الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخلاص
المؤلف: جمعة أمين
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الرابع - من دلائل إخلاص القيادة لأفراد الجماعة

الباب الرابع

من دلائل إخلاص القيادة لأفراد الجماعة

 

1-العمل على تماسك الجماعة وتنفيذ منهاجها وتحقيق أهدافها

القيادة المخلصة تعمل على تماسك الجماعة بتحديد الروابط التي يقوم عليها تجمعها، والمبادئ التي تحدد علاقتها وتحفظ حقوق أفرادها وتدفعهم لتحقيق أهدافها، يقول ابن تيمية: يجب ان يُعرف ان ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، ولا قيام للدين الا بها، لأنها تقوم على حراسة الدين، ومن يقوم عليه.

ان أمر وجود الفرد المسلم داخل جماعة أمر ضروري، فتماسكها حماية له وأمنا، قال صلى الله عليه وسلم:"آمركم بخمس بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة والجهاد، ومن خرج من الجماعة فكأنما نزع ربقة الإسلام من عنقه"[1].

فتماسك الجماعة يحقق معنى الأخوة، والتعاون والإيثار وغير ذلك من المعاني المتبادلة بين الأفراد، فالقيادة الحكيمة هي التي تعمل على تماسك الجماعة وتحرس الدين، وتسوس الدنيا به، وتربي أفرادها على ذلك بشتى أنواع التربية الفكرية منها والوجدانية والعلمية، وتعمل على إزالة ما يقف امام هذه التربية من عقبات ومعوقات سواء كانت داخلية أو خارجية لتحقيق الأهداف المرجوة.

ولن تنجح القيادة في تحقيق ذلك الا إذا أخلصت وأشعرت الفرد داخل جماعته بِ:

1-الاعتزاز بانتمائه إليها

2-الطمأنينة في وجوده فيها

3-انها تحقق أمانيه

4-انه لبنة أساسية في بنائها

5-انه خلية فيها يمدها ويستمد منها.فإذا انفصلت عن جسمها عُدمت، وإذا ظلت متصلة به ظلت تستمد الحياة، والجسم تتكامل وظائفه بشتى خلاياه، ويضيره ان يفقد واحدة منها.

يقول ابن مسعود عند تفسيره لقوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" حبل الله هو الجماعة، فعليكم بالجماعة فانها الحق الذي أمر الله به، وان ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، ونقل عن الاوزعي رحمه الله وصف واقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القران، والجهاد.

ان العمل على تماسك الجماعة دليل إخلاص القيادة، ولقد فقه هذا المعنى الولاة والأمراء والقادة فكانوا يعملون لتحقيق هذا الهدف السامي، ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة وقد أجدب المسلمون وأجهدهم الجوع، حتى انهم لم يجدوا ورق الشجر ليأكلوه أرسل إلى ولاته يبعثون له بالأرزاق، فلما أحضرت اخذ يعد الطعام بنفسه للمسلمين، ولما قرقرت بطنه من الجوع، ضرب عليها بيده، وقال: قرقري أو لا تقرقري فو الله لا تذوقين سمنا ولا عسلا حتى يشبع المسلمون.

واما عثمان رضي الله عنه فكانت له تجارة جلبت إلى المدينة المنورة في عام قحط وشدة، والمسلمون في حاجة ماسة إلى الطعام، وحضر التجار يساومون عثمان رضي الله عنه في ثمنها حتى بلغوا بها اضعاف قيمتها وعثمان يرفض، ويصر على الرفض، ولما سئل عن السبب قال: لقد بعتها إلى من زادني عما أعطيتموني، بعتها إلى من اشتراها بعشر أمثالها وتصدق بها على المسلمين.

وهكذا تبذل القيادات الجهد، وتقدم التضحية بكل ما تملك ليتحقق التماسك والترابط والتكافل بين أفرادها، ذلك لان الأصل في العلاقات بين المسلمين ان تكون قوية حسنة، فإذا ساءت فانما ذلك لأمر طاريء يجب ان تتغلب عليه القيادة حتى تحافظ على وحدة جماعتها وتماسكها وتحقق وحدة المشاعر بين أفرادها.

ان مسطحا اخطأ في حق أبي بكر الصديق لخوضه في عرضه وأوشكت النزعة البشرية ان تتغلب في هذا الموقف الحرج، ولكن القران الكريم رد هذه النزعة في لطف يعيد إلى النفوس صفاءها، ويرد إلى القلوب طهارتها، والى الصدور  سلامتها والى الصف تماسكه وترابطه بقوله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم)[2] فإذا بأبي بكر يترفع عن ان يعامل مسطحا بمثل ما عامله به، وتتجاوب نفسه المؤمنة التي تربت في مدرسة النبوة الفاضلة، ويجيب: بلى، والله اني لأحب ان يغفر الله لي، ويرضى عن مسطح، ويعيد إليه نفقته، ويحلف: والله لا انزعها منه أبدا.

وهكذا انها النفوس الكبار، والقلوب الطاهرة، والقيادة المخلصة والتي تحرص على سلامة العلاقات بين أفراد الجماعة في خطها الذي رسمه الإسلام محبة ووئاما، صفاء وسلاما، ذلك لان الإسلام يرفض ان تعيش جماعته ممزقة الشمل، مقطعة الأوصال، يعيش كل فرد منها في عزلة عن الآخرين.

وللمحافظة على الرابط والتماسك يجب على القيادة ان تترفق بالجند، وتحترم آرائهم، وتقوم على مصالحهم، وتهتم بتربيتهم إلى الحد الذي يجعل هذه التربية مقدمة على دعوة الآخرين والسير معها جنبا إلى جنب لتحقق أهداف الجماعة، إذ ان هذه الأهداف لا يقوم بتحقيقها الا رجال أخلصت قيادتهم في تربيتهم.

ان دعوة الغير هدف من أهداف الجماعة يجب ان توليها القيادة اهتمامها على ان تسير جنبا إلى جنب مع تربية الاتباع، والحق يقال ان محاولة تحقيق القيادة لهذا الهدف الأخير لا ينبغي ان يحملها على إهمال الصف الداخلي، فقد يطرأ عليه في غفلة القيادة أو انشغالها ما يؤدي إلى الاختلاف بين الأفراد أو التمزق في الصف مما يؤدي إلى ضياع ما تم كسبه في الفترات السابقة.

وعلى هذا فان من الإخلاص ان تولي القيادة الجانب الداخلي من الرعاية والاهتمام والتعهد والترقي بالأفراد في سلم الفضائل أكثر مما تولي دعوة الآخرين، لان ما تم كسبه وإحرازه هو الرصيد الذي سيتحمل تبعات الدعوة في المستقبل، وهو أيضا الدرع الواقي من عدوان المعتدين، وعليه يبنى صرح الجماعة.

وبهذا الاهتمام بالاتباع تتحقق الخطوات الثابتة المتئدة الموصلة للأهداف المرجوة مع مراعاة الظروف والأحوال فان ذلك من تمام الحكمة ومن أهم الأسباب التي يجب على المسلم الأخذ بها، لان ذلك يحفظ من الوقوع في عبث التخطيط، أو الارتباك في طريقة التنفيذ أو الارتجال الناتج عن عدم التروي وحسن التفكير، كما يضمن عدم التهور في استعجال النتائج، الذي قد يؤدي إلى تضييع كثير من الجهود والطاقات وذلك كله من ابرز مظاهر إخلاص القيادة وكفاءتها.

وليس من الأهداف التي تعمل على تحقيقها القيادة: الفرد المسلم فالأسرة المسلمة، فإرشاد المجتمع، فدعوة الحكومة لتطبيق شرع الله، فالدعوة إلى الوحدة الإسلامية فحسب، بل لكي تتحقق هذه الأهداف لابد للقيادة ان يكون من أهدافها علاج السطحية في الفكر، والفردية والأثرة، وضعف روح التعاون، والتردد الحذر، والجبن وعدم الإقدام، وفقدان روح التضحية والدافع على العمل، كل ذلك لكي يحفظ على الجماعة قوتها، وتزيد من تماسكها وتحقق آمالها.

 

2-إعداد البرامج التربوية التي تنمي قدرات الأفراد دينا ودنيا ومعالجة الأمراض داخل الجماعة

على القيادة المخلصة ملاحظة أسباب النصر والهزيمة عند السير في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وتضع نصب أعينها أهم أسباب النصر وهو بناء القاعدة الصلبة التي تكون قادرة على تحمل المسئولية في حمل الدعوة إلى الناس، والدفاع عنها، والتفاني من اجلها، وذلك بتنقيتها وتخليصها من الأمراض التي تفتك بالعقيدة والأخلاق والسلوك، وان تنمي فيها الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة، حتى يبرز الهدي القرآني في كل تصرفاتها.

ذلك لان تأخر النصر أو نزول الهزيمة، انما يكون سببه وجود خلل أو مرض في الصف ناتج عن ضعف التربية أو نقصها، وهذا الخلل قد يكون في وجود بعض المعاصي، أو الإخلال ببعض الواجبات، أو التهاون في شيء من الأسباب اللازمة – فالإنسان إذاً هو السبب لتقصيره في القيام بما أمر الله سبحانه بالقيام به، يقول الله تعالى: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور رحيم) [3] ويقول: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثيلها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ان الله على كل شيء قدير) [4].

