س8- لقد دعوت إلى اعتماد الاجتماع على الذكر ومنه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب تربيتنا الروحية كوسيلة من وسائل النهوض بالهمة، مع العلم بأن بعضهم يعتبر ذلك بدعة فما دفاعك عن مثل هذا؟ خاصّة وهم يستشهدون بموقف ابن مسعود من مثل ما دعوت إليه:
فقد أخرج الدارمي (1/68) بسند صحيح، والإمام أحمد في "الزهد" وأبو نعيم في "الحلية": "أن نفراً من التابعين كانوا جالسين على باب عبد الله بن مسعود، فجاء أبو موسى الأشعري فجلس معهم، فلما خرج ابن مسعود قال له أبو موسى الأشعري: "يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً"، قال: ما هو؟ فقال: "إن عشت فستراه، رأيت في المسجد آنفاً قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة" قال ابن مسعود: فماذا قلت لهم؟ قال أبو موسى: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم؟ هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله حدثنا: "إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: "رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج".
جِ8- إن مذهب الصحابي إذا تعارض مع النصوص الصحيحة الصريحة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يترك، وهذا الذي يستشهد بحادثة ابن مسعود من أكثر الناس إقراراً بذلك وأخذاً له، وههنا الأمر كذلك فقد ورد حديث صحيح صريح في الاجتماع على الذكر، وفهمه ابن حجر وهو من أئمة الحديث بأن المراد منه الاجتماع على التسبيح والتحميد لا كما يحاول بعضهم أن يحمله على العلم، وها أنذا أذكر لك الحديث وأذكر لك بعد ذلك كلام ابن حجر في الفتح ثم أعقب على ذلك بكلام السيوطي وهو محدث فقيه: عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم – وهو أعلم - : ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. فيقول: فماذا يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشدّ لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: فممّ يتعوذون؟ قال: يقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. فيقول: كيف ولو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة قال: قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" متفق عليه. وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكرñ قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل – وهو أعلم - : من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجرونك قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك؟ فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون ربّ فيهم فلانñ عبدñ خطاء إنما مرّ فجلس معهم. فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: قوله (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) زاد إسحق وعثمان عن جرير "ويمجدونك" وكذا لابن أبي الدنيا، وفي رواية أبي معاوية "فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك" وفي رواية الإسماعيلي "قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك الخ" وفي رواية سهيل "جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك" وفي حديث أنس عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم وديناهم" ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدينا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة فحسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. وقال رحمه الله: وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه محبة الملائكة بني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته. وقيل إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التسبيح والتقديس، وقيل إنه يؤخذ من هذا الحديث أن الذكر الحاصل من بنى آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب، بخلاف الملائكة في ذلك كله". وقد ذكر السيوطي في كتابه (الحاوي للفتاوي) سؤالاً وأجاب عليه وهذه صيغة السؤال والجواب. سألت أكرمك الله عما اعتاده الصوفية من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه أولا؟ الجواب – أنه لا كراهة في شيء من ذلك وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر – وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كا جمع النووي بمثل ذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن [والأحاديث] الواردة باستحباب الإسرار بها وها أنا أبين ذلك فصلاً فصلاً. (ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً)
(الحديث الأول) أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.
(الحديث الثاني) أخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: "خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله".
(الحديث الثالث) أخرج مسلم، والحاكم واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سيارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتوا على مجلس ذكر حف بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك فيقول ما يسألون؟ وهو أعلم، فيقولون: يسألونك الجنة فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب فيقول: فكيف لو رأوها؟ ثم يقول: ومم يستجيروني؟ وهو أعلم بهم فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها ثم يقول: اشهدوا أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوني وأجرتهم مما استجاروني فيقولون: ربنا إن فيهم عبداً خطاء جلس إليهم وليس منهم فيقول: وهو أيضاً قد غفرت له هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
( الحديث الرابع) أخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده".
(الحديث الخامس) أخرج مسلم، والترمذي عن معاوية "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة".
(الحديث السادس) أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون".
(الحديث السابع) أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الجوزاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون" – مرسل، ووجه الدلالة من هذا والذي قبله أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الإسرار.
(الحديث الثامن) أخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر".
(الحديث التاسع) أخرج بقي بن مخلد عن عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال: كلا المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر".
(الحديث العاشر) أخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات".
(الحديث الحادي عشر) أخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الرب تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر في المساجد".
(الحديث الثاني عشر) أخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم لله ذاكر؟ فإن قال نعم استبشر ثم قرأ عبد الله (لقد جئتم شيئاً إدّاً تكاد السموات يتفطرن منه) الآية وقال أيسمعون الزور ولا يسمعون الخير.
