بسم الله الرحمن الرحيم
في الوقت الذي يواصل فيه فريق المفتشين الدوليين عملهم في العراق.. بحثًا في كل شبر من أرضه عن دليل يؤكد وجود أسلحة للدمار الشامل.. تزداد وتتضاعف الحشود العسكرية الأمريكية حول العراق.. مما يزيد التوقعات بقرب حدوث عمل عسكري مدمر ضد الشعب العراقي.
ومع المزيد من التعزيزات الأمريكية المتوقعة على المنطقة وحول العراق.. وتوقيع وزير الدفاع الأمريكي على قرار بإرسال 60 ألف جنديº ليرتفع عدد جنود أمريكا إلى مائة وخمسين ألف جندي، تواصل أمريكا لتصعيد تهديداتها.. ومضاعفةً من ضغوطها على دول المنطقة، كي تساهم في العدوان الأمريكي على العراق أو تفتح موانيها وأراضيها للقوات الأمريكيةº حتى تنقض على العراق.. مما يجعل أجواء حرب طاحنة مدمرة تخيم على العراق.. وما حول العراق.
وفي ظل الواقع العربي الذي يتسم بالتراجع، والتفرق لا يفتأ وزير خارجية أمريكا، والمسئولون الأمريكيون يصرحون بأن أمريكا ستخوض الحرب ضد العراق وحدها.. وأنها ليست في حاجة إلى قرار دولي أو دعم دولي، كما صاروا يتحدثون صراحةً عن إسناد مهمة الحكم في العراق للجيش الأمريكي تحت شعار إيجاد الاستقرار اللازم بعد إسقاط الحكم فيه، وحتى يتمكن العراقيون من تشكيل حكومة جديدة، ستكون دون شك على غرار حكومة 'قرضاي' في أفغانستان.. وستلعب نفس دورها.
القانون الدولي.. المنظمات الدولية.. المجتمع الدولي.. كل ذلك في نظر الولايات المتحدة الأمريكية.. لا أثر ولا تأثير ولا وجود له.. فالرئيس الأمريكي هو صاحب القرار، والولايات المتحدة هي مصدر الحشود وجحافل الجيوش والأساطيل والطائرات وهى صاحبة القوة والسطوة.. ومن ثم فهي وحدها التي تملك إمكانات وقرار الحرب.. وعلى الآخرين أن يلزموا الصمت.. أو ينضووا تحت اللواء.. مهاجمين مدمرين للعراق.. وشعبه وأرضه.
يستحوذ على التفكير، ويلفت النظر والذهن.. في ظل الغياب العربي الرسمي.. أن أمريكا ماضية في إعدادها لضرب وتدمير العراق.. وبواسطة أشد وأكثر أسلحتها فتكًا وإبادةً وتدميرًا دون عابئة بقانون دولي أو هيئة الأمم أو مجلس الأمن.. بل إنها في الوقت الذي تحتشد فيه المظاهرات الهادرة في جهات كثيرة من العالم وفى أمريكا نفسها.. تندد بالحرب على العراق.. لا تتوقف الحشود والاستعدادات الأمريكية في اتجاهها لضرب شعب العراق.. دون مراعاة لما سيلحق به.. وهو الشعب الأعزل المحاصر لسنوات.. من دمار وهلاك.. ويكفى أن تعلن مصادر الأمم المتحدة أنها تستعد لإيواء تسعمائة ألف لاجئ عراقي سيهيمون على وجوههم فرارًا حين تقوم أمريكا بحربها على شعب العراق.. أو أن تعلن جهات دولية أنه مع الضربة الأولى سيسقط مائة ألف قتيل من أبناء الشعب العراقي الضحايا الذين سيقتلون غدرًا مع تسليط أمريكا أسلحة الدمار الشامل على العراق.. ومع ذلك لا يكف المسئولون الأمريكيون عن الزعم بأنهم يسعون لتحرير شعب العراق من طغيان الاستبداد.
