من الشائعات التي تناقلها الشارع السعودي قبل سنوات، أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت قد زارت المملكة ، دون أن يذهب ولي العهد لاستقبالها، وتشاغل عنها بالصيد في البراري ، غير أنها لحقت به حيث استقبلها في خيمته ، وخلال الزيارة قال إنه (راح يسولف لها سالفة الراعي والذيب) .. وفحواها ، أن ذئباً قد تسلط على قطيع غنم ، فلا يكاد يمر يوم دون أن يفترس منها ، فنصحه بعض من حوله باستجلاب عدد من الكلاب لحماية القطيع وما عليه إلا أن يقدم لها المئونة اللازمة ... وبالفعل ( يتابع ولي العهد ) ، فقد استجاب لرأيهم ، لكن الراعي لاحظ أن هذه الكلاب- التي لا تأكل إلا اللحم- أصبحت تكلفه أكثر مما كان يكلفه الذئب.
تقول القصة : بأن ولي العهد قد نظر إلى الوزيرة الأمريكية نظرة ذات مغزى ... وأنها ابتلعت ريقها وقفلت راجعة .
هذا ما سمعته من زميل لي كان يعمل قبل سنوات مدرساً في العربية السعودية ، وقد روى القصة على أنها حقيقة واقعة ، كان يتناقلها الشارع السعودي في تلك الفترة .
والذي أرجحه شخصياً ، من واقع خبرتي وقراءاتي المتواضعة في الشائعات والأدب الشعبي، أن هذه القصة ليست أكثر من أسطورة معاصرة من قبيل التفكير بالتمني ( wishful thinking) ، والذي هو أقرب إلى أحلام اليقظة ... تتضمن رؤية وتحليل الجماهير للواقع ، وما تتمناه من القيادة .
فهذه الجماهير ترى بأن الفاتورة التي تدفعها من ميزانيتها وكرامتها للأمريكان ، أكبر وأخطر بكثير مما يشكله التهديد العراقي ، فضلاً عن أن العراق قد فعل ما فعل بإغراء واستدراج أمريكيين .
إن هذه الإشاعة تتمنى أن تقف القيادة موقفا مشرفا عزيزا تصرخ فيه بوجه الأمريكان أنكم كلاب لم تأتوا لحمايتنا ، كما تزعمون ، وإنما جئتم لنهب خيراتنا وإذلالنا ، وقد آن أن تغربوا عن وجوهنا.
والملاحظ أن الجماهير في هذه الشائعة تتمنى على القيادة الحالية ، أن تفعل ما فعله الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز ، عندما تحدى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر قائلا له : هل ترى هذه الأشجار، وأشار إلى نخلات أمامه ، لقد عاش آبائي وأجدادي مئات السنين على ثمارها ونحن مستعدون أن نعود للخيام ونعيش مثلهم ونستغني عن البترول ، ولم يقبل بالتنازل والخضوع .
واضح أن الجماهير تريد من يرفض الذل ويستعذب الشهادة، لأن الحياة توهب لمن يطلبون الموت ، أما الذين امتلأت قلوبهم بالوهن إيثاراً للدنيا وخوفاً من الموت ... فهم الذين يسحقون تحت الأقدام .. لأن ضريبة الذل أكبر بكثير من ضريبة العزة.