لذا كان السلف الصالح لا يخافون العدو مثل خوفهم من المعاصي التي تصدر منهم. لذا فان القيادة المخلصة تتعرف على أهم الأمراض التي تكون سببا في تأخر النصر أو الهزيمة، ومحاولة كشف ما هو موجود منها في الصف، والمسارعة إلى معالجتها، وتنقية الصف منها مثل:

1-ضعف الإيمان بين أفرادها

2-ميل القلب إلى شيء من أمور الدنيا المعوقة عن السير مثل: المال، والولد، والأهل، والجاه، والخلود إلى الراحة

3-اليأس والكسل والخوف، والفتور أو الحماس الزائد

4-عدم الولاء للجماعة أو لقيادتها أو ضعف هذا الولاء أو تعدده

فإخلاص القيادة للفكرة، وإيمانها بالمبدأ، وقدوتها في التطبيق، يدفعها لمعالجة ضعف الإيمان بين الأفراد بتقويته، بالتنبيه والتربية على الحرص على العبادات بأنواعها فروضا ونوافل، وترك المنهيات إذ ذلك يجعل الأفراد ابعد عن الكسل والفتور واليأس والخوف بقربهم إلى الله تعالى، واشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وارغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وانشط طلبا لها ومحافظة عليها فيتحقق بذلك الإخلاص وقوة الرباط الإيماني القائم على الإخلاص، وقوة الرباط التنظيمي القائم على الثقة.

مع الرسول القدوة:

لقد سار الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله تعالى بخطوات ثابتة متئدة تحوطه رعاية الله وعنايته، وسلك كل سبيل ممكنة لتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة وكان يعطي لكل مناسبة ما تستحقه من الوسيلة الملائمة لها سواء في تربية الاتباع، أو دعوة الآخرين، وسواء في دعوة الرؤساء، أو العامة، وسواء في دعوة المشركين أو أهل الكتاب، وسواء في حالة السلم، أو حالة الحرب حتى يتحقق بهذه الوسائل المختلفة المقصود من تبليغ دين الله سبحانه، الترقي بالاتباع إلى المستوى المنشود.

وكل خطواته ومواقفه صلى الله عليه وسلم قبسات من النور الإلهي، تنير الطريق امام الدعاة إلى الله، ويجدون فيها المعالم البارزة التي تهديهم إلى أقوم السبيل التي يسلكونها في الدعوة إلى الله تعالى.

والقيادة المخلصة بحق هي التي تتبع مواطن التربية والإعداد والسلوك، مقتدية برسول الله صلى الله عليه وسلم لان نجاح الدعوة متوقف على السير بها وبالاتباع على النهج الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مراعاة الظروف والأحوال، فان ذلك من تمام الحكمة، ومن أهم الأسباب التي تضمن نجاحها بإذن الله تعالى، كما ان ذلك يحفظ السير من الوقوع في عبث التخطيط، والارتباك في طريقة التنفيذ أو الارتجال الناتج عن عدم التروي وحسن التفكير، كما يضمن عدم التهور في استعجال النتائج الذي يؤدي إلى تضييع كثير من الجهود والطاقات، وذلك كله من ابرز مظاهر إخلاص القيادة وكفاءتها.

الاهتمام بالتربية:

ان الدعوة العامة للناس جميعا في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم تسير إلى جانب التربية للاتباع، وهكذا يجب ان يكون سير القيادة، ولا ينبغي ان يحملها الانشغال بالدعوة العامة على إهمال الصف الداخلي، فقد يطرأ عليه –في غفلة القيادة أو انشغالها- ما يؤدي إلى الاختلاف بين الأفراد، أو التمزق في الصف والذي يكون سببا في ضياع ما تم كسبه وإحرازه في الفترات السابقة –كما قلنا من قبل-.

ولذا فان من مظاهر إخلاص القيادة دراسة الخطوات التي خطاها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس إلى دين الله، وفي تربية الاتباع دراسة موضوعية ليس للهوى أو الظن نصيب منها ثم الاهتداء بمعالمها البارزة في سلوك سبيل الدعوة إلى الله لتأسيس قاعدة البناء الضخم الذي يتطلب مرحلة طويلة، تتسم بالتأني وعدم التسرع لتحقيق ذلك حتى لا ينهار البناء فيما بعد، ولا يتم ذلك الا إذا أخلصت القيادة في التزامها بالمنهج الرباني الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا.

 

3-إعداد الرجال وحسن اختيار القيادات للمستقبل

ان مشكلة الحركة الإسلامية في كثير من الأقطار، ان القاعدة أكثر من قدرة استيعاب القيادة لها، ولا حرج فهذه سنة الدعوات حين قيامها وانتشارها.

والصحوة الإسلامية المعاصرة قد اتسعت طولا وعرضا، وامتدت أشعتها مشرقا ومغربا، فاتسعت بذلك قاعدة الحركة الإسلامية وتنامت، ولكنها في عدد من البلدان لم تفرز قيادات تكافيء القاعدة المتصاعدة المتنامية، لا من الناحية الفكرية ولا التربوية ولا السياسية.

وهذا ما يجب على القيادات المخلصة ان تحسب حسابه، وتعد له عدته في مستقبلها.

وأول واجب هنا ان يعلم ان الإخلاص للدعوة أو التضحية في سبيلها، أو السبق التاريخي في العمل لها- أقول- لكي يكون لكل هذا قيمته لابد من قدرات فكرية ونفسية وعملية إلى جوار الشروط الإيمانية والأخلاقية والسلوكية الأساسية التي تتوافر في القيادة المنشودة، ولذا وجب على القيادة ان تستكمل هذا كله حتى تتحق الأهداف المرجوة والملقاة على عاتقها.

ولا اعني بالقيادة القائد الذي يكون على قمة المسئولية الإدارية، بل المجموعة التي تخطط للعمل، وتحركه وتوجهه، وتفجر به طاقات كل العاملين معها: تشغلهم بالبناء عن الهدم، وبالعمل عن الجدل، وبالجد عن البطالة واللهو.

ولا يجوز ان تقف القيادات المخلصة عقبة كئود امام القيادات الجديدة الناشئة وتحول دون بروز المواهب الشابة، والقدرات الصاعدة، فمن الضروري إعداد القيادات المنشودة للمستقبل حتى يتولى زمام الأمور كل قوي أمين، حفيظ عليم.

فلابد من إعداد قيادات فكرية، وقيادات تربوية، وقيادات سياسية، وهذا ما فعله الإمام البنا رضوان الله عليه فلقد ترك من خلفه رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ولولا إخلاص البنا لدعوته وإيجاد هذه القيادات من بعده ما استمرت الدعوة إلى يومنا هذا ولانقرضت كما انقرضت واندثرت كثير من الأحزاب الأرضية الوضعية.

ولهذا يجب التقلد الجدي في اتخاذ الأساليب والوسائل العملية لتحقيق هذا الهدف، والخروج به من حيز النظر إلى حيز التطبيق حتى تتم عملية التوريث كما يحب ربنا ويرضى.

فعلى القيادة ان تبحث عن التوابع المخلصين الذين تتوافر فيهم الصفات العقلية والنفسية والإيمانية والسلوكية، وتتعهدهم ليحيوا حياة ربانية علمية دعوية أخوية جهادية، وتضع لهم المناهج التي تعدهم للقيادة حتى يتحقق فيهم العلم الموثق، والفكر الناضج، والإيمان الصادق، والوعي بالواقع المعاصر، والبعد عن الإفراط والتفريط.

وبهذه المناهج التربوية يصبح امام القيادة عدد من القدرات المتنوعة التي تتيح للقيادة الانتقاء والارتقاء، وإخلاص القيادة يجعلها تنتقي القيادات الشابة القادرة على تسيير الأمور بكفاءة فائقة، وقدرة على تحمل أعباء المسئولية، والسير بالدعوة إلى شاطئ الأمان،ولا يتم ذلك الا بالأسلوب الموضوعي المبرء من الهوى والظن أو المصلحة الشخصية أو الشللية أو الميل القلبي فقط، ولكن على أساس العلم والكفاءة والدقة والرأي الصائب كي تختار الذين يدركون المصلحة ويقدرونها ويعرفون مواطن الشر والفساد، ويتجردون من الأهواء، ويضعون الأمور في مكانها المناسب اللائق بها، وحتى لا يتحكم بعد ذلك في القيادة أصحاب الشهوات والأهواء والعصبيات أو أصحاب الثروة والجاه فيحققوا عن طريق الجماعة مصالحهم الخاصة غير ناظرين إلى مصلحة الدعوة ويحكي لنا القران مثل ذلك الموقف حين قال نبي من أنبياء الله لقومه: (ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) [5]، وجاء الرد عليهم ببيان فساد رأيهم وموازينهم، فليس لكل إنسان ان يدعي أهليته للقيام بالأمر وأحقيته به، لمجرد كونه فلانا أو من بني فلان، كما ان المال وحده ليس دليلا على قدرة الإنسان وكفاءته لتحمل المسئولية الضخمة، وانما الشخص الذي حباه الله عز وجل بمواهبه وخصائص جعلت منه شخصية فذة متفوقة على غيرها، إلى جانب العلم الذي يصدر عنه صاحبه وهو على بصيرة من أمره، إلى جانب المهابة التي تمنحه مكانة عند اتباعه وغيرهم، كل هذه العناصر هي المؤهل لتحمل المسئولية (قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم).

وهذا الاهتمام والتدقيق والتوثيق في اختيار القيادات انما يرجع إلى انها المسئولة عن تجديد الحركة وانبعاثها وتحمل المهام الجسام الملقاة على عاتقها.

كل ذلك يتطلب تربية متأنية واعية، ومع الاهتمام بهذه التربية الإيمانية لابد لهم من تربية فكرية راسخة مؤسسة على الفقه الذي ننشده للحركة في غدها المرتقب حتى تصبح عقليتهم عقلية علمية بكل ما تحمله وتوحي به كلمة علمي من معنى، فالفكر العلمي هو الذي لا يقبل دعوى بغير دليل، ولا نتائج بغير مقدمات، ولا يقبل من الأدلة الا الموثق، ولا من المقدمات الا اليقيني الذي لا يرتاب منه.

