الباب الثاني
الإخلاص للدعوة (المنهج)
فهم لا غنى عنه يتحدد به المعنى الشمولي للإخلاص
ان إخلاص القلب، ونقاء الضمير، وطهارة النفس، وصدق القول، وأمانة الأداء كلها من مكارم الأخلاق التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتممها وليكّون بها اللبنات الصالحة في مجتمعه.
ولكن على امتداد الأحقاب والقرون لم تخل امة من الأمم من بعض الأفراد الصالحين أو العباد الزاهدين أو الدعاة المخلصين، وحتى أقسى الأمم وأسوؤها لا يمكن ان تكون خلواً من بعض الأفراد الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، ومن يعرفون الخالق بالمخلوق، والمنعم بالنعم، والحكيم بالحكمة ويتحلون بالأخلاق الحميدة.
والعبرة في حركة التاريخ أو نمو الحضارة وازدهارها ليست بوجود الأفراد المخلصين الذين يتصفون بهذه الأخلاق مهما بلغ صلاحهم وتقواهم وإدراكهم لحقائق الأمور، وانما العبرة والاهم ان تكون هناك حركة جماعية، وصلاح يشبه ان يكون تيارا قويا هادرا غالبا لا ضعيفا ولا مغلوبا، مؤثرا في غيره بالتعريف بدعوته بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، لا يتأثر بغيره، يقول الحق بعزة المؤمن.
وليس هذا تقليلا من عمل الفرد ولا ما يتحلى به من صفات كريمة ولكن إحقاق للحق فما لم ينجح الفرد المخلص في تحويل دعوته إلى تيار عام يحتملها المخلصون أمثاله ويعتصمون بحبل الله ويكونون على قلب رجل واحد في جماعة واحدة فإذا أهمل ذلك كان من الخاسرين (والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فالاستثناء من الخسران للجماعة التي تتواصى بالحق والصبر ليس للفرد ولو كان مخلصا.
فليس عناية الإسلام بالفرد إلا ليكون لبنة صالحة في الجماعة التي ستتحمل عبء الدعوة من حيث نشرها، والجهاد في سبيل نصرتها وإقامة الدولة التي دعا الإسلام إلى تشييدها، وتدعيم أركانها.
لهذا كانت كل العبادات في الإسلام جماعية أو داعية إلى تدعيم الجماعة فالصلاة في جماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وصلاة الجمعة لا تصح إلا في جماعة.
والزكاة تؤخذ من الأغنياء وتعطى للفقراء فيتعاطف الجميع وتزول الشحناء والأثرة فتتدعم الجماعة، كما يدفع الصيام الأغنياء الى العطف على الفقراء فيلتئم الشمل وتتحاب الجماعة، والحج في مظهره ومخبره فريضة جماعية يتساوى فيها الجميع في الملبس والموقف مودعين الدنيا مقبلين على الله فتتآلف القلوب وتتحد المشاعر، وتقوى رابطة الأخوة، فيشتد عود الجماعة، والجهاد يقف فيه المسلمون صفا كأنهم بنيان مرصوص فيرضى الله عنهم ويرضوا عنه ذلك لمن خشي ربه، فإخلاص الفرد ضروري ليس لذاته فحسب ولكن لكي تتضافر جهود المخلصين لتحقيق الأهداف السابقة المرجوة.
كمال الإخلاص بالجماعة:
ان العمل الجماعي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين "يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار" ، "فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الجماعة: انها حبل الله المتين الذي أمر به، وان ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة.
ويقول علي رضي الله عنه: كدر الجماعة ولا صفاء الفرد.
والجماعة –كما قلنا- أفراد وقيادة ومنهج، تنشيء امة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ونصرها محقق بوعد الله لها: بالفهم السليم والإخلاص لهذا الدين، (وان جندنا لهم الغالبون) (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون).
فالإسلام دين يؤمن به أفراد يتحرك بهم قائد، كطليعة تتحمل العبء وتعزم على العمل المخلص وتواصل الليل بالنهار كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمعاوية خديج عندما جاء مبشرا بفتح الاسكندرية، (لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية).
انه أمر فنى عليه الكبير وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره، وهو لا يقف عند القول للمخطيء إياك والخطأ، ولكن يتعدى ذلك إلى ان يهيئوا للمخطيء مجتمعا، ويرسموا له طريقا يعينه على الصلاح يقوم على التعاون على البر والتقوى ليرفع الكلام إلى الأفعال والنظريات إلى التطبيق.
ولا يتم ذلك البناء إلا بالتعارف، والتفاهم، والتكافل الذي يحقق التعاون المطلوب لتحقيق الأهداف السامية للجماعة بروح الأخوة، وعزم الرجال.
ولهذه الحكمة البالغة –جعل الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية –كلها- امة دعوة، فبينما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة، والى البشرية كافة ابتعث هذه الأمة المسلمة إلى سائر الناس والفرق بين البعث والابتعاث، ان الأول خاص بالنبوة، والثاني خاص بالأمة الإسلامية بجهادها ومجاهدتها ودعوتها.
ولذلك قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس حين سأله: ماذا جاء بكم؟ أجابه على الفور: "ان الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).. ذلك لان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للمسلمين: "بلغوا عني ولو آية" فهم مبلغون عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالإخلاص الذي يتحلى به المسلم ليس لذاته وان كان مثابا عليه كفرد، لان صلاح المسلم وإخلاصه في ذاته كالماء الطاهر، فهو طاهر في ذاته غير مطهر لغيره، والإسلام يطلب من المسلم ان يكون طهورا وليس طاهرا فحسب ليكون طاهرا في ذاته مطهرا لغيره فالمسلم لابد ان يكون لبنة صالحة يتحلى بأخلاق المسلمين ذلك لانه لا يمكن ان يسود التآلف والترابط والمحبة، والتعاون والإيثار وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة التي هي دليل على الإخلاص، ولا يتم التوافق الاجتماعي إلا إذا وجدت الوحدة الأخلاقية، ووجد اتفاق بين الأفراد في السلوك والاتجاه وفهم الأخلاق. وكل ذلك لا يتحقق إلا بالفهم الشامل للإسلام، لذلك قدّم الإمام الشهيد حسن البنا ركن الفهم ثم ركن الإخلاص لهذا الفهم على ركن الإخلاص- ذلك لان المسلم لابد ان يفهم دعوته فهما دقيقا حتى يكون الإخلاص لهذا الفهم إخلاصا قائما على العلم الدقيق.
فالذين يفهمون الإسلام على انه العبادة الظاهرة فان أدوها أو رأوا من يؤديها اطمأنوا إلى ذلك ورضوا به وحسبوه لب الإسلام اخلصوا لهذا المعنى لا يتعدوه.
والذين لا يرون الإسلام إلا الخلق الفاضل والروحانية الفياضة، والغذاء الفلسفي والشهي للعقل والروح والبعد بهما عن إدران المادة الطاغية الظالمة هم أيضا لن يخلصوا لهذا الفهم.
وهكذا كلما تعددت الافهام كان الإخلاص وفقا على كل فهم بعينه لا يتعداه.
الفهم الذي نخلص له:
والإخوان المسلمون يفهمون الإسلام فهما نقيا صافيا، سهلا شاملا كافيا وافيا، يساير العصور ويفي بحاجات الأمم، ويجلب السعادة للناس، بعيدا عن جمود الجامدين، وتحلل الإباحيين وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمدا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين، استمدادا منطقيا منصفا، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، عرفوه على وجهه: عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وخلق ومادة، وسماحة وقوة،وثقافة وقانون، واعتقدوه على حقيقته، دين ودولة، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين، (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
لهذا الفهم يكون إخلاصنا، فالإسلام دين الجماعة، يربي الفرد ليكون مصلحا لا صالحا فحسب، لان الصالح والفاسد لا يتعدى ذاته، لكن المصلح والمفسد يتعدى الذات إلى الغير (ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) ويقول سبحانه: (والله يعلم المفسد من المصلح).
ان الصالح –في فهمنا للإسلام- يعتبر شريكا بسكوته على المنكر، فما الذي يستفيد منه المجتمع بصلاحه الذي يتحلى به وهو لا يتعاون مع إخوانه ليحققوا مجتمع الفضيلة، ان الساكت على الحق شيطان اخرس (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا ان الله شديد العقاب) ولذلك تسأل السيدة عائشة رضي الله عنها : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال صلى الله عليه وسلم: "إذا علا الخبث".
وفي الحديث أيضا: "إذا أخفيت الخطيئة لا تضر إلا صاحبها، واذا ظهرت فلم تُغَّير ضرت العامة".
ولقد كان في عهد سلفنا الصالح نظام يسمى الحسبة، وكان المحتسبون يشرفون إشرافا تاما على كثير من الشئون فلا يشذ شاذ ولا ينحرف منحرف إلا كانوا له بالمرصاد يتولونه بالتأديب كل حسب حالته.
وهكذا نفهم ان الإسلام عمل جماعي منظم، فلا يكفي ان يقوم أفراد محتسبون مخلصون من هنا ومن هناك يعملون متناثرين للإسلام –كما يظن البعض- وان كان عملهم مرصودا لهم في ميزانهم عند لله، فان الله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، وكل أمريء بما قدم حسب نيته وإخلاصه واتقانه (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
إخلاص الفرد لا يكفي:
ان العمل الفردي في واقع الأمة الإسلامية المعاصر لا يكفي لسد الثغرة وتحقيق الأمل المرتجى، بل لابد من عمل جماعي، وهذا ما يوجبه الدين ويحتمه الواقع.
فالدين يدعو إلى الجماعة، ويكره الشذوذ، فيد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، وانما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ولا صلاة لمنفرد خلف الصف، ولا متقدم على الصف، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، والتعاون على البر والتقوى فريضة من فرائض الدين، والتواصي بالحق والصبر احد شروط النجاة من الخسران.
فالمسلم يحتاج إلى ان يضع يده في يد أخيه ليتحقق الأمل المنشود، لان الواقع يحتم ان يكون العمل المثمر الخالص جماعيا فاليد الواحدة لا تصفق، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته، ورحمة الله على الإمام البنا حين قال لأحد تلامذته: ولّوا عليكم أضعفكم يكن بكم أقواكم. لان الأعمال الكبيرة لا تعم إلا بالجهود المخلصة المتضافرة. والمعارك الخاسرة لا يتحقق النصر فيها إلا بتضام الأيدي وتعاضد القوى (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص).
وهكذا يكون العمل الجماعي منظما يقوم على:
1-قيادة مخلصة مسئولة (القيادة)
2-قاعدة (الأفراد) مترابطة فيما بينها مخلصة لبعضها (الجماعة)
3-منهاج بمفاهيم واضحة (الدعوة)
وتقوم العلاقات المحددة فيما بينها على أساس من الشورى الواجبة الملزمة، والطاعة المبصرة اللازمة، فان ارتفع الإخلاص فيما بينها أصبحت كأي تجمع قائم على المصالح والمنافع. وليست جماعة لها مقوماتها وخصائصها وأهدافها ووسائلها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله لتحقق الخيرية في زمانها الذي تعيشه وتقود البشرية إلى رشدها، وتحقق قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
فالمؤمنون الذين يجمع الله بينهم، وبين من تاب وأصلح واعتصم بالله، واخلص دينه لله، هم المخلصون لله في عبادتهم، المتبرئون من كل ما سواه.
