من السنة الأولى حتى الثالثة عشرة
(1935 – 1948 م)
ولدت في حماة سنة 1935 في حي فيها يسمى العيليات يقع على يمين الداخل إلى حماة من جهة دمشق، اسم الوالد محمد ديب حوا واسم الوالدة عربية ألطيش، يشتق اسم اسرتي من الفعل حوى يحوى فهو حوا وللاشعار بهذا الاشتقاق، فقد تعمدت أن أختم اسم الأسرة بالألف المقصورة وقد نبهني بعضهم إلى أن هذا غلط املائي فلا يصلح ههنا إلا الألف الممدودة، وبعض شيوخنا أجاز الوجهين، وهو الذي أخذت به. تصل أسرتي بنسب إلى أسرة أخرى في الحي هي أسرة برى ورواية الأسرتين تتضافر على أن ثلاثة اخوة أصولهم عربية وفدوا إلى حماة وقطنوا فيها ومنهم تفرعت الأسرتان. تتضافر روايتا كبار الأسرتين على أننا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حدثني حاج محمود برى – ولا زال حيا أثناء كتابة هذه السطور – أنه ورث في أوراق أسرته شجرة النسب وأن نسب الأسرة ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك رواية أسرتنا والجميع مجمعون على أن نسبينا واحد. وقد حدثني الوالد أننا ننتسب إلى قبيلة النعيم المشهورة وهي قبيلة ينتهي نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور، لم تتح لي فرص التحقق من هذه الروايات والناس مصدقون بأنسابهم. وأما أسرة والدتي فتنتسب إلى عشيرة الموالي، وهي عشيرة مشهورة تسكن بادية الشام، كما حدثني بذلك ابن خالة لي نقلا عن والده. توفيت والدتي وأنا في السنة الثانية من عمري، ثم تزوج والدي من أسرتنا ثم اضطر لمغادرة البلد وأنا صغير بسبب شجار حدث في الحي توفي أحدهم رحمه الله، وقد اتهم به والدي الذي يضع دم القتيل في عنق طبيب متآمر، وقد لوحق الوالد ففر إلى الجزيرة السورية وبقي هناك حوالي أربع سنوات، تقمص خلالها شخصية تاجر، وعاش في أجواء قبيلة عنزة، ثم سلم نفسه للسلطة بعد مصالحة مع أسرة القتيل، بقي بعد ذلك في السجن حوالي سنة ثم اطلق سراحه، وعشت خلال هذه الفترة في كنف عمي وجدتي رحمهما الله.
***
كانت جدتي حازمة صارمة، لم تكن تسمح أن أغيب عنها وكانت حريصة على تعليمي فأدخلتني مدرسة ابتدائية، ولكن الفقر لم يكن يسمح بلباس مناسب فلا أعرف أنه كان أرث من ثيابي في المدرسة، حتى احتج المدير على رثاثتي وهدد بطردي فاستطاع أحد أقربائنا أن يأتيني بثوب عتيق ولكن لا بأس به فأنقذني ذلك من الطرد، كانت الأيام وقتذاك أيام حرب، فالحرب العالمية الثانية كانت في أوجها. خرج الوالد من السجن وأنا في الثامنة تقريبا، فأخرجني من المدرسة لأنه لا يستطيع الانفاق علي ثم أنه كان بحاجة أن أساعده على صغري في عمله في سوق الخضار كبائع بالجملة. ذكرياتي عما قبل الثامنة قليلة، حينا حي منعزل وجدتي كانت تفرض علي عزلة كاملة فلا خلطة مع أحد، كنت أفر كثيرا من المدرسة وأرفض الذهاب إليها أحيانا وكم شاهد الناس حدتي وهي تجرني إلى المدرسة غصبا عني، كنا فقراء نأكل خبز الشعير في الغالب، ولا نذوق الرز إلاّ في الأعياد، وكانت فقيرات