فإذا حققت القيادة هذه التربية، ساد القيادات الجديدة التفكير العلمي والروح العلمية كل العلاقات والمواقف وشئون الحياة، بحيث ينظر إلى الأشياء والأعمال، والقضايا والمواقف "نظرة علمية". وتصدر القرارات في كل شئوننا بهذه العقلية بعيدا عن الارتجالية والذاتية، والانفعالية، والعاطفية، والغوغائية، والتربوية والتحكمية.

والقران الكريم بتعاليمه ينشيء هذه "العقلية العلمية" التي تتعبد بالفكر، وتؤمن بالبرهان، وترفض الخرافة، وتنكر التقليد للآباء، أو للسادة الكبراء[6] وتتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع خطواته.

وللروح العلمية سمات أبرزها:

1-النظرة الموضوعية إلى المواقف، والأشياء، والأقوال بغض النظر عن الأشخاص كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.

2-احترام الاختصاصات، كما قال القران: (فاسألوا أهل الذكر) (فاسأل به خبيرا)[7] (ولا ينبؤنك مثل خبير)[8] فللدين أهله وللاقتصاد أهله، وللعسكرية أهلها، ولكل فن رجاله، وخاصة في عصرنا عصر التخصص الدقيق، اما الذي يدعي انه يعرف في الدين والسياسة والفنون والشئون الاقتصادية والعسكرية، ويفتي في كل شيء، فهو في حقيقته لا يعرف شيئا، وان فعل فهو من دلائل ضعف الإخلاص عنده.

3-القدرة على نقد الذات –كما قلنا- والاعتراف بالخطأ، والاستفادة منه وتقويم تجارب الماضي تقويما عادلا موضوعيا. بعيدا عن الأهواء، والنظر إلى الماضي على انه كله أمجاد لا أخطاء فيه باستثناء عصر الرسالة وخير القرون.

4-استخدام أحدث الأساليب واقدرها على تحقيق الغاية والاستفادة من تجارب الغير حتى من الخصوم، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

5-إخضاع كل شيء –فيما عدا المسلمات الدينية والعقلية- للفحص والاختبار، والرضا بالنتائج كانت للإنسان أو عليه

6-عدم التعجل في إصدار الأحكام والقرارات وتبني المواقف، الا بعد دراسة متأنية مبنية على الاستقراء والإحصاء، وبعد حوار بناء، تظهر فيه المزايا، وتنكشف المآخذ والعيوب.

7-تقدير وجهات النظر الأخرى، واحترام آراء المخالفين في القضايا ذات الوجوه المتعددة، في الفقه وغيره، ما دام لكل دليله ووجهته، وما دامت المسألة لم يثبت فيها نص حاسم بقطع النزاع، ومن المقرر عن علمائنا: ان لا إنكار في المسائل الاجتهادية إذ لا فضل لمجتهد على آخر، ولا يمنع هذا من الحوار البناء، والتحقيق العلمي في ظل التسامح والحب[9] والقاعدة الذهبية التي تقول: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

ولا تألوا القيادة الصادقة جهدا في المحاولة المخلصة لاكتشاف العيوب، ومعرفة الأمراض، ودراسة الأخطاء، والاجتهاد في تقصي الأسباب، ليسهل تشخيص الداء ووصف الدواء، ولتسلم القيادة الحالية الدعوة نقية سليمة كما تسلمتها من قبل وليواصل الذين تسلموا الراية نفس الطريق، وبإخلاص السابقين واللاحقين من القيادات يجري الله على أيديهم الخير ويحقق بهم النصر ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وتستمر المسيرة حتى يحقق الله بهم وعده.

حسن اختيار الرجال:

ولا يمكن ان يتحقق ذلك كله الا بحسن اختيار الرجال، وهذا الاختيار أمانة في يد القيادة يجب ان تخلص فيه.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجلسائه: تمنوا، فتمنى كل واحد أمنيته، فقال عمر بن الخطاب: ولكني أتمنى بيتا مملوءا رجالا مثل أبي عبيدة  وسالم مولى أبي حذيفة. ان سالما كان شديدا في ذات الله ولو لم يخف الله ما أطاعه[10].

نعم لابد من الرجال لان من استعان بصغار رجاله، على كبار أعماله ضيع العمل[11] فالأعمال الكبار يطلب لها كبار الرجال، قال رجل لعبد الله بن عباس: أتيتك في حاجة صغيرة. قال: فاطلب لها رجلا صغيرا.

كما يجب على القيادة ان توزع الجهد على العاملين، مع مراعاة حسن سير العمل باختيار المنفذين وتدريبهم ودعمهم ومراقبتهم، كي تتحقق أهداف الجماعة دون مجاملة لأحد على حساب مصلحة الجماعة، ولكن لكل موقف رجاله، ولكل عمل من يناسبه فطالوت القائد العسكري يحتاج إلى قوة جسمية وإدارية، قال تعالى عنه: (وزاده بسطة في العلم والجسم)[12] اما أمين الخزائن يوسف عليه السلام فكان يحتاج إلى الأمانة والقدرة على المسئولية قال الله حكاية عنه (قال اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم)[13] وقوام هذه الصفات قولة أسامة بن زيد رضي الله عنه:  لا رأي لمن لا يطاع.

فليس كل جندي بمستطيع ان يؤدي ما يجب في كل موقف، بل ولا يطلب ذلك من أي إنسان بصرف النظر عن إمكاناته وظروفه وقدراته، فهل يطلب من كل فرد من أفراد الجماعة ما فعله الإمام الشهيد حسن البنا يوم ان أراد ان يتفقد بعض شباب الدعوة في إحدى البلاد فأعد حقيبته استعدادا للسفر وكان ابنه سيف الإسلام مريضا وكاد يشرف على الموت، فتركه لزوجته وقال لها ان جده اعلم بما يفعله معه عني.

نخلص من ذلك كله انه يجب ان تكون دعوة القيادة وتوجيهها، لله سبحانه وتعالى وحده، فلا يجوز حين تعد الرجال والقيادات للمستقبل ان يرتبط الفرد بأحد القيادات المربية شخصيا، انما يكون الارتباط دائما بالمبدأ والمنهج والفكرة وليس بشخص الداعي أو المربي أو القائد، فالمباديء باقية والأشخاص فانية، والقيم ثابتة، والأفراد متقلبون متغيرون، ولذا رأينا الفهم الدقيق لبلقيس حين أسلمت فانها لم تقل أسلمت لسليمان، ولكنها قالت: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين وسليمان اسلم لله رب العالمين.

وهذا لا يمنع القيادة من ان تهتم بطائفة خاصة من الاتباع يتم حسن اختيارهم من حيث أهليتهم وقابليتهم لاستيعاب معنى الجندية في الإسلام حتى تصير جزءا من كيانه، وهذه لا تظهر في الجميع بل تظهر في الشخصية المسلمة المتميزة التي يجب على القيادة المخلصة ان تعتني بهم، وترعاهم ويتربون على عينها لتؤهلهم لحمل المسئولية، وتحمل الأعباء الثقال، ذلك لان الجنود يختلفون في قدرتهم على التلقي والالتزام وتحمل المشاق، من اجل ذلك أيضا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه حواريين كانوا أكثر قدرة على الاستيعاب والالتزام بما يطلب منهم، لانه لابد من طائفة مخلصة مختارة تحمل الحق وتطبقه على نفسها وتقوم بحمايته وحمله إلى الناس، وتتحمل تبعات ذلك بإيمان راسخ، ويقين ثابت لا يتزعزع.

وقد اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجود الصفوة المختارة في اتباع كل نبي بقوله: "ما من نبي بعثه الله في امة قبلي، الا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون..." الحديث[14].

يقول الإمام النووي: اما الحواريون قال الأزهري وغيره هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نقوا من كل عيب، وقال غيرهم: أنصارهم، وقيل المجاهدون، وقيل: الذين يصلحون للخلافة من بعدهم.

وهذا الصنف يتميز بالنصرة –والجهاد، والمؤازرة، والخلوص من العيوب والأهلية للخلافة.

على ان هناك حدا أدنى يستوي في وجوب الالتزام به كل فرد، بحيث لا يعفي عن القيام به داخل دائرة الإسلام العامة أي فرد، بل يعاقب من قصر في القيام به عاجلا أو آجلا.

وعلى هذا فليس من الإخلاص تركيز السلطة في يد أفراد معنيين، ولكن لابد من توزيع السلطات وتوريث الدعوة لمن بعدنا لتستمر المسيرة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ويتحقق النصر بإذن الله.

 

4-اعتماد الشورى ملزمة

ان الشورى من مبادئ الإسلام، وقيل ان تقوم للمسلمين دولة قبل لهم مجتمعكم هذا الذي لما يتحول بعد إلى دولة يجب ان يقوم أمره على الشورى (... وأمرهم شورى بينهم) [15].

ولقد كان أول اختبار للشورى في غزوة الأحزاب عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمضي معاهدة بينه وبين القبائل الوثنية المحدقة بالمدينة، والتي توشك على اقتحامها، لانه رأى حرج الأنصار حين رأى العرب سترميهم عن قوس واحدة فاقترح صلى الله عليه وسلم ما اقترح، فلما عرض ما اقترحه على زعماء للاوس والخزرج –سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ – رفضا فقال لهما – أو كما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا اتفقتما على شيء فلا أخالفكما" –فهذا اصل الشورى، ومعروف بداهة ان الشورى حيث لا نص.

