س9- يتهجم عليك بعضهم لأنك ذكرت الاجتماع على الذكر وعلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأشرت إلى إمكانية أن يكون ذلك يوم الجمعة، واعتمد في هجمومه عليك على نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخص يوم الجمعة بصيام أو قيام ثم أتى بحديث فيه نهي عن التحلق يوم الجمعة وإنشاد الشعر في المسجد، فجمع في إنكاره عليك في هذه المسألة ثلاثة أشياء:
1- تخصيص يوم الجمعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".
2- التحلق قبل صلاة الجمعة، وفيه حديث صحيح تضمن نهياً صريحاً.
3- إنشاد الشعر في المسجد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد وأن ننشد فيه ضالّة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة".
فماذا عندكم حول هذا الإنكار؟
جِ9- أقول: إن هذا الإنكار لعجيب، لقد استشهدوا بنصوص تطلب ألا يخص يوم الجمعة بصيام أو قيام، وكان المفروض أن يأتوا بأحاديث تنهى أن يخص يوم الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محل البحث فإذا علمت أن النصوص جاءت في الحض على تخصيص يوم الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرك أن هؤلاء يوجهون سهامهم دون وعي: قال النووي رحمه الله في رياض الصالحين: وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ" قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال: (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رواه أبو داود بإسناد صحيح وذكر السخاوي في المقاصد الحسنة ما يقوي هذا المعنى. قال رحمه الله حديث: أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الزهراء، واليوم الأغر، فإن صلاتكم تعرض عليّ، الطبراني في الأوسط من حديث أبي مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني، عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رفعه بهذا، وقال لا يروى عن محمد عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بهذا أبو داود، ولو شواهد بينتها في "القول البديع"، منها ما رواه ابن بشكوال بسند ضعيف أيضاً عن عمر بن الخطاب مرفوعاً به بزيادة: فأدعو لكم وأستغفر، والليلة الزهراء ليلة الجمعة واليوم الأغر يومها.
أما النهي عن إنشاد الشعر في المسجد فانظر ما يقوله في ذلك صاحب الفتح الربّاني، مفسراً إنشاد الشعر والحلق المنهي عنها:
أي المذمومة كالمباهاة والافتخار، لا ما كانت في الزهد وذم الدنيا والدفاع عن الإسلام كما فعل حسان، فقد ثبت عند البخاري والإمام أحمد وغيرهما وسيأتي في الباب التالي أنه أنشد الشعر في المسجد يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له النبي صلى الله عليه وسلم أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له فقال اللهم أيده بروح القدس (وقوله وعن الحلق) بكسر الحاء وفتح اللام جمع حلقة بفتح الحاء وسكون اللام أي القعود حلقاً حلقاً لأنه يقطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف فيكره فعل جميع المذكورات والله أعلم. وأمّا المناوي فقد ذكر في شرح الحديث الذي استشهد به المنكر:
(وأن ينشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر) وورد في غير ماخبر الترخيص فيه وجمع بحمل النهي على التنزيه والرخصة على بيان الجواز وبأن المرخص فيه الشعر المحمود كالذي في الزهد ومكارم الأخلاق والمنهي عنه خلافه مر رجل بالمسجد يبيع فقال له عطاء عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة (ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف الأول فالأول. فأنت ترى أن هذه الإنكارات ليست في محلّها.