ويبدو أن صاحب القرار الأمريكي قد سيطرت على قراره نوازع القوة.. وانحسر أو تلاشى أثر القيم والمثل.. ومن ثم قد علت وارتفعت نبرة التهديد والوعيد.. وتتابعت الإنذارات بسحق العراق. وساد تلمس الاتهامات للعراق.. دون مراعاة لقيم العدل والإنصاف ودون التفات إلى أن للكون والعباد إلهًا هو صاحب ومصدر القوة.. بيده مقاليد الأمور ومصير الإمبراطوريات والأباطرة.. وسجل وتاريخ البشرية حافل بإمبراطوريات اندثرت.. وقوىً تكبرت وطغت، فهوت واندحرت.. ولم يبق على الدرب إلا أولئك الذي يحملون راية الحق، ويلتزمون موازين العدل.. وينحازون إلى جانب القيم والمثل.
خطر يهدد الجميع
الذي لا جدال فيه أن الخطر الأمريكي لا يحدق بالعراق فقط.. ولكن بالأمة كلها.. إنه لن يقتصر أو يتوقف عند العراق.. ولكن سيمضى في طريقه ليلحق بباقي أقطار العرب والمسلمين، وهو خطر من خلال ما جرى ويجرى على ساحة العرب والمسلمين وعلى الساحة العالمية.. ومن خلال ما يجرى إزاء العراق.. سيلحق بغير العراق مستهدفًا الأمة كلها.. شعوبا وحكامًا.. إنه خطر يحمل الدمار والخراب وسفك الدماء، كما أن التفتيت والتجزيء هو أحد وسائله وأسلحته.. وضرب العقيدة وسلخ الناس من هويتهم أحد أهدافه.. وتغيير المناهج والعادات والتقاليد أحد أغراضه.. والحرب الدائرة على ساحة عالمنا العربي والإسلامي تحت شعار الحرب على الإرهاب.. صارت لا تخفى أهدافها.. ولا توارى غاياتها..
أخطر ما في الأمر أن العرب والمسلمين يواجهون الخطر المحدق بهم فرادى.. رغم أن منطق المواجهة الصحيح يحتم أن تكون المواجهة في وحدة واتحاد.
ويضاعف من خطورة الأمر أيضًا أن مواجهة العرب للخطر وهى مواجهة فردية.. تنطلق من واقع داخلي على مستوى كل دولة يفتقر إلى مقومات وأسباب المواجهة.. وعلى رأسها أزمة الثقة بين الحكومات والشعوب.. ومصادرة حق الشعوب في المشاركة واتخاذ القرار.. أو سيادة أوضاع القهر والكبت التي باتت تجسد الخلل في واقع الحال..
ومن ثمّ لم يكن غريبًا أن تدمر وتخرب أفغانستان، وأن يزرع فيها حكم يلتزم السياسات الأمريكية، ويضمن ويحقق مصالح أمريكا، ولم يعد غريبًا أن يصادر الكيان الصهيوني كافة حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ودياره.. ومصادرة حقه في الحرية والأمن.. ويفرض الحصار حول مدنه وقراه لأكثر من عامين، ويسفك دماء أبنائه بالأساليب والمجازر الوحشية، التي صار يمارسها كل يوم في مدن الضفة وغزة، ويدمر ويخرب مدنه وقراه، أو يحرق أرضه، ويحرمه من مصادر المياه في سعى لتصفية القضية، وإغلاق ملفها، بدعم أمريكي أكثر من سافر .
كما لم يعد غريبًا أن تسعى أمريكا لإرغام حكومة السودان على التفاوض مع جارانج حول أجزاء من شرق السودان أو غربه، إضافةً إلى جنوب السودان كخطوة لتجزيء السودان أو تفتيته.. في وقت لا يحظى فيه السودان بعون أو دعم من الدول العربية.. يساعده على المواجهة أو الصمود في وجه الضغوط والإنذارات والتهديدات الأمريكية.