فمعنى الشورى ان الآراء تقال، وكل يقول ما عنده ويشرح رأيه وهو يعرضه، حتى إذا أخذت الآراء وعرف الاتجاه إلى أين، فمع الأغلبية تسير.

وهذه الأغلبية ليست غوغائية انما يحكمها:

-الفهم الدقيق

-الإيمان العميق

-الحب الوثيق

-العمل المتواصل

-الوعي الكامل

ولقد أمر الإسلام بالشورى كنظام يتبع داخل الجماعة المسلمة، كل يدلي برأيه على مرأى ومسمع من الجميع ودون حجر على رأي أو استهزاء به أو سخرية من قائله.

ولذلك كان من الخطر على بنيان الجماعة ان يتناجى اثنان أو أكثر بعيدا عن أعين الآخرين ودون علم القيادة، ولذلك نهى المولى عن التناجي حتى لا توغر الصدور ولاتنقطع الأرحام، ولا تفسد المودة التي تربط الجميع.

الشورى والنجوى:

يبدو ان بعض المسلمين ممن لم تتطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي كانوا يتجمعون عندما تحزب الأمور، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدا عن قيادتهم، الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية، وروح التنظيم الإسلامي التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة، كما يبدو ان بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة، وما يؤذي الجماعة المسلمة ولو لم يكن قصد الإيذاء قائما في نفوس المتناجين –ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم، قد يؤدي إلى الإيذاء، والى عدم الطاعة.

ولذلك ناداهم الله بصفتهم التي تربطهم به، وتحمل للنداء وقعه وتأثيره (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون انما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا الا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [16].

فهو سبحانه ينهاهم عن التناجي –إذا تناجوا- بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ويبين لهم ما يليق بهم من الموضوعات –التي يتناجى بها المؤمنون (وتناجوا بالبر والتقوى) لتدبير وسائلها وتحقيق مدلولهما، والبر: الخير عامة، والتقوى اليقظة والرقابة لله سبحانه وهي لا توحي الا بالخير، وذكرهم بمخافة الله الذي يحشرون إليه، فيحاسبهم بما كسبوا وهو شاهده ومحصيه، مهما ستروه وأخفوه.

قال الإمام احمد: حدثنا بهز وعفان، قالا: اخبرنا همام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: كنت آخذ بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ان الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه انه قد هلك قال: فاني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، واما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، الا لعنة الله على الظالمين"[17].

والمولى سبحانه وتعالى ينفر المؤمنين من التناجي والمسارة والتدسيس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة، التي هم منها، ومصلحتهم مصلحتها، وينبغي الا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون، فيقول لهم: ان رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس، وتخلق جوا من عدم الثقة وان الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم، ويطمئن المؤمنين بان الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه"[18].

وهو أدب رفيع، كما انه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك، فأما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر، أو ستر عورة، في شأن عام أو خاص، فلا مانع من التشاور في سر وتكتم، وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة، ولا يجوز ان يكون تجمعا جانبيا بعيدا عن علم الجماعة، فهذا هو الذي نهى عنه القران، وهذا هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة، وهو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنوا ووعد الله قاطع في ان الشيطان لن يبلغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة، لان الله حارسها وكالئها، وهو شاهد حاضر في كل مناجاة، وعالم بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر، وقد وعد الله بحراسة المؤمنين، فأي طمأنينة بعد هذا وأي يقين؟

الشورى تحسم الخلاف:

ان سيادة مبدأ الشورى لم يكن وقفا على فئة دون غيرها، وانما امتد لينعم في ظله جميع المسلمين، ذلك لان القيادة المخلصة تحذر من التنازع والاختلاف المؤدي إلى الشتات والتمزق الذي يجر إلى الضعف، وذهاب القوة، وإعطاء العدو الفرصة للانقضاض عليهم، ومحاولة الحفاظ على جمع الكلمة والتئام الصف، وتلاحم بنية الجماعة، وهذا لا يتم الا عند صفاء النفوس والابتعاد عن ركوب الأهواء، والطاعة الكاملة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولولي الأمر من غير معصية، وتسيير الأمور تحت إطار النص من الكتاب أو السنة، أو الشورى فيما لا نص فيه.

ولذلك كان من الأمور التي تتضمن سلامة الجماعة من التصدع والشقاق الرجوع للشورى بشرط ان تكون في أهلها من ذوي العلم والرأي، فهم أهل المعرفة بمواطن المصلحة والمفسدة، والتنازل لرأي الجماعة بعد تداول الرأي وتمحيصه لا يترك سبيلا للخلاف، وقد ارشد إلى التشاور رب العزة تبارك وتعالى في قوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين) [19] وقال: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [20].

ولذلك فان القيادة المخلصة تضع مبدأ الشورى موضع التنفيذ لان ربنا يقول: (وشاورهم في الأمر) ويعني هذا ان تكون المشاورة فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد، لا فيما يحكم فيه بطريف الوحي، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "انا اقضي بينكم فيما لم ينزل فيه الوحي" وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قران، ولم يمض فيه منك سنة، قال: "اجمعوا له العالمين" أو قال: "العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد".

وعلى القيادة وهي وسط الأمواج والأنواء والأعاصير، تحري الصواب فيما لا نص فيه بما يحقق مصلحة الجماعة بالضوابط الشرعية، بل وتبذل الجهد للوصول إلى أصوب الرأيين، واهون الضررين، وارجح المصلحتين، وقد قيل ان العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر اما الحكيم فهو الذي يعرف خير الشرين ان كان في الشر خيار.

ولذلك فان في البيئة النقية تتوفر جهود العلماء وصلحائها على إرساء قواعد الحرية الفكرية التي تتغذى بالحوار، وتنمو بالمراجعة، وتصح بالنقاش فتتنوع أساليب العمل وتتعدد وجهات النظر فيثمر ذلك قوة في البينة الفكرية، ووعيا في التناول والمعالجة، واحتفاء بالرأي، وتلمسا للحق، وانقيادا له، وتغدو الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

وهذا المسلك هو الذي حرص على تأصيله رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع صحبه الكرام، ذلك لان عصمته عند الخطأ، وتسديده بالوحي، لم تجعله يستنكف عن مشورة أصحابه، إقرارا لمبدأ الشورى في حياة المسلمين من بعده، ودفعا لغوائل الاستئثار بالرأي، ومصادرة حق الآخرين في الإفصاح عما يخامر أذهانهم، ويتفاعل في نفوسهم، فكانت المواقف تجاه الأحداث المختلفة تجسيدا لروح الجماعة ومرئياتها المنسجمة والملتزمة بهدي النبوة.

ولا تكاد تحصي تلك المواقف التي بامكاننا ان ندلل بها على صدق ما ذهبنا إليه، ولكننا نكتفي بموقف واحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال لا الحصر:

ما حدث بعيد معركة بدر عندما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم تلقاء أصحابه قائلا: "ما تقولون في الاسارى؟". ولو قالوا الأمر إليك فافعل ما ترى. لما كان في ذلك انتقاص من قدرهم أو تقليل من مكانتهم، إذ انهم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام الذي جاء بالقران ومثله معه، ولكنهم آثروا ان يفيضوا على الموقف ما يعين في تقرير مصير أولئك الأسرى، فاتخذوا في ذلك مذاهب شتى، تنبيء عن تباين شديد في وجهات النظر، ولكن في إطار من الحوار الراقي الذي لم يكن للهوى فيه نصيب.

فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله، قومك واهلك، استبقهم واستتبهم لعل الله ان يتوب عليهم.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم.

وقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: يا رسول الله. أنت في واد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم حطبا ثم ألقهم فيه.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم بشيء، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ برأي أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ان الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وان الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون اشد من الحجارة، وان مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: (فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم)[21]، ومثل عيسى عليه السلام قال: (ان تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم)[22]، وان مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)[23] ومثل نوح عليه السلام قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)[24].

ويبدو جليا كم كان الرسول عليه الصلاة والسلام حفيا بهذه الآراء وهو يلتمس لكل واحد منها وجها من وجوه الحرص والغيرة.. وغير هذا الموقف كثير الذي لا يعد ولا يحصى.

وبذلك أقام النبي صلى الله عليه وسلم نموذجا امثل لحياة راشدة تحققت من خلالها كرامة الإنسان وحريته في إبداء رأيه في مجتمع ساد فيه مبدأ الشورى حين آمن الجميع ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.

الشورى عندنا ملزمة:

والشورى هي التي تفرق بين مجتمعين: مجتمع ظالم أهله، ومجتمع الأمن والإيمان، فالمجتمع الأول ترى فيه من يقول: ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد فإذا كانت هذه مقولة حاكمهم فان مقولة الاتباع نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين؟.

ولذلك لا ينبغي لقيادة العمل الإسلامي ان تسلك هذا المسلك الذي يحطم إرادة الرجال ويمنع تفكيرهم فلا يجوز ان تفرض رأيا وتهدر الشورى، وتنفرد بالنظر بل لابد لها من ان تقتدي بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان وتلتزم بالشورى، وتتخلص من مظاهر السلوك الفردي، المتمثل في إصرار كل ذي رأي على رأيه كل ما لا يصادف في النفس هوى وقبولا، وسوء الظن بمقدرة الآخرين وأهليتهم في التفكير والرؤية، والاعتصام بمبدأ ما أريكم الا ما أرى.