الحي ومنهنّ زوجة والدي يعملن أثناء موسم الحصاد أما بالحصاد ليكسبن أجرا أو يلتقطن ما يهمله الحصادون وكانت سنة معتادة أن ما يتركه الحاصد يكون مباحا لمن يلتقطه. لا أتذكر أنني زرت والدي في السجن إلا مرة واحدة فجدتي كانت تجنبني هذه المواقف. أتذكر زيارة واحدة زرنا فيها والدي أثناء هروبه في الجزيرة، أخذني عمي، ويبدو أن ترتيبه مع الوالد أن أبقى عند الوالد لكني أحسست بالأمر وكنت متعلقا بعمي وجدتي فبكيت ولحقت بعمي فأرجعني عمي معه، ولا زلت أتذكر اسم القرية، كان اسمها "عين عيسى" ولا زلت أتذكر منظر السمك وهو يسبح في عينها. رجعنا من قرية عين عيسى في الجزيرة في سيارة شحن تحمل حبوبا وكنا نائمين على ظهرها، وعبرنا الفرات على زورق خشبي، ولقد أضعت حذائي أثناء النوم فعدوت بلا حذاء. مررنا في عودتنا بحلب ودخلنا بعض أسواقها وعرفت وقتذاك وأنا صغير كيف يحاول بعض التجار أن يغرروا بالمشترين فيدفعوا ناسا للتظاهر بالشراء ولا يريدونه. كنت أرى كل شيء عجيبا. عدنا إلى الجدة التي كانت تصبر علي كثيرا وتحبني كثيرا، ومع ذلك كانت تضربني كثيرا وخاصة من أجل المدرسة، ومن أجل اسكات صوت بكائي إذا رفضت أن تعطيني ما أريد. كنت كثير الطمع بها، كثير الحب لها، - رحمها الله - . عندما خرج الوالد من السجن وأخرجني من المدرسة بدأت أساعده في عمله كاتبا ومحاسبا ووزانا وحمالا، ومن قبل كنت أساعد عمي وكان خضريا وفاكهانيا.
***
كان والدي يبيع بالجملة ينزل عنده أصحاب البساتين والحقول انتاج بساتينهم وحقولهم فيبيعه لهم، كان دوره دور الوسيط بين المزارع وبائع المفرق وبسبب من ذلك تقوم دوائر من الأعمال والمحاسبات، ودفعني الوالد على صغر سني لاتقان ذلك كله محاسبة وجباية وتصرف في المال مع رقابة شديدة وأتقنت ذلك، لقد ركز على تعليمي الخط والحساب حتى صرت مضرب المثل في سرعة الحساب. وعودني الوالد على المطالعة حتى ولعت بها وكانت بداية ذلك عندما جاءني بقصة عنترة ثم بقصة سيف بن ذي يزن وبقية القصص الشعبية فولعت بالمطالعة ولعا شديدا، وكان استيعابي رفيعا حتى أنني في يوم من الأيام قرأت في كتاب المستطرف فحدثت عمي الأكبر عن بعض ما فيه فعجب من استيعابي ورغب إليّ أن أقص أمام بعض الناس فقصصت، فعلق أحدهم:
إن هذا الغلام سيأكل الفالوذج على موائد الملوك، ولم ترقني هذه الكلمة فلقد كانت همتي وقتذاك أكبر من ذلك، فلقد نما عندي بسبب مطالعتي نوع من الاحساسات الطموحة ندر أن توجد في بيئة كبيئتنا وبقيت هذه الاحساسات تنمو وتستفحل حتى دخلت جماعة الإخوان المسلمين بعد سنين، وعندئذ تحول طموحي إلى رغبة أن انجز الكثير دون أن يعرف أحد عني شيئا. لقد كنت أستشعر أنني أستطيع أن أفعل كل شيء وأن أتغلب على كل شيء وأن أحقق كل شيء، شهدت في السنة العاشرة ما حدث في حماة من صراعها مع الفرنسيين وما ترتب على ذلك من جلاء، شهدت الآلام وشهدت الأفراح وأتذكر ذلك جيداً. وأتذكر كيف نهب الناس بيوت الفرنسيين بعد هزيمتهم