وعلى الأمة العربية والإسلامية واجب مساندته
حتى يتحقق التحرير
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبي
المرشد العام للإخوان المسلمين
22 من صفر 1424هِ = 24/4/2003م
لم يكن سقوط بغداد في (7صفر 1424من العام الهجري 9 /4/2003م) هو نهاية المطاف، بل كان نهاية حكم استبدادي ديكتاتوري، وبداية مرحلة أخرى من كفاح الشعب العراقي الشقيق من أجل استكمال حريته، وتحقيق استقلاله.
لقد اندلعت المظاهرات الرافضة للاحتلال الأمريكي - الصهيوني مباشرة في الجمعة التالية، وكل يوم في بغداد عاصمة الرشيد، ودرة الخلافة الإسلامية في عصورها الزاهرة، ورمز صمود العالم الإسلامي في وجه كل المحاولات الأجنبية الرامية إلى سلخ هذه الأمة من عقيدتها وإبعادها عن هويتها الإسلامية، وانتقلت المظاهرات إلى بقية المدن العراقية.
لقد اختار العراقيون - على مختلف اتجاهاتهم وبكل طوائفهم - طريق المقاومة ضد القوات الغازية التي احتلت أرض الرافدين، وتوحدت كل قوى الشعب في مظاهرة واحدة عقب صلاة الجمعة 16 صفر، وكان الشعار أن العراق إسلامي، ولن يقبل الفتنة بين صفوف أبنائه، وأنه اختار شعار المرحلة المقبلة لبناء عراق جديد سيكون جدارًا صلبًا ضد كل المؤامرات التي تهدف إلى التمكين للهيمنة الصهيونية برعاية أمريكية.
واليوم واجب الأمة العربية والإسلامية: شعوبًا وحركات إسلامية وقوى وطنية وقومية، وأيضًا حكومات ونظمًا مسيطرة أن تدعم جهاد هذا الشعب الشقيق بكل صور الدعم والمساندة: سياسيًا وأدبيًا، وماديًا ومعنويًا في المحافل الإقليمية كما في المحافل الدولية، إغاثيًا وإعلاميًاº حتى يتحقق له التحرير الكامل وذلك:
• بإجلاء القوات الغازية الأمريكية والبريطانية.
• وترحيل الجنرال الصهيوني جارنر الذي عينته أمريكا حاكمًا للعراق.
• وتحقيق وحدة التراب العراقي.
• ورفض كل صور الوجود العسكري الأمريكي - الصهيوني في أرض العراق.
• ووضع دستور عراقي جديد عن طريق انتخابات حرة للشعب العراقي.
• وإرساء نظام سياسي يحقق الحرية لجميع العراقيين على قدم المساواة، ويؤكد استقلال وحرية العراق وأمنه.
• وبناء عراق جديد يكون سندًا لأمته العربية والإسلامية، وداعمًا لقضايا الأمة من أجل استكمال التحرير في فلسطين، ويكون نموذجًا حقيقيًا لكفاح الشعوب في تحقيق حريتها واستكمال استقلالها، وتنمية ثرواتها لصالح الشعوب.
عراق يعيد أمجاد الإسلام ويبني نهضته المستقبلية كما بناها في الماضي على أساس الإسلام العظيم الذي حقق وقتها لخليفة المسلمين في دار السلام 'بغداد' أن يقول للسحابة التى مرت أمامه 'شرّöقي أو غرّöبي.. أمطري حيث شئتö فسيأتيني خراجُك'.
عراق المعتصم الذي استنجدت به امرأة مسلمة أهانها الروم فجرد لها جيشًا جرارًاº لتأديب هؤلاء الذين تجرأوا على حرمة امرأة مسلمة.
عراق الحضارة الإسلامية ذات الأبعاد الإنسانية التي حافظت على تراث الحضارات السابقة شرقية وغربية، وهذّبته وشذّبته، وأضافت إليه من حضارة الإسلام، فكانت بحق عاصمة الحضارة في العالم كله، وتحقق فيه الأمن وحرية العبادة وحرية الرأى لكافة مواطنيه.
إن العراق اليوم يستعيد دروس التاريخ بكل صورها المشرقة أو المؤلمة، فبُعيد سقوط بغداد عام 656 هِ على يد هولاكو رفض المسلمون القانون الذى أراد المغول فرضه عليهم 'الياسق' بإصرار، كما رفضوا تشويه الشريعة الإسلامية بأي قوانين أخرى، وتمسكوا بإصرار بشريعة الإسلام، فكانت النتيجة التي أذهلت التاريخ وهي دخول الغزاة المنتصرين في دين وشريعة أهل العراق الذين لم يفرطوا في العقيدة ورفضوا الرضوخ أو الخنوع.
إن الشعب العراقي الذي رفض الرضوخ والاستسلام للمغول يدافع عن عقيدة الإسلام ركَنَ وأجَّل خلافاته مع النظام المستبد الذي حكم العراق بالحديد والنار أربعة وثلاثين سنةº لينبري دفاعًا عن وطنه وأرضه وترابه وثرواته ضد الغزو الأمريكي، وذلك رغم أن النظام المستبد الديكتاتوري جرَّد الشعب العراقي من كثير من إمكاناته وحكمه بالحديد والنار.. وأباد قرى ومدنًا بكاملها، وأعلن الحرب على الإسلام العقيدة والشريعة ونظام الحياة، كما شن حروبًا داخلية وخارجية أهدرت طاقات العراقيين، ومزقت صفوفهم وأدخلتهم - دون ذنب - في خلافات وصدامات مريرة مع جيرانهم المسلمين.
