رسالة من المستشار "محمد المأمون الهضيبي"
المرشد العام للإخوان المسلمين
10 من جمادى الأولى 1424هِ = 10/7/2003م
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وبعد:
تعيش أمتنا واقعًا مُرًّا يلفُّها من أقصاها إلى أقصاها، ويكتنفها في مؤسساتها ومنظماتها، ويغشاها في تفكيرها وفي نخبتها، التي رضيت بالدنيوية والعلمانية، ولولا فضل الله ورحمته في حفظ قرآنه الكريم- دستور الأمة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه-، والسنة الهادية التي جمعت القلوب على آداب وأخلاق متمم مكارم الأخلاق- صلى الله عليه وسلم-، والدعوة التجديدية الكبرى- التي أكرم الله بها الأمة بعد زوال الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين، فأحيت القلوب وجددت النفوس، وجمعت القاصي والداني وربطته بحبل الله المتين- لولا ذلك لكان الحال مؤسفًا والواقع مظلمًا، ومن المهم أن نُدرك ونستيقن أن الله تبارك وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الله خلق الفطرة البشرية مجبولة على الخير محبة له، وأن رصيد الخير في النفوس كبير وعظيم، وآية ذلك انتشار الإسلام في القارات كلها مصداقًا لقول الله عز وجل: ?هُوَ الَّذöي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بöالْهُدَى وَدöينö الْحَقّö لöيُظْهöرَهُ عَلَى الدّöينö كُلّöهö وَكَفَى بöاللهö شَهöيدًا? (الفتح:28).
مسئولية أصحاب الرسالات:
إن على أصحاب الرسالات أن يُدركوا أن الله اجتباهمº ليكونوا شهداء على الناس، وأن حياتهم صارت وقفًا على الجهاد في سبيل الله، والجهاد هنا هو جهاد النفس حتى تستقيم على أمر الله، وجهادها حتى تدخل في السلم كافةً، تستوعب الدعوة بمحكماتها وكلياتهاº حتى ترد المتشابهات إليها، ثم تنطلق بالدعوة مبلغة، مبشرةً ومنذرةً وهاديةً، على حد ما قال الله في الداعية الأول- صلى الله عليه وسلم-: ?يَا أَيُّهَا النَّبöيُّ إöنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهöدًا وَمُبَشّöرًا وَنَذöيرًا* وَدَاعöيًا إöلَى اللهö بöإöذْنöهö وَسöرَاجًا مُّنöيرًا* وَبَشّöرö الْمُؤْمöنöينَ بöأَنَّ لَهُم مّöنَ اللهö فَضْلاً كَبöيرًا* وَلاَ تُطöعö الْكَافöرöينَ وَالْمُنَافöقöينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهö وَكَفَى بöاللهö وَكöيلاً? (الأحزاب: من 48:45)،وليعلموا أن الله عز وجل وعد- ووعده الحق- عباده المؤمنين بقوله: ?وَالَّذöينَ جَاهَدُوا فöينَا لَنَهْدöيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإöنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسöنöينَ? (العنكبوت:69). ولندرك أنه لابد أن نبلغ مرتبة الإحسان ليكون معنا ربنا سبحانه وتعالى، وهذا يقتضي استفراغ الجهد في كل ما نباشر من عمل للدعوة، سواء أكان عملاً دعويًا أو تربويًا يقتضي تعهدًا مستمرًا وتنوعًا وتغييرًا، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "كان صلى الله عليه وسلم يتعهدنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"، ولندرك أن بلوغ مرتبة الحكمة في الدعوة شيء واجب لنحسن توصيل الدعوة إلى غيرنا والحكمة هي الفقه بجميع نواحيه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ?يُؤْتöي الْحöكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحöكْمَةَ فَقَدْ أُوتöيَ خَيْرًا كَثöيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إöلاَّ أُولُو الألْبَابö? (البقرة:269). ولذا أمرنا أن ندعو إلى الله بالحكمة فقال سبحانه: ?ادْعُ إöلَى سَبöيلö رَبّöكَ بöالْحöكْمَةö وَالْمَوْعöظَةö الْحَسَنَةö وَجَادöلْهُمْ بöالَّتöي هöيَ أَحْسَنُ? (النحل: من الآية125)، وهذا يقتضي أن نُعنى بأخلاقنا ليتطابق القول بالعمل، ولتصبح أخلاقنا لُحمة تحبب فينا عبادة المؤمنين، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن من أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون، وإن من أبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون"، وصدق الله- عز وجل- إذا يقول: ?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا لöمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عöندَ اللهö أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ? (الصف:3:2).