العجز العربي
اليوم تقف كل الحكومات العربية في حالة عجز أمام ما يجرى ويحاك بالنسبة للعراق، فيحول العجز بينها وبين السعي لعقد قمة فاعلة تستطيع أن تقود الأمة لصد الهجمة والخروج من المحنة.. إذا حررت الإرادة.. وانحازت إلى الطريق الصحيح.. ومضت نحو الوجهة الصحيحة.. والتقت حول القرار الصحيح .
لقد تعرضت الأمة عبر تاريخها لمحن.. وفتن.. واجتاح أقطارًا منها طوفان التتار.. وطوفان الصليبيين.. فلاذت بربها ووحدت صفها حول إيمانها.. وأزالت ما بين شعوبها وحكامها من حواجز، حين لاذت بربها.. فغيرت واقعها المأساوي إلى واقع إيماني كان الجهاد أبرز وأمضى أسلحته.. وكانت التضحية أبرز معالمه.. وكانت وحدة الصف والكلمة سده المنيع في وجه عدوان فاجر.. فكان مصيره الخذلان والانحدار.
وما أشبه الليلة بالبارحة، حين أحاطت جموع المشركين جماعة المؤمنين يوم الأحزاب، يمنون أنفسهم بإبادة خضرائهم، وإخماد نورهم )يُرöيدُونَ لöيُطْفöئُوا نُورَ اللَّهö بöأَفْوَاهöهöمْ وَاللَّهُ مُتöمُّ نُورöهö وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ( (الصف:8)، فكانت محنةً وتمحيصًا وزلزلةً وابتلاءً، كما قال تعالى )إöذْ جَاءُوكُمْ مöنْ فَوْقöكُمْ وَمöنْ أَسْفَلَ مöنْكُمْ وَإöذْ زَاغَتö الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتö الْقُلُوبُ الْحَنَاجöرَ وَتَظُنُّونَ بöاللَّهö الظُّنُونَا، هُنَالöكَ ابْتُلöيَ الْمُؤْمöنُونَ وَزُلْزöلُوا زöلْزَالاً شَدöيداً( (الأحزاب:10-11)، فما زاد ذلك المؤمنين إلا ثباتًا، ويقينًا، )وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمöنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إöلاَّ إöيمَانًا وَتَسْلöيمًا( (الأحزاب:22) وما زاد ذلك المنافقين إلا خبالا مهينا، )وَإöذْ يَقُولُ الْمُنَافöقُونَ وَالَّذöينَ فöي قُلُوبöهöمْ مَرَضñ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إöلَّا غُرُورًا( (الأحزاب:12)، هنالك وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم شامخًا وسط الخوف المهول، يبثّ الأمل في قلوب أصحابه، وينفخ فيهم من روح يقينه، ورباطة جأشه، ويحفر معهم الخندق، فيكسر بمعوله ما استعصى عليهم من صخر، وهو يهتف مع كل ضربة معول : 'الله أكبر فتحت صنعاء، الله أكبر فتحت فارس، الله أكبر فتحت الروم' لقد غيرت الأمة بالأمس من حالها وواقعها مستجيبةً متمثلةً لقول ربها:)إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ( (الرعد: من الآية11) ولا نحسب أن أمام الأمة اليوم إلا اتباع نفس السبيل.. على مستوى شعوبها وحكامهاº لتحرر الإرادة وتحرر القرار.. لترد الهجمة.. وتحرر الأرض والديار.
محنة توجب المواجهة
كنا وما زلنا نأمل أن يدرك الجميع على مستوى الشعوب والحكام أن الخطر محدق بالجميع.. وأن الصمت أو عدم الحراك أمام محنة الشعب في العراق، أو أمام ما يجري في السودان، أو ما جرى ويجرى في أفغانستان.. أو ما يمضى ويجري على ساحة فلسطين وشعبها الشقيق.. سيفتح الباب ليجري مثله على ساحة سوريا ومصر والسعودية.. وباقي دول العرب والمسلمين.. ومن ثمّ تحتم المسئولية أمام الله، وأمام التاريخ أن نلوذ بالله.. ونلتزم منهجهº لنغير ما بأنفسناº لنغير واقعنا.