واليوم وبشهادة كل المراقبين يسود التيار الإسلامي الشارع العراقي، وأصبحت المساجد ملاذًا آمنًا لكل العراقيين، تقوم بواجبها في رد المسروقات، وحماية الأمن وتحقيق الأمان، كما تخرج منها المظاهرات بصورة يومية ضد الاحتلال، ويمثل علماء الأمة والدعاة قيادة الشعب العراقي الطبيعية، وهكذا كان وسيظل الإسلام ملاذ الأمة عند كل نازلة، وكان وسيظل دعاته هم القادة في كل الخطوب.
إن الشعب العراقي الذي تنفس نسيم الحرية من الحكم الاستبدادي والطغيان يرفض بكل شمم وإباء أن يخضع لاحتلال أجنبي أو نفوذ أمريكي، أو أن يسير في ركاب الهيمنة الصهيونية.
والأمة الإسلامية بكافة شعوبها لن تبخل عن تقديم الأنفس والأموال وكل الإمكانياتº لتحقيق أهداف الحرية والاستقلال والكرامة للشعب العراقي والشعب الفلسطيني الشقيقين، وكل شعوب الأمة العربية والإسلامية.
وكيف لا يكون المسلمون كذلك وهم الذين وضعوا نصب أعينهم هدفين كبيرين منذ فجر دعوتهم وهما:
1- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
2- أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة للناس.
واليوم أمام الشعب العراقي جهاد طويلº حتى تتحقق له آماله وطموحاته، وعلى العراقيين أن يتناسوا جراحهم ويوحدوا صفوفهم، ويقفوا يدًا واحدة ضد هذا الاحتلال الأمريكي البغيض ذي الهوى الصهيوني، ومن ثم نريد من العراقيين أن يكونوا جبهة وطنية واحدة هدفها الأساسي:
• طرد الاحتلال ومنع النفوذ الصهيوني في العراق.
• بناء عراق حر قوي مستقل موحدº عونًا لأمته العربية والإسلامية.
ودون شك فإن العراقيين سيسلكون كل سبل الجهاد المشروعة التي فرضها الله بكل صور وأشكال النضال والمقاومة، كلُُّ حسب طاقته ولا يكلف الله نفسًًا إلا وسعها، وأن يتدرجوا في جهادهمº حتى يصلوا إلى ذروة السنام حتى تتحقق لهم آمالهم، وكل المسلمين معهم وبجانبهم يدًا بيد وساعدًا بساعد، كما وقفوا ويقفون مع إخوانهم في فلسطين حتى يبلغوا غايتهم ويحققوا أهدافهم، (وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ* بöنَصْرö اللهö يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزöيزُ الرَّحöيمُ) (الروم:4،5)
إن الأمة اليوم مع شعب العراق في مواجهة خطر داهم يجعل الجهاد فرض عين على كل القوى السياسية، وجميع الحركات الشعبية، وعلى كافة النظم الحاكمة في كل البلاد العربية والإسلامية أن تدعم جهاد الشعب العراقي والفلسطيني، فقضيتهم واحدة.
وعلى النظم الحاكمة في ديار العرب والمسلمين أن تستوعب درس الكارثة العراقية، وأن تدرك حقيقة الأهداف الأمريكية - الصهيونية، فأمس العراق، واليوم سوريا، وغدًا: على من يكون الدور وتدور الكَرَّة؟!!
إننا أحوج ما نكون إلى تحرير الشعوب العربية والإسلامية من الاستبداد الذي شل حركتها وأفقدها حيويتها، نحن في حاجة إلى مصالحة وطنية وقومية شاملة بين كل القوى الحية في الأمة حتى نقف صفًا واحدًا ضد الهجمة الأمريكية الصهيونية على عقيدتنا وحضارتنا وهويتنا، هذه الهجمة التي تريد نهب ثرواتنا ومواردنا، وقد رأينا كيف فعل الأمريكان عندما دخلوا بغداد؟!
وكيف نهبت كنوز الحضارة أمام أعينهم وبرضاهم؟!! كي يُفقدوا الأمة ذاكرتها وتاريخها، وها هم اليوم يريدون تغيير مناهج التعليم وفرض نماذج وقيم 'متأمركة' كي تنشأ أجيال مبتورة الصلة بماضيها، فاقدة الروح في حاضرها، معدومة الأمل في مستقبلها.
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكöرöينَ) (الأنفال: من الآية30) (إöنَّهُمْ يَكöيدُونَ كَيْداً، وَأَكöيدُ كَيْدًا)(الطارق:15-16)
إن الأمة التي أنجبت حركات التحرير، وطردت جيوش الاحتلال البريطاني والفرنسي، وتصدت للغزو الصهيوني، وأنجبت وقدمت مليونًا ونصف المليون شهيد في الجزائر، هي أمة لن تموت، ولن تركع، فالله غايتها، والرسول إمامها وزعيمها، وتتمثل في كل آنٍ قول ربها سبحانه: (إöنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مöنَ الْمُؤْمöنöينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بöأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهö حَقّاً فöي التَّوْرَاةö وَالْأöنْجöيلö وَالْقُرْآنö وَمَنْ أَوْفي بöعَهْدöهö مöنَ اللَّهö فَاسْتَبْشöرُوا بöبَيْعöكُمُ الَّذöي بَايَعْتُمْ بöهö وَذَلöكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظöيمُ)(التوبة:111).