فليست هناك فكرة أو رأي أو أسلوب يمكن ان نحيطه بهالة من التقديس، أو نضعه في إطار زجاجي شفيف ونكتب عليه: ممنوع اللمس أو الاقتراب.. والموقف الصائب في ذلك ما ذهب إليه الإمام مالك رضي الله عنه وهو يقول: انما انا بشر اخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.

وعلى هذا ففي وسع أي إنسان –بتوفيق الله- ان يرشد إلى ما فيه الصلاح والسداد ما دام سلك الطريق المستقيم، ويبتغي الهدي السامي متقيدا بتوجيهات الإسلام وضوابطه.ان استئناف الحياة الإسلامية المثلى يقتضي الانطلاق من أرضية التفاهم والتنسيق، وهو أمر لا يتحقق الا بتعزيز الدور الايجابي للشورى والتي يجب ان تمتد عبر مختلف الساحات، وتتقدم على كل الاهتمامات من خلال تبادل الآراء، واستقاء التجارب، والاستفادة من الخبرات.

وهذا كل كفيل بان يجنبنا مزالق التشتت والشقاق والتشرذم القاتل، الذي كثيرا ما يأتي على ما نبنيه من القواعد، ويجهض كل محاولة في سبيل الاعتصام بحبل الله المتين[25].

والشورى تلزم المشارك فيها بوجه عام، والقيادة بوجه خاص ان تجتهد وتتحرى للوصول إلى الصواب، ولكي تدخل القيادة في زمرة المجتهدين لابد ان يكون لديها الحد الأدنى من شروط الاجتهاد، ولا اعني بها هنا شروط الاجتهاد الفقهي المذكور في كتب أصول الفقه، بل لكل موضوع يجتهد فيه شروطه الخاصة، فالذي يجتهد في الأمور السياسية، غير الذي يجتهد في الشئون العسكرية، أو الاقتصادية أو التربوية، إلى جوار ما لابد منه من الشروط العلمية والفكرية العامة.

فاما من هجم على أمر لا يحسنه، وحكم فيه بغير بينة ولا سلطان فقد أساء إلى نفسه، والى موضوعه والى الناس، ولم ينل من الأجر نقيرا ولا قطميرا، بل اكتسب إثما مبينا لقوله بلا علم، وخوضه فيما لا اختصاص له به، بل يدل ذلك على ضعف الإخلاص لديه.

ولهذا جاء في الحديث: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة. رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار"[26].

فجعل الذي يقضي على جهل في النار، كالذي يقضي بالباطل على علم، لانه ادخل نفسه فيما لا يحسن، وكان الواجب عليه ان ينسحب من موقعه ويدعه أو يستعين بمن هو أهله.

بل مثل هذا، ان أصاب، فصوابه غير محسوب له، لانه رمية من غير رام، واجتهاد من غير أهله، فلا قيمة له لافتقاده سلامة المنهج[27].

وعلى هذا فان القيادة ان تبذل الجهد وتستفرغ الوسع في تحري الحقيقة وطلب الصواب بكل الامكانات المتاحة وكل الوسائل المعنية، وكل المعلومات المتوافرة للوصول إلى الصواب، وعليها بعد ذلك ان تستشر أولي النهي وتستعين برأيهم وتشاورهم في الأمر طلبا للرأي الأسد، والعمل الارشد.

فإذا تم التشاور فعلى الجميع ان ينزل على الرأي الذي اتفق عليه ويلتزم به ويخلص له وليس له ان يخرج عنه لان الشورى ملزمة عندنا اما إذا كان ممن لا يلتزمون بمنهجها ولا يسيرون طريق دعوتنا فنقول لهم مقولة الإمام البنا رضي الله عنه: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

 

 

 

 

5-بث الأمل والثقة في نصر الله:

ومن إخلاص القيادة ان ترسخ الإيمان في نفوس الأفراد، وان تؤكد لهم ان عناية الله ورعايته ونصره لعباده المؤمنين سنة لا تتبدل ولا تتغير (كتب الله لأغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز).

قال احد جنود خالد بن الوليد عند فتح الشام: ما أكثر المشركين واقل المسلمين، فغضب خالد لانه يعلم ان مثل هذا الكلام يفت في عضد الجند ويخذلهم ، ولذلك صاح قائلا: انما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال.

فالثقة في نصر الله من كمال تصورنا السليم، فإذا ما انتصر الجند وظفروا تيقنوا ان الظهور والتمكين انما كان بمشيئة الله عز وجل الذي بيده النصر والخذلان، وذلك بعد ان يبذل الإنسان الأسباب المطلوبة منه، والداخلة تحت قدرته، ثم يترك النتائج لله سبحانه وتعالى.

وقد بين الله هذه القاعدة، اعني كون النصر انما يأتي بمحض مشيئة الله سبحانه وفضله، وذلك لما ذكر الله تبارك وتعالى مدده لعباده المؤمنين بالملائكة قال: (وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم) [28].

وعلى هذا فواجب على القيادة المخلصة لدعوتها غرس معنى: من كان الله وليه وناصره فلا غالب له، ومن حاد عن الله عز وجل، وطلب النصر عند غيره، وحارب عباده المؤمنين فانه لن يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (قل من ذا الذي يعصمكم من الله ان أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) [29].

كما يجب ان يعلم الجندي ان الإيمان الذي يأتي معه النصر، هو الذي يقوم أهله بكل الأسباب المطلوبة شرعا، والمشروطة لحصول النصر، سواء من الناحية المعنوية، أو الناحية المادية، وهي الأسباب التي جعل الله سبحانه النصر معلقا على إقامتها وهي أيضا التي كانت سببا في نصر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين (ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز) [30].

وهنا يظهر شرطان: الإيمان، وان يبتغي بالجهاد وجه الله  تعالى (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان ان كيد الشيطان كان ضعيفا) [31].

فإذا كان الإيمان لابد وان يكون خالصا مما يشوبه، كذلك الجهاد لابد ان يكون خالصا من شوائب البغي، والبطر، والعدوان، والظلم، والاستعلاء ، والحمية ، والعصبية، والرياء، والسمعة، وغير ذلك من المقاصد التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى ويبطل بها العمل.

إعداد العدة

فان كان من إخلاص القيادة بث الأمل والثقة في نصر الله –كما رأيت- فان الإخلاص أيضا ان تعد العدة المقدور عليها، وعدم التقصير أو التهاون في شأنها، لان الأخذ بالأسباب المادية عبادة لله ألزم العبد بالأخذ بها، ولا ينبغي للإنسان ان يركن إلى إيمانه وتوكله -، وان كان ذلك هو أعظم الأسباب المؤدية للنصر- الا انه مع ذلك لا يجوز له إغفال الأسباب المادية، والقعود عن السعي في تحصيلها، فهي مطلوبة شرعا، والإنسان مؤاخذ إذا أهمل هذا الجناب بل هو أيضا مما يخل بإيمان العبد، فالله تبارك وتعالى قد أمر عباده المؤمنين بالقتال، وابتلاهم به مع قدرته سبحانه على الانتقام لهم من عدوهم دون ان يحوجهم إلى القتال، ولكن حكمة الله عز وجل اقتضت ذلك، يقول تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)[32] (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض)[33].

وكيف يمكن ان يتحقق للمؤمنين القيام بهذه الفريضة ان لم يأخذوا لها عدتها؟ وهل يمكن ان تحصل لهم ما يريدون من رهبة العدو والقدرة عليه، الا مثل من يقول: ان كان الله قدر لي الشبع فانا اشبع: أكلت أم لم آكل، فما فائدة الأكل؟ وأمثال هذه الترهات المنافية لحكمة الله تعالى وشرعه[34].

ولقد رأينا في حرب الخليج ما رأينا من طاغية العراق، فلا إيمان لديه ولا رسالة لجنوده، ولكن ظلم وبطش وعدوان وانتهاك للحرمات وسفك دماء ثم تصور البعض انه سينتصر على أمريكا بإيمانه الخادع، فأنّى له ذلك!! انكم لن تنصروا على عدوكم الا بقدر قربكم من الله وبعدهم عنه، فإذا تساويت –أي في المعاصي- كانت الغلبة لأكثركم عدة وعتادا.

فكان من الطبيعي ان تنتصر أمريكا الظالمة المستعمرة، بقوتها المادية المتفوقة وعتادها وعددها، ومن هنا رفع الإخوان المسلمون شعارهم "واعدوا" سيفان يرمزان للقوة المادية المستطاعة، والمصحف للتربية الروحية الإيمانية الأخلاقية وهكذا يكون إخلاص القيادة حين تبث في أفرادها الأمل والثقة في نصر الله ان تبين أسباب تحقيق ذلك كله.

فيجب على القيادة إذا إعداد العدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وان يكون لديها ما يمكنها من مواجهة العدو تنفيذا لأمر الله الذي يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وانتم لا تظلمون)[35].

ولقد جاء في السنة الصحيحة من هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا ان القوة الرمي، ألا ان القوة الرمي، ألا ان القوة الرمي"[36].

وقوله: "ارموا بني إسماعيل، فان أباكم كان راميا.." [37] .

وقوله: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا- أو فقد عصى".[38]

يقول ابن القيم: ان من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها قدرا وشرعا، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل الخلق توكلا، وانما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والبيضة على رأسه، وقد انزل عليه: (والله يعصمك من الناس)[39].