وهم المخاطبون مع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين) وهم المطالبون بالإخلاص في قوله :(هو الحي لا اله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين) وفي قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).
ومن هنا كان إخلاصنا فيه الشمول أيضا لا يقف عند حد الإخلاص الفردي –الذي بيناه سابقا- ولكن يتعدى ذلك إلى الإخلاص للمنهج (الدعوة) –والإخلاص للجماعة- (أفرادا-وقيادة).
ان الإسلام دين الجماعة –نؤكد على ذلك- دين الجماعة في عقيدتها وعبادتها، وشريعتها وأخلاقها الربانية فكان لابد ان يكون مخلصا لهذه الجماعة.
أولا: لتصوراتها ومعتقداتها
ثانيا: لأهدافها وغاياتها
ثالثا: وسائل تحقيقها للأهداف والغايات
حتى تتوحد صفوف الجماعة: بوضوح الفكرة، ووحدة التصور والسلوك، ووحدة الهدف والمصير، ووحدة الغاية ووسائل تحقيق ذلك كله.
ولك ان تتصور جماعة حققت كل ذلك بإخلاصها فشعرت بعظمة رسالتها، واعتزت بالانتساب إليها ووثقت في نصر الله لها، لا شك ان المولى سبحانه وتعالى سيؤلف بين قلوب أفرادها (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) ويجري النصر على أيديهم ويحقق بهم وعده (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).
كل ذلك يتحقق –بفضل الله- حين يصح الاعتقاد، ويصدق الإتباع، وتخلص القلوب لخالقها وتكمل قوة المسلم العلمية بإيمانه، وقوته العملية بالعمل الصالح ولا يتمان إلا بالصبر عليهما والتواصي بهما، ولذلك كان لابد ان يتسع فهمنا للإخلاص ليشمل أيضا:
إخلاص الأفراد والقيادة للدعوة
لقد طغت اليوم على الناس من العادات وأسلوب الحياة والتعامل –التي أصبحت مألوفة إلى نفوسهم- مما ورثوه من تقليد الشرق أو الغرب، والتي تتصادم مع قواعد الشرع وأحكامه وآدابه، ما يريدون لأجلها تحوير الإسلام، تبريرا وإقرارا لما ألفته نفوسهم، حتى يصبح الإسلام متمشيا مع الحياة العامة التي داخلها الكثير مما هو دخيل على هذا الدين في سياستها واقتصادها، وتعاملها أو تقاليدها.
وأصحاب الدعوة ينبغي ان لا يستخفهم أهواء البشر، ان الرغبة في الاستجابة لهذه الأهواء هي التي تقود بعض الدعاة اليوم إلى محاولة تحوير العقيدة، أو محاولة تحوير النظام الإسلامي في صورة تتناسب مع الأوضاع الشاذة اليوم.
وكم بذل أعداء الإسلام جهودا لفصل الدين عن الدولة، ويقولون ان الإسلام عقيدة لا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة، وكلها محاولات ذليلة، لا ينبغي لمسلم ان يقدم عليها باسم تطوير وسائل الدعوة إلى الله تعالى.
أو قد يدفع الإنسان حماسه للإسلام، ورغبته في قبول دعوته، إلى القيام بعرض محاسن الإسلام، وما فيه من حكمة التشريع، وتفوّق تشريعاته على سائر الأنظمة، وان الإسلام في امكانه احتواء أي فكر من الأفكار المستحدثة، وبذلك ينسبون إليه كل ما يجد من الأفكار والأنظمة البشرية، فيقولون "ديمقراطية الإسلام" و "اشتراكية الإسلام" و "قومية الإسلام" وهذه كلها أنظمة بشرية: تحمل الصبغة البشرية القابلة للصواب والخطأ فأين هذا كله من (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) انه الإسلام وكفى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
والحقيقة ان مثل هذا الأسلوب من الدعوة الذي يجهد أصحابه من اجل قبول الناس –للإسلام- كأنهم يطرقون أبواب أصحاب هذه الأنظمة البشرية، ويطلبون منهم بأسلوب الرجاء ان يقبلوا شرع الله لانه قد لبس كل جديد.
ليس من الإخلاص:
ليس هذا الذي ذكرناه من قبل من الفهم الصحيح للدعوة ولا الإخلاص لها –ذلك لان هذا الأسلوب يحمل الهزيمة الداخلية –ويجعل الدين ألعوبة، وسوف يأتي في الأيام القادمة من يقدم للناس البدائل عن "الاشتراكية والديمقراطية" وغيرها إذا استنفذت الأنظمة القائمة أغراضها، وحينئذ يحتاج هؤلاء الدعاة إلى ان يخلعوا على الإسلام أقنعة أخرى تتناسب مع الدعوات والأنظمة الجديدة. وهكذا دواليك.
وهذه التبعية –حتى ولو كانت بحسن نية- لا تنسينا ان هذه الأنظمة البشرية لا يهواها ويتغنى بها، إلا الذين يجنون الثمار من ورائها، وهؤلاء مهما عمل الدعاة من تحوير في الإسلام لترغيبهم فيه، فانهم لا يقبلون منه إلا ما وافق أهواءهم ومتطلبات شهواتهم فأين هذا من قول الله (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا...).
ان المخلص لمنهجه لا يجري وراء تغيير الأسماء وتطويرها، ولا وراء تجديد مذهب مادي، أو "عقيدة" أرضية نفعية مقصورة على نواح اقتصادية أو يتلاعب من ورائها الساسة المغرضون بالشعوب كالقطعان، وانما القضية تطهير القلب، وتحرير الروح من جميع المعتقدات الأرضية، والأغراض النفسية والشهوات الحيوانية وخلع كل ما يتنافى مع هذا الدين، والاستعلاء الشامخ بدين الله. فكان لزاما على المخلصين ان يسعوا إلى الفهم الشامل للإسلام وان يكون فهمهم صوابا موافقا للمنهج الرباني.
ان المخلص لدعوته لابد وان يستعلي بدينه، فلا يستجيب لأي منهج آخر غير الإسلام، ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته، فالله غني عن العالمين .. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخه من العبودية لسواه فلا حاجة لهذا الدين به كما انه لا حاجة لله سبحانه بأحد من الطائعين أو العصاة.
ان على الدعاة المخلصين ألا يتخذوا وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازيين الدعوة، ولا منهجها المستقيم، وان لا يحملهم حرصهم على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، ان ينحرفوا بها عن منهجها الصحيح ولو يسيرا، فمصلحة الدعوة الحقيقة في ان يتسقيم الدعاة إلى الله على منهجها، وان يسيروا بها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي الاهتمام بالنتائج، وقطف الثمار أكثر من الاهتمام بالأسلوب الصحيح الذي تسير عليه الدعوة، واما النتائج فغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. والخير في نهاية المطاف –عاجلا أو آجلا- لابد منه بإذن الله تعالى "كتب الله لأغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز" فكان لابد.
دلائل الإخلاص في الدعوة
1-الإخلاص في تمحيص مصدر التلقي:
يجب الحذر الشديد –إذن- من الافتتان ببعض علماء السوء الذين يرتمون في أحضان الحكام، ونالوا عندهم الحظوة، واطمأنوا إلى المتاع الذي يلقونه بين أيديهم، وصاروا لهم أطوع من البنان، لا يألون جهدا في النزول عن رغبتهم، وتحقيق مآربهم فيصدرون –دون حرج ولا تردد- كل فتوى تخدم أهواءهم، وتحقق مطامعهم وتبرر مواقفهم، يخدعون بذلك جمهرة الناس، معتمدين في ذلك على تأويل فاسد، أو رأي شاذ، أو دليل ساقط للاحتجاج به عند أهل العلم، أو تعسف على الشرع، إذا لم يجدوا هذا ولا ذاك ممكنين للسلطان بذلك ان يعبث بما تحمل من المسؤولية أو تقلد من أمانة، كيف يشاء، وهم مع ذلك يقفون من الدعاة إلى الله –الثابتين في وجه الباطل، المترفعين عن دنايا الأمور وسفاسفها عن التزلف إلى السلطان وهم أحق الناس بالتلقي منهم- موقف العداء المكشوف وربما أصدروا في حقهم من الفتاوى ما يخول السلطان استباحة دمائهم وأعراضهم، أو يصفونهم بالمارقين أو المتطرفين أو الإرهابيين أو غير ذلك.
كل ذلك من اجل التملق للحكام، وتقديم البرهان على كمال الطاعة والانقياد لهم، وانهم في غاية الحرص على استمرار التمكين للظلم وأهله، كي يدوم لهم ما هم فيه من جاه ومكانة ومنزلة عند الحكام.. فأين إخلاصهم للدعوة؟ فهل أمثال هؤلاء يتلقى منهم الدين؟ ان وجود أمثال هؤلاء المحدثين باسم الإسلام يجعل المخلص لدينه يتحرى الأخذ كما يتحرى مصدره، لان علماء السوء يقومون بتحريف الدين استجابة لأهواء الحكام، وهذا فيه صد عظيم عن دين الله، وفتنة يفتن بها الكثير من الناس الذين لا فقه لهم في الدين، لانهم يبررون مواقف حكام السوء، ويجعلون انحرافهم وزيغهم وضلالهم وظلمهم، استقامة وطاعة ويحملون الناس على طاعتهم في المعروف والمنكر وفي الحق والباطل، ويصرفون بذلك وجوه الناس عن الحق الذي يدعو إليه المخلصون والمصلحون الذين تجردوا للدعوة من كل شهوة وحظ إلا ابتغاء وجه الله سبحانه، فحق للمخلصين ان ينصرفوا عنهم فلا يتلقوا علما منهم بل ويصرفوا الناس عنهم حتى لا يتلقى احد من مصدر سوء.
اننا اليوم في اشد الحاجة إلى الإخلاص في التحري من مصدر التلقي خاصة بعد ان اختلط الحابل بالنابل والكل يتكلم باسم الإسلام لدرجة اننا نسمع من الإعلام الذي تسيره أصابع الصهيونية العالمية من يتكلم باسم الإسلام وفي نفس الوقت يطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وفي شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الذين ورثوا العلم عنه من بعده: بما ينفر الناس عنهم، ويظهرهم في مظهر الإجرام والتبعية لأعداء الإسلام، والاتصاف بالتطرف والإرهاب والرجعية إلى غير ذلك من الألفاظ التي يتواطأ عليها أعداء الحق: ويضللون بها الناس، ويجعلون منها مبررا لهم في الانقضاض على الدعاة وتكميم أفواههم، والزج بهم في السجون المظلمة، ومطاردتهم في كل مكان، واستباحة دمائهم وأعراضهم، مستشهدين على صدق قولهم –وهم الكذبة – بآيات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرددونها على مرأى ومسمع من عامة الناس الذين افقدوهم الثقة في العلماء المخلصين والدعاة الصادقين بما ألقاه إلى مسامعهم أعداء الإسلام من التشكيك حولهم.