(الحديث الثالث عشر) أخرج ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله: (فما بكت عليهم السماء والأرض) قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض الموضع الذي كان يصلي فيه ويذكر الله فيه، وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عبيد قال: إن المؤمن إذا مات نادت بقاع الأرض عبد الله المؤمن مات فتبكي عليه الأرض والسماء فيقول الرحمن: ما يبكيكما على عبدي فيقولون: ربنا لم يمش في ناحية منا قط إلا وهو يذكرك. وجه الدلالة من ذلك أن سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به.
(الحديث الرابع عشر) أخرج البزار، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكثر".
( الحديث الخامس عشر) أخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأدرع "انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته قلت: يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: "لا ولكنه أواه" وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين إنه أواه وذلك أنه كان يذكر الله"، وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإنه أواه".
(الحديث السادس عشر) أخرج الحاكم عن شداد بن أوس قال: "إنا لعند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم".
(الحديث السابع عشر) أخرج الزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم".
(الحديث الثامن عشر) أخرج الطبراني، وابن جرير عن عبد الرحمن بن سهل ابن حنيف قال: "نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم"ن أيبشسبي
.
(الحديث التاسع عشر) أخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: "كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا نذكر الله قال إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم".
(الحديث العشرون) أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزين العقيلي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خيري الدنيا والآخرة؟ قال: بلى، قال: عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله".
(الحديث الحادي والعشرون) أخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي والأصبهاني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إليّ من الدنيا وما فيها".
(الحديث الثاني والعشرون) أخرج الشيخان عن ابن عباس قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.
(الحديث الثالث والعشرون) أخرج الحاكم عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبنى به بيتاً في الجنة" وفي بعض طرقه "فنادى".
(الحديث الرابع والعشرون) أخرج أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه، والنسائي وابن ماجه عن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل فقال: مر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير".
(الحديث الخامس والعشرون) أخرج المروزي في كتاب العيدين عن مجاهد أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يأتيان السوق أيام العشر فيكبران لا يأتيان السوق إلا لذلك، وأخرج أيضاً عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر في قبته فيكبر أهل المسجد فيكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيراً، وأخرج أيضاً عن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها.
(فصل) إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما صريحاً أو التزاماً كما أشرنا إليه، وأما معارضته بحديث "خير الذكر الخفي" فهو نظير معارضه أحاديث الجهر بالقرآن بحديث المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة، وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذي به مصلين أو نيام والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد النشاط".
وقال الأستاذ البنا رحمه الله:
4- الذكر في جماعة:
ورد في الأحاديث ما يشعر باستحباب الاجتماع على الذكر ففي الحديث الذي يرويه مُسلم: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده". وكثيراً ما ترى في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة وهم يذكرون الله في المسجد فبشرهم ولم ينكر عليهم. والجماعة في الطاعات مستحبة في ذاتها ولا سيما إذا ترتب عليها كثير من الفوائد مثل: تألف القلوب، وتقوية الروابط، وقضاء الأوقات فيما يفيد، وتعليم الأمي الذي لم يحسن التعلم وإظهار شعيرة من شعائر الله تعالى. نعم إن الجماعة في الذكر تكره إذا ترتب عليها محظور شرعي كالتشويش على مصلّ، أو لغو وضحك، أو تحريف للصيغ، أو بناء على قراءة غيره، أو نحو ذلك من المحظورات الشرعية، فحينئذ تمنع الجماعة في الذكر لهذه المفاسد لا للجماعة في ذاتهأن وخصوصاً إذا كان الذكر في جماعة بالصيغ المأثورة الصحيحة، كا في هذه الوظيفة التي جمعها الأستاذ البنا من السنة النبوية فحبذا لو اجتمع الإخوان على قراءتها صباحاً ومساءاً في ناديهم أو في مسجد من المساجد مع اجتناب هذه المكروهات. ومن فاتته الجماعة فيها فليقرأها منفرداً ولا يفرّط في ذلك. لقد رأيت فيما ذكرناه لك كلام ابن حجر، وكلام السيوطي، وكلام حسن البنا وهم من أعلام الهدى فهل ترى عليّ من حرج فيما بنيت عليه من كلامهم؟ على أن حادثة ابن مسعود يمكن أن تحمل على معنى آخر، فقد رأينا أن أكثر هؤلاء الذين كانوا مجتمعين قد قتلوا على الخارجية فلربما توسم فيهم ابن مسعود معنى اجتمعوا من أجله، أو توسم فيهم أنهم على أبواب غلو فأنبأهم، أو أنهم فعلوا هذا من عند أنفسهم دون دليل، وعلى كل حال فقد يكون مذهب ابن مسعود مذهب من يفهم هذا النوع من النصوص التي نقلناها أنها في العلم وهو مذهب مرجوح كما رأينا وعصرنا أولى العصور باعتماد المذهب الراجح لما في الاجتماع على الذكر من فوائد قلبية وروحية تغسل بها الأوضار وتمحى بها الذنوب وتستجاش بها عواطف الإيمان.