الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: هذه تجربتي وهذه شهادتي
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: تجاري
 

الباب التاسع

من التاسعة والثلاثين الى الثالثة والأربعين

من التاسعة والثلاثين الى الثالثة والأربعين

(1973 – 1987 م: السجن)

 

          كان هناك أكثر من منفذ للسلطة علي تستطيع من خلاله أن تعرف أنني متحرك ضد الدستور، فأي عمل عام لا يخفى على سلطة حذرة ذات أجهزة مخابرات نامية، لكن السلطة تظاهرت بأنها مستعدة لسماع الرأي في الدستور، وكانت تصرفاتي ضمن حدود وأقوالي ضمن حدود والمطالب التي اتفقنا مع الشيخ حسن رحمه الله عليها محدودة، ووجيهة وقد حرصنا أن تكون ذات طابع ديني بحت، كان البحت عني من قبل السلطة مركزا مما يدل على أنه قد بلغت السلطة معلومات عني، فاعتقلتني مخابرات "أدلب" في المعرة ثم نقلت الى أدلب ثم الى حلب ثم الى دمشق في مبنى مخابرات الحلبوني فقضيت فيه ساعات تعرفت بها على بعض المعتقلين ثم نقلت الى سجن المزة العسكري وبقيت فيه حتى خرجت منه. لم تكن عندي تجربة سابقة بالتحقيق المخابراتي، في الوقت الذي أصبح فيه التحقيق المخابراتي يمتلك من التجارب والقدرات والوسائل والامكانات وطرائق التعذيب والارهاب والضغط النفسي والتأثير الفيزيولوجي على الأعصاب بالأدوية والتحكم مما يجعل أسير المخابرات في بلد لا يأبه بدستور وقانون يدخل في عذاب هائل. ان مجموعة من الوحوش والأفاعي والعقارب تهاجم انسانا لا تفعل الا بعض ما يفعله وحوش المخابرات الذين تتفتق أذهانهم عما هو أكثر ألما في وضع لا حماية فيه للضحية لا من قانون ولا من دستور. وكنموذج على عدم حماية الدستور للانسان في بعض الأنظمة ما حدث لي، فحافظ أسد يعتقلني لأنني طالبت بذكر بعض المواد في دستور ينص على أنه يمنع التعذيب الجسدي، فها أنا أعذب جسديا، وقد تم التصويت على الدستور في الأيام الأولى للتحقيق وعرضوا علي أن أدلي بصوتي فرفضت، وبعد أن تم التصويت على الدستور وأصبح مقرا قلت للمحققين في احدى جلسات التحقيق: انكم تحاسبونني على موقفي من الدستور، وهذا يقتضي أنكم مؤمنون بالدستور إيمانا مطلقا، والدستور ينص على منع التعذيب الجسدي، فالمفروض أن يتم التحقيق بلا تعذيب، فما كان من بعضهم الا أن سب الدستور، ثم زادوا الضغط علي ليقنعوني أن الدستور لا يعطيني أي حماية. لم تكن لي تجربة التحقيق لكن ثقافتنا كانت نامية فيه بسبب كثرة الاعتقالات في صفوفنا. لذلك كنا متفقين سلفا مع اخواننا العاملين في مركز حماة عن ماذا نتكلم لو حدث اعتقال بحيث يكون كلامنا متطابقا ونقتصر على الحد الأدني من الكلام الذي لا يسبب ضررا للمعتقلين ولا يؤدي الى كشف التنظيم، ومع أن مثل هذه القضايا أصبحت لا تفيد في سورية لكنها بفضل الله وستره افادتنا يومذاك ومر اعتقالنا واعتقال اخواننا والضرر قليل وقد حفظ التنظيم الى حد كبير. بقيت في السجن خمس سنوات، قضيت فيها في الزنزانات الانفرادية حوالي سبعة أشهر ونيفا، نصفها منفردا، ونصفها الآخر مع ضابط دمشقي كان من مجموعة الضباط الأحرار الذين خططوا لأحد الانقلابات وكشف أمرهم. قضيت فترة ما بعد الزنزانة في عدد من المهاجع:

مهجعين ضما اخوانا مسلمين وناصريين في الغالب، ومهجعا ضم اخوانا مسلمين وبعثيين قوميين وفيهم مجموعة ضباط تخطط لعمل فكشف أمرها. والمهجع الأخير ضمني مع مجموعة الشيخ مروان حديد رحمه الله وكان معنا آخرون. والسنوات الخمس قضيتها في سجن المزة العسكري، وقد كان مديره ابتداءً "رسمي العيد" وهو نصراني، ثم جاء بعده "بهجت الصالح" وهو نصيري وقد خرجت من السجن في عهده، وكان سجن المزة العسكري يتبع من الناحية الادارية شرطة الجيش، وكان على رأس شرطة الجيش الى امد طويل "العميد علي مدني" ثم أصبح مسئولا عن أحد أجهزة المخابرات، وهو حموي من حينا وجمعتنا معاً بعض سني الدراسة في المرحلتين الاعدادية والثانوية، لذلك فهو يعرف عن مرحلة صباي الكثير ويعرف حماسي للاخوان المسلمين وانا شاب.