في حماة وكيف أن بعض أقاربي نهب صناديق ثقيلة وبعد جهد فتحها فوجد فيها سردينا، فكانت نكتة ضحك الناس منها لأنه لم يكن مألوفا في بيئتنا أكل السردين. وأتذكر كيف انتهب الناس سلاح الحملات التي وجهها الفرنسيون إلى حماة بعد انكسار هذه الحملات. وأتذكر الاستعراضات التي سبقت ولحقت الحملات، وكيف أن الناس جميعا نسوا خلافاتهم وأتذكر أن والدي شارك في المعركة مشاركة فعالة. كانت بيئتنا جاهلة لكنها تهتم كثيرا بقضايا الشرف، وكانت فقيرة لكنها عفيفة، وكان أكثر حينا يعمل اما في البساتين واما في بيع الخضار وكان يقع على هؤلاء وهؤلاء ظلامات من الملاجين وحواشيهم والمتعاملين معهم وكان والدي وعمي يمثلان فتوة جيلهما، ولذلك وجدا أنفسهما في حلبة صراع كان من آثاره ما ذكرته من استشهاد أحد أبناء الحي على أثر ضربة من والدي وتوطؤ طبيب مع الخصوم غفر الله للجميع، وكان من آثار ذلك الوضع سقوط الكثيرين من أبناء الحي قتلى وكانت بعض الظلامات سببا في استجابة أهل حينا للحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني وكان والدي وعمي ممن شاركوا ابتداء في التمكين لهذا الحزب في حينا.
***
كانت أوضاع حينا تستدعي المنازعات والخصومات، ولقد سجن والدي ثلاث مرات بسبب هذه الأوضاع، سجن والدي سجنه الأول وأنا في السنة الثانية من عمري وتوفيت والدتي وهو سجين، وعمري سنة وأربعة أشهر، وسجن سجنه الثاني وأنا في السابعة من عمري، وسجن سجنه الثالث وأنا في العاشرة من عمري، وكان ذلك كله بسبب مواقف يعتبرها الناس عندنا شريفة وبطولية، والله يغفر لنا وله وللناس. خرج الوالد من سجنه الثاني وأنا في أواخر الثامنة وقد خرج من السجن وهو فقير، وأتذكر بعض الحديث الذي دار أمامي حول عمله، ثم حدث أن توجه نحو بيع الجملة "سوق الهال"، وبدأ عدد من أصحاب البساتين ينزلون عنده خضارهم وفاكهتهم، وبيع الجلمة يحتاج إلى حاسبة قوية وكتابة واضحة وإلى حركة صباحية نشطة وإلى جمع ثمن الخضار مساء، ولذلك ركز علي والدي أن يعلمني جدول الضرب وأن يحسن خطي، فمهرت بالضرب مهارة عجيبة مذهلة بحيث كنت أستطيع بسرعة دون الاستعانة بالكتابة أن أجمع أو أضرب أي رقم يحتاجه عملنا، ومع أن أهل مهنتنا كانوا مهرة في ذلك لكن لا أعرف أن أحدا كان يفوقني في سرعة استخراج أي نتيجة، وتحسن خطي فأصبح واضحا مقروءا حتى أن أبي صار يفاخر بي، وكنا نستيقظ مبكرين فنصلي ونقبل على استقبال الخضار والفواكه فنبيعها ونزينها ونسلمها لأهلها، وقد نساعدهم على تحميلها وينتهي علمنا هذا كله مبكرا حتى أنه نادرا ما يتجاوز علمنا الثامنة صباحا، وكان افطارنا في الصيف الخبز والفليفلة والطماطم والبقدونس، وكانت كمية الخبز التي آكلها كبيرة بعد ساعتين من العمل المجهد، وبعد الظهر كان والدي يرسلني لجمع الديون ولا أعرف أنني كنت أتأخر عن البيت إلى ما بعد المغرب، فذلك شيء محظور علي، وعندما تأخرت يوما إلى ما بعد المغرب فلم يحاسبني شعرت أنني أصبحت رجلا.