فلابد من البحث عن قائل يقول كلمة الحق، ويبصر الناس بدينهم ويميز للناس الضلال من الهدى، يردهم عن الشهوات، ويوضح لهم الشبهات، ويتسلح بالعلم ويتزين بالحلم ويتجمل بالحكمة، ويتحلى بالصبر، ويقول للناس حسنا ويجادل بالتي هي أحسن واثقا بالله متوكلا عليه.
فالمخلص لدعوته ودينه يبذل الجهد للوصول إلى هؤلاء ليتلقى منهم دينه وينضم إلى صفوف أتباعهم، وينبذ من دونهم لان الحق سبحانه قال في أمثالهم: (وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون).
2-إعلان الدعوة والجهر بها والاستمساك بمنهجها دون إفراط أو تفريط
ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستمسك بالذي أوحي إليه فحسب بل كلف صلى الله عليه وسلم ان يعلنها للناس إعلانا عاما وان يلقي إليهم بالكلمة الأخيرة الحاسمة: انه ماض في خطته، مستقيم على طريقته، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
وصدع بما أمر صلى الله عليه وسلم (قل يا أيها الناس ان كنتم في شك من ديني فلا اعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن اعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت ان أكون من المؤمنين).
يا أيها الناس ان كنتم في شك من ان ديني الذي ادعوكم إليه هو الحق، فان هذا لا يحولني عن يقيني، ولا يجعلني اعبد آلهتكم التي تعبدونها من دون الله سواء كانت حجرا أو صنما أو وثنا أو بشرا.
ولكن اعبد الله الذي يملك آجالكم وأعماركم، القاهر فوق عباده فهو أولى بالعبادة من تلك الآلهة التي لا تحيي ولا تميت، وأمرت ان أكون من المؤمنين، أقيم وجهي لهذا الدين، متوجها إليه خالصا له متمسكا به كما امرني (فاستمسك بالذي أوحي إليك انك على صراط مستقيم).
فصاحب الدعوة يثبت على منهاجه ودعوته، ويسير طريقه لا يحفل بما كان من أعدائه وما سيكون، فهو دائما مطمئن القلب لانه على صراط مستقيم لا يلتوي ولا ينحرف ولا يحيد.
ومن استمسك بهذه العروة الوثقى كان ذكرا له ولمن معه على الطريق (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) وكيف لا؟ وقد جاءهم القران والدنيا لا تحس بهم، وان أحست اعتبرتهم على هامش الحياة، وهذا المنهج الرباني هو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية، كانوا أذلة فأعزهم الله بالإسلام فمن ابتغ العزة في غير الإسلام أذله الله.
بهذا المنهج والاستمساك به واجهوا الدنيا فعرفتهم ودانت لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به، فلما ان تخلوا عنه انكرتهم الأرض واستصغرتهم الدنيا، وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد ان كانوا قادة الموكب المرموقين، وانها لتبعة ضخمة تسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة إذا هي تخلت عن الأمانة.
حذار من الفتنة بترك بعض المنهج:
فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم –كما أمروا- لا يغلون في الدين، ولا يزيدون فيه، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق –ثم يتزودون بزاد الطريق ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد سبحانه وهم مستمسكون بمنهجهم دون زيادة أو نقصان (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين).
ولذلك فالمؤمن المخلص لدينه على حذر من ان يفتنه بعض أعداء الدين عن بعض هذا المنهج (واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك) وما عليه إلا ان يستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والقران يخاطب رسولنا صلى الله عليه وسلم قائلا: (فإما نذهبن بك فانا منهم منتقمون أو نريك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون، فاستمسك بالذي أوحي إليك انك على صراط مستقيم وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون).
وأنت تجد إحساس رسول الله صلى الله عليه وسلم برهبة هذا النداء وقوته (فاستقم كما أمرت) حتى روى انه قال مشيرا إليه "شيبتني هود" فالاستقامة، الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف، يحتاج إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلا أو كثيرا... ومن ثم فالاستقامة شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة.
واذا تدبرت قول الله تعالى لرسولنا صلى الله عليه وسلم : (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير) فانه مما يستحق الانتباه هنا ان النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهيا عن القصور والتقصير، انما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة، وذلك ان الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر، والله يريد دينه كما انزل –لا كما أرادت الفرق الإسلامية باختلاف أشكالها وتصوراتها من خوارج ومعتزلة وشيعة أو جبرية وقدرية إلى غير ذلك من الفرق التي غالت في الدين إفراطا أو تفريطا أو تحريفا، فان الله يريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير، وهي التفاتة ذات قيمة، لامساك النفوس على الصراط، بلا انحراف أو الغلو أو الإهمال على السواء، وهذا هو الإخلاص بعينه للمنهج الرباني.
3-احترام أهل التخصص والسابقين في الدعوة
ان سعي المسلم الدائم لتلقي إسلامه من المصادر المخلصة العلمية يرجع إلى إخلاصه لهذه الدعوة، حتى يتلقاها بعيدا عن الأهواء العاطفية والمجاملات الشخصية، ولذا وجب عليه ان يطمئن إلى كفاءة من يتلقى منه وإخلاصه اطمئنانا ينتج عنه الحب والتقدير والاحترام والطاعة، فعلى قدر هذه الثقة يكون التلقي حتى لو لم يدرك المتعلم أغوار ما يتعلمه، ذلك لان المخلص لدينه لابد وان يكون تلميذ إمام لا تلميذ كتاب فلا يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة مباشرة ولكن يلجأ إلى عالم متخصص عامل لدينه، أو داعية مشهود له بالفهم الدقيق، والإيمان العميق والعمل المتواصل، والوعي الكامل، والثبات على الحق، والخلق الجم حتى يحذر علما يلتبس بإفراط يزيد بدعة، أو تفريط يهمل أمرا أو إرشادا.
ولذلك كان احترام أهل التخصص السابقين في الميدان من دلائل الإخلاص (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (ولو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ...).
فليس من الإخلاص ان أسعى للتلقي من الذين يعتبرون الإسلام عبادة دون قيادة، وشعيرة دون شريعة، ومنهاج دون جهاد، أو الذين ينكرون ان الإسلام دين الجماعة ولا يقوم إلا بها، ويقولون انه تهذيب للنفس وإصلاح للقلب يخص الفرد ولا دخل له بجماعة.
أو من الذين جعلوا الإسلام سيفا مسلطا على رقاب العباد لا يعرفون حكمة في الكلمة، ولا موعظة في الدعوة، ولا مجادلة بالتي هي أحسن كأنهم يقولون من خشنت كلمته وجبت طاعته لا "من لانت كلمته وجبت محبته" ذلك لانهم يظنون ان الإسلام لا يفيد فيه إلا السيف فهم يطربون كلما قطعت رقاب ونسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوجه كلامه إلى جنوده المتوجهين للمعركة يقول لهم: "تألفوا الناس، وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر ولا وبر ان تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من ان تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم".
لذا وجب ان يبحث ذوي الخبرة والتجربة والعلم بالدين لتعصم من زلل الاستعجال ومحاولة قطف الثمرة قبل نضجها، واستعجال النتائج أو اجتزاء المنهج، فمن طبيعة الرسالة الخاتمة ومن لوازمها ان تستمر بعيدة عن التحريف والتأويل، والنقص والضياع، ليتسلمها المسلم كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتم التكليف سليما صحيحا وتترتب المسئولية بهذا الوضوح.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
4-انطباق السلوك لما يدعو إليه والأخذ بالعزائم لتحقيق القدوة:
وهذا يتطلب من المسلم الصادق ان يفاصل مجتمعه شعوريا فيما يغضب الله فلا يشاركهم السلوك ولا الاعتقاد، وفي نفس الوقت يخالطهم ويصبر على إيذائهم حين يدعوهم ويبين لهم دين الله، وبذلك يجند قواه لنصرة هذا الدين دون ملل أو كلل مستجيبا لأمر الله (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا واليه المصير).
فإذا استمع لمن يقول: من أنصاري إلى الله؟ قال مع القافلة المؤمنة: (نحن أنصار الله) لتجتمع كلمتهم على الحق ونصرته، لان عزائم الرجال هي التي تصنع الأمم، فهم لا يترخصون إلا متحرفين لقتال أو متحيزين لفئة أو لرفع حرج شرعي، لان إتباع الناس للدين وعملهم به بمقدار تصلب المخلصين، وتمسكهم بالحق، فإذا اهتم هؤلاء بالنوافل والفرائض اهتم الناس بالنوافل، فإذا اكتفى المخلصون بالفرائض استرسل الناس إلى تركها والاستهانة بها.
فيجب اخذ الأمر بقوة عزيمة، والأخذ باليسير أو الأيسر دعوة، وبالعزائم قدوة، فللأخذ بالرخص أحوال: "ان الله يحب ان تؤتي رخصه، كما يحب ان تؤتي عزائمه" وقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم من الأعمال ما تطيقون".
ذلك لان شريعة الله تعالى بين الرخصة والعزيمة، ليأخذ العبد نفسه بهذه وهذه، فلا يتبع الرخص فيقصر عن الكمال المنشود، ويحرم من الخير الذي أراده الله تعالى لأوليائه وصفوة عباده، ولا يلتزم العزائم في جميع أحواله فتمل نفسه العبادة، وتحرم لذة الطاعة، ويقعد بها العجز عن الاستمرار فيها، فيبقى في حسرة وكآبة وهذا بالنسبة لعامة المسلمين.
اما الدعاة المخلصون فينبغي ان يأخذوا أنفسهم بالعزائم في أكثر أحوالهم، لانهم نصبوا أنفسهم للناس قدوة، والناس لهم أتباع، وما أحوج الناس إلى أئمة يدعون إلى الله على بصيرة وهم متوكلون عليه.
والذي يأخذ بالعزائم ينطبق سلوكه إلى ما يدعو إليه ليحقق القدوة قبل الدعوة، ذلك لان الإسلام حين عرض لنا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرضها للإعجاب السالب، ولا للتأمل التجريدي في سبحات الخيال، انه يعرضها على الناس ليحققوها في ذوات أنفسهم، كل بقدر ما يستطيع لان الإسلام يرى ان القدوة أعظم وسائل التربية، فيقيم تربيته على هذا الأساس.
ان الداعي اذا خالف سلوكه دعوته، فإن دعوته لا تجدي بل تترك أثرا سيئا في نفوس المدعوين، فهل تتصور ظالما يدعو إلى العدل وإنصاف المظلومين، أو كاذبا يدعو إلى الصدق أو منحرفا يدعو إلى الاستقامة، أو مستهترا يدعو إلى الفضيلة والعفاف (كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون).