***

          كانت محنة السجن من أعظم منح العناية الربانية، فقد أنجزت فيها من المؤلفات ما لم أكن لأنجزه لولا السجن، وأغنت تجربتي، وعمقت إيماني، واعطتني دروساً كثيرة، وطورت مفاهيمي السياسية كثيراً من خلال التماس والحوار مع كل شرائح العاملين في الحقل السياسي في سورية، لكن كان هناك شيء واحد يقلقني، أن الضربة أتت صفنا في وقت مبكر، وأن المراكز المتفقة كانت في أول نشأتها فكنت قلقا على مصيرها، ولكن الله تولاها، فلما خرجت من السجن كانت من القوة بمكان، وكانت أصعب مراحل السجن مرحلة التحقيق والزنزانة، وهذا كلام مختصر عنها:

استمر التحقيق معي أكثر من أربعين يوما، والتحقيق في سجون الظلمة من أصعب ما يواجه الإنسان في حياته وخاصة اذا كانت علاقاته واسعة أو مرتبطا بتنظيم، فكل كلمة يمكن أن تجر كارثة على انسان أو أسرة أو مجموعة أو جماعة على مستوى القطر كله وعلى مستوى الداخل والخارج، ولقد اعتبر فقهاء الحنفية أن من الاكراه الملجىء سجون الظلمة فهي كالقتل أو كقطع الأعضاء تبيح للانسان أن يقول ما لا يجوز. كان همي ابتداءً ألا أعترف بشيء عن أي شيء مهما كلف الأمر، وبقيت مصراً على موقفي حتى أتوا بأحد الأشياخ من وراء الباب ووجهوا له أسئلة وأجاب عليها فعرفت أنه قد أسقط في يدي وأنه لا بد من الاعتراف بشيء حول التحرك ضد الدستور، وصممت ألا أتجاوز ذلك الى غيره وكان ذلك، واستطعت أن أبقى في هذه الدائرة بفضل الله لكني تحملت مسئولية التحرك ضد الدستور كاملة بمفردي ولكن اعتقال احد الاخوان – من دير الزور وهو يسكن حماة – كشف عن بعض التنظيم الاخواني في حماة، فكتب كما روى لي مرافقه في الزنزانة حوالي أربعين صفحة، وكانت حجته اني اعترفت عليه ولم يكن شيء من ذلك، فلما فوجئت بذلك وفوجئت بذكر عدد من الأسماء الذين هم في مركز المسئولية وأنهم قد اعتقلوا وجدت أن الأمر اتسع وأصبح يحتاج الى تصرف حكيم، قررت أن أتحدث بالقدر الذي يحصر الدائرة في حماة ولا يتجاوزها خارج حماة وقد كان ذلك. لقد استطاع المعتقلون الحمويون أن يتحدثوا ضمن المتفق عليه وضمن ما توقعوه أنه مكشوف فأحسنوا التصرف وتحملوا العذاب فلم يكشف من تنظيمنا الحموي إلا قليلا، ولكن اثنين من الاخوة أحدهما حموي والآخر غير حموي أوجدا خرقاً على اخواننا خارج حماة فتوسعت الدائرة. كانت السلطة قد اعتقلت قبلي أحد الأشياخ ووضعته في ظروف قاسية كما اخبرني بعض من شاهدوا تعذيبه، وكان الشيخ يعرف اسرار الجماعة تفصيلاً، وتحت التعذيب الشديد اعطاهم رؤوس خيوط سواء بالنسبة لقضية الدستور أو بالنسبة للاخوان المسلمين، وقد تحرك علماء سورية بسرعة لمناقشة حافظ أسد في الدستور وللمطالبة بالشيخ المشار له. ولكن الجلسة استمرت ساعات دون طائل كان حافظ أسد هو المتكلم الوحيد تقريباً، وكان جو الارهاب مسيطراً على الجميع لذلك لم يخرجوا بفائدة من اللقاء. المهم أن رأس الخيط كان بأيديهم قبل اعتقالي، ولقد كنت مصمماً على الموت على أن يحدث خرق من قبلي ولكن عندما يحدث الخرق يجد الانسان نفسه مضطراً للتعامل معه بقدر لأنه لا فائدة ترجى في تلك الحالة من التصلب ولقد كانت سياستي أثناء الاعتقال انه اذا وجد خرق وكان باستطاعتي أن أخفف من آثاره أو أن أوجهه وجهة تصرف النظر عن جهته فعلي أن أفعل. كان مركز حماة يرتبط به المئات من كل أصناف الناس فخرجوا نتيجة التحقيق أننا في حماة لا شيء، وأننا مبتدئون بالعمل وأنه لا علاقة لنا بأحد في خارج حماة، فلما حدث الخرق خارج حماة تكلمت بما أشعرتهم فيه أو وضع الاخوان المسلمين أتفه من أن يفكر فيه وأن تمزقاتهم تجعلهم لا يفكرون بشيء وأنه لا شيء من الناحية التنظيمية الا بدايات لا تساوي شيئا وقد أعطى ذلك للمعتقلين فرصاً وخفف من حدة التعذيب والعقوبة، لذلك انتهت أزمة بعضهم بعد شهور فأفرج عنهم وانتهت أزمتهم جميعاً بعد سنتين، والوحيد الذي بقي في السجن بسبب أحداث الدستور هو الفقير قد قضيت كما ذكرت حوالي خمس سنين. لقد تعاون على التحقيق معا ناجي جميل وحكمت الشهابي وعدنان الدباغ وعلي دوبا وعلي مدني ورسمي العيد ومحمد الخولي وغيرهم، وقد كان انطباعهم الأول أنني انسان متزمت غرر بي محمد الشامي وأنني انسان عادي، ثم تطور التصور فأحسوا أنهم أمام انسان قدراته الحركية واسعة، ثم تطور التصور عندما بدأوا في دراسة كتبي وخاصة "جند الله"، ثم تطور التصور عندما اعتقل بعض الاخوان. لقد كان استمرار التحقيق مع المعتقلين يعطي عني تصورا متغيرا حتى وصل الأمر الى أن حافظ أسد صار يعتبر اعدامي بدهية ثم تنازل فقرر ابقائي في السجن مدى الحياة، ثم لظروف انتخابه لفترة رئاسته الثانية أفرج عني. استطعت أنا واخواني في حماة أن نؤكد أننا لا نشكل خطرا، وأننا مبتدئون بالعمل التنظيمي داخل حماة وأن أقصى ما يمكن أن يصل اليه عدد الاخوان المسلمين ثلاثمائة أخ جامعي، وكان يرتبط بالمركز مئات الطلاب الثانويين والاعداديين، وكان يرتبط بالمركز أعداد جيدة من الخريجين والمعلمين والعمال، وجاءت مصادفة كان لها تأثيرها على تفكير أجهزة أمن الدولة الى سنوات، ولقد حاولت أن أستغلها الى أقصى حد:

اعتقل أخ لبناني متدين ومتحمس وكان يتردد على حماة كثيرا وله صلة بالاخوان وبالعلماء، وقد جاءني مرة يروي لي تصرفا قام به الشيخ مروان ومجموعة من الاخوان، فقد ذهبوا الى مفتي حماة الشيخ بشير الراد وتحدثوا معه بشيء من الخشونة وكان رده طيبا، فذكرت للشيخ المشار اليه أنه مثل هذه التصرفات تؤثر على توجهاتنا، وأن مخططنا في الحركة على حسب اجتهاد الأستاذ البنا غير ذلك، فعندما اعتقل الشيخ ذكر هذه التفصيلات أمام المحققين ففتحت علي بابا صعبا من ناحية ونفعتنا من ناحية، فقد استمر في أذهان المحققين بسبب ذلك أنه لا علاقة لي مع الشيخ مروان وأولوها بأن بيننا تنافسا على الزعامة، ولكنهم بدأوا يركزون ويسألون عن تفصيل مخططنا، فأصررت على أنه لا توجه عندنا الا نحو العلم والدعوة، وأن من يقول غير ذلك كذاب، واجهوني بالشيخ المشار اليه فأصررت على ذلك وأسمعته كلامي بدقة وبسرعة، فهم منحى كلامي، ويبدو أنه بعد أن أخرجوني تكلم بنفس الروح التي تكلمت بها وانتهت الأزمة، لكن خرجوا بانطباع أن الاخوان المسلمين ليسوا جميعا على نفس واحد في المواجهة.

***

          كشف الشيخ السوري الذي اعتقل قبلي أنني أرسلت له رسالة ثم أرسلت له البيان الذي فيه توقيعات العلماء، وهذا أفاد من ناحية وأضر من ناحية أخرى، كنت ذكرت له في الرسالة ان الاشتراكيين والناصريين هم الذين قاموا بالحركة في حماة وكنت صادقا في ذلك، وهذا القدر أفاد كثيرا، فانهم صدقوه لأنه رسالة من شيخ الى شيخ قبل الاعتقال فلا مجال للتهمة، ولكن من ناحية أخرى أثبت أن لي علاقة في العمل وفي البيان، فلم يكن أمامي إلا أن أتحمل مسؤولية البيان، ولما عرفوا أن البيان نسخ بين خشبتين أدركوا أن الأمر سهل وأنه في منتهى البساطة، فلقد كانوا قبل ذلك يسألونني عن التمويل والتسليع والاتصالات بين القوى السياسية في البلد ثم سكتوا عن هذا كله. كانت زنزانتي الزنزانة رقم 8 داخلية وهي مشرفة على مدخل السجن، ولقد وضعوني بها فيما يبدو لأكون تحت الاشراف المباشر لادارة السجن فلا اتصل بأحد، لكن كنت أستطيع من خلالها أن أرى القادمين الجدد الى سجن المزة، وفي اليوم المخصص للحمام كنت أستطيع أن أرى كل نزلاء السجن ولكن ادارة السجن كانت تراقبني ولا تسمح لي بالوقوف حيث أستطيع الرؤية. من العادة في السجون أن يعطوا السجين فرصة للتنفس خارج زنزانته أو مهجعه، بقيت حوالي شهرين دون أن أعطى هذا الحق، وبعد ذلك صاروا يخرجونني تحت المراقبة الشديدة وبعد اخلاء منطقة التنفس حتى لا أرى أحد ولا يراني أحد، وكانت المدة المخصصة لي دقائق معدودات. من المعلوم أن السجن الانفرادي من أشق أنواع السجون ولكن الله خففه علي بالصلاة وتلاوة القرآن. أذنوا لي بعد فترة من التحقيق أن آخذ مصحفي وقد أعطاني هذا فرصة أن أعيد حفظي للقرآن بعد أن كدت أنسى الكثير منه بسبب ظروف العمل، وكانت هذه أكبر نعمة من نعم الله علي في السجن. أتيحت لي فرصة التأمل الواسع في القرآن فتيقنت من نظريتي في الوحدة القرآنية التي بنيت عليها تفسيري فيما بعد.