***
أعتبر والدي مربيا ناجحا فهو يمتلك قدرة عجيبة على غرس المعاني التي يريدها في نفوس أبنائه، كما أنه قادر على أن يحملهم على ما يريد. وحرص في هذه الفترة على أمور، أولا: أن ينمي عندي الحمية على العرض حتى إذا وجدت وأنا ابن العاشرة واحدة من أخواتي الصغيرات تلعب خارج البيت وكلهن أصغر مني كنت أضربهن تنفيذا لوصايا الوالد، وكان يقص علي من حوادث السجناء فهذا قتل أخته بسبب فضيحة، وهذا قتل أمه، لقد رباني على أن أهم شيء في الوجود هو المحافظة على العرض والشرف. ثانيا: نمى عندي عدم التفكير في المظاهر (الهندام لا قيمة له – اللباس الفاخر لا يساوي شيئا – العبرة في المخبر) وقد أثر هذا في حياتي ولا يزال يؤثر رغم قناعاتي بعد ذلك أن هذا يخضع للظروف. ثالثا: نمى عندي العفة عن أموال الناس، وهذا مهم لما أنا فيه فعندما ينزل أهل البساتين فواكههم يزوقونها فإذا ما أكل أحد الناس منها ساءهم ذلك فعودني ألا أمد يدي على شيء، كما غرس في نفسي حفظ الأمانة والعفة عن المال العام وأطلق لي أن أنفق ما أشاء على أي شيء أشاء لكن لا بد أن يكون ذلك وفق حساب دقيق، فلا بد أن أقدم كشف حساب وأن تكون حساباتي دقيقة، ولقد ضربني أكثر من مرة ضربا مبرحا لأنه وجد الخارج والداخل غير متطابقين على قلة الفوارق، لقد سلمني على صغر سني محاسبة أصحاب البساتين وأن أجمع الديون وأن أنفق على البيت وكان ذلك كبيرا على صغير في السن مثلي، ومع حرصي اليومي والأسبوعي على مطابقة الوارد للصادر كان يحدث عندي خلل بسبب بعض المصروفات التي لا أسجلها، ومع أن الأموال كثيرة والمعاملات كبيرة، فالفوارق تبقى دائما قليلة، ولكن مهما كانت قليلة فذلك يكلفني ضربا مبرحا.
***
مما أتذكره في هذه المرحلة دخول الاشتراكية الى حينا، وكان رائدها عندنا في حماة أكرم الحوراني. وحماة بلد متدين وهي على صلة في البادية السورية فهي محتكة بالقبائل العربية ثم هي عريقة في حضارتها فقد تكون من أقدم بلدان العالم ولذلك تجد هذا الاسم يذكر كثيرا في كتب العهد القديم، وحفريات حماة أوصلت إلى أزمنة سحيقة في القدم. ليس في حماة يهودي واحد مع أن في حماة قبرا يزعم أنه لداوود عليه السلام، وعندما حدث الفتح الاسلامي لم تقاوم حماة الفتح، وعلى مدى التاريخ الاسلامي كان لحماة وقفات صامدة سواء في الحروب الصليبية أو في مرحلة الاستعمار. توطنت حماة، عند الفتح الاسلامي القبائل القيسية حتى أصبحت كلمة قيسي ترادف كلمة الحموي وأشار الى ذلك الحريري في مقاماته. الهجرة الى حماة من القبائل والقرى والبلدان مستمرة لذلك تجد فيها اصولا عربية واصولا أخرى وخاصة الأكراد فبعض أسر حماة الشهيرة أصولها كردية. استمرت النصرانية في حماة بعد الفتح الاسلامي وفيها أكثر من مذهب مسيحي والصلات بين نصارى حماة ومسلميها قوية، وقد تأصلت في المدينة آداب في التعامل الاسلامي المسيحي، ويضرب نصارى حماة مثلا رفيعا على مراعاة مشاعر جيرانهم المسلمين، ويقابل المسلمون الأريحية بمثلها. ومن هذا كله وجدت لهذه المدينة خصائص وغلب على أهلها طابع وأصبحت هناك أخلاقية واحدة ينصهر فيها كل فرد في المدينة. فالتدين في البلد ظاهرة لا