ورضوان الله على عمر بن الخطاب إذ يقول: "ان لله رجالا احيوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بهجره".
وها هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اكبر دليل على إخلاصهم اتخاذهم الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فما أمروا بشيء إلا استجابوا، وما نهوا عن شيء إلا اجتنبوا، ولا نزل فيهم حكم من الله ورسوله إلا استسلموا إليه راضين، وعملوا به مذعنين لم يجدوا في صدورهم حرج لانهم اخلصوا دينهم لله.
بأمثال هؤلاء المخلصين يكون بقاء الإسلام، وبهذه القدوة الحسنة أدب الله خواص عباده الذين نصبهم قدوة للناس، فقال على لسان رسوله شعيب عليه السلام: (وما أريد ان أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله).
فالمخلصون هم ابعد الناس عن التصنع، واحرصهم على الكمال، فإن أدنى هفوة منهم تسقط اعتبارهم وتسهل التهاون بهم، فلا يكون لكلامهم تأثير في القلوب، ولهذا كانت وصية الإمام الشافعي لمؤدب أولاد هارون الرشيد قوله: (ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك فان أعنتهم معقودة بيدك، فالحسن عندهم ما استحسنته، والقبيح ما تركته)، فانظر قوله: القبيح عندهم ما تركته، لم يقل له: القبيح عندهم ما قلته لهم انه قبيح، بل ما لم تعمل به ولم تقر به.
ورضوان الله على علي بن أبي طالب إذ يقول: "من نصّب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ومعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم".
5-التجرد من التفكير في المنافع المادية، والثمرات العاجلة، والمصالح الشخصية والانتفاع من الدعوة
ان إمارة الإخلاص للدعوة إلى الحق، والى السلوك السوي والمستوى الإنساني الكريم، هي ألا يشرك الداعي إلى الله شيئا آخر معه.
وإمارة هذا الإخلاص ان تكون الدعوة للحق وحده، وفي سبيله خاصة ألا يجامل على حسابه، ولا يحترف، ولا يبغي بالدعوة إليه نفعا يعود عليه خاصة.
لانه إذ يشرك مع الحق أمرا معه في الدعوة يكون قد أشرك الشيء وضده لان ما عدا الحق باطل وزيف، (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
واذا اختلط الحق مع الباطل في دعوة بإسم الحق التبس الأمر على من توجه إليه الدعوة، وعندئذ يفسد الوضع كله، فوق ما ينال الداعي من آثار لفساد دعوته.
وهي آثار لا تضر الدعوة إلى الحق فحسب، بل تضر وتؤذي الداعي باسم الحق قبل ان يصل الأذى والضرر إلى موضوع الدعوة نفسه، ولذا فان القران يوجه نداءه وأمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بألا يجامل أحدا على حساب الدعوة ولا يطلب عليه أجرا.
فمن السهل ان يعرف السبب الذي من اجله تكبوا الدعوة إلى الحق، وتتعثر تلك الدعوة إلى القيم والمثل والمبادئ والنظم، لانه يكمن في الاحتراف بالدعوة وجعلها وسيلة للتعيش والتكسب، أو للجاه في الحياة، لان الاحتراف بمثل تلك الدعوة ينبيء على الأقل بأن المحترف مهما أجهد نفسه في التعبير لا يتجاوز شفتي الداعي ولا طرف لسانه وهذه حقيقة تؤكدها تجارب الدعوات المختلفة التي تقول: ان دعوة مثل هذا الداعي المحترف شأنها كشأن دق الطبول تقرع الأسماع ولكنها لا تتجاوز الآذان.
واكبر دليل على ذلك الواقع الذي نراه فكم من شاب مخلص فاهم لدينه-محب لدعوته- يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة اثر في قرية بكاملها، أو حي في مدينة لإخلاصه وصدقه، وكم من آلاف غيره موظفين محترفين يجولون داخل البلاد وخارجها بل ويرسلوا إلى جميع القارات ما تركوا أثرا، وما اهتدى على أيديهم احد إلا من رحم ربك "وقليل ما هم " ورضي الله عن مصعب بن عمير حين أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فعاد بعد عام قضاه بثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين هداهم الله إلى الإسلام على يديه.
فحري بصاحب الدعوة –ان كان مخلصا بحق- ان يبتعد في مباشرته للدعوة عن ان يحقق عن طريقها رغبة أو مصلحة، أو فائدة شخصية يسعى إليها من خلال دعوته، أو يتخذ منها سببا للجاه والشرف والرياسة أو ينفع بها قريبا في نسب أو بعيدا في حسب.
فكل رسالة أرسل الله بها رسولا صحبها توكيد من الرسول لقومه: انه لا يبتغي من وراء رسالته جزاء ولا فائدة مادية أو معنوية على آدائها وان كان هناك جزاء أو فائدة فهي تلك التي تعود من وراء هداية المهتدين بها.
وهذا مبدأ عام لتخليص الدعوة إلى القيم الإنسانية من أي شائبة تشوبها، إذ ان الدعوة إلى الله تبحث عمن يحملها ولا تحمله، ويعطيها كل ما يملك لا ليأخذ منها كل ما يريد، فلقد عاش صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى الحق في تجرد عن الدنيا وزينتها وفي جلد وتحمل، وصبر على المكاره والشدائد المادية والمعنوية لنجاحها.
ألا ترى "مؤمن يس" الذي (جاء من أقصى المدينة يسعى قال: يا قوم اعبدوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) بينما هؤلاء السحرة وهم بحضرة فرعون يطمئنون على الأجرة والمكافأة ان كانوا من الغالبين وهم أنفسهم يتلقون من فرعون الوعد بالأجر بل والقربى من عرشه العظيم، (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ان كنا نحن الغالبين؟ قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين).
فينكشف موقفهم –أي السحرة- عن جماعة مأجورة بها فرعون، تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره ولا علاقة لها بعقيدة، ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة، وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائما في كل زمان وفي كل مكان ويشتريهم بماله والتقرب إليه.
ها هم أولا يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع، وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر، يمنيّهم ان يكونوا من المقربين إليه.
وأمر الإيمان عجيب، فها هم السحرة منذ لحظة كانوا مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم، ولم يكونوا أصحاب عقيدة ولا قضية، ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلا، وجعل قلوبهم صافية حية خاشعة عامرة بالإيمان، وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "ما من قلب إلا بين أصابع الرحمن ان شاء أقامه وان شاء أزاغه".
وحين يتمكن الإخلاص من القلوب لا يحفل المرء بما يفقده من مال أو جاه أو سلطان، بل لا يبالي بما يقع عليه من عذاب، لان القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة لم يعد يحفل بالطغيان، والقلب الذي يرجو الآخرة لا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير ولذلك قالوا: (اقض ما أنت قاض انما تقضي هذه الحياة الدنيا انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) نعم الله خير وأبقى من الأجر الذي كانوا يطلبونه ومن القربى التي كانوا ينشدونها اثر الإخلاص إذا صدقت النوايا.
من اجل ذلك اتفقت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام في مواجهة الأقوام ببيان نزاهتهم عن اخذ اجر على ما يقومون به من الدعوة إلى الله تعالى وتعليم دينه، وانهم بعملهم هذا لا يطلبون الأجر من احد (وما أسألكم عليه من اجر ان اجري إلا على رب العالمين) وهو الثواب الذي ادخره لهم (في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) لان النصيحة لا تكون خالصة نافعة إلا عند حسم المطامع والأغراض النفسية اما حين يتوهم الناس ان الدعاة يقصدون من وراء دعوتهم عرضا من الدنيا، فانهم يشكّون في صدقهم، ويصبحون في مكان التهمة بأنه لا يحملهم على القيام بالدعوة إلا الاحتراف من ورائها والحصول على المكاسب.
والطغاة يعرفون صدق الداعي وإخلاصه لدعوته من كذبه حينما يقدمون عروضا مغرية بالأموال والهبات فإذا ما قبل الداعي شيئا من ذلك عُرف بأنه من طلاب الدنيا وانه ليس مسموح للدعاة الوصول إلى أهداف محددة وبالتالي فهم ليسوا مخلصين لدعوتهم.
ولذلك وجدنا ذا القرنين حين قال له القوم: (يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا) كانت إجابته (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما) أي ما بسطه الله علي من القدرة والملك خير مما تبذلونه لي من مال.
وياله من ذكاء تبديه بلقيس ملكة سبأ حين أرسلت لسليمان بهدية لتختبره ان كان ممن يطلبون الدنيا أم انه رجل عقيدة ورسالة ومبدأ، والهدية –كما نعلم- تلين القلب، وتعلن الود، وقد تفلح في دفع القتال، وهي تجربة فان قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا، ووسائل الدنيا إذن تجدي، وان لم يقبلها فهو إذن أمر عقيدة الذي لا يصرفه عنه مال، ولا عرض من أعراض هذه الأرض.
وهنا نرى سليمان عليه السلام ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال، أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام، ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير: (قال: أتمدونن بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم. بل انتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون).
وفي الرد استهزاء بالمال، واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله، مجال العقيدة والدعوة (أتمدونن بمال؟) أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص؟ (فما أتاني الله خير مما آتاكم بل انتم بهديتكم تفرحون) فأنتم تهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض الذين لا يتصلون بالله ولا يتلقون هداه.
ذلك لأن الداعي إلى الله يعلم ان في كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب، وتبهر الذين يريدون الحياة الدنيا، ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته؟ ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة؟ من مال أو منصب أو جاه، ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى!! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع، غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه، ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه، ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها.
واما المخلصون لدينهم المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيّم الحياة، وفي نفوسهم قيمة أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع، وهم أعلى نفسا، واكبر قلبا من ان يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعا، ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد وهؤلاء هم الذين يقولون (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) (وما عند الله خير من الدنيا وما فيها).
وكم من صورة مشرفة في تاريخ دعوة الإخوان المسلمين استعلت على أعراض الدنيا حين عرض المال والجاه والقربى من السلطان ولا بأس ان تكون الوزارة ثمنا للتخلي عن مطالب الدعوة فكانت الإجابة (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) فمكثوا في سجنهم ما يزيد على العشرين عاما أباة كراما ثابتين على الحق متحملين في سبيله ما تحملوا ما غيروا وما بدلوا حتى فتح الله بهم قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما انضمت إلى قافلة الدعوة بفضل هذا الإخلاص والثبات.