          قضيت أكثر أيامي في الزنزانة صائما قائما وكنت لا أدخل علي من الطعام الا أقله مما أعادني الى حيويتي الأولى وشبابي وقد خف وزني كثيرا بسبب ذلك وكاد مرض السكري أن يتلاشى ولكن نقلنا الى المهاجع بعد ذلك أعادنا الى وضعنا الأول. كان بعض قاطني الزنزانات تطرأ عليهم طوارئ فكنا نسمع أصواتهم في بعض نوباتهم الجنونية، ذلك كله كنت منه في عافية بفضل الله. لا أذكر الاهانات والتعذيب فذلك نحتسبه عند الله الا أن المشرف على هذا والذي كان يعتبر جلاد سجن المزة قد قتله الاخوان فيما بعد. كنت أرى من زنزانتي حفلات السلخ والجلد والتعذيب للقادمين الجدد الى سجن المزة، وكان أكبر فوج دخلها بعد فوجنا فوج الضباط الأحرار الذي أعتبره أجراً تنظيم عسكري سياسي وجد في سورية. وقد أدخلوا واحدا منهم علي بعد حوالي أربعة أشهر من اعتقالي، ومن خلاله عرفت أشياء كثيرة مما حدث في سورية بعد دخولي السجن، كنت في الابتداء حذرا منه وكان حذرا مني، فقد تعلمنا أن من أساليب المخابرات أن يضربوا أحدهم ضربا مبرحا ثم يدخلوه على بعض المتهمين لينتزعوا بعض الأسرار، وكانت خطتي التي التزمت بها مع أقرب المقربين وعممتها على الاخوان ألا يتكلم الانسان مع أحد الا في الحدود التي تكلم بها مع المحققين، ولقد خالف بعض الاخوة فندموا كثيرا عندما فتح تحقيق جديد. وهكذا قضيت مع ذلك الضابط بقية أيام زنزانتي، لم يكن يصلي أو يصوم من قبل، وكان كثير السكر قبل التزامه بتنظيم الضباط الاحرار الذي كان يحرم على أعضائه أن يسكروا كي لا يدلوا بمعلومات، صلى وصام فترة وجودنا معا لكنه عاد الى وضعه الأول بعد أن افترقنا، كان أبواه صالحين كما حدثني. كان يتضايق من كثرة صلاتي وقراءتي القرآن لأنني بذلك أحرمه المسامرة ولم يكن عندي قدرة على تعطيل برنامجي، كنت أسهر الليل وهو نائم، وأنام في النهار وهو مستيقظ، كنت أعطيه الكثير من وقتي ولكن لا على حساب عبادتي وتلاوتي. قامت حرب تشرين (أكتوبر) ونحن في الزنزانة، قصف سجن المزة لكن الصاروخ نزل قريبا منه بفضل الله، أخرجونا من الزنزانات لأنهم احتاجوا اليها لوضع الأسرى اليهود فيها، ولولا ذلك لبقينا في الزنزانات سنين، وهكذا نقلت الى مهجع فيه ناصريون سجنوا بسبب أحداث الدستور وأحداث لحقتها، كانوا يظنون أن سجن الاخوان المسلمين مع الناصريين مفيد في تعميق الهوة بين الطرفين، ولكن الواقع أن كلا من الطرفين كان نموذجيا في حسن التعامل مع الآخر مدة السجن. تبين لي أن بعض الاخوة في مهجعنا ثم في المهجع الآخر كانوا يحملونني أخطاءهم وضعفهم مستغلين غيابي في الزنزانة، فلما اجتمعت بالاخوان وعرفوا الحقيقة سخط بعضهم على هؤلاء وأراد بعضهم أن يؤذيهم ولكني صبرتهم، وعرف الاخوان الحقيقة من أين أتوا، لقد أتوا من خلال اثنين أو ثلاثة ولكنهم جميعا معذورون، وكنت أكرر عليهم قصة الغلام في حادثة الأخدود، لقد كان صديقا ولكنه أقر على الراهب تحت التعذيب حتى أعدموه.

***

          ولنتكلم قليلا عن تنظيم الضباط الأحرار...