وضمان الله للرسول صلى الله عليه وسلم العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها، ولا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما ان إخبار الله سبحانه له بأنه يظهر دينه على الدين كله ويعليه لا يناقض أمره بالقتال وإعداد العدة، والقوة، ورباط الخيل، والأخذ بالجد، والحذر والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب، وبالرغم من ان الله ضمن له حياته حتى يبلغ رسالته، ويظهر دينه كان صلى الله عليه وسلم يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، حتى آل بعضهم إلى ان يترك الدعاء وزعم انه لا فائدة فيه، بينما الدعاء مخ العبادة والاشتغال به مطلوب والمسلم يردد في كل ركعة: (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

 

 

 

6- النصيحة للجند والأمراء والحكام:

ان النصيحة الخالصة كما تكون من الجند للقيادة، فانها من باب أولى تصدر من القيادة للجنود، بل وللأمراء والحكام بغية الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يعظون ويتعظون، وكانوا يصرفون النظر عن ظواهر الدنيا ولذاتها إلى نعيم الآخرة وآلائها، ويحذرون الله تحذيرا تذرف به العيون، وتوجل به القلوب، كأن الآخرة تجلت بين أيديهم، وأحوال المحشر تبدّت بأعينهم، وكانوا يأخذون بأيدي الأمة المحمدية بعظاتهم، يوجهون وجوهها إلى فاطر السموات والأرض، ويقتلعون بنصائحهم شرايين الشرك الجلي والخفي، وهم قبل ذلك يحسنون الصلة بالله ويخلصون العمل له.

ولقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم كل مخلص لدينه ابتداء من أصحابه الكرام إلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين: متحرين الصدق، والقصد، والأسلوب، والموضوعية.

ولم يقتصر الأمر منهم على النصح، بل تعدى إلى تصحيح المسار إذا انحرف به البعض، وتصويب الأخطاء إذا صدرت من الجند دون مجاملة بل بمصارحة ليس فيها إحراج، وبتربية ليس فيها تعرية أو سكوت لاستصغار الخطأ.

ان خشية القائد ان يؤثر كلامه في نفسية الأخ توجب عليه كسر الحواجز والعوائق التي تعيق اندماج نفوسهما بعضها ببعض وان يسعى بما لديه من حسن معاملة ومشاركة للأخ المنصوح فيكون له كالشيخ والأستاذ  والأب والمساعد له في كل مشاكله فإذا حقق هذه الدرجة من الصلة فان كلامه ونصحه لأخيه لن يؤثر في نفسيته سلبا بل إيجابا، بل سيجد أخاه يتلهف دوماً نصحه وتذكيره بأخطائه.

ومن هنا فان القائد لا يستصغر خطأ يراه لانه يتمثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا" فمن تابع أخاه في نصحه على الأخطاء الصغيرة نجى أخاه من الوقوع في الأخطاء الكبيرة فلرب أخطاء صغيرة تتجمع عند الأخ دون توجيه من قائده أو أميره تعيقه مستقبلا عن العمل في سلك الدعوة.

ولذلك فان على القائد –كما قلت- تحسس احكم العبارة واقرب المعنى إلى قلب أخيه، دون انتصار لرأي، فالمؤمن مرآة أخيه وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ينصح أصحابه فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله الا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، انك ضعيف وانها أمانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها وأدى ما عليه فيها"[40] وفي رواية قال: "يا أبا ذر، اني أراك ضعيفا، واني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم".

فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الصلابة والقوة ويصارحهم بأخطائهم، وفي نفس الوقت يطيب خاطرهم ولا يرد برد جاف بل برد طيب يتقبل معه الرفض لما طلب، نرى ذلك بوضوح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وانها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها.." وقوله: "واني أحب لك ما أحب لنفسي".

ولم يقتصر النصح على الجند والأتباع انما تعدى إلى أولي الأمر من الأمراء والحكام الذين يتولون شئون المسلمين.

 

فمن وصايا أبي بكر رضي الله عنه لأحد ولاته:

"إذا قدمت على أهل عملك فعدهم بالخير وما بعده، وإذا وعدت فأنجز ولا تكثرن من الكلام فان بعضه ينسي بعضا، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، وإذا قدمت عليك رسل من عدوك فأكرم منزلتهم فانه أول خير لهم، واقلل محبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج عملك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتي من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها حتى تعاينها، واستر في عسكرك الأخبار واذك حرسك وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، واصدق اللقاء إذا لقيت ولا تجبن فيجبن سواك.

وحين ذهب سعد بن أبي وقاص إلى كسرى وقبل ان يتحرك بالجيوش وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقدم له ولجيشهم النصح فماذا قال أمير المؤمنين: قال: يا سعد بن وهب لا يغرنك من الله ان قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله، فان الله عز وجل لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، وان الله ليس بينه وبين احد نسب الا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء: الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله منذ بعث إلى ان فارقنا فالزمه فإنه الأمر.

هذه عظتي إياك ان تتركها فان تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.

وهذا هو الحسن البصري:

لما ولى الحجاج بن يوسف العراق وطغى في ولايته وتجبر كان الحسن البصري احد الرجال الذين تصدوا له وجهروا بكلمة الحق وهذه قصته:

بنى الحجاج لنفسه بناء في واسط[41]، فلما فرغ منه نادى في الناس ان اخرجوا للفرجة، والدعاء بالبركة، فلم يشأ الحسن ان يفوت على نفسه فرصة اتباع الناس هذه، فخرج ليعظهم ويذكرهم ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة.

ولما بلغ المكان نظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مأخوذة بروعة بنائه وقف فيهم خطيبا وكان مما قاله:

لقد نظرنا فيما ابتنى اخبث الأخبثين فوجدنا ان فرعون شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم اهلك الله فرعون واتى على ما بنى، ليت الحجاج يعلم ان أهل السماء قد مقتوه، وان أهل الأرض قد غروه. فأشفق عليه بعض السامعين من نقمة الحجاج فقال: حسبك يا أبا سعيد فقال الحسن: لقد اخذ الله الميثاق من أهل العلم (لتبيننه للناس ولا تكتمونه).

وفي هذا اليوم دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيظ وقال لجلاّسه: تبا لكم وسحقا، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء ان يقول ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه. والله لاسقينكم من دمه يا معشر الجبناء ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا، ودعا الجلاد ثم وجه إلى الحسن بعض الشرطة.. وجاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار ووجفت عليه القلوب، فلما رأى ذلك أمامه حرك شفتيه ثم اقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم، فهابه الحجاج وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا واخذ يوسع له، والناس تنظر في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه واخذ يسأله عن بعض أمور الدين والحسن يجيبه ثابتا قال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد واخذ يطيب لحيته بالطيب وودعه.

ولما خرج تبعه حاجب الحجاج وقال: لقد دعاك الحجاج لغير هذا دعاك لكذا، وبما كنت تحرك شفتيك؟ فقال الحسن: لقد قلت يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي اجعل نقمته علي بردا وسلاما كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم.

وهو نفسه الحسن البصري بعد ان ولى يزيد بن عبد الملك بعد عمر بن عبد العزيز ولي على العراق عمر بن هبيرة، وسار يزيد في الناس غير سيرة سلفه العظيم فكان يرسل إلى بن هبيرة بالكتاب يأمره بانفاذه مجافيا الحق أحيانا.

فدعا ابن هبيرة كلا من الحسن البصري، وعامر بن شرحبيل المعروف بالشعبي  وقال لهما: ان أمير المؤمنين قد استخلفه الله على عباده وأوجب طاعته على الناس وقد ولاني أمر العراق ثم زادني فارس وهو يرسل إلى أحيانا كتبا يأمرني  فيها ما لا اطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه انفاذ أوامره مخرجا من الدين؟

فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن قال: وما تقول يا أبا سعيد.

فقال الحسن: يا بن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، واعلم ان الله عز وجل يمنعك من يزيد وان يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة انه يوشك ان ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك حيث لا تجد هناك يزيد، انما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد.

يا ابن هبيرة انك ان تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك والدنيا والآخرة، وان تك مع يزيد في معصية الله تعالى، فان الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة انه لا طاعة لمخلوق كائنا من كان في معصية الخالق عز وجل فبكى عمر بن هبيرة ومال عن الشعبي إلى حسن، فقال الشعبي حين قابل الناس: فو الذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولا أمهله ولكني أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة وأراد فيما قاله وجه الله فكانت النتيجة التي ترون.

ان هؤلاء الرجال كانوا يعلمون انهم قادة امة، وورثة أنبياء، فكانوا يراجعون الحكام، بل ان المراجعة قد تكون من امرأة، فلقد قالت امرأة عمر بن الخطاب: ما تريد ان تراجع أنت، وابنتك تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فأخذت ردائي ثم خرجت من مكاني حتى دخلت على حفصة فقلت لها: يا بنية انك تراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت: والله انا لنراجعه.

ولقد اقتفى الإمام حسن البنا اثر هؤلاء الرجال فما لانت قناته، ونهج –رحمه الله- نفس النهج القويم، ترى ذلك في نصائحه لأتباعه وتلاميذه وحكام زمانه، يعظهم ان يقوموا لله مثنى وفرادى ثم يتفكروا فيما يقولوه لهم من دعوة إلى الرجوع إلى شرع الله وتحكيم كتاب الله، وإقامة دولة الإسلام في وطنهم، واقرأ –ان شئت- رسائله القيمة تجد ذلك واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار.

فكم من النصائح القيمة ارشد بها الحكام في زمانه إلى خير سبيل الإصلاح والصلاح المبين، وصبر وصابر ورابط حتى استشهد برصاص الغدر والخيانة حتى أصبح دمه مسكا ما زال أريجه يملأ جنات الدنيا (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله).