ان إخلاص الداعي يكون ادعى لقبول الناس للدعوة، واقطع بطمع العدو في استمالتهم إليه، وأدل على صدق الداعية، صدقه فيما يدعو الناس إليه، وصدق نفسه مع دعوته، التي حملت هذه الدعوة فكرا وأسلوبا وسمتا، وان لم يحملها ليحترف بها ويبتغي من ورائها المكاسب المادية، ولا ليصبح أداة مسخّرة في أيدي أصحاب السلطان، ولا بوقا من أبواقهم ينافح عنهم ويدافع عن ظلمهم وسيئاتهم، والا فانه سيحترق وينتهي، وتوصد القلوب دون دعوته، مهما دعا إلى الحق، ومهما تظاهر بالصلاح، ولبس مسوح الرهبان، وقد يصبح قدوة سوء، وفتنة للناس، ومضرب مثل للنفاق والتصنع للسلطان، والتزلف بين يديه والمتاجرة بالدين.
يقول ابن عطاء السكندري: ما بسقت أغصان ذل إلا على بذور الطمع. فالإنسان يكون في اشرف أحواله عندما يدعو إلى الله ويتبتل إليه فلا يرجو ولا يأمل مما سواه، فماذا يرجو الفقير من فقير مثله.
والغريب ان الطمع في العبيد ورجاء منفعة منهم خالط كثيرا من القلوب فأفسدها، فهذا عالم يتكلم بصوت خفيض وطرف كسير مع الحكام الجائرين، ولو شاء لرفع صوته كالرعد، ولكنه يهمس حينا ويخرس حينا لان بذور الطمع نمت في نفسه فأذلته، ان تطلعه إلى ما يملك فلان من مال، والى ما يهب فلان من جاه جعله يلين وينكس وينكمش.
ولو انه يئس من عطاء الخلق، لكان اعز نفسا وأعلى رأسا، وكم من أناس أزرى بهم طمع في هذا وأمل في ذاك وكم من حقوق طمست، ومصالح عطلت، وأوضاع اعوجت بسبب أطماع نفسية محقورة.
والداعي إلى الله درّب نفسه على العفة والأنفة، وعلى اكتفاء ذاتي يصدها عن التطلع إلى ما بأيدي الآخرين، والاستغناء بالقليل الموجود على الكثير المشتهى وهو ما يدعو إلى دين الله قائلا للناس: (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).
ان اصطياد الدنيا بالدين مأساة، وقد نبه القران الكريم ان نفرا من الذين يلبسون شارات الإيمان، ويصدون الناس عنه، وممن يتكلمون عن الله، يأكلون باسمه أموال الناس سحتا قال عز من قال: (ان كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم).
ولقد عبر الشهيد حسن البنا عن ذلك أحسن تعبير حين كتب لبعض باشوات عصره يعرفه بالإخوان رضوان الله عليه:
الإخوان المسلمون لا يقادون برغبة ولا برهبة، ولا يخشون أحدا إلا الله، ولا يغريهم جاه ولا منصب، ولا يطمعون في منفعة ولا مال، ولا تعلق نفوسهم بعرض من أعراض هذه الحياة الفانية، ولكنهم يبتغون رضوان الله ويرجون ثواب الآخرة، ويتمثلون في خطواتهم قول الله تبارك وتعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين) فهم يفرون من كل الغايات والمطامع إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو رضوان الله.
وهم لهذا لا يشتغلون في منهاج غير منهاجهم، ولا يصلحون لدعوة غير دعوتهم، ولا يصطبغون بلون غير الإسلام (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) فمن حاول ان يخدعهم خُدع، ومن أراد ان يستغلهم خسر، ومن طمع في تسخيرهم لهواه اخفق، ومن اخلص معهم في غايتهم ووافقهم على متن طريقهم سعد بهم وسعدوا به، ورأى فيهم الجنود البسلاء، والأخوة الأوفياء، يفدونه بأرواحهم ويحوطونه بقلوبهم وجهودهم، ويرون له بعد ذلك الفضل عليهم.
6-تحمل الإيذاء في سبيل الدعوة وبذل المال والنفس والجهاد لنصرتها
يتعرض أفراد الجماعة المسلمة وهي تسير طريق الله إلى الأذى في النفس والمال والولد فهي تحتاج إلى صبر عند جهاد المشاقين لله، وعند النصر عليهم، وتحتاجه، عند نقل الحمل وقلة المعين، تحتاجه عند تأخر النصر وطول الطريق، تحتاجه عند التواء النفوس وضلال القلوب.
ولقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثقل ذلك الحمل من الغمز، واللمز تارة، والسخرية والاستهزاء تارة أخرى، والاعتداء على الأجساد بالتعذيب ثم القتل والتشريد تارة حين قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا ارحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلي من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ ان لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير ان عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ان ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".
وطبيعة الطريق تنتهي بالصابر عليها إلى جنة عرضها السموات والأرض يقول صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره" لان هذه الطريق فيها الساخرون، والمستهزئون، والمعتدون الآثمون، فيها السجون والمعتقلات، وأدوات القتل والفتك والتعذيب، فيها أصحاب الأخدود النار ذات الوقود، (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا ان نصر الله قريب). (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (آلم أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
هذه هي طبيعة الطريق إلى بناء الرجال الذين يحملون هذه الأمانة ليكونوا على بصيرة من أمرهم قبل ولوج تلك الطريق، ويتعرفوا على أنواع الفتن التي سيتعرضون لها وقد لخص الشهيد سيد قطب أهم تلك الأنواع وهي:
1-من الفتنة ان يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه
2-ومن الفتنة فتنة الأهل والأحباء الذي يخشى عليهم ان يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعا وهم يهتفون به ليسالم، وينادونه باسم الحب والرحم واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى والهلاك.
3-ومنها فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين، تهتف الدنيا لهم، وتصفق الجماهير، والمؤمن مهمل مُنكّر لا يجس به احد ولا يحامي عنه احد
4- ومنها فتنة الغربة في البيئة، والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقا في دنيا الضلالة، وهو في طريق غريب.
5-ومنها فتنة ان يجد المؤمن أمما ودولا غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية متحضرة في حياتها ومجتمعاتها، ويجدها غنية في الوقت الذي تشاق الله تعالى وتحارب دينه.
6- ومنها فتنة الشهرة وجاذبية الأرض وثقلة اللحم والدم، وهي الطامة لأنها مؤيدة بطبع الإنسان وفطرته.
7-ومنها فتنة إبطاء النصر وطول الطريق
8-ومنها فتنة الغرور، والاتكال على النفس بعد النصر
هذه الأنواع كلها تعرض للمؤمن في هذه الطريق، والفائز بحق من اخلص دينه لله واستطاع ان يتجاوزها وهو في طريقه إلى الله تعالى وجناته.
كل هذه الفتن للوصول إلى الإنسان الأحسن عملا بعد صحة اعتقادهم (انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) وليميز الله الخبيث من الطيب، لتصلح بهذا الاختبار والامتحان صلاح الحركة البشرية على الأرض.
ولا يمكن الوصول إلى معرفة تلك الأيدي الصالحة إلا بعد تجارب فينكشف بموجبها الصالح من الطالح، فلا يجب ان نغتر بحماس الكثرة بل لابد من ان يتعرضوا لتجارب ومواقف متعددة حتى تتوصل الجماعة إلى خير العناصر التي تستطيع مواصلة الطريق بتوفيق الله بعد ان تربت التربية التي يريدها الله.
روى الترمذي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قلت: يا رسول الله أي الناس اشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الامثل فالامثل".
وعليه فالابتلاء سنة من سنن الله سبحانه وتعالى لا مفر منه لكل إنسان خلق على هذه الأرض، وعلى الأخص دعاة الحق، فهم بمجرد نطقهم بالحق يطالبهم الرب سبحانه وتعالى بالدليل على صدق دعواهم، بأن يختاروا الله وان يؤثروا العقيدة على الحياة، وان يستعلوا بالإيمان على الفتنة وان يصدقوا الله في العمل والنية، لانهم إجراء عند الله فحيثما أرادهم ان يعملوا عملوا.
والقارئ لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ثباته صلى الله عليه وسلم مع استمراره في دعوته إلى الله تعالى، وعدم تراجعه مع ما يرى من شدة البلاء وكثرة العدو، وقلة الناصر من الناس، ومع ذلك لم يداهن، ولم يتنازل عن شيء مما جاء به. يقول عروة بن الزبير سألت عبد الله بن عمرو عن اشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت عقبة ابن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: (أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم).
بل ولقد حاول اليهود ان يقتلوه صلى الله عليه وسلم بوضع السم في لحم اهدي له بخيبر من يهودية، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبْهرöي من ذلك السم".
والله سبحانه وتعالى كان قادرا ان ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم بالطاغية فيهلك أعداءه كما هلكت ثمود أو بريح صرصر عاتية فتبيدهم كما أبادت عادا، أو بالطوفان كما حدث مع نوح، أو بانطباق الأخشبين عليهم كما خيره جبريل عليه السلام، وينتهي الأمر لكن الله أراد ان ينتصر هذا الإسلام بالجهد البشري، واخلاص المؤمنين، وصبرهم ومصابرتهم فالمبادئ لا تعيش ولا تصبح واقعا إلا إذا حملها (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى والقدوة الحسنة ليتعلموا منه الصبر والثبات وتحمل الأذى في سبيل الله والإخلاص لهذا الدين، كما تعلموا منه الصلاة والصيام وسائر العبادات.
ولم يقف الأمر عند إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب بل تعداه إلى أهل بيته وبناته بمجرد إظهارهم الإسلام.
ثم كان إخلاص الصحابة لهذا الطريق بعد ان رأوا رسولهم صلى الله عليه وسلم وكان بلال أول عبد أعلن الإسلام فناله وأصحابه من الأذى الكبير، وكما فُعل ببلال فعل بخباب وعمار وسمية وغيرهم الكثير.
فلا نجد من هؤلاء جميعا إلا الإصرار على الحق والالتجاء إلى الله وحده فيخلوا القلب إلى بارئه فلا يجد سندا إلا سنده فلا شيء إلا الله ولا ملجأ من الله إلا إليه، فيسمعون خالقهم يقول: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وإنا إليه راجعون).
ان الإيمان ليس كلمة تقال انما هي حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى جهد ولا يتحقق ذلك كله إلا بإخلاص المخلصين فكان لابد ان يتعرضوا للفتنة عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم.
والمولى سبحانه وتعالى يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله المغيب عن علم البشر، حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين، لان الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم أهل لها، ولهم على حملها قدرة وفي قلوبهم تجرد وإخلاص، يشعرون بعظمة هذه الرسالة ويعتزون بالانتساب إليها، ويثقون في نصر الله لها فيدفعون ذلك إلى تحمل الإيذاء في سبيلها والتضحية بالمال والأهل والولد بل والنفس من اجل نصرتها.
والمسلم الذي يقول للبشرية جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
انه يشعر بذله وتفاهته قبل الالتحاق بهذه الدعوة وبشرف الانتساب إليها ويقول: كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزة في غير الإسلام أذله الله.
ان حقيقة هذا القول لابد ان يترجم إلى سلوك يجعله يقول لكل جبار: (اقض ما أنت قاض انما تقضي هذه الحياة الدنيا، انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا).