          هذا التنظيم يقوم على أفكار رئيسة، وبعض أفراده لهم صلة بليبيا ولبعضهم صلة بالعراق، وأفكارهم الرئيسة في التنظيم أنه يجب أن يكون لهم ضابط في كل كتيبة، فاذا وجد في كل كتيبة ضابط وغطى ذلك قسما كبيرا من الجيش وأصبح لكل ضابط من خلال فراسته من يمكن أن يتحركوا معه في اللحظة الحاسمة عندئذ يعتقلون كل من ليس سنيا في الجيش، ثم يحركون العناصر السنية في انقلاب يستلمون على اثره الحكم، وكان عدد من هؤلاء الضباط حمويين، ويبدو أنه بسبب من أحداث الدستور تصاعد عدد المنتسبين لهذا التنظيم، لولا أن تنظيمهم اكتُشöفَ لأمكنهم خلال فترة محدودة أن يسيطروا على سورية فالجوا مهيأ والضباط على استعداد.

***

          ولنعد الى السياق...

          نقلت الى مهجع ضم الاخوان والناصريين، والانتقال الى المهجع بعد الزنزانة عيد عند أصحابه، لذلك ملأت البهجة نفسي ونفس اخواني وكانت أحاديث مطولة. عرفت أن الناصريين المعتقلين وكلهم من الساحل تقريبا اعتقلوا بعد أحداث الدستور لتحركين:

تحرك انتخابي وتحرك مواجهة، فقد حدث في الحي الرئيس لأهل السنة في اللاذقية واسمه "حي الصليبة" نوع من المواجهة بين الشعب والسلطة، وحدث اطلاق نار كثيف واعتقلت أعداد هائلة من اللاذقية وعذبوا تعذيبا شديدا وأهينوا وأهين الاسلام كثيرا، وكان في السجن بقية من هؤلاء المعتقلين. عرفت أن التحرك الكبير لأهل اللاذقية كان بمناسبة المولد النبوي وكان في ذلك العام في آذار (مارس)، وكانت هذه الاعتقالات من آثاره، كما عملت أن تحركا كبيرا حدث في حمص بالمناسبة نفسها فأطلقت السلطة النار على الناس فقتل أكثر من ثلاثين شخصا. وجدت بعض الكتب الشرعية في المهجع فأبهجني ذلك، طلب مني بعض الاخوة أن أنشيء دروسا، فبدأت دروسا خاصة في التفسير ودروسا في الفقه، وكانت دروس التفسير هي بداية اشتغالي في التأليف في التفسير، اقترح بعضهم جلسة ثقافية لكل المهجع وكان ذلك، لكن الحساسيات كانت كثيرة، فاذا ما طرق أي موضوع يمس العمل السياسي أثار حساسيات، لذلك لم تنجح الجلسة، كانت علاقاتي طيبة مع الأفراد جميعا، لأن أدب السجين كما يفهم من قصة يوسف عليه السلام الاحسان الى السجناء، ولو كانوا كفارا، فلقد قال صاحبا يوسف وهما وقتذاك كافران: {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] وهذا الأدب كنت دائم المطالبة به، أطالب نفسي واخواني به. كانت وجهة نظري في الحياة داخل المهجع أن يقلل الانسان الخلطة ما أمكن، ففرضت على نفسي نوع عزلة الا فيما لا بد منه، وهذا أعطاني فرصة للمطالعة والكتابة فكانت انجازاتي في مرحلة السجن كثيرة وكبيرة بفضل الله. ومن أجل العمل كنت أسهر الليل حيث الناس نائمون وأنام في النهار حيث الناس مستيقظون، وقد ألزمت نفسي أن أشارك بخدمات المهجع، وكان اخواني يحبون ذلك، مع أن أهل المهجع جميعا متفقون على اعفاء بعض النزلاء من الخدمة. وقررت السلطة بعد عشرة أشهر من أحداث الدستور أن تفرج عن بعض المعتقلين، وأوزعت الى بعض المعتقلين أن يكتب كتاب استعطاف وأشعرت الجميع بأن الطريق مفتوح أمامهم لذلك. كان اخواننا يعيشون على تطلعات الاقتداء باخوان مصر في ثباتهم ورفضهم الاستعطاف، وكنت أرى أن وضعنا يختلف، فاخواننا في مصر حققوا القدوة اذ أخذوا بالعزيمة أما نحن فتسعنا الرخصة. وكان وضعي هو الوضع الحرج، فالاخوان يتطلعون الى موقف صلب مني، وبعض الاخوان ممن ثقته في ضعيفة كان يرى أنني أريد أن أدفع الاخوان الى الرخصة لأسجل لنفسي منفردا موقفا بطوليا، مع أنني أكره لنفسي دائما أن آخذ مثل هذا الدور، أمام هذا الوضع قلت ما يلي:

أنا أرى أن يكتب الاخوان جميعا طلبات استعطاف، أما أنا فأضع أمري بين يدي اخواني، فما قرروه فانني سأنفذه. رأى الاخوة أن نكتب بلا استثناء، فكتبوا وكتب أحد الاخوة على لساني بعض كليمات، ورغم أنني قليل البكاء فقد بكيت لهذا الموقف. كانت النتيجة أن أفرج عن بعض الاخوة، وعن بعض الناصريين، وكان ذلك عيدا عندي، فكلما خرج أخ كنت أفرح، لأنني اعتبرت نفسي المسؤول عما حدث، عرفت فيما بعد أنه أفرج عن بعض الناس في المهجع الآخر الذي يضم امثالنا، جمع الباقون من المجعين في مهجع واحد، فاجتمعت البقية المتبقية من الاخوان والناصريين في مهجع واحد، ونقل الى هذا المهجع خليل بريز صاحب كتاب "سقوط الجولان" فتمت بهجتنا، وكنت أعرفه من قبل. عكفت على كتابة التفسير فأنجزته في أقل من سنتين، وأنجزت خلال سجني عددا من الكتب الا أن بعضها ضاع وبعضها حولته الى كتب أخرى أو أدخلته فيها، ومن تآليف السجن:

من أجل خطوة الى الأمام، وجولات ف الفقهين الكبير والأكبر، وتربيتنا الروحية، وكتاب سميته القواعد في البناء، ورسالة برسم التنفيذ، ورسالة نظريتنا الأمنية – وهي رسالة مشتركة، ومع أنه من الناحية الرسمية لا يسمح لأحد أن يخرج شيئا مكتوبا خارج سجن المزة فقد يسر الله أن يخرج معظم ما ألفناه ونسأل الله أن تعم به الفائدة. اصطدمت مع أكثر من انسان داخل السجن بسبب موقفه من الاسلام، وكانت الأمور تحل بسلام، غلب على مجعنا الثاني العلم والعبادة. كثرت مآخذ بعض الاخوة على بعض بسبب ضيق الصدر وكثرة الخلطة، كان بعض الاخوة يرى أن علي مسؤولية أن أفعل شيئا ما لانقاذهم فاتفقت مع أحد الأشياخ أن نكتب كتابين الى حافظ أسد، تحملت في رسالتي مسؤولية أحداث الدستور وتعجبت أن يوجد سجين غيري من أجل هذا، وبطبيعة الحال كانت اللغة لينة لاقتضاء الحال ذلك، فلقد كان الهدف الافراج عن اخواننا، وعلى رأس السنتين تقريبا أفرج عن أكثر الاخوان ولم يبق الا أفراد قلائل ثم فرج الله عن الجميع وبقيت وحدي.

          أقبل بعض السجناء المحسوبين على الناصرية على حفظ القرآن وكنت أسمع لهم. كانت المراسلة السرية بيني وبين اخواني في الخارج قائمة، فكنت أتعرف على بعض مجريات الأمور وأرسل لهم وجهة نظري في بعضها الآخر. من عجيب الرؤى أنني قبل السجن رأيت كأن قائلا يقول لي: "أنت مع العشرة" ولم أعرف مضمون هذه الرؤية لكني عندما كنت في المهجع الثاني كنت أعد الحمويين المعتقلين فأجدني عاشرهم. كما أن من عجيب الرؤى أني رأيت رؤيا في الزنزانة فهمت منها أن مدة سجني ستكون خمس سنين الا قليلا فكانت كذلك. اعتقل بعد أكثر من سنتين مضتا على اعتقالي الشيخ مروان حديد رحمه الله واخوانه وتسرب الينا النبأ وأفرج على أثر ذلك عن بعض كبار الناصريين فالسلطة كانت تحب أن توحد معاركها، وكان تعذيبا رهيبا يسلط على اخواننا من مجموعة الشيخ مروان حديد ولم نكن نستطيع الا الدعاء. بعد خروج اخواننا والناصريين أصبحنا في مهجع جديد يضمني وخليل بريز وجمال الصوفي أحد وزراء عبد الناصر في عهد الوحدة وبعض البعثيين المحسوبين على العراق، ومجموعة من الضباط اتهموا بالاعداد لتمرد على رأسه شاب أريحى التفكير. كانت حياتنا روتينية، وكان هناك شيء من حوار سياسي معقول، وكانت علاقاتنا مع الجميع حسنة لأني كنت أتجنب اثارة العصبية الحزبية، كنا وأكثر السنيين على اختلاف مذاهبهم السياسية وكأننا قلب واحد، وكان هذا يؤلم غير السنيين عندما يرون الإسلام أقوى من التربية الحزبية، وكانت الدروس مستمرة لكن ادارة السجن أشعرت الجميع أن هذه الحلقات ليست لصالحهم فخففت منها. كنت حريصا طوال مدة السجن ألا أتهجم على أحد وأن أشعر الجميع أني لا أشكل خطرا على أحد، وكان هذا حتما يصل الى مسامع السلطة، وكان هذا عاملا من عوامل الافراج عني فيما بعد، وكدت أن أخرج من السجن في نهاية السنتين والنصف، وقصة ذلك فيما يلي:

فكرت السلطة أن تفرج عني على أثر اعتقال الشيخ مروان حديد كمحاولة لتخفيف حدة التوتر في حماة وكنت أكره أن أخرج من السجن في مثل هذه الظروف، استدعتني ادارة السجن وطلبت مني أن أكتب كتابا الى حافظ أسد أستعطفه فيها للافراج عني، فكتبت كتابا طالبت فيه الافراج عني وعن الشيخ مروان حديد واخوانه وكلفني ذلك أن أبقى في السجن سنتين وخمسة أشهر أخرى. لم يكن يفوتني ماذا تعني كلمتي، ولكني لم أكن راغبا في أن أخرج على جثث اخواني، كان التأليف شغلي الشاغل في المهجع الجديد واستمر وجودنا في هذا المهجع حتى وفاة الشيخ مروان حديد رحمه الله في مستشفى السجن.