وجاء بعده الإمام حسن الهضيبي رحمة الله عليه، وخلال المحن والشدائد، والفتن والبلاء إذا به يقوم بهذا الواجب، واجب النصح والإرشاد وتذكر الطريق فيكتب بإخلاص القائد للإخوان في سجونهم وهو بين جدران زنزانته يقول:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أيها الإخوان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فاسأل الله تبارك وتعالى ان تكونوا على خير ما يحب الله لعباده المؤمنين المخلصين المجاهدين من الصبر والاحتساب، وان ينزل السكينة في قلوبكم لتزدادوا إيمانا مع إيمانكم، ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما.

ان دعوة الإخوان المسلمين –وهي دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تزد عليها ولم تنقص- كانت ولا تزال صراعا بين الحق والباطل، بين الإيمان والإلحاد، بين المعروف والمنكر، بين العقل والهوى، بين الخلق القويم والتحلل الذميم، بين الإنسانية الفاضلة والأنانية الخاسرة، من اجل ذلك كانت بحاجة إلى جهاد قوم مؤمنين يخلصون لله دينهم، ويهبون أرواحهم، طيبة بذلك نفوسهم، لا تزيدهم المحن الا ثباتا على حقهم، وازدراء الباطل خصومهم، وكانوا في عزائمهم اشد وأقوى، والى ربهم اقرب وأدنا، وبانتصارهم يؤمنون، وعلى ربهم يتوكلون: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).

واني مذكركم –فالذكرى تنفع المؤمنين- ببعض ما توحي به الظروف التي خلقها بعض أعداء الدعوة حتى تكونوا على بينة من طريقكم الحق، ولا تجروا مع خصوم دعوتكم فيما جروا فيه من الإثم والبغي بغير الحق افتراء على الله، أذكركم بالصدق في القول والعمل، وترك الجدل واللجاجة مع المخالفين، اصدقوا أنفسكم، واصدقوا الله، واصدقوا الناس (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

ان خصوم الدعوة توهموا انهم بأكاذيبهم يغلبون حقكم فاتهموا السرائر واختلفوا الوقائع، واخفوا الحقائق (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون) قيل يا رسول الله: أيكون المؤمن جبانا؟ قال "نعم" قيل: أيكون بخيلا؟ قال: "نعم" قيل: أيكون كذابا؟ قال: "لا" (انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون).

فلا تهنوا ولا تحزنوا .. فلن يبلغ الكذب من دعوتكم شيئا، انكم على الحق بإذن الله، ولن يخلف الله وعده (انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) وقد ذكرناهم بالحق فكرهوه وضاقت به صدورهم، وظنوا ان الكذب ينجيهم، والله تعالى يقول: (وقد خاب من افترى).

وليس الكذب على الأشخاص وحدهم، فقد حرص خصوم دعوتكم على ان ينسبوا أخطاء المسلمين في بعض العصور إلى الدين نفسه، وظنوا ان ذلك يصرفكم عن دعوتكم إلى الإسلام دينا ودولة...

فانتبهوا لما توحي به هذه الاتجاهات وتفهموا ما وراء هذا مما يضمره المبطلون (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).

أيها الإخوان: (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)

       أخوكم حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

 

وواصل المسيرة المباركة المرشد الكريم الحليم الأستاذ عمر التلمساني رضي الله عنه وما موقفه من السادات منا ببعيد يوم ان قال له في الجموع التي جمعها له وعلى مسمع من الدنيا: أشكوك إلى الله فارتعدت فرائصه ولانت كلمته كأنها اعتذار عما بدر منه. واستمر –رحمه الله- في نصحه وإرشاده حتى لفظ آخر أنفاسه الطاهرة وتغمده الله برحمته.

وحمل الراية من بعده مرشدنا الهمام فضيلة السيد الكريم الأستاذ حامد أبو النصر وها هو ذا يرشد الصغير والكبير وينصح الحاكم والمحكوم بحكمة بالغة، وموعظة حسنة، ومجادلة بالتي هي أحسن.

انها مسيرة بدأها رسولنا الكريم وأصحابه الغر الميامين فالتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين ومن سار على دربهم واستن بسنتهم واهتدى بهديهم لا يجاملون في حق، ولا يترددون في إعلانه عملا بما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ان ناسا قالوا له: انا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

7-تقويم الخطوات والوسائل والمصارحة بالأخطاء لتصحيح المسار:

يخشى بعض المربين والقادة مصارحة إخوانهم بأخطائهم خشية ان يؤثر كلامهم في نفسيتهم، أو يسبب إحراجا لهم، أو ربما يستصغرون الخطأ ويظنون انه لا يستحق المصارحة أو يلبس عملهم هذا صنف من أصناف الرياء، أو يخشون المجادلة والمراء إلى غير ذلك من الأمور التي تعتبر عقبة كؤودا امام المصارحة والمكاشفة.

والواجب على القيادة المخلصة ان تكسر الحواجز والعوائق التي تعيق اندماج النفوس بعضها ببعض وان تسعى بما لديها من حسن معاملة ومشاركة للأخ فيكون القائد له كالوالد والمساعد له في كل مشاكله، والقريب إلى قلبه مما يدفع الأخ المتلهف دوما لنصحه وتذكيره بأخطائه.

ولا يستصغر الخطأ ويظن انه لا يستدعي النصح والمكاشفة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تحقرن من المعروف شيئا" فالذي يحذر من الأخطاء الصغيرة يقي أخاه من الأخطاء الكبيرة، فلرب أخطاء صغيرة تتجمع عند الأخ تعيقه مستقبلا عن العمل في سلك الدعوة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).

والذي يجب التنبيه إليه هو ان الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها والإخلاص فيها، ذلك لان الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء.

وشيوع ترك المكاشفة والمناصحة خوفا من الوقوع في الرياء، يفضي إلى ان أهل الباطل والفساد ينكرون ذلك على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا، قالوا: هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرا من لمزهم وذمهم، فيتعطل أهل الخير ويبقى أهل الشرك شوكة يظهرون الشر، ولا احد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد.

ان النبي صلى الله عليه وسلم لما حض على الإنفاق في غزوة تبوك جاء بعض أصحابه بصرة كادت يده تعجز عن حملها، فقال المنافقون هذا مراء، وجاء بعضهم بصاع فقالوا: لقد كان الله غنيا عن صاع فلان فلمزوا هذا وهذا  فأنزل الله (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) فصار ذلك عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله[42].

المكاشفة من الدين:

والمكاشفة من الدين إذا ما تحسس المسلم احكم العبارة، واقرب المعنى إلى قلب أخيه بغير أذى من مراء أو انتصار لرأي النفس، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن مرآة أخيه".

فان من الإخلاص ان يكاشف القائد جنده بما فيهم، ولا يجاريهم فيما يحبون أو يرغبون ويترك ما يكرهون، فلخطورة هذه القضية انزل المولى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) ثم خصص الخطاب للمدعوين من الصحابة فقال: (واعلموا ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) ولذلك كان الإحسان إليهم –الذي هو مطلوب منك شرعا- فعل ما ينفعهم في الدين ولو كرهه من كرهه.

فعلى القيادة ان رأت نقصا ان تسدي النصح والمصارحة دون مجاملة على حساب الدعوة، حتى لا يتهم الجندي وقت التقييم بالضعف والخور والفوضى وعدم النظام وغير ذلك من السلبيات التي ما ظهرن فيه الا لترك النصح والمجاملة للحفاظ على صداقته وعدم الاصطدام كما يظن.

فإذا كان القائد يصارح اتباعه بما فيهم ولا يجامل على حساب الدعوة، فان على الأفراد أيضا عدم تصور وجود التكامل التربوي والبشري في قائدهم –فهو بشر يصيب ويخطيء فإذا رأوا منه قصورا لا تهتز نظرتهم وفكرتهم عنه لانه لو أحس بذلك منهم فترت همته، وقل إنتاجه أو انعدم لعدم وجود التناصح بين القيادة والجند، وحتى تتلافى القيادة هذا يجب ان تواجه الأفراد بما حدث من أخطاء وتبين لهم العثرات، وفي نفس الوقت تستمع لنصيحة الجند.

ان الهزيمة في غزوة احد هزت القيم ذاتها وتغيرت النظرة إلى القيادة بعدها عند فئة، مما حدى بها إلى دعوة غيرها إلى اللحاق بدينها الأول أو كادت، لأنها عجزت عن تحديد مواطن الخطأ.. ومن هنا نجد القران يبين ان الخطأ ليس في القيم والمبدأ والقائد، انما الخطأ في الوسيلة التي اتبعها البعض: (قل هو من عند أنفسكم).

الاستفادة من الماضي:

فإذا تمت المراجعة المطلوبة في الدعوة والعمل، ورفض مبدأ ليس في الامكان أبدع مما كان، وإغلاق صفحة الماضي وعدم تقبيحه والحديث عنه ومناقشته وعدم تحديد مواطن الخطأ فيه فكيف ننمو وننضج ونتقدم إذا لم نعرف أسباب القصور والتقصير لننهض ونرتقي ونتقدم إلى الإمام نحو الأهداف.

ان القيادة المخلصة هي التي تراجع خطواتها ووسائلها، ولا تتهرب أو تسوف أو تقدم المعاذير والمسوغات، ولا تعترف بخطأ الوسائل والخطوات حتى لا يؤدي هذا إلى الخلط بين الوسائل المخطئة والأهداف المحقة، فتدافع عن الخطأ في اختيار الوسائل بالحديث عن صواب المباديء والقيم، وبذلك تضع نفسها موضع الذي لا يخطيء "وكل بني آدم خطاء" وتصبح الوسائل معصومة من الخطأ "والكيس من دان نفسه" وليس من الكَيْس ان نضخم أخطاء الآخرين ونتلافى الكلام عن أخطائنا فهذه محاولة لصرف الأنظار عن الأخطاء وليس هذا من الإخلاص في شيء.