فإذا كانت هذه مشاعر المسلم المخلص لدينه فكيف يقدم على هذه الرسالة نفسا أو أهلا أو مالا أو تجارة (قل ان كان آباؤكم و أبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).
ان القران يضع كما رأيت في الآية الكريمة الوشائج والمطامع واللذائذ كلها في كفة، ويضع العقيدة ومقتضياتها، في الكفة الأخرى، الآباء والأبناء، والإخوان، والأزواج والعشيرة (وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج) والأموال والتجارة (مطمع الفطرة ورغبتها) والمساكن المريحة (متاع الحياة، وزينتها) وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله، وحب الجهاد في سبيله، الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشتقاته، الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب وما يتبعه من تضييق وحرمان، وما يتبعه من ألم وتضحية، أو ما تتبعه من جراح واستشهاد، مجردا من الصيت والظهور، والمباهاة والفخر والخيلاء.
وعلى المسلم ان يختار إخلاصه لدعوته وصدقه مع ربه. ولقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم، مثلا أعلى في الإخلاص لهذه الدعوة، فرخص عندهم في سبيل هذه الدعوة كل غال ونفيس، يقدمونه خالصا لله فهذا:
صهيب بن سنان الرومي:
لما اسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس ان يهاجر بماله، وان أحب ان يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم، وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع فقال: وانتم. فلا اخسر الله تجارتكم. وما ذاك؟ فأخبروه ان الله انزل فيه هذه الآية –وفي رواية- عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك. وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيتم ان دفعت إليكم مالي تخلو عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ربح صهيب .. ربح صهيب".
وهذه الصورة تنطبق على كل مؤمن خالص الإيمان، متجرد لله، مرخص لأعراض الحياة، فهي صورة ممكن ان تتكرر ما بقي المنهج الذي تمسك به هؤلاء، وما بقي المخلصون على الأرض (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
عثمان بن مظعون:
اسلم عثمان رضي الله عنه واشتد عليه العذاب، حتى دخل في جوار الوليد بن المغيرة، وهو مشرك ليكون في حرز من الأذى والعذاب، ثم رد عليه جواره، وقال: اكتفي بجوار الله عز وجل.
واجتمع مع رجال قريش إلى لبيد بن ربيعة الشاعر ينشدهم: إلا كل شيء ما خلا الله باطلا وهنا قال عثمان: صدقت.. يؤكد ان هذا دعوته الإسلامية منهجه، ولكن حين تابع لبيد شعره وقال: وكل نعيم لا محال زائل. قال عثمان: كذبت، ذلك ليتضح للناس خطأ تصورهم وليبين منهجه الذي آمن به ويدعو إليه.. فنعيم أهل الجنة لا يزول.
وهنا غضب لبيد فقام رجل من القوم إلى عثمان ولطم عينيه فآذاها، والوليد بن المغيرة قريب منه يرى ما أصابه، فقال له: اما والله يا ابن أخي، ان كانت عينيك عما أصابها لغنية لقد كنت في ذمة منيعة. فقال له عثمان: بلى والله، ان عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، واني لفي جوار من هو اعز منك وأكرم يا أبا عبد شمس.
بلال الحبشي:
اسلم وهو عبد رقيق، وتمكن الإيمان من قلبه، فعذبه سيده حين رأى منه إخلاصا لدعوته، فكان يطرحه على الرمضاء في شدة الحر، ويلقي عليه الصخرة العظيمة ثم يسلمه إلى الصبيان يجرونه ويعذبونه، يفعل به ذلك سيده ليرده عن دينه، فيثبت على إيمانه، ويعلن عن ذلك بلسانه: فيقول: احد، احد... ولم يزل كذلك حتى اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأعتقه.
سعد بن أبي وقاص:
اسلم سعد، فسخطت عليه أمه، وقالت: لتعودن إلى دين آبائك، أو لأدعن الطعام والشراب حتى أموت، فتعير بي فيقال لك: يا قاتل أمك.
وتركت الطعام يومها حتى أنهكها الجوع والظمأ، واستمرت على ذلك يومها الثاني، حتى بلغ منها الجهد، فجاءها في اليوم الثالث وقال: والله يا أم!! لو كان لك مائة روح وخرجت روحا روحا، ما تركت ديني هذا لشيء أبدا فكلي ان شئت أو امسكي.. فلما رأت ذلك أكلت وشربت.
زيد بن الدثنة:
وقع زيد في اسر المشركين، وأخرجوه إلى التنعيم ليقتلوه فسأله أبو سفيان مختبرا. فقال: أسألك بالله يا زيد، ألا تحب ان يكون محمد مكانك تضرب عنقه، وأنت آمن في اهلك.
فقال زيد والله ما أحب ان محمدا صلى الله عليه وسلم في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأنا آمن في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا من الناس يحب احد كحب أصحاب محمد محمدا.
انها مواقف جليلة من علامات الإخلاص، وثمرات الإيمان ليست في هذه القرون الأولى فحسب وان كانت خير القرون ولكنها تتجدد ما بقي الإخلاص يملأ القلوب.
فكم من رجال في عصرنا الحديث ثبتوا، وضحوا وهم يحملون هذه الدعوة دون تغيير ولا تبديل ولا تعطيل.. ما ارهبهم سيف الحجاج، ولا أغراهم ذهب المعز، ومكثوا عشرات السنين في السجون والمعتقلات أمناء على دعوتهم، مخلصين لرسالتهم، لا ارض تحتهم ولا عذاب يرهبهم يرددون:
نحن عصبة الإله دينه لنا وطن
نحن جند مصطفاه نستخف بالمحن
وصدقت عائشة رضوان الله عليها حين كتب لها معاوية: ان اكتبي إلي كتابا توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت عائشة رضي الله عنها إليه: السلام عليك، اما بعد فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام عليك".
والذي نريد ان نؤكد عليه انه يتكرر في تاريخ الدعاة إلى الله، موقف أعداء الحق في مضايقة الدعاة، ومحاولة إخماد صوت الحق، والتفنن في أساليب الصد، عن نشر دين الله، وإبلاغه إلى مسامع العامة من الناس، وافتعال المبررات –أمام العامة من الناس- لضرب الدعاة إلى الله تعالى، حيث يلصق بهم من الافتراءات والدعاوي المضللة، ما يجعل منه مسوغا لضرب الدعوة وحملتها الذين وهبوا أنفسهم لله تعالى، واخلصوا دينهم لله، وثبتوا أمام الضربات الشرسة المتكررة.
ولا يترك أعداء دين الله سبيلا يمكنهم بها المساس من أصحاب الدعوة في دينهم أو مصالحهم، أو أعراضهم، أو أنفسهم، إلا اخذوا بها، كما تمتد أيديهم بالأذى إلى أتباع الدعاة أيضا فمن اخذوا على أنفسهم العودة الصادقة إلى دين الله سبحانه، والتزام منهجه وشرعه، والتحاكم إلى كتابه وسنة رسوله، ونبذ كل ما يمت بصلة إلى الجاهلية –قديما وحديثا- من قريب أو بعيد، هؤلاء وأولئك كلهم يواجهون صورا كثيرة من الإيذاء: فيحرمون من كثير من المصالح والوظائف في أجهزة الدولة، لانهم أشخاص لا يرغب فيهم، وقد يهدد الشخص منهم بالسجن أو النفي من الأرض، وقد يتطور الأمر إلى إنزال أنواع من التعذيب في السجون المظلمة، وقد تكمم الأفواه من ان تقول كلمة الحق.. إلى غير ذلك من الأساليب والوسائل التي لا يقصد بها سوى فتنة المؤمنين ومحاولة صدهم عن الحق سلوكا وتبليغا، وهذه كلها من صور الابتلاءات التي لابد للمؤمنين المخلصين الصادقين من مواجهتها وهم سائرون في طريقهم إلى الله.
والصبر على هذا البلاء، واحتساب ما يصيبهم في هذه الحياة الدنيا، والتسليم لأمر الله سبحانه، والاعتصام به، والتوكل عليه، والثبات على الحق، وتعلق القلوب بالله تعالى، وعدم اليأس أو استعجال النتائج، وشدة الالتجاء إلى الله تعالى عند اشتداد البلاء، كل ذلك دليل على صدق الإيمان وإخلاص العمل وهم واثقون من نصر الله لهم (كتب الله لأغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز).
وهكذا بهذا البلاء يزيد رصيد المؤمنين ومقامهم عند الله فهو يرفع به درجاتهم وحسناتهم، ويكفر به خطاياهم، مصداقا لقوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في امرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين).
وبهذا الإخلاص للدعوة يتطهر الصف المسلم من أدعياء الإيمان والذين في قلوبهم مرض، إذ ان المسلمين لا يعرفون دخيلة النفوس ولا حركة القلوب، ويقيسون الناس بظاهرهم فيأتي البلاء ليكشف المخلصين الصادقين من المنافقين الكاذبين فيتميز بذلك الصف ويختار المولى من ينصر بهم دعوته.
7- الحرص على توريث الدعوة مجردة عن الأشخاص
العمل للمحافظة على الجماعة المسلمة بما تحمل من الفهم الدقيق والإيمان العميق، والحب الوثيق فريضة واجبة على كل مسلم فهو غاية وسعه لتدعيمها وتقويتها ومسئول أمام الله عن ذلك حتى يتحقق التعاون والأخوة والإيثار والتضحية والمحبة.
وتلك الصفات الكريمة والخصال الحميدة، انما تكون ثمرة طبيعية للعمل الجماعي، لان العمل الجماعي يقتضي من كل فرد ان يبذل أقصى جهده لخدمة جماعته، فيمد يد العون لها لتحقيق أهدافها.
ولا يتحقق ذلك كله إلا بالإخلاص للفكرة، فلا يجب على الداعي ان يدعو أحدا لشخصه وذاته ويجمع الأفراد حوله، ويصنع لنفسه زعامة بل من الإخلاص ان يدعو للفكرة فإذا تعلق المدعو به قام بعملية فطام تجعله يعتمد على نفسه ويعمل لفكرته ويتجرد لدعوته لان القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، فالأفراد متقلبون –إلا من رحم ربك- اما الفكرة فثابتة لا تتغير ومن الأمانة ان يتعلق المدعو بالثابت لا المتغير ولا تربطه بالداعي إلا رباط الأخوة، فان انحرف الداعي بدعوته أو غيّر أو بدل أو زلت قدمه بعد ثبوتها التزم المدعو الطريق وثبت على الصراط وقال لمن دعاه: هذا فراق بيني وبينك.
ذلك لان الداعي لو ربط المدعو به شخصيا، وجعل ولاءه له وليس للجماعة إنما يعمل بذلك على تفتيت الجماعة، وتفريق الصف، فيضعف قوتها، ويوهن عزيمتها، لان عمله في ذلك الوقت يكون عملا فرديا لا يهتم بالتجميع ولا بالنصير ولكنه يعمل لنفسه وذاته، لا يعبأ بإخوانه ولا يهمه أقرانه فيتفرق الصف بأنانية بعض أفراده، وذاتية بعض دعاته رغبة في الزعامة وحبا في الرياسة.