تتجاهل على تساهل في بعض السلوكيات، والمحافظة على العرض والشرف، والشجاعة والأنفة والنخوة، والتعلق بالأخلاق العربية. هذه الخصائص العامة جعلت حماة تستعصي على كثير من الأفكار السياسية ولذلك كان تأثر الحمويين بالفكر الشيوعي وبفكر الحزب القومي السوري الاجتماعي ضعيفا لبعد الأول عن الدين، ولبعد الثاني عن الدين والعروبة. قبلت حماة فكرة الكتلة الوطنية والتفت حولها لأنها أصبحت رمز الصراع مع الفرنسيين ولكن بعد انتهاء الصراع لم يبق لحماة تعلق بالحزبين الرئيسين اللذين تمخضت عنهما الكتلة الوطنية: حزب الشعب والحزب الوطني، وان كان قد بقي لبعض الحمويين تعلق بالشخص الذي ورث الكتلة الوطنية وهو رئيف الملقى نائب حماة وهو ممن كان له تأثيره في بعض المراحل في السياسة السورية من خلال بعض الوزارات التي استلمها. تأثر أكرم الحوراني في ابتداء حياته بفكر الحزب القومي السوري ثم رفضه وخرج عليه، وتبنى بعد ذلك الفكر القومي المطالب بالعدالة الاجتماعية وانبثق عن ذلك حزب الشباب الذي نادى بمحاربة الظلم المتمثل عندهم بسيطرة الأسر الغنية التي أطلقوا عليها اسم الاقطاعيين، وتمخض ذلك كله عن قيام الحزب العربي الاشتراكي الذي تميز بحركية قوية وبدهاء عريض، فرفع في الأوساط الفقيرة شعارات محببة واستعمل عددا من الأساليب الناجعة فسيطر على حماة وريفها وامتد نفوذه خارج حماة بقوة كبيرة، وأصبح لزعيمه من الشعبية ما لم يعرف في سورية إلا لعبد الناصر في مرحلة لاحقة. كان الشعار الذي طرحه هذا الحزب في حينا هو احياء العدالة العمرية ورفع الظلم ومحاربة الظالمين المعتدين فدخلت الاشتراكية الى حينا باسم الدين حتى أن صلاة الجماعة كانت تقام في مركز جمعيتهم وكان هناك ظلم يقع على أصناف من الناس في حينا من قبل بعض الأسر ومن قبل بعض ملاك البساتين. فرفع الحزب شعار الدفاع عن المظلومين وتبنى قضية المزارعين بألا يخرج المزارع من أرضه، وألا يؤخذ منه ما يزيد عن الأكر العادل وجمع أهل الفتوة في الحي لدفع أي اعتداء. وبعدد من التصرفات الجريئة، وبسبب من قوة الحركة والخدمة سيطر الحزب على حينا – وهو أكبر حي في حماة – سيطرة تامة، وكان لذلك دوره المؤثر على نجاحات الحزب السياسية.
***
وكان والدي وعمي ممن تحمسوا لهذا الحزب، وأصبح والدي مع مجموعة من فتوة الحي يشكلون قوة ضاربة ضاغطة للحزب في الحي كان لها دورها في حماية المستضعفين، وفي الوقت نفسه دخلت في مشكلات متعددة. وفي هذا الجو دخل الصراع مع فرنسا مرحلته الأخيرة وكانت معارك حماة سنة 1945 بمثابة جولة الختام التي انتهت بجلاء الفرنسيين عن حماة. لا زلت أتذكر بقوة تلك الأحداث ودور والدي الفعال فيها وحماية الله له – كما ذكرت من قبل – فقد ألقت طائرة فرنسية قنبلة أصابت الجانب الأسفل من جلابية الوالد ولم تجرحه، وفي آخر معركة بين الحمويين والفرنسيين رجع الوالد والجزء بين الثدي والكتف أصفر نتيجة لدفع البندقية عندما تطلق النار وقد ظنه جيرانه في المعركة أنه قد استشهد لانصباب عدد من قنابل المدفعية على المكان الذي يقاتل فيه. ولا زلت أتذكر دعوات جدتي الحارة وأمرها إياي أن أكرر قراءة آية الكرسي من