بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
لا تتاح لي بسبب ظروفي المتقلبة أن أختلط بالناس كثيراً أو أن أوجد شبكة من العلاقات المنتظمة معهم، كما لا تتيح لي ظروفي أن أراسل من يرغبون في مراسلتي أو الاستفسار منّي عن موقف أو رأي أو مناقشتي في خطأ أو تصرّف، إلا أنني أتبع ما يقال مما يوجّه إليّ أو إلى كتبي من نقد، ونتيجة لهذه التتبعات فقد قررت أن أكتب مذكرّات وأن أكتب هذه الإجابات، المذكّرات لتوضيح المواقف والإجابات للرد على الاعتراضات، وقد اخترت هذه الصيغة – صيغة السؤال والجواب في رسالة الإجابات – حتّى لا يظن ظان أنني كتبت بردود فعل، فذلك ما أحاول أن أمنع نفسي منه. وقد لاحظت أنّ كثيراً من الذين يهاجمونني يتهجّمون على شخصي الضعيف بعنف يحوي في طيّاته كثيراً من الشحناء، وهذا الذي أتجازوه عنهم وأرغب فيه إليهم أن ينزّهوا أنفسهم عنه فإنّه من مخاطر الطريق إلى الله ومزالقه، فطريق أهل الإيمان مع بعضهم رفق ولين ومحبّة ومودة، وإذا قرّرت أن أتجاوز إي إساءة لشخصي فلا أقف عند هذه الملاحظة. أما ملاحظتي على ما يوجه لكتبي من نقد فهي:
أولاً: إنّ كثيراً من الناس يهاجمونني بما لم أقله، فإذا تحدّثت عن فكرة ما متبنياً لها جاءوا بفكرة أخرى بجانبها لا أتبناها وهاجموا الفكرة الثانية، وكأنّني أتبناها، موهمين بذلك القاريء أنّني صاحب الفكرة الثانية وهذا النوع من التدليس والتمويه والخداع لا أرضى لنفسي به ولا لإخواني المسلمين.
ثانياً: نجد بعضهم يدافع عن قضية ويهاجمني على نقيضها موهماً أنني لا أقول بما يدافع عنه بل أقول بنفيه وواقع الحال أنني لا أختلف وإياه على النقطة التي يدافع عنها وهذا كذلك خداع وتمويه.
ثالثاً: كثيراً ما يحشد بعض هؤلاء أدلّة على شيء ليس هو محلّ البحث، فمن قرأ لهم أدلّتهم ظنّ أنهم مستوعبون لما يناقشون، وأن حجّتهم فيه تسندها النصوص والأصول، وواقع الحال أنهم يتكلمون عن شيء آخر لا أكون متعرّضاً له أصلاً.
رابعاً: كثيراً ما أفتقد الدقّة عند هؤلاء الذين يتهجمون عليّ، دقة الفهم عني، ودقة النقاش فيما يهاجمونني فيه، فأنا بفضل الله أتخيّر عباراتي بما لا يؤاخذني عليه فقيه عليم وهم يفهمون من عباراتي مالا تحتمله ثم يناقشونني بما فهموه لا بما هو فحوى العبارة ونصها. والحقيقة أنّ بعضاً من هؤلاء هالهم أن يوجد في ساحة العمل الإسلامي من يقول الكلمة المعتدلة التي ترد الناس من الغلو إلى القصد، وقد دأبوا على الغلو فاندفعوا بغلوهم المعهود في هجوم غال مسرف لا يقبله منهم إلا أمثالهم، ولذلك فكرت طويلاً في ألا أرد على هؤلاء ثم وجدت المصلحة الإسلامية تقتضي كلاماً فكتبت هذه الرسالة ليعرف من اطلع على كلامهم أو سمعه أين نحن وأين هم؟ وأن الخلاف ليس بيني وبينهم بل هو خلاف بينهم وبين هذه الأمّة فيما استقر عليه ضميرها وإلا فإن أمثال هؤلاء عندما يهاجمونني ويهاجمون معي أمثال حسن البنا والغزالي في قضايا نرى فيها نفس الرأي الذي رآه أمثال النووي والسيوطي، فإن أي عاقل يعرف أين مثل هؤلاء المهاجمون؟ وأن الهجوم عليّ ما دمت في صف هؤلاء العلماء الفقهاء لا يضيرني.