فتبدو البغضاء التي تحلق الدين، وتظهر العداوة وهي نتيجة حتمية للفرقة وتعدد الهدف من بعض الذين لم يخلصوا لدعوتهم ويعملوا لذواتهم، ولم يسعوا إلا لمصلحتهم، وصاحب المصلحة يحاول دائما الحصول عليها ولو اضر جماعته فهو يصر على انتزاعها مهما كان الضرر عندئذ يكون التناحر حتما مقضيا، وتكون العداوة أمرا لا مفر منه.
درس من الإمام البنا:
ان الشعور بالمسئولية تجاه الجماعة هي التي جعلت عمر بن عبد العزيز يقول: ألا اني لست بخيركم، ولكني رجل منكم غير ان الله جعلني أثقلكم حملا فالقيادة ليست مغنما يتمتع به القائد، ويتلذذ بعبارات الثناء فيه، بل هي عناء وتبعية، وقد ضرب لنا الإمام البنا رحمة الله عليه مثلا رائعا بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام 1938م حين وقف يخطب فتحمس احد الإخوان من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا ومع انه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف –إلا ان فضيلته وقف صامتا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع، ثم بدأ حديثه في غضب فقال: أيها الإخوان ان اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون، ولن يأتي أبدا، ان دعوتنا إسلامية قامت على عقيدة التوحيد فلن نحيد عنها.
أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس الأصول التي آمنا وهتفنا بها، الرسول قدوتنا (ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
وبهذا الموقف وضع الإمام الشهيد شباب الدعوة أمام صورة حية للمحافظة على جوهر الدعوة والاستمساك بها، وعدم التعلق بالأشخاص مهما تكن مراكزهم وهم في مسيرة العمل الإسلامي.
ان العلاقة بين أفراد الجماعة تقوم أساسا بعد الرباط الإيماني القائم على الإخلاص على الرباط التنظيمي القائم على الثقة المنبثقة من الحب في الله.
ان المولى سبحانه وتعالى مّن على المؤمنين بتأليف قلوبهم بعد إخلاصهم لدينهم (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا).
ولك ان تتصور جماعة كل واحد فيها يقول: انا وأنا فقط، انها الأنانية التي لا يكتفي صاحبها بأن يسعى إلى تحقيق هدف جماعته ولكن يسعى جاهدا لتحقيق غرضه حتى ولو اصطدم بأهداف الجماعة لانه لا يرى بنظره السقيم إلا نفسه ويستجيب لهواه وشيطانه، فهل تنتظر تحقيق أهداف سامية من مثل هؤلاء؟.
ان المخلص لمنهجه يعرف بعين البصيرة النتائج الوخيمة لهذا المسلك فيحاربه كلما جال بخاطره، ويحذر من الوقوع فيه وهو يردد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم اني أعوذ بك من ان أشرك بك شيئا اعلمه واستغفرك لما لا اعلمه".
ولهذا الشخص النفعي الذي لا يريد ان يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة وما يجره هذا البذل له من مغنم يقول له الإمام الشهيد حسن البنا: حنانيك ليس عندنا من جزاء إلا ثواب الله ان أخلصت، والجنة ان علم فيك خيرا، اما نحن فمغمورون جاها فقراء مالا، شأننا التضحية بما معنا وبذل ما في أيدينا، ورجاؤنا رضوان الله وهو نعم المولى ونعم النصير، فان كشف الله الغشاوة عن قلبه وأزاح كابوس الطمع عن فؤاده فسيعلم ان ما عند الله خير وأبقى، وسينضم إلى كتيبة الله –المخلصة- ليجود بما معه لينال ثواب الله في العقبى وما عندكم ينفذ وما عند الله باق، اما ان كانت الأخرى فالله غني عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته وموته وحياته، وكذلك كان شأن قوم من أشباهه حين أبو مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ان يجعل لهم الأمر من بعده، فما كان جوابه صلى الله عليه وسلم إلا ان أعلمهم (ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين).
فأين هذا النفعي الذي يعمل لذاته من الذي آمن بالدعوة وعاش لمبادئها ورأى فيها كل خير، واطمأنت نفسه لطريقها وسكن فؤاده لجماعتها، فيه يكثر عدد المجاهدين ويعلو بصوته صوت الداعين، فان سعى سعى كهدهد سليمان لكسب النصير لدعوته وان دعا فللمباديء والقيم، والأهداف والغايات السامية لا للأشخاص الفانية.
ألا ترى بلقيس حين وقفت مفجوءة مدهوشة امام عجائب سليمان التي تعجز البشر، رجعت إلى الله وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره –يوم ان كانت لا تعمل إلا لذاتها- فلما أخلصت لله دينه، أعلنت إسلامها "مع سليمان" "لا لسليمان" ولكن (لله رب العالمين).
لقد اهتدى قلبها واستنار، فعرفت ان الإسلام لله، ليس استسلاما لأحد حتى ولا لنفسها التي بين جنبيها، انما الإسلام إسلام لله رب العالمين وعمل يقصد به وجهه، ومصاحبة للمؤمنين به والداعين إلى طريقه ونحن نقول "اللهم انك تعلم ان هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك ، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق اللهم رابطتها وادم ودها واهدها سبلها واملأها بنورك الذي لا يخبو واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة في سبيلك انك نعم المولى ونعم النصير".
من مهام الرسل توريث الدعوة:
ان الحرص على توريث هذه الدعوة مهمة رسل الله وأنبيائه الكرام، فهذا إبراهيم عليه السلام (إذ قال له ربه اسلم فقال أسلمت لرب العالمين) فلم يكتف عليه السلام بنفسه انما تركها في عقبه، وجعلها وصيته في ذريته (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون) حرص واجتهاد ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم.
تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ويعقوب لبينه، الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته، والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه إلا الموت وسكراته (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك واله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) ميت يحتضر.. فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد ان يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد ان يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات؟ انها (ما تعبدون من بعدي)؟ هذا هو الذي يتسلمونه ويصونونه. انه توريث هذه الدعوة.
فإذا انتقلنا إلى زكريا عليه السلام نجده يشكو إلى ربه وهن العظم ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبا وكلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها فهو يعرض عليه حاله ورجاءه، وما أحوجه الآن في هرمه وكبره ان يستجيب الله له دعاءه ويتم نعمته عليه، فما الذي يرجوه زكريا ويخشاه، انه يخشى مَنْ بعده، يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه، وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها، وهو يخشى الموالي من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته، قيل لأنه يعهدهم غير صالحين للقيام على ذلك التراث، ولذا فهو يطلب الولي الصالح الذي يحسن الوراثة، ويحسن القيام على تراثه (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب).
ولا ينسى زكريا النبي الصالح، ان يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبره (واجعله رب رضيا) والرضيّ هو الذي يَرضى ويُرْضöي وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله، كل ذلك لتستمر الطريق من بعده.
فكان يحيى عليه السلام الذي أحسن الخلافة بعده في العقيدة والعشيرة ويحمل الأمانة الكبرى ليواصل المسيرة، (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) نودي ليتحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة وهو يحمل من الصفات الكريمة ما تهفو إليه كل نفس نفيسة من الحنان والزكاة، والتقوى والحكمة، والعفة وطهارة القلب موصولا بالله، متحرجا معه، مراقبا له، يخشاه ويستشعر رقابته عليه في سره ونجواه.
وذلك هو الزاد الذي آتاه الله يحيى في صباه.
وهؤلاء هم المخلصون بحق الذين يقتدى بهم في كل شيء وفي توريث الدعوة لمن بعدهم كذلك، (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).
توريث أسلوب الدعوة:
ومن الإخلاص أيضا ان تكون أمينا فيما تريد ان تورثه فتسلمه كما استلمته دون افراط ولا تفريط فهما ودعوة وتطبيقا.
فمن الأمانة حين نورث الدعوة لمن بعدنا ان نحرص على ان نبين لهم ان إجبار الناس وقسرهم لا يفيد، فنحن نرفض مسلك العنف والإكراه رفضا قطعيا كطريقة لفرض الآراء على الناس وإكراههم على تطبيقها بل نعمل على استئصال جذور هذا العنف من الفكر والواقع انطلاقا من قول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
ذلك لان هذا المنهج في الدعوة إلى الله خطواته مرسومة، وقواعده محددة، وأصوله معلومة من اخلص في تطبيقه فتح الله له القلوب الغلف والأعين العمي والآذان الصم.
وبذلك ينهج الداعي في سبيل الدعوة إلى الحق في أي وقت من الأوقات منهج الحجة الواضحة، والحكمة في الإقناع، ولا يقع في هوى النفس فلا يشده عصبية فكرية، ولا يجذبه بريق الزعامة، ولا جاه الشرف ولا عامل التحيز لأي أمر من الأمور التي تنطوي على مصلحة فردية أو عصبية جماعية.
ولقد مر الإخوان بفترات عصيبة سواء في حياة الإمام الشهيد حسن البنا، حين أراد بعض الشباب ان ينعطف بالدعوة إلى غير طريقها، ويلتزم بغير منهاجها فقال قولته المشهورة ليعلن تمسكه بالطريق الذي اختارته الجماعة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا فيه، وكانت القاعدة الذهبية التي ما زالت الجماعة تطبقها حتى يومنا هذا، فتتمسك منهاجها وتتعاون مع غيرها دون الإخلال بأصول الدعوة ومنهاجها.
ولما حدثت المحنة الشديدة للجماعة عام 1954-1965 وأراد بعض أفراد الجماعة ممن عانوا قسوة التعذيب ومرارة التنكيل في السجون والمعتقلات عام 1965 ونشروا فكر التكفير مدعين ان هذا هو طريق الجماعة، ودعوة الشهيد الإمام حسن البنا تصدى لهذه الفرية رجال كانوا أمناء عليها وثبتوا أمام هذه العاصفة يوضحون خطأ القوم، ويبينون صحة الطريق، ولكن رياح هذه الفتنة كانت عاتية والفتنة عارمة حتى جاء الإمام حسن الهضيبي –رحمة الله عليه- إلى سجن أبي زعبل وتصدى لهذه الدعوة المدّعاة –دعوة التكفير- وفندها وبين خطورتها، وأعلن للجميع وهم في السجون والمعتقلات خطأ فكرهم، وزلة أقدامهم وكان كتابه المعروف "دعاة لا قضاة" الذي ما زال حجة على كل من ادعى فكرا غير فكر الجماعة، أو منهجا غير منهجها قال –رحمه الله- تسلمتها بيضاء نقية فلابد لي من ان أسلمها للأجيال كما تسلمتها من المرشد العام –رحمة الله- وهكذا يعرف الرجال بالحق الذي يحملونه.