المصحف وقد حفظتها يومذاك من كثرة تكرارها مع أنني لم أتكلف حفظها. ولا زلت أتذكر أن المدينة سيطر على أهلها تلاحم عجيب وحب غريب فلم تبق عداوة بين اثنين وضاعت نغمة أنا اشتراكي وأنت اقطاعي، وهكذا يوحد الجهاد الناس ضد المحتل إلا عميلا أو خائنا. واذكر أن الناس يومذاك قتلوا من تيقنوا أنه جاسوس للعدو، جلت فرنسا عن سوريا وعاد الصراع السياسي الى حماة، وعاد الى حينا. وحدثت حادثة قتل بها شجعان الحي على يد آخر من الحي نفسه ولكن ممن يعادون الحزب العربي الاشتراكي، ودخل على أثر ذلك والدي سجنه الثالث وإذا بي فجأة مسئول مع عامل عند الوالد عن ادارة أعمال الوالد، وأنا وقتذاك في سن الحادية عشرة. وبسبب من غياب رقابة الوالد قصرت في جمع الديون وتوسعت في الانفاق على نفسي واسرتي وبعض رفاقي فخفت السيولة المالية ظهر ذلك من تقصيري في الدفع الى الزبائن، فتدارك الأمر عامل الوالد وهو قريب لنا وأصبح بعد ذلك شريكا للوالد، وتولى هو نفسه جمع الديون ومحاسبة أصحاب العلاقة فأنقذ الوضع بسرعة، وبقي العمل قائما وجيدا ولم يؤثر سجن الوالد عليه، ودام سجن الوالد تسعة أشهر ثم خرج من السجن. نصح بعض الناس والدي وأقنعوه أن يدخلني في مدرسة ليلية لمتابعة دراستي فلعلي آخذ الشهادة الابتدائية، وكان عندنا في حماة مدرسة ليلية تقيمها جمعية سلفية تسمى دار الأنصار فألحقني الوالد بها، ولم يؤثر ذلك على خدمتي اياه واستمراري في متابعة أعماله. كنت أنا الصغير الوحيد بين الدارسين فالجميع كانوا كبارا، وكان يغلب علي الخجل والخوف فلم أكن أشارك أي مشاركة أثناء الدرس. فكان الزملاء الكبار وبعضهم من أصدقاء الوالد وان كانوا دونه في السن يعطون الوالد صورة قاتمة عن امكاناتي، وجاء الامتحان فأديته واذا بي من الناجحين والزملاء الكبار كانوا في الغالب من الراسبين.
***
عشقت المطالعة عشقا منقطع النظير على صغر سني – كما ذكرت من قبل – وكان الفضل في ذلك للوالد، فقد دفعني إلى المطالعة بأسلوب مباشر، وضع بين يدي وريقات من سيرة عنترة فقرأتها بشغف، أتاني بقصة سيف بن ذي يزن الشعبية فقرأتها بشغف، وكانت هذه البداية التي جعلتني أعشق المطالعة حتى لا أستطيع الصبر عنها فكنت أقرأ وأنا جالس وأنا سائر تعلقت ابتداء بالروايات البوليسية وبالروايات عامة، فأعطاني هذا قوة في الفهم وقوة في الانشاء، وكان لذلك دوره في نجاحي في الشهادة الابتدائية رغم انقطاعي عن الدراسة ثلاث سنين. لكن المطالعة من ناحية وتعب الوالد علي في الخط والحساب وتلاوة القرآن الكريم كل ذلك ساعدني.
***
ولتلاوتي القرآن قصة. فقد كان عندنا في الحي "شيخة" من قريباتنا كفيفة لكنها تحفظ القرآن وكان بعض أهل الحي يرسلون لها أبناءهم لتعلمهم القرآن، وقد أرسلتني جدتي لذلك، وبسرعة كبيرة تلوت عليها القرآن من أوله إلى آخره، ويوم ختمت القرآن كان ذلك يوم فرحة وسرور وابتهاج وكانت هناك آداب وعادات تقام عند الشيخة بهذه المناسبة. وذلك كله قبل أن أدرس الدراسة الابتدائية، لكني بعد ذلك أهملت قراءة القرآن فلما خرج والدي من السجن بعد تغربه اقرأني القرآن فتلعثمت فشدد علي حتى قويت قراءتي، وكان ذلك عاملا مساعدا.