إنني أعتقد أن هناك نقاطاً ليست محلّ خلاف بيني وبين هؤلاء، وإن حاولوا أن يجعلوها نقاط خلاف، أمّا نقاط الخلاف الرئيسيّة التي اشتدّ عليّ هؤلاء فيها في الحقيقة فهي:
أولاً: هل يحقّ للمسلم أن يتفقه على مذهب إمام أو لا؟
ثانياً: هل يسع المسلم غير المجتهد أن يمشي على مذهب إمام من الأئمة ولو لم يعرف دليله أو لا؟
ثالثاً: هل يصح الاجتماع على الذّكْر أو لا يصح؟
رابعاً: هل يجوز أن يذكر الإنسان الله باسمه "الله" أو لا يجوز؟
خامساً: هل أمثال النووي والسيوطي من الراسخين في العلم إذا أولوا آيات الصفات كفرةñ أو ضلاّل أو لا؟
سادساً: هل يسع المسلم في آيات الصفات وأحاديثها الإيمان والتسليم مع التنزيه أو لا؟ وهل هي من المتشابه كما يقول حسن البنا وكغيره من العلماء أو لا؟
سابعاً: هل الإخوان المسلمون في الإطار الذي أقامهم عليه حسن البنا يعتبرون من الطائفة الظاهرة على الحقّ أو لا؟
ثامناً: هل يجوز تحسين الظن والثناء على جماعة الدعوة والتبليغ أو لا؟
تاسعاً: هل كل صوفي كافر أو أن الصوفية أنواع فمنهم من هو على خير ومنهم من ليس كذلك؟
عاشراً: هل كل كلمة قالها الصوفية ضلال أو أن هناك هدى في أقوالهم فإن تخيرناه، نستطيع الاستفادة منه؟
حادي عشر: هل التصوف علم من العلوم أو لا؟
ثاني عشر: هل هناك ضرورة لدراسة العقائد الإسلامية فيما استقرت عليه كي لا ينهج المسلم نهج فرقة ضالة أو لا؟
ثالث عشر: هل العمل الإسلامي المعاصر يحتاج إلى إطار تنظيمي وحركي واجتهادات تناسب العصر أو لا؟
رابع عشر: هل في إحياء علوم الدين للغزالي والرعاية للمحاسبي خير كثير يمكن الاستفادة منه أو لا؟
خامس عشر: هل الطائفة الظاهرة على الحق هم أهل الحديث وحدهم أو يدخل فيهم غيرهم، وهل هم الجماعة وحدهم أو يدخل فيهم علماء الدراية من أهل السنة والجماعة؟
سادس عشر: هل يجوز الثناء على أهل الفضل بما هو فيهم أو لا؟
إن هذه النقاط تقريباً هي لباب الخلاف، وهي التي بسبب موقفي منها اشتد هؤلاء عليّ ولم يشتدوا إلا بسبب غلوّ نشأوا عليه وفهم قاصر دأبوا علهي وعصبية عمياء ربّوا عليها وكلمات من الحق أرادوا بها باطلاً عاشوا عليها ويشوشون على الأمة بها، فهم كغيرهم من أصحاب الشعارات البراقة يأتون إلى مسلمة من المسلمات فيطرحونها ثم يحاولون أن يسيروا بالمسلم بعد ذلك إلى متاهات. يرفعون شعار الكتاب والسنة – أفديهما بنفسي – ثم يحاولون أن يشككوا المسلم بكل ما استقر عليه ضميره من الثقة بالأئمة والعلماء والأولياء والصالحين والدعاة، حتى لو أنّك أخذت كلامهم لوصلت إلى نتيجة أنه لا يدخل الجنّة من المسلمين إلا هم وأفراد في كل عصر من أمثالهم، إنني أتمنى من كلّ مسلم سمع كلامهم أن يأخذ كتبي ويقرأها ليرى هل لهؤلاء من حجّة. فليقرأ كتابنا: جولات في الفقهين الكبير والأكبر، وكتابنا: تربيتنا الروحية. ثم ليحكم بعد ذلك على الأفق الذي ننطلق منه والأفق الذي ينطلقون منه. وهذه الرسالة التي صغناها على طريقة السؤال والجواب تعطيه تصوراً عن محل الخلاف، وتعطيه تصوراً عن موقفنا وموقفهم وما نريد وما يريدون، وهي في الوقت نفسه توضح كثيراً مما يشغل بال المسلم ويجب أن يطمئن إليه، ولولا إيماننا بفائدتها ما عرجنا على الرد، فالله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا: {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17]، ولم تزل أعلام الشبهة منكوسة ولم يزل أعداء العلماء والأولياء وجوههم مظلمة فسيماهم تدل عليهم.
إنني بفضل الله عز وجل لا أتجه إتجاهاً إلا إذا كان له دليل في الكتاب والسنة أو كليهما، وأعرف دوائر الاختلاف الجائز، وفي أي قضية هي محل خلاف لا أتجه إلا حيث وجدت أمامي إماماً من أئمة الفتوى المعتبرين ممّن هم محل القدوة، ولذلك فإنني مطمئن إلى أن ما أدعو إليه هو محلّ القبول إن شاء الله عز وجل، وإذا كان هناك من لا يعجبه شيء فحسبي أن هناك من يستفيد في الله ولله. ونستطيع أن نجمل ما هُوجمنا به تحت أربعة أبواب: فبعضه له علاقة بأفكارنا حول جماعة المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين والطائفة المنصورة وحول حسن البنا رحمه الله وشيخنا الحامد.
وبعضه له علاقة بالذكر والاجتماع عليه.
وبعضه له علاقة بموقفنا من الفقه والتصوّف.
وبعضه له علاقة بكتبنا ومكتبتنا.
فاقتضى منّي هذا أن أجعل هذه الرسالة في أربعة أبواب:
الباب الأول: في الجماعة والطائفة وفي الإخوان وحسن البنا.
الباب الثاني: في الذكر والاجتماع عليه وما يحيط.
الباب الثالث: في الصوفيات والفقهيات.
الباب الرابع: في الدفاع عن كتبنا.