ان عظمة القائد تقاس بعظمة الرجال الذين خلفهم بعده، وعدد الرجال الذين رباهم في مدرسته، وبما تركه من مباديء وقيم ومثل رباهم عليها، فيكونون بذلك امتدادا لطريقه، واستمرارا لدعوته، وحُفّاظاً لفكرته، ومواصلين لرسالته.
رجالا لا يكملون ما بدأه فحسب، بل يورثون هذه الدعوة أيضا لمن جاء بعدهم وهم يرددون (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) وهكذا تصبح الدعوة ولاّدة كلما جاءت امة تسلمت من أختها الراية وهم مؤمنون بربهم، مستمسكون بكتابهم، يشعرون بعظمة رسالتهم، ويعتزون بالانتساب إليها، ويثقون في نصر الله لها داعين إليها دون إكراه، مبلغين رسالتها دون عنف، فهم يورثون دعوتهم تعريفا، وتكوينا، وتنفيذا كما آمنوا بها فهما وتطبيقا.
8-بذل الجهد واستخدام كل الوسائل المتاحة لتكوين رأي عام حول الدعوة
لنشر الدعوة أهمية كبرى في حياة الداعي المخلص فهو يبذل قصارى جهده في نشرها بالقول ملفوظا أو مكتوبا أو مقروءا، ذلك لان الإخلاص يفتح القلوب وتهوي إليه الأفئدة وتنصت له الآذان، طالما ان الداعي يستخدم قواعد وأصول الدعوة إلى الله.
والداعي لا يقف عند حد القول باللسان بل يستخدم وسائل التبليغ المتاحة وهي اليوم كثيرة ومتعددة ومتنوعة مثل:
1-الوسائل السمعية كالإذاعة والندوة والخطبة والمناقشة والدرس.
2-الوسائل المقروءة مثل الصحف والمجلات والكتب والنشرات.
3-الوسائل البصرية مثل التلفاز والسينما والفيديو.
4-الوسائل الشخصية مثل المقابلة والدعوة الفردية والمحادثات والمجاملات إلى غير ذلك.
وهو بهذه الوسائل المتنوعة يسعى بدعوته لتصل إلى جميع شرائح المجتمع وطبقاته، ليكّون رأيا عاما يحمل أفكاره وتصوراته ويؤمن بطريقه ويتعاطف معه مع اقل تقدير إذا لم يضح من اجله.
وهذا الجهد الذي يبذله الداعي لا ينتظر أمرا به من قيادة، ولا توجيه من أمير انما هي حركة تلقائية لأنه مكلف بها سلفا من قبل الله عز وجل يشعر بها ويؤديها كل مخلص لدعوته لنشرها في الآفاق، كما فعل هدهد سليمان عليه السلام حين تفقد الطير فقال(مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) فإذا به يقول له: (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين) ومملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة فوجدهم تحكمهم امرأة (أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) وجدهم جميعا (يسجدون للشمس من دون الله) ثم يتعجب لöم لَم (يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا اله إلا هو رب العرش العظيم).
ان هذا هدهد قطع الفيافي والقفار وبلغ قائده بما رآه حتى يرسل أتباعه لينشروا دعوة الله فهل انتظر الهدهد أمر قائد؟
فإذا كان هذا حال هدهد يسعى بدعوته فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكونا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجمود والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره، سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون ان يصبوه على المرسلين، وظاهر ان الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته ولكنها العقيدة الحية في ضميره والإخلاص لدعوته الذي دفعه وجاء به من أقصى المدينة إلى أقصاها (قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) ان الذي يسعى هذا السعي، ويبذل هذا الجهد وهو لا يطلب أجرا ولا يبتغي مغنما، انه لصادق في قوله مخلص في دعوته ويريد لها انتشارا والا فما الذي يحمله على هذا العناء ان لم يكن يلبي تكليفا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسبا، ولا يطلب منهم أجرا بل ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة وأشهدهم عليها وطلب منهم ان يقولوها كما قالها.
انه إخلاص الداعي الذي يبذل الطاقة ويدعو إلى دين الله لينتشر بين الناس جميعا ويكون رأيا عاما لدعوته لا ينتظر تكليفا من احد، ولا أمرا من قيادة انما هي تلقائية الحركة بدافع الإخلاص لها. كما قلنا، والدافع له على تكوين رأي عام، ليحمل هذه الدعوة ويتعاطف معها على اقل تقدير ليكّون رقابة من الرأي العام على كل فرد من أفراد الأمة مما يجعل له أحسن الأثر في المحافظة على سلامة المجتمع، وحماية الفكرة، وإحلال التقاليد الصالحة محل الفاسدة فيحفظ بذلك كيان الأمة ويظهر شخصيتها المسلمة.
وتكوين الرأي العام الإسلامي يمثل القاعدة الجماهيرية العريضة التي تقف وراء الدعاة إلى الإسلام، تحبهم وتساندهم وتشد أزرهم بعد ان وعت مجمل أهدافهم ووثقت بإخلاصهم وقدرتهم، ونفضت عنها غبار التشويش والتشويه للإسلام ورجاله وحركاته، فتتحقق المودة فيما بينهم ويستكمل عقد الأخوة فتتكاتف القلوب (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بينهم ولكن الله ألف بينهم).
وهذا الرأي العام يمهد ويهيئ لمناخ عالمي كذلك يتقبل وجود الأمة الإسلامية حين يتفهم حقيقة الرسالة الإسلامية وحضارتها ويتحرر من العقد الخبيثة التي تركها تعصب القرون الوسطى في أعماق نفسه، ومن الأباطيل التي خلّفها الكذب والتشويه في أم رأسه.
رأي عام يفسح صدره لظهور القوة الإسلامية بجوار القوة العالمية الأخرى، مدركا ان من حق المسلمين ان يحكموا أنفسهم وفق عقيدتهم باعتبارهم أغلبية في بلادهم، كما تنادي بذلك –لا أقول- مباديء الإسلام وقيمه وهذا ما ندين به –ولكن على الأقل كما تنادي بذلك مبادئهم الديمقراطية التي يتغنون بها، وان من حقهم ان يدعوا إلى رسالتهم الإنسانية العالمية باعتبارها إحدى الأيدلوجيات الكبرى في العالم التي لها ماض وحاضر ومستقبل، ويدين بها أكثر من ألف مليون مسلم في دنيانا التي نعيش فيها.
ولا يتحقق ذلك إلا بإخلاص القائمين على العمل الإسلامي أفرادا وجماعات جنودا وقادة، فيرضى الله عنهم ويرضوا عنه فيفتح الله بهم قلوب العباد قبل البلاد، كما فتح على السلف الصالح من قبل الذين اخلصوا دينهم لله وجردوا القصد منه لله، وعملوا له واستفرغوا الوسع وبذلوا الجهد لتكون كلمة الله هي العليا ولهذا حرص الإمام البنا ان يجعل أول شعاراته "الله غايتنا" ليؤكد رضوان الله ومثوبته على القيادة والأفراد يجتمعون على هذه الغاية النبيلة حتى ولو قالوا اننا نريد إقامة مجتمع إسلامي أو إقامة دولة إسلامية أو حكم إسلامي أو استعادة الحياة الإسلامية المتكاملة أو غير ذلك من الأهداف القريبة والبعيدة ولكن غايتهم من هذا كله ان يرضى الله تعالى عنهم ويتقبلهم في الصالحين.
ان الدعوات لا تنتصر بأصحاب المصالح ولا بطلاب الأضواء وعبّاد الشهرة والظهور، بل بمن سمّاهم الحديث الشريف: "الأبرار الأتقياء الاخفياء؟.. الذين إذا حضروا لم يعرفوا، واذا غابوا لم يفتقدوا، قلوبهم مصابيح الهدى" ولذلك نصح الإمام البنا أتباعه بان يبعدوا بدعوتهم عن هيمنة الكبراء والعظماء وأصحاب الأموال.
وبذلك تبرز قيم المجتمع المسلم بين الناس ويسعى كل داعية سعيا دؤوبا لنشر دين الله بينهم دعوة وتربية، فتسود المباديء السامية وتظهر آثارها الفردية والاجتماعية التي تصبح بشائر لتكوين الجماعة المسلمة التي يلقى على عاتق أفرادها ان يبرزوا الجوانب المشرقة في سلوكهم وتعاملاتهم.
الإخلاص للجماعة أفراد وقيادة:
المسلمون المخلصون لدينهم –اليوم- هدفهم هو تأسيس مجتمع إسلامي، وهذا الهدف السامي يحتاج إلى جماعة تقيم الإسلام أولا في واقع حياتها حتى يرى الناس فيهم القدوة الصالحة، والمثل العليا، والأخلاق الفاضلة، ويروا محاسن دين الله تعالى قد أقاموه في نفوسهم أولا فيهم، فيدركوا اثر هذا الدين فيمن آمن به، ويشعرون بعظمته فيسارعون إلى الدخول فيه، ورضوان الله على من قال: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم.
والمتأمل لحال المسلمين اليوم يجدهم قد فقدوا الشخصية الإسلامية التي تجذب الناس لدين الله، وبالتالي فقدوا –فترة من أعمارهم- الجماعة المسلمة التي تمثله خير تمثيل، لان الإسلام اليوم لم يعد يتمثل واقعا في حياتهم بحيث تبرز بالعمل والتطبيق جوانب الإسلام المشرقة، وما فيه من سمو ورفعة في العلاقات المختلفة: علاقة الفرد بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بإخوانه إلى غير ذلك من العلاقات التي يحددها الإسلام مما يفتقده الناس اليوم، ونحتاج إليه حاجة الظمآن إلى الماء البارد.
ولن يكون رد غير المسلمين وأعداء التطبيق الإسلامي حين ندعوهم إلى المنهج الإسلامي –ونحن لم نطبقه في حياتنا- إلا ان يقولوا: لو كنتم صادقين في ان ما تدعوننا إليه حقا لسبقتمونا إلى الاستمساك به وتطبيقه في جوانب حياتكم كلها، والله عز وجل يقول عن عباد الرحمن (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) قال ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم: أئمة يقتدى بنا في الخير.
وهذا كله يشعر كل الأفراد في الجماعة المسلمة التي تحلوا بالإخلاص ان يبرزوا معالم شخصيتهم الأخلاقية وهم يتعاملون فيما بينهم، فإن شعر الناس بأخلاقهم التي ترجمت حياة وسلوكا، أحسوا بالنموذج الفذ المشرف الذي يفتقدونه في حياتهم، فيسرعون للانضمام إليهم فتزداد قاعدتهم، بانضمامهم لقافلتهم فيزداد أنصارهم بفضل إخلاصهم لمنهجهم وإخلاصهم لجماعتهم، ولكن الإخلاص للجماعة ليس كلاما يحفظ ونصوصا تكتب أو تقرأ بل له دلائله، فما هي دلائل الإخلاص للجماعة جندا وقيادة؟.