ومن أجل هذا نقول ويقول معنا كافة المخلصين المهمومين بهموم الأمة ومحنتها: إن ما يحدث الآن على ساحة دول عربية من حصار للشعوب للحيلولة بينه، وبين إعلان غضبتها لما يجرى من مجازر يهودية بشعة في حق الشعب الفلسطيني.. أو ما يحاك من عدوان أمريكي غاشم ضد شعب العراق، أو تهجم على الإسلام، وعدوان على المسلمين في شتى بقاع الأرض، يوازيه للأسف على ساحتنا العربية والإسلامية شنّ حملات الاعتقال ضد الشباب المؤمن، وتسليط سيف القوانين الاستثنائية، أو المحاكم العسكرية فوق رقابه.. لشل حركته وفاعليته، في الوقت الذي تموج فيه الساحة في جهات من العالم بمظاهرات حاشدة ضد العدوان الأمريكي على العرب والمسلمين.. يجافى حق الشعوب العربية والإسلامية في الإعلان عن غضبها، والانحياز لقضايا وحقوقها.. كما يؤكد تواصل حال العجز والتراجع التي تسيطر على بعض عواصمنا.. ولا يخدم إلا السياسة الأمريكية والعدوان الصهيوني.. وهو في الوقت نفسه يمهد الطريق أمام العدوان على شعب العراق اليوم، وغير العراق في الغد.
إن محاولات إقصاء قوىً شعبية لها تاريخها في تربية الأجيال على الحق والفضائل والقيم، كما لها تاريخها في مقاومة الاستعمار الصهيوني في فلسطين.. ومقاومة الاستعمار بكافة أشكاله في غير فلسطين تحت دعاوى ومزاعم تجافي الحق والمنطق.. لا يخدم قضايانا.. ولا يصبّ في صالح هذه الأمة.
إن الإخوان المسلمين الذين نادوا وعملوا بالأمس، وينادون ويعملون اليوم لوحدة الأمة.. وحتمية إعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي، على أساس من تحكيم شرع الله وسنة نبيه بين عباده، وفى أرضه، وربوا أجيالاً على الإيمان وعلى الجادة والخلق، وأكدوا على رباط الأخوة والحبّ في الله، واعتمدوا الحوار مع الآخر سبيلاً حضاريًا للوصول إلى الصواب وما فيه الخير.. إنما ينهضون بواجب الدعوة إلى اللهº سعيًا لرضاه.. والفوز بحسن جزائه.. وجمع كلمة وصف الأمة على الحق والهدى، وإيقاظهاº لتنهض بدورها، وهم من هذا المنطلق ومعهم كل الشرفاء، يستنكرون مصادرة حق الشعوب في المشاركة في القرار، ويدينون حجب وتقييد حركتها، أو مصادرة حريتها وأمنها، مما يحول بينها وبين النهوض بدورها في ردّ ودحر عدوها وتحرير أرضها.
إن الأمة تمرّ في أخطر مراحلها.. وفى مواجهة أخطر وأشرس أعدائها، مما يحتم على كافة أبنائها، وفى مقدمتهم الحكام والولاة والمنفذون، الارتفاع إلى مستوى المسئولية التاريخية، فيتجردون للصالح العام.. مع إنكار للمصالح الخاصة.. ولا يوجهون التهديدات أو الاتهامات للشرفاء.. ولا يكونون أداة ظلم تصادر الأمن والحريات.. وتغلب منطق القهر والبطش على منطق حق الإنسان العربي والمسلم في الأمن والحرية.. فإن الأمة المؤمنة الحرة وحدها هي التي تثبت عند اللقاء.. وتصبر في مواجهة الشدائد، وتصرّ على دحر العدوان.. وهى تردد قول ربها )الَّذöينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إöنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إöيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنöعْمَ الْوَكöيلُ( (آل عمران:173) وتلتزم قوله عز وجلّ )يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبّöتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد:7).
|
المستشار/محمد المأمون الهضيبي
المرشد العام للإخوان المسلمين
القاهرة: 22 من ذي القعدة1423هِ
الموافق 25-1-2003م |