***

          في اليوم الذي توفي فيه الشيخ مروان حديد رحمه الله نقلت أنا وخليل بريز وجمال الصوفي وآخرون الى مهجع آخر ولم نعرف السبب، وكان المهجع فارغا عندما دخلناه، وبعد قليل بدأت تتوافد علينا العناصر التي اعتقلت مع الشيخ مروان رحمه الله، وكلها كانت في الزنزانة لأكثر من سنة، كانت فرحة اللقاء عامرة غامرة، وقدرنا السر فيما حدث بعد ذلك، لقد كانوا يخشون من مغبة معرفة المجموعة بوفاة الشيخ مروان، وكانوا يخافون من ردة فعل، فجمعونا في مكان واحد وأتوا بنا لنقوم بدور مهدئ بحكم سننا وتجربتنا، كانت مجموعة من الشباب اجتمع فيهم دين وقوة نفس والتفوا حول الشيخ مروان على الجهاد، كانت اجسامهم قوية ونفوسهم قوية وعقولهم نظيفة وشعرت أنه اذا ما أردنا أن نبقي لهم ألفتهم في جو السجن فلا بد من ملء الفراغ بما هو منتج ومفيد، وبدأت دروسا صباحية ومسائية، وكنت أعالج أي مشكلة عامة في الدرس الصباحي أو المسائي، ثم بدأت بالدروس الخاصة، وكان الشباب في زنزاناتهم قد بدأوا حفظ القرآن، وهكذا بدأ المهجع وكأنه مدرسة، فهناك نحو وصرف وبلاغة وفقه وتفسير وحديث وفقه دعوة وقراءات وسلوك، وبعض الاخوة بدأوا يشتغلون في التأليف. واستقر الأمر على أن تكون هناك جلسات عامة لمناقشة أمور المهجع، فكنا نبقى الساعات لمناقشة الصغيرة والكبيرة واتخاذ قرار بشأن المهجع. أبعدنا أنفسنا والاخوة عن أية مناقشات لها علاقة في الخارج الا لماما وضمن الحدود التي لا تسيء الى وحدة المجموعة أو الى أمنها. رأى الاخوة أن يقيموا خطبة الجمعة – على عدم توافر الشروط لاقامة الجمعة – فكانوا يخطبون ونصلي الظهر جماعة. كان طعامنا جماعيا وهي سنة لم ينجح فيها مهجع لمدة طويلة وتركنا لكل أخ خصوصياته وحريته في أن يأكل ما شاء، واذا جاءت زيارة كان الأخ يأخذ ما يريد والبقية للمهجع كان الجميع يواسون بعضهم وكأنهم اسرة واحدة فليس هناك من أخ يشكو حاجة أو تحيزا. حتى الأمكنة في المهجع كانت متنقلة كل شهرين بحيث لا يبقى أحد في مكان متميز، وطبقت هذا على نفسي مع مرضي وخص من ذلك خليل بريز وزهير الشلق بعد أن انتقل الينا وجمال الصوفي وبعض الضيوف وكذلك المرضى، وكان نجاح ذلك كله منوطا بأن أطبق هذا على نفسي. حدثت بعض المزعجات فكنا نطوقها بسرعة كأن يختصم اثنان من الاخوة أو ينفرد أحد بوجهة نظر أو يسيء أخ التصرف. بذلت جهود كثيرة من أجل حسن التعامل مع أضياف المهجع، لقد كان جميع أهل المهجع ومن يدخل اليهم يصلون ويصومون، وأتتنا مرة ادارة السجن بشيوعيين أحدهما نصراني والآخر نصيري، وكان واضحا أنها تريد أن تزعجنا بذلك، لكن الرجلين أدركا الوضع بسرعة وشاركانا دون طلب في صيامنا وصلاتنا ثم طلبا الانتقال فنقلا، فتحنا معهما حوارا مطولا، أدركا الكثير عن تصوراتنا، وكانا من رابطة العمل الشيوعي. كان شريكنا في المهجع أحد الأخوة، وكان عصبي المزاج جدا، فاصطدم مع الاخوان كثيرا وكنت أحاول أن ألطف الأجواء، وقد أصابني الكثير من حدته لكنه أدرك في النهاية أن أسلوبي هو الأسلوب الوحيد الممكن داخل السجن، ثم فرج الله عنه بوساطات. كانت حياتي مع هؤلاء الشباب متعة لكن ارتفاع الضغط وارتفاع السكري ووضعي الخاص كل ذلك جعلني أتطلع الى خروج من السجن ودعوت الله في ذلك واستجاب الله الدعاء. فقد كان حافظ أسد مقدما على تجديد رئاسته وكان بعض الشيوخ يلحون عليه في شأني ومنهم الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، وكان يريد أن يرضي المتدينين، واطلاق سراح واحد في أي لحظة يستطيع اعتقاله لا يضره، وهكذا قرر الافراج عني، استدعيت وطلب مني أن أكتب كتابا استعطف به كالعادة، كان أصعب شيء علي أن أطالب بالانسحاب من الاخوان أو أعطي تعهدا وعهدا، وكنت أدعو الله أن أخرج بلا عهد ولا عقد، كتبت كتابا تخيرت فيه كلماته وأطلعت عليه أخوين من مجموعة الشيخ مروان فلم يريا فيه شيئا، لقد تجنبت في الكتاب ما أريد أن أتجنبه، كان قرارهم جازما بالافراج عني، أبلغوني ذلك، خرجت الى الاخوان وأبلغتهم، ووزعت عليهم كتبي، كانت ساعة فراق صعبة، كنت لهم كالوالد والأخ والخادم، لكنهم كانوا يعرفون أنني لن أنساهم، أخرجت من السجن وذهبوا بي الى آمرية الطيران، كان هناك ناجي جميل وعلي دوبا ورسمي العيد وعلي المدني، كان حديثي مطولا، وأردت من خلاله أن آخذ فرصة عمل دعوي، حدثتهم عن تفكيرنا نحن الاخوان المسلمين في سورية وأدراكنا للأوضاع الدولية، وحدثتهم عن وضعي الصحي، وأظهرت عجبي كيف يعتقل أمثالي هذه السنين الطويلة. ثم وضعوا تحت تصرفي سيارة لتصل بي الى حماة، بل لتسلمني هناك لأحد فروغ المخابرات، أخبرتهم أنني أرغب في زيارة الشيخ حسن حبنكة فوافقوا، قرعت باب الشيخ حسن فعلمت أنه ذهب الى القصر الجمهوري، كتبت اليه وريقة أعلمه بالافراج عني وأنني سأزوره، كان حافظ أسد قد استدعاه ساعة الافراج عني ولم يبلغه بالافراج عني، لذلك طالبه الشيخ حسن بي بشدة سأله حافظ أسد: هل تكفله، قال: لا أحد يستطيع أن يكفل أحدا، خرج من المقابلة ولم يعلمه بما كان فعل. كنت في جلستي مع ناجي جميل وزملائه قد طالبت بأوراقي في السجن وطالبت بالافراج عمن لم تثبت في حقه تهمة وحددت بعض الأسماء، وأعلنت عن استعدادي لكفالة الجميع اذا كان بالامكان الافراج عنهم، وعدت بدراسة الأمر، أفرجوا بعد ذلك عن بعضهم وحاولوا اعتقاله مرة أخرى وبعضهم درسوا قضيته وأجلوه ثم أفرجوا عنه. عرفت بعد خروجي من السجن مباشرة أنهم عاملوا الاخوان معاملة قاسية وشتموهم ثم فتحوا التحقيق مع بعضهم مرة أخرى، وقد أعدموا الكثير منهم.

