وهنا يتبادر الى الاذهان سؤال كثيراً ما أثاره الذين لا يؤمنون بنظام الاسلام وعظمته وسمو حكمته، هو: لماذا جعل الطلاق بيد الرجل وحده بحيث يتحكم الرجل في بت الحياة الزوجية متى شاء؟ وكثيراً ما يكون إثر خصام أو حالة من الغضب شديدة؟ ولماذا لم يجعل للمرأة رأي في ذلك ما دامت هي شريكة الرجل في حياته؟
إن الاحتمالات العقلية في هذا الموضوع لا تخلو عن خمسة:
1- أن يجعل الطلاق بيد المرأة وحدها.
2- أن يجعل الطلاق باتفاق الرجل والمرأة معاً.
3- أن يجعل الطلاق عن طريق المحكمة.
4- أن يجعل الطلاق بيد الرجل وحده.
5- أن يجعل الطلاق بيد الرجل. وتعطى المرأة فرصاً للطلاق إذا أساء الرجل استعمال حقه، فلنناقش كل احتمال منها على حدة.
1- لا سبيل لاعطاء المرأة وحدها حق الطلاق، لأن فيه خسارة مالية للرجل وزعزعة لكيان الأسرة، والمرأة لا تخسر ماديا بالطلاق، بل تربح مهراً جديداً، وبيتاً جديداً، و (عريساً) جديداً وإنما الذي يخسر هو الرجل الذي دفع المهر للمرأة ويقوم بنفقة البيت والأولاد، وقد دفع نفقات العرس، وثمن اثاث البيت، فاذا أعطيت المرأة حق الطلاق بمجرد إرادتها سهل عليها أن توقعه متى اختصمت مع الزوج نكاية به ورغبة في تغريمه، سيما وهي سريعة التأثر، شديدة الغضب، لا تبالي كثيراً بالنتائج وهي في ثورتها وغضبها، ولنتصور رجلاً اختلف مع زوجته فاذا هي تطلقه وتطرده من البيت وهو صاحبه ومنفق عليه؟!
2- وجعل الطلاق بيد الرجل والمرأة معاً، أمر يكاد من المستحيل اتفاقهما عليه، إن الإسلام لا يمنع أن يتفاهم الرجل والمرأة معاً على الطلاق، ولكن لا يعلق صحته على اتفاقهما معاً، إذ ماذا يكون الحال فيما لو أصبحت حياة الرجل مع امرأته شقاء ليس بعده شقاء، فأراد أن توافقه على طلب الطلاق فأبت؟ وكثير من النساء في مثل هذه الحالة يفضلن عذاب الرجل وتعاسته على راحته وخلاصه، ثم إن المرأة لم تنفق شيئاً على البيت، ولا دفعت مالاً للرجل، فلماذا تربط إرادته بارادتها في إنهاء الحياة الزوجية؟ وكيف تجبره على ان يعيش مع امرأته كرهها ثم أبت ان توافق على طلاقها منه؟
3- وجعل الطلاق عن طريق المحكمة كما هو عند الغربيين، قد ثبتت أضراره من جهة، وعدم جدواه من جهة أخرى. أما أضراره فلما يقتضيه من فضح الأسرار الزوجية أمام المحكمة والمحامين عن الطرفين، وقد تكون هذه الأسرار مخزية من الخير لأصحابها سترها لنتصور أن رجلاً اشتبه في سلوك زوجته، وتقدم الى المحكمة طالباً طلاقها لهذا السبب، كم تكون الفضائح في هذا الموضوع؟ وكم يكون مدى انتشارها بين الأقرباء والأصدقاء والجيران وبعض الصحف التي تتخذ من مثل هذه القضايا مادة للزواج؟ وأما عدم جدواه فان المتتبع لحوادث الطلاق في المحاكم في الغرب يتأكد أن تدخل المحكمة شكلي في الموضوع، فقل ان تقدمت إمرأة أو رجل بطلب الطلاق الى المحكمة ثم رفض، وإن كثيراً من ممثلات السينما يعلن عن رغبتهن في الطلاق من أزواجهن، والزواج من آخرين قبل أن يتقدمن الى المحاكم بهذا الطلب، ثم ما تلبث المحاكم أن تجيبهن الى طلبهن. وأبشع من ذلك أن المحاكم في بعض البلاد الغربية لا تحكم بالطلاق الا إذا ثبت زنى الزوج أو الزوجة، وكثيراً ما يتواطئان فيما بينهما على الرمي بهذه التهمة ليفترقا، وقد يلفقان شهادات ووقائع مفتعلة لإثبات الزنى حتى تحكم المحكمة بالطلاق. فأي الحالتين أكرم وأحسن وأليق بالكرامة؟ أن يتم الطلاق بدون فضائح؟ أم أن لا يتم إلا بعد الفضائح؟
4- وجعل الطلاق بيد الرجل وحده، هو الطبيعي المنسجم مع واجباته المالية نحو الزوجة والبيت، فما دام هو الذي يدفع المهر ونفقات العرس والزوجية، كان من حقه أن ينهي الحياة الزوجية إذا رضي بتحمل الخسارة المالية والمعنوية الناشئين عن رغبته في الطلاق. والرجل في الأعم الغالب اضبط اعصابا، وأكثر تقديراً للنتائج في ساعات الغضب والثورة، وهو لا يقدم على الطلاق إلا عن يأس من امكان سعادته الزوجية مع زوجته ومع علم بما يجره الطلاق عليه من خسارة، وما يقتضيه الزواج الجديد من نفقات، فقل ان يقدم عليه إلا وهو على علم تام بالمسؤولية، وعلى يأس تام من استطاعته العيش مع زوجته لذلك نجد أن إعطاء الرجل وحده حق الطلاق طبيعي ومنطقي ومنسجم مع قاعدة "الغُرم بالغُنم".