ان أعداء الدعوة –اليوم- يخضعون أمورهم للدراسة والتحليل والتفسير ودراسة الدوافع وللأسف فهم بذلك اقدر على الاستفادة من تجارب العاملين في حقل الدعوة الإسلامية من بعض الإسلاميين أنفسهم. فنجد أعداء الدعوة يرسمون الخطط في محاربتنا، وهم الأقدر على توظيف جهودنا وجهادنا لمصلحتهم في أكثر من موقع على خارطة العالم الاسلامي، ولم يقتصر الأمر على ذلك وانما تجاوزه إلى التأثير علينا في اختيار وسائلنا المخطئة وإلجائنا إلى ممارسات يستفيدون هم منها.

ومن هنا كان من دلائل إخلاص القيادة لا أقول كشف مخططات وخطط الأعداء واستشعار نواياهم فما أسهل ذلك، ولكن المهم هو القدرة على تقويم التجارب السابقة وتحديد مواطن التقصير وأسباب القصور والتفريق بين خطأ الوسائل لأنها معرضة للصواب والخطأ، والأهداف المحقة التي لا تتبدل ولا تتغير لأنها ثابتة دون تهوين ولا تهويل حتى لا تتكرر الحال بنفس الأخطاء، فالكيس من دان نفسه كي يستأنف حياة أفضل.

ضرورة معرفة الخلل:

وقد يقول قائل كيف نكشف الخلل، ونتصارح فيما بيننا مظهرين ونحن نحلل الأخطاء لأعدائنا النقاط القاتلة فينا ان كانت خافية عليهم.

وهذا كلام ظاهره فيه الرحمة، والحقيقة المرة ان أعداءنا يقومون بدراسات نفسية واجتماعية للشعوب جعلتهم قادرين على استغلالها وتعويق نموها باستغلال عيوبها وأمراضها الفكرية والاجتماعية، ولذا فان من اكبر المآسي التي نعيشها في هذا العصر اننا نحن الذين نجهل عيوبنا وأمراضنا وليس عدونا.

ان القران الكريم يكشف أخطاء حصلت في مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجتمع الصحابة الكرام، فتناولها بالتحليل والتسديد، وانزل فيها آيات تتلى إلى يوم الدين، ويسمعها المؤمنون والكافرون والمعاصرون للأحداث، وكل من جاء من بعدهم.

ففي غزوة احد تجد سورة آل عمران تتعرض للأخطاء التي ارتكبت في الصف المسلم، بل تكشف عن خبايا النفوس وتعرضها للضوء امام الجميع (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [43].

ويستنكر الزعزعة والتراجع الذي حصل في الصفوف حين سرت الإشاعة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد مات (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) [44].

ثم يعرض صورة لما حدث في المعركة وكيف انقلبت الدائرة فيها (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)[45].

يقول عبد الله بن مسعود ما كنت أظن ان منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، ويقول ربنا: (إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون، ثم انزل من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ان الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا ها هنا..) [46] (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور رحيم) [47] إلى ان يقول كلمة الفصل التي تحدد سبب الهزيمة: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ان الله على كل شيء قدير)[48].

فالمصيبة جاءت من عند أنفسكم .. لا من عند عدوكم والقران الكريم لا يرد الأمر إلى حيلة خالد بن الوليد الذي كان على فرقة من المشركين وقام بمناورته من خلف رماة المسلمين، فيرجع القران السبب إلى أخطاء المسلمين، ويعلن هذه الحقيقة على الجميع، إذ ليس من المهم ان يتوقف كيد الأعداء، بل المهم فعلا ان يكتشف المسلمون أخطاءهم ويصححوها. وهذا ما جعل صاحب الظلال الشهيد سيد قطب رحمه الله، يقف مع الآيات وقفة طويلة ويقول: لقد دفعوا الثمن غاليا وتلقوا الدرس عاليا.

وفي حنين حدثت مشاعر عند المسلمين، جعلتهم يفقدون بعض حذرهم وتوترهم ولجوئهم إلى الله، فكادوا يخسرون الموقف، وجاءت الآيات تكشف عن ذلك (.. ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) [49].

وفي سورة النور تناول إشاعة الإفك التي هزت المجتمع المسلم في ذلك الوقت، بالتحليل وشن حملة على المؤمنين وحملهم التبعة، علما بان المنافقين هم الذين حركوا الفتنة وقد أشارت إليهم الآيات وإلى ما يعده الله لهم من عذاب أليم (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم)، لكن باقي الآيات كانت تندد بالضعف والخلل في نفوس المسلمين الذين ساقتهم الغفلة إلى مساعدة العدو في ترويج الإشاعة (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) [50].

وتحدث سرقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون السارق من الأنصار –وقيل انه منافق- فلما أحس ان أمره سينكشف ألقى الدرع التي سرقها في بيت يهودي، وأرسل قومه يدافعون عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبون من النبي ان يعلن براءة صاحبهم على الناس، فتنزل آيات من سورة النساء (انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله ان الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما) [51].

الاعتراف بالخطأ:

يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله: ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأنصار، بل فضحه بين الناس على هذا النحو العنيف المكشوف. كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج، كان هناك سبب واضح عريض، ان هذا المتهم يهودي من اليهود التي لا تدع سهما مسموما الا أطلقته في حرب الإسلام وأهله. اليهود التي لا تعرف حقا ولا عدلا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق وكان هنالك سبب آخر وهو ان الأمر في الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن بينما اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق، وكان هنالك سبب ثالث: هو عدم إعطاء اليهود سهما جديدا يوجهونه إلى الأنصار وهو ان بعضهم يسرق بعضا ثم يتهمون اليهود، وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير، لكن الأمر كان اكبر من هذا كله، كان اكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة في حساب الإسلام، كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية، وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها.

منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية، وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية، وحتى يقام فيها ميزان العدل لتحكم به بين الناس مجردا من جميع الاعتبارات الأرضية.

ان الإنسان كلما ازداد نموا ونضجا كلما استطاع ان يواجه أخطاءه، بينما يتنصل الصغير من المسئولية ويلقى التبعية على غيره، وان العالم اليوم أصبح يدرك قيمة النقد الذاتي، فلا يجب على المسلم وهو أولى الناس بذلك ان يبقى متقوقعا على ذاته في ركن مظلم يرفض الخروج إلى النور حتى لا تنكشف أخطاؤه، بل يجب عليه ان يعترف بخطئه ويصحح مساره، ومن لا يقدر على الاعتراف بخطئه لا يقدر على التوبة والعودة إلى الطريق السليم.

فإذا كان هذا ما يجب على الفرد فأولى بالجماعة وقيادتها ان تسلك هذا السبيل، سبيل المراجعة والاعتراف بالخطأ الذي محله الوسائل والخطط، ولا يجوز إغلاق صفحة الماضي وعدم مناقشته وتحديد مواطن الخطأ فيه بل لابد من معرفة أسباب التقصير لنبدأ النهوض ونرتقي نحو الهدف المرتقب، ليحقق الله بنا وعده، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).



[1] رواه الترمذي

[2] سورة النور الآية 22

[3] آل عمران 155

[4] آل عمران 165

[5] سورة البقرة الآية 247

[6] الرسول المعلم –الدكتور يوسف القرضاوي ص 38

[7] الفرقان 59

[8] فاطر 14

[9] هذه السمات من كتاب أولويات الحركة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي ص 87 بتصرف

[10] تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 8=168

[11] رسائل الثعالبي لعبد الملك بن محمد الثعالبي ص 81

[12] سورة البقرة الآية 247

[13] سورة يوسف الآية 55

[14] رواه مسلم كتاب الإيمان 1=70، واحمد 1=458

[15] سورة الشورى 38

[16] سورة المجادلة 9-10 من تفسير الظلال

[17] أخرجه البخاري ومسلم

[18] البخاري ومسلم

[19] سورة آل عمران 159

[20] سورة الشورى 38

[21] سورة إبراهيم 36

[22] سورة المائدة 118

[23] سورة يونس 89

[24] سورة نوح 26

[25] من مقالة فاعلية الحوار للأستاذ حسن فضل المولى دفع الله –مجلة الأمة عدد ذي القعدة 1405 بتصرف

[26] رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم عن بريدة كما في صحيح الجامع الصغير والطبراني عن ابن عمر

[27] أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة ص 81 للدكتور يوسف القرضاوي بتصرف

[28] سورة آل عمران 126

[29] سورة الأحزاب 17

[30] سورة الحج 4

[31] سورة النساء 76

[32] سورة التوبة 14

[33] سورة محمد 4

[34] زاد المعاد لابن القيم 3=480

[35] سورة الأنفال 60

[36] رواه مسلم عن عقبة بن عامر كتاب الأمارة 2=1522 وأبو داوم والترمذي وابن ماجه والترمذي

[37] رواه البخاري عن مسلم بن الاكوع كتاب الجهاد 4=45 وابن ماجه واحمد

[38] رواه مسلم عن عقبة بن عامر كتاب الأمارة 3=1523 وابن ماجه بلفظ فقد عصاني

[39] سورة المائدة 67

[40] رواه مسلم

[41] مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة

[42] الفتاوي الكبرى ص 139

[43] سورة آل عمران 122

[44] سورة آل عمران 144

[45] سورة آل عمران 152

[46] سورة آل عمران 153-154

[47] سورة آل عمران 155

[48] سورة آل عمران 165

[49] سورة التوبة 25

[50] سورة النور 15

[51] سورة النساء 105 - 107

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error