حبها وقلبها؟! وكيف يتحقق السكن النفسي في مثل هذا الزواج؟ مع أن بعض العلل المانعة من الدخول قد تكون أخف على المرأة كثيراً من الأمراض المؤذية والمعدية، فالمرأة قد ترضى بالعيش مع رجل عاجز عن الاتصال الجنسي، ولكنها لا ترضى أنتعيش مع رجل مصاب بمرض مؤذ أو معدٍ ولو كان قادراً على الدخول بها... فكيف غاب هذا الأمر عن واضعي القانون. يقول ابن القيم (زاد المعاد: 4/30) في التعقيب على ما ذكره بعض فقهاء الحنابلة من أن الامام أحمد قصر العيوب الجنسية على ثلاثة أو خمسة فقط:

"وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو أحدهما، أو كون الرجل كذلك، من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو منافٍ للدين، والاطلاق في العقد إنما ينصرف الى السلامة فهو كالمشروط عرفاً، وقد قال عمر لمن تزوج امرأة وهو لا يولَد: أخبرها أنك عقيم وخّيرها، فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا (أي العقم) عندها (عند تلك العيوب) كمال بلا نقصان، والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار".

ثم قال: "ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما يشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رحجان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة". وقصارى القول إن قانون الأحوال الشخصية السوري قصر في هذا الموضوع تقصيرا ضاراً بالمرأة والرجل على السواء، ومن الواجب تعديله بما يعطي حق كل من المرأة والرجل في طلب الفسخ إذا اطلع أحدهما في الآخر على عيب منفر أو معد بحيث لا يمكن المقام معه إلا بضرر، وهذا متفق مع قول محمد ومع الصحيح من مذهب الحنابلة، وهو قبل كل شيء متفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها وحكمة التشريع في الزواج.

 

9-    التفريق للشقاق:

قلنا إن الاسلام أوجب تأليف لجنة محكّمة لبحث أسباب النزاع بين الزوجين على أن يكون من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة. وقد نص قانوننا على اتخاذ هذا الإجراء عند ادعاء الزوج أو الزوجة أن أحدهما يضر بالآخر ويتعمد الإساءة إليه، ثم تقدم اللجنة المحكّمة تقريراً الى القاضي عن نتيجة تحقيقاتها في النزاع وأسبابه، فان اقترحا الإصلاح بينهما لم يكن للقاضي التفريق، وإن اقترحا التفريق فرق القاضي بينهما، ويعتبر ذلك طلقة بائنة. وقد فصل القانون في الحكم بالمهر، على حسب ما يتحقق له من أن الإساءة كانت من الزوج أو الزوجة. هذا والقول بالتفريق للشقاق هو مذهب مالك وأحمد، ولا يرى أبو حنيفة والشافعي جواز التفريق للشقاق، فيكون القانون قد استمد هذا الحكم من مذهبي المالكية والحنابلة، ونعم ما فعل، فان الحياة الزوجية لا تستقيم مع الشقاق والنزاع، عدا ما في ذلك من ضرر بالغ بتربية الأولاد وسلوكهم. ولا خير في اجتماع بين متباغضين، ومهما يكن أسباب هذا النزاع خطيراً أو تافهاً فإن من الخير أن تنتهي العلاقة الزوجية بين هذين الزوجين لعل الله يهيئ لكل واحد منهما شريكا آخر لحياته يجد معه الطمأنينة والاستقرار.

 

10-                        الطلاق التعسف:

كل الأسباب السابقة التي ذكرناها يكون الطلاق أو التفريق فيها أمراً تحتمه المصلحة، إما مصلحة الزوجة أو مصلحة الزوج. وهنالك حالتان يكون الطلاق فيهما تعسفاً وعدواناً خالصاً. وقد تعرض القانون لهما أيضاً:

1-    أن يطلق الرجل المريض مرض الموت زوجته ليحرمها من ارثها منه، وهذا بلا شك عدوان لا يرضاه الله وتأباه المروؤة، وللأئمة فيه آراء مختلفة:

فيرى الشافعي أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً بائناًَ وهو في مرض الموت ثم مات قبل أن تنتهي عدتها، لا ترث من ذلك الزوج، لأن الطلاق البائن يقطع عرى الزوجية فلما مات لم تكن زوجته فلا ترث منه، أما أن يكون قصده من طلاقها حينئذ الفرار من ارثها فذلك أمر يعاقبه الله عليه، ولا يؤثر على الصيغ والعقود. ويرى الأئمة الثلاثة أن العدل يقتضي معاقبته على قصد اضراره بالزوجة، واختلفوا بعد ذلك في الحكم:

فرأى أبو حنيفة توريثها منه إذا مات وهي لا تزال في عدتها، فان انقضت عدتها من الطلاق ثم مات بعد ذلك لم ترث منه.

ورأى أحمد أنها ترث منه ولو مات بعد انتهاء عدتها ما لم تتزوج زوجاً آخر، فاذا تزوجت فلا إرث لها من زوجها الأول.

ورأى مالك أنها ترث ولو انتهت عدتها وتزوجت من آخر، وهذا كما ترى على طرف النقيض من رأي الشافعي، بينما ذهب أبي حنيفة وأحمد متوسطان.

وقد اختار القانون رأي أبي حنيفة، ونحن نختار رأي أحمد فهو أقرب الآراء الى العدالة، وأدناها الى معاملة الزوج بخلاف قصده، إذ قصد الفرار من إرثها، فورثناها منه ما لم تتزوج زوجا آخر، فإنها سترث من هذا الأخير فلا معنى لتوريثها من الأول.

2-    والحالة الثانية من حالات التعسف أن يطلقها لغير سبب معقول، وقد تكون فقيرة أو  عجوزا لا أمل في زواجها مرة ثانية، فبقاؤها من غير زوج ينفق عليها إضرار بها، ولؤم في معاملتها، وهو آثم بلا شك فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن العمل قديماً على عدم إنصاف مثل هذه المرأة، فجاء قانوننا يعطي الحق للقاضي أن يفرض لها على مطلقها بالتعويض بنسبة التعسف ودرجته. وهذا مبدأ جديد في قوانيننا، ومستنده – فيما نظن – أن الله أوجب لبعض المطلقات متعة – وهي مثل ثيابها عند خروجها من بيتها ويجوز أن يقدر ذلك بدراهم – كما رغب في اعطاء المتعة لبعض المطلقات الأخر. بحيث لا تخلو مطلقة من متعة تأخذها من الزوج، وليس للمتعة كما قال الفقهاء حد معين ولا لباس معين، وإنما تقدر بحسب عرف البلد وتعامل الناس، لأن القرآن الكريم قيدها " بالمعروف" وهذا مما يختلف فيه الناس بين بلد وبلد، وبين زمن وزمن، وبين امرأة وأخرى، فاستند قانوننا الى هذا المبدأ الشرعي فأجاز للقاضي أن يحكم على المطلق بتعويض يتناسب مع ظلمه للمرأة وتعسفه في طلاقها. وهذا تشريع جميل بلا ريب من شأنه أنه يخفف عن المطلقة ألم الطلاق، ولكننا نأخذ على القانون أنه اشترط أن لا يزيد التعويض عن نفقة سنة لأمثالها فوق نفقة العدة، فنحن نرى أن لا يقيد ذلك بنفقة سنة، فما دام الزوج ظالماً متعسفاً، وما دامت الزوجة مظلومة، فلم لا يلزم بالانفاق عليها حتى تتزوج ان كانت في سن قابل للزواج، أو حتى تلقى وجه ربها إن كانت عجوزاً شارفت على وداع الحياة؟ والشريعة الاسلامية في عدالتها تأبى أن تترك مثل هذه المرأة العجوز تعاني آلام البؤس والفاقة حتى تلقى وجه ربها، بعد أن أمضت زهرة شبابها مع زوج لم يكن عنده من الوفاء ما يحفظ لها كرامتها في أخريات أيامها.

 

الخلاصة:

نجد من كل ما تقدم أن الاسلام في أصل نظامه الذي وضعه للطلاق راعى فيه ضرورات الحياة وواقع الناس في كل زمان، كما أنصف فيه المرأة من فوضى الطلاق التي كانت سائدة عند عرب الجاهلية حيث لا عدد ولا عدة ولا حقوق ولا التزامات، كما كانت سائدة في الشعوب التي تبيح شرائعها الطلاق. ونجد أيضاً أن المرأة لم تعد تحت رحمة الرجل الذي يملك حق الطلاق، بل فتح لها الاسلام منافذ تنفذ منها الى حياة الراحة من زوجية شقية بائسة مع زوج قاس ظالم، فأعطاها حق اشتراط أن يكون الطلاق بيدها عند عقد الزواج، ويسر لها الخلاص من الزوج برضاه ورضاها إذا كفلت له التعويض عن خسائره المالية بسبب الطلاق، وذلك عن طريق "الخلع" أو "المخالعة" كما فتح لها الطريق الى القضاء ليحكم بالتفريق بينها وبين زوجها في حالات لا تستطيع الحياة فيها مع زوجها. وحتى في حالات الطلاق التعسفي من جانب الرجل فقد ضمن لها الاسلام حقوقها كما رأينا، فلم يبق بعد ذلك مجال للشكوى إلا من حالات أساء فيها الزوج استعمال حق الطلاق، ومثل هذه الحالات لا يستطيع أي قانون في الدنيا أن يحتاط لمنع وقوعها، وإنما المدار في ذلك على التربية الدينية، ويقظة الضمير واستقامة الوجدان، وهذا ما حرص الاسلام على أن يربى عليه المسلم تربية تمنعه من الاساءة لا إلى زوجته فحسب، بل الى أي انسان كان قريباً أو بعيداً، مواطناً أو أجنبياً، وإني أحيل الذين يشككون في هذا الأمر الى احصاءات الطلاق ليروا كيف يكاد الطلاق ينعدم في البيئات المتدينة تديناً واعياً صادقاً لا جهل فيه ولا غباوة، ولا تدجيل ولا تجارة...



[1]  انظر السراج الوهاج شرح القدوري للحدادي.

|السابق| [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error