واقع يحتاج للتغيير:
ومن هنا فإن واقعنا المر الذي نراه ونشاهده يحتاج إلى عملية التغيير الكاملة الشاملةº حتى يصل إلى مؤسسات المجتمع وهيئاته، وتنطلق به برامجه وقنواته، ويؤكده نظامه التعليمي والسياسي والاقتصادي، ويقود سفينته في كل مرفق من يخشون الله ويخافونه، وتجتمع فيهم القوة والأمانة، والحفظ والعلم على حد ما بين الله- سبحانه وتعالى- في سيدنا موسى ويوسف- عليهما السلام-: ?öإöنَّ خَيْرَ مَنö اسْتَأْجَرْتَ الْقَوöيُّ الأَمöينُ? (القصص: من الآية26)، ?قَالَ اجْعَلْنöي عَلَى خَزَائöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ? (يوسف:55)، ولابد أن ندرك أن له سننًا هاديةً في النفس والحياة، فإذا عاد المجتمع إلى هِِِذه السنن والتزم بها أثمرت الخير والفلاح، وصدق الله إذ يقول: ?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهöمْ بَرَكَاتٍ مّöنَ السَّمَاءö وَالأَرْضö وَلَكöن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بöمَا كَانُوا يَكْسöبُونَ? (الأعراف:96)، وقد رأينا رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- يرعى سنن الله في كل شيء، في دعوته، ومع أصحابه، وفي هجرته، وغزواته، فمكنهم الله ونصرهم، وأمتن عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ?وَاذْكُرُوا إöذْ أَنْتُمْ قَلöيلñ مُّسْتَضْعَفُونَ فöي الأَرْضö تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بöنَصْرöهö وَرَزَقَكُم مّöنَ الطَّيّöبَاتö لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ? (الأنفال:26)، وقد حذرنا الله- عز وجل- من سنن المكذبين المفسدين فقال: ?قُلْ سöيرُوا فöي الأَرْضö ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقöبَةُ الْمُكَذّöبöينَ? (الأنعام:11)، وبين لنا أن عاقبة المجتمعات التي تنكبت الطريق وضلت السبيل الهلاك والبوار فقال سبحانه: ?وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمöنَةً مُّطْمَئöنَّةً يَأْتöيهَا رöزْقُهَا رَغَدًا مّöن كُلّö مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بöأَنْعُمö اللهö فَأَذَاقَهَا اللهُ لöبَاسَ الْجُوعö وَالْخَوْفö بöمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ? (النحل:112) .
فقضية التغيير تخضع خضوعًا كاملاً لسنن الله في الحياة إن صدقًا وإن كذبًا، وها نحن نرى ونشاهد ذلك في الأفراد والجماعات، فسنة الصدق تهدي إلى البر، وتثمر الثقة والمحبة، وسنة الكذب تثمر الفجور وانعدام الثقة، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".
سنن تثمر خيرية الأمة:
وقöسْ على ذلك سنن العدل والأمانة والشورى والنصيحة .. فإنها تثمر خيرية الأمة وتؤكد رسالتها، وعلى العكس فإن التطفيف والجور، والخيانة، والاستبداد، وإهمال النصيحة ينتج الفساد وتخلف المجتمع ويقلل كفاءة الأفراد والجماعات والهيئات فيه .. وذلك وصف الله المؤمنين بقوله سبحانه: ?وَالَّذöينَ يَجْتَنöبُونَ كَبَائöرَ الإöثْمö وَالْفَوَاحöشَ وَإöذَا مَا غَضöبُوا هُمْ يَغْفöرُونَ* وَالَّذöينَ اسْتَجَابُوا لöرَبّöهöمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمöمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفöقُونَ? (الشورى:38:37).
وها نحن نرى في تاريخنا المعاصر صدق ذلك، فحينما عادت الأمة إلى ربها رزقها الله بصلاح الدين الذي حرر بيت المقدس ودخله كما دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة قائمًا، وحينما عاد الجيش المصري إلى الله، واختلط العلماء بضباطه وجنوده، وكانت صيحته التكبير واتخذ من أسباب النظام والتدريب .. رزقه الله نصر رمضان المبارك، وانهار خط بارليف الذي لا يهزم، وفي جهاد إخواننا في فلسطين وثباتهم البرهان المبين، فقد جاءهم القاصي والداني يلح عليهم في الهدنة .. وصدق الله العظيم : ?وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إöنَّ اللهَ لَقَوöيّñ عَزöيزñ? (الحج: من الآية40)، ?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبّöتْ أَقْدَامَكُمْ? (محمد:7).
وصلي الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.