اعتراض وجوابه:
غير أنه يرد عليه ان الرجل لا يوقع الطلاق دائماً وهو معذور فيه أو مضطر اليه، بل قد يفعل ذلك نكاية بالزوجة ورغبة في الاضرار بها وكثير ممن لا خلاق لهم يطلقون زوجاتهم لمجرد الرغبة في الاستمتاع بامرأة جديدة، وقد يكون له من الأولى أولاد فتسيء الزوجة الجديدة معاملتهم، وكثيراً ما يرضخ الزوج لرغبة زوجته الجديدة فيرضى أو يسهم في تعذيب أولاده من زوجته الأولى وإساءة معاملتهم. والجواب أن كل نظام في الدنيا يساء استعماله، وكل صاحب سلطة لا بد من أن يتجاوزها إذا كان سيء الأخلاق ضعيف الوازع الديني، ومع ذلك فلا يخطر في البال أن تلغى الأنظمة الصالحة لأن بعض الناس يسيئون استعمالها، أو أن لا تعطى لأحد في الدولة أية صلاحية لأن بعض أصحاب الصلاحيات تجاوزوا حدودها. إن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة ضمير المسلم واستقامته ومراقبته لربه. وقد سلك لذلك سبلاً متعددة تؤدي – إذا روعيت بدقة وصدق – إلى يقظة ضمير المسلم وعدم إساءته ما وكل إليه من صلاحيات. وأكبر دليل على ذلك، أن الطلاق لا يقع عندنا في البيئات المتدينة تديناً صحيحاً صادقاً إلا نادراً، بينما يقع في غير هذه الأوساط لا فرق بين غنيها وفقيرها. على أن كل نظام وكل قانون في الدنيا لا بد من أن ينشأ عند تطبيقه بضع الأضرار لبعض الأفراد، ومقياس صلاح النظام أو فساده هو نفعه لأكبر قدر من الناس أو اساءته اليهم، وإذا قارنا بين حسنات إعطاء الرجل حق إيقاع الطلاق بسيئات نزع هذا الحق منه أو اشراك غيره معه فيه رجحت عندنا كفة الحسنات على السيآت كثيراً، وهذا وحده كافٍ في ترجيح إعطاء الرجل وحده حق الطلاق.
اعتراض آخر وجوابه:
وهنالك اعتراض آخر كان قائماً منذ سنوات، وكانت الألسنة تلهج به، وهو أن في بعض أحكام الطلاق ما يؤذي المرأة حتما، وليس فيها ما ينصفها أو يدفع عنها الأذى، ومن ذلك إيقاع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد، وطلاق المرأة في حالة غضب الزوج غضباً لا يكاد يعي فيه ما يقول، وعدم استطاعة الزوجة الخلاص من زوج يسيء معاملتها حتى أصبحت معه جحيما لا يطاق، وهي تتمنى طلاقها منه بأي وسيلة ولكنه يتعنت ذلك ويأبى طلاقها. إن مثل هذه الحالات كانت قائمة في مجتمعنا، وكانت الشكوى منها عامة ولكن الحق أنها ليست ناشئة من نظام الطلاق كما جاء في القرآن والسنة، ولكنها ناشئة من التقيد بأحكام مذهب معين من المذاهب الأربعة كما كان العمل عليه في محاكمنا الشرعية منذ عصور حتى سنوات خلت. ولهذا اتجهت عناية المصلحين الى الاستفادة من المذاهب الاجتهادية الأربعة وغيرها مما يخفف هذا الاعنات عن المرأة، ومما يفسح أمامها مجالاً للخلاص من زوج ظالم قاسي القلب سيء الأخلاق لا ترى منه إلا كل غلظة وفظاظة. وأستطيع أن أؤكد أن ما وضع في سبيل ذلك من تشريع – سواء في سورية أو مصر أو غيرها – قد أزال كثيراً من أسباب الشكوى من انفراد الزوج بحق الطلاق، هذا مع اعتقادي بأنه لا تزال هناك ثغرات يجب أن تعالج أيضاً بالأخذ بما يصلح من المذاهب الاجتهادية في الاسلام. لقد قامت هذه التشريعات على الحل الخامس المعقول الذي ذكرناه من قبل، وهو أن يبقى الطلاق بيد الرجل، على أن تعطى المرأة فرصاً للخلاص من زوج تكرهه، أو زوج يتعمد اعناتها وإيذائها. وبذلك نحول دون استبداد الزوج بحق الطلاق استبدادا يتنافى مع الخلق الاسلامي بعد أن ضعف الوازع الديني، وساءت الأخلاق إلى حد كبير.