***

          الذين يدخلون السجن يحلمون أحلاما كثيرة وندر من يحاول تحقيق أحلامه، فمن أحلام السجناء أن يتغير نظام السجون بحيث يكون أكثر انسانية للسجين وأهله، وأن تكون العقوبة بالسجن ملاحظا بها كف شر السجين حيث لا يجدي غيره، لقد كنت أحلم في السجن أن يأتي يوم تحترم فيه حقوق الانسان في سورية، لقد قضيت خمس سنوات في السجن من أجل موقف لو حدث في أي بلد يحترم حقوق الانسان لما ترتب على ذلك أي شيء يذكر، الا ما أقسى ما يعامل الانسان حيث لا تحترم حقوق الانسان، الا ما أكثر الوقت المهدر وما أقسى عذاب الانسان في بعض أنظمة هذا العصر. انني لا أحمل مسؤولية هذه الأوضاع الأنظمة الديكتاتورية وحدها بل أحمل القوى الكبرى والصغرى هذه المسؤولية، فقد ألفت هذه القوى أن تسكت عن مثل هذه الأنظمة ما دامت تحقق لها مصالحها أو تعتبرها خيرا من غيرها في تحقيق هذه المصالح، ان أي نظام يستطيع أن يقدم رشاوى لأصحاب المصالح فيستبد رغم طغيانه ولا يوجد في هذه الحالة من يقول له شيئا؟ ترى لو كان العالم حقا يحاسب على حقوق الانسان سواء في ذلك الشعوب والحكومات والدول الكبرى والصغرى أكانت حقوق الانسان تهدر هذا الاهدار؟! فلا يجد الانسان أي نوع من أنواع الحماية له اذا ما أراد أن يتصرف ضمن حقوقه الأساسية؟.

|السابق| [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca