" إنا والله لا نوليعلى هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه"
ميلود النويني الرباط المغرب
بعد هذا الذي شهدته البلاد العربية من أمر الله مالك الملك سبحانه ، الذي أعز أناسا و أذل آخرين، و الذي آت الملك أناسا و نزعه من آخرين، و الذي أمات أ أناسا و أحيا آخرين، فسبحانه من قائل و قوله الحق :
((" قُلö اللَّهُمَّ مَالöكَ الْمُلْكö تُؤْتöي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزöعُ الْمُلْكَ مöمَّن تَشَاء وَتُعöزُّ مَن تَشَاء وَتُذöلُّ مَن تَشَاء بöيَدöكَ الْخَيْرُ إöنَّكَ عَلَىَ كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ (26(تُولöجُ اللَّيْلَ فöي الْنَّهَارö وَتُولöجُ النَّهَارَ فöي اللَّيْلö وَتُخْرöجُ الْحَيَّ مöنَ الْمَيّöتö وَتُخْرöجُ الَمَيَّتَ مöنَ الْحَيّö وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بöغَيْرö حöسَابٍ (27( سورة آل عمران.))
بعد هذا الذي عايناه، ها نحن نتابع فصلا آخر مع هؤلاء الذين قضى الله أن يتصدروا المشهد و يتبوءوا المنصة و هم الذين أوذوا من قبل فأهلك الله ظالميهم بقدرته، التي يغفل عنها كثير من الخلق، و هو بعد هذا الفضل ناظر سبحانه كيف يعملون:
(( قَالَ مُوسَى لöقَوْمöهö اسْتَعöينُوا بöاللّهö وَاصْبöرُواْ إöنَّ الأَرْضَ لöلّهö يُورöثُهَا مَن يَشَاء مöنْ عöبَادöهö وَالْعَاقöبَةُ لöلْمُتَّقöينَ (128(قَالُواْ أُوذöينَا مöن قَبْلö أَن تَأْتöينَا وَمöن بَعْدö مَا جöئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلöكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلöفَكُمْ فöي الأَرْضö فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129( سورة الأعراف ))
و كما أنه سبحانه قدير فإنه جل جلاله عليم، و هو جل جلاله حكيم لا يعجل لعجلتنا سبحانه من لطيف بعباده :
(( وَلَوْ يُعَجّöلُ اللّهُ لöلنَّاسö الشَّرَّ اسْتöعْجَالَهُم بöالْخَيْرö لَقُضöيَ إöلَيْهöمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذöينَ لاَ يَرْجُونَ لöقَاءنَا فöي طُغْيَانöهöمْ يَعْمَهُونَ (11(وَإöذَا مَسَّ الإöنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لöجَنبöهö أَوْ قَاعöدًا أَوْ قَآئöمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إöلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلöكَ زُيّöنَ لöلْمُسْرöفöينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (12(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مöن قَبْلöكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بöالْبَيّöنَاتö وَمَا كَانُواْ لöيُؤْمöنُواْ كَذَلöكَ نَجْزöي الْقَوْمَ الْمُجْرöمöينَ (13( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئöفَ فöي الأَرْضö مöن بَعْدöهöم لöنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14( سورة يونس ))
شاء الحق سبحانه أن يمنّ على المستضعفين و يبوء هم الصدارة و يمكِّن لهم :
(( وَنُرöيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الْأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ (5(وَنُمَكّöنَ لَهُمْ فöي الْأَرْضö وَنُرöي فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مöنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6( سورة القصص))
وتبدأ محن أخرى فيبدأ معها تمييز الخبيث من الطيب:
(( مَّا كَانَ اللّهُ لöيَذَرَ الْمُؤْمöنöينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهö حَتَّىَ يَمöيزَ الْخَبöيثَ مöنَ الطَّيّöبö وَمَا كَانَ اللّهُ لöيُطْلöعَكُمْ عَلَى الْغَيْبö وَلَكöنَّ اللّهَ يَجْتَبöي مöن رُّسُلöهö مَن يَشَاء فَآمöنُواْ بöاللّهö وَرُسُلöهö وَإöن تُؤْمöنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرñ عَظöيمñ (179( سورة آل عمران))
هذا الذي أذن فيه الله و قدّره من يزعم أنه أوجف عليه من خيل أو ركاب ؟
(( مَا قَطَعْتُم مّöن لّöينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائöمَةً عَلَى أُصُولöهَا فَبöإöذْنö اللَّهö وَلöيُخْزöيَ الْفَاسöقöينَ (5(وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولöهö مöنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهö مöنْ خَيْلٍ وَلَا رöكَابٍ وَلَكöنَّ اللَّهَ يُسَلّöطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ (6( سورة الحشر))
فإن كان الأمر كذلك ففيما القول استعملوني، استعملوني و أمّروني أمّروني؟
ثم من يملك أن ينازع يوسف عليه الصلاة و السلام و هو نبي مسدد فينطق مثلمقالته :
(( قَالَ اجْعَلْنöي عَلَى خَزَآئöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ (55( سورة يوسف))
ثم من يملك أن يقنعنا بأن طلب الولاية و المناصب لا حرج فيه و لا مانع يحول دونه خصوصا إذا علم المرء من نفسه قدرة و جدارة لذلك ؟ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
و السلوك المطلوب في مثل هذه المواقف من أي مسلم هو أن يهرع لكتاب الله عز و جل و حديث الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم يستفتيهما فيما يعرض له من القضايا ففيهما التبيين لكل شيء [((وَيَوْمَنَبْعَثُ فöي كُلّö أُمَّةٍ شَهöيدًا عَلَيْهöم مّöنْ أَنفُسöهöمْ وَجöئْنَا بöكَ شَهöيدًا عَلَى هَِؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكöتَابَ تöبْيَانًا لّöكُلّö شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لöلْمُسْلöمöينَ (89()) سورة النحل ]
I. حين تأبى السموات و الأرض و الجبال حمل الأمانة :
هل يمكن لمسلم و هو يفكر في أمر الولاية و المناصب أن لا يذكر هذا المشهد الرهيب الذي يعرضه القرآن الكريم ، لهذه السماوات السبع التي تسبح فيها ملايين الكواكب و ملايين النجوم و التي لا يعلم مدى سعتها إلا الله ، و لهذه الأرضين السبع ذات الأوتاد ثم هي بعد ذلك ممهدة، و لهذه الجبال الراسيات التي جعلت للأرض أوتادا، هذه المخلوقات العظيمة سماوات و أرض و جبال تعرض عليها الأمانة فتأبى حملها لا عصيانا و تمردا و لكن إشفاقا و رهبة و استعظاما للمسؤولية .
ثم انظر هذا الإنسان كم هو حجمه أمام السماوات و أمام الأرض و أمام الجبال يسارع في تحملها ألا ما أظلمه ألا ما أجهله.
(( يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدöيدًا (70(يُصْلöحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفöرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطöعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظöيمًا (71(إöنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَالْجöبَالö فَأَبَيْنَ أَن يَحْمöلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مöنْهَا وَحَمَلَهَا الْإöنسَانُ إöنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72( )) سورة الأحزاب ]
وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، فمن يا ترى يزعم أنه قادر على أن يأخذها بحقها و يؤدي الذي عليه فيها، من، من ؟
II. يوسف عليه السلام و خزائن الأرض:
كثيرا ما يُستشهد بنبي الله يوسف و هو يعلن أمام الملك (( قَالَ اجْعَلْنöي عَلَى خَزَآئöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ (55( سورة يوسف)) لتبرير إمكانية ترشيح المرء نفسه للمسؤوليات، و العجيب في هذا الاستشهاد أنه ينزع الآية من سياقها و من جوها الذي وردت فيه كما أنه ينسى أو يتناسى صاحب المقالة و من يكون.
لنسترجعأجواء هذا الموقف و مراحله جميعها :
ثانيا: بعد أن أدرك الملك ووقف على علم يوسف عليه السلام وهو يفكك ألغاز الرؤيا العجيبة التي شغلته و لم يجد لها تفسيرا عند ملإه، أطلق أمرهليأتوه بهذا الذي استطاع تفسير الرؤيافقال((ائْتُونöي بöهö ))من غير زيادة و لا تبيان لما يريد منه.
وفي المقابل لم يهرول يوسف عليه السلام عند تلقيه هذا الأمر وهو الذي رُمي في السجن بضع سنين لذنب لم يقترفه، بل رد الرسول للملك طالبا التحقيق فيما نُسب له وسُجن بسببه (( فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجöعْ إöلَى رَبّöكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّöسْوَةö اللاَّتöي قَطَّعْنَ أَيْدöيَهُنَّ إöنَّ رَبّöي بöكَيْدöهöنَّ عَلöيمñ ))، و كذلك كان،فظهر الحق و زهق ما كانوا يزعمون، وبانت للجميع براءة يوسف عليه السلام.
ثالثا: فلما عرف الملك ببراءة يوسف عليه السلام فإنه لم يكتف بقوله (( ائتوني به)) وإنما جاء قوله مغايرا لقوله في المرة الأولى، قال الملك ((ائْتُونöي بöهö أَسْتَخْلöصْهُ لöنَفْسöي)) فهذه المرة صرح بأنه يريده من خاصته المقربين، لأنه علم من نبل يوسف عليه السلام و من عفته و خلقه الرفيع ما يبهر و يبعث على الاطمئنان ،هذا قبل أن يلتقيه و يكلمه.
رابعا: أما حين التقاه ونظر إليه و كلّمه(( فَلَمَّا كَلَّمَهُ))فقد انكشفت له الصورة بكل تفاصيلها عندها أعلن(( قَالَ إöنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مöكöينñ أَمöينñ )) .
فيوسف عليه السلام إذن قبل أن يقول مقالته ((اجْعَلْنöي عَلَى خَزَآئöنö الأَرْضö)):
· من غير أن يشترط ليفسر رؤيا الملك اطلاق سراحه بل أدى ما عنده من علم دون انتظار مقابل و ذاك خلق الكرام الذين لا تحركهم دواعي الانتقام بل قلوبهم مُلئت رحمة و علما
· ومن دون أن يهرول حين دعي من الملك و يسرع في الخروج من السجن، وهو الذي لبث فيه سنين، وذاك عنوان الثبات و الأناة و ذاك صنيع أصحاب الرسالات
· و لما استخلصه الملك لنفسه و جعله لديه مكين أمين حينها فقط عرضخدمته فيمايتقنهو فيما علم من حاجة الناس لخبراته من خلال تفسيره رؤيا الملك((اجْعَلْنöي عَلَى خَزَآئöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ ))و ذاك منتهى الصدق و الأمانة.
يمكننا الآنأن نعودللمشهد كما ورد بجملته في كتاب الله عز وجل ،و نعيد قراءته في ضوء ما أشرنا إليه من لطائف خفية، قال عز و جل :
[((وَقَالَ الْمَلöكُ ائْتُونöي بöهö فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجöعْ إöلَى رَبّöكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّöسْوَةö اللاَّتöي قَطَّعْنَ أَيْدöيَهُنَّ إöنَّ رَبّöي بöكَيْدöهöنَّ عَلöيمñ (50(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إöذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسöهö قُلْنَ حَاشَ لöلّهö مَا عَلöمْنَا عَلَيْهö مöن سُوءٍ قَالَتö امْرَأَةُ الْعَزöيزö الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسöهö وَإöنَّهُ لَمöنَ الصَّادöقöينَ (51(ذَلöكَ لöيَعْلَمَ أَنّöي لَمْ أَخُنْهُ بöالْغَيْبö وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدöي كَيْدَ الْخَائöنöينَ (52(وَمَا أُبَرّöىءُ نَفْسöي إöنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةñ بöالسُّوءö إöلاَّ مَا رَحöمَ رَبّöيَ إöنَّ رَبّöي غَفُورñ رَّحöيمñ (53(وَقَالَ الْمَلöكُ ائْتُونöي بöهö أَسْتَخْلöصْهُ لöنَفْسöي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إöنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مöكöينñ أَمöينñ (54( قَالَ اجْعَلْنöي عَلَى خَزَآئöنö الأَرْضö إöنّöي حَفöيظñ عَلöيمñ (55(سورة يوسف ]
و بعد هذا السرد للوقائع يأتي التعقيب القرآني و كالعادة ليضع المشهد كله في إطاره الإيماني:
[ (( وَكَذَلöكَ مَكَّنّöا لöيُوسُفَ فöي الأَرْضö يَتَبَوَّأُ مöنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصöيبُ بöرَحْمَتöنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضöيعُ أَجْرَ الْمُحْسöنöينَ (56( وَلَأَجْرُ الآخöرَةö خَيْرñ لّöلَّذöينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (57( )) سورة يوسف]
هو تمكين نعم، لكن من الله صاحب الأمر أوّلöه و آخöره، سبحانه يصيب برحمته من يشاء و لا يضيع أجر المحسنين.
من يجرؤ بعد هذا كله أن ينطق مقالة يوسف عليه السلام ؟
من يزعم أن له مثل موقف يوسف عليه السلام و هو يتعرض لمثل ما كابد من فتنة النساء؟
ومن يزعم أن له مثل موقف يوسف عليه السلام من الأناة و الثبات و هو في السجن؟
و من يزعم أن له موقف مثل يوسف عليه السلام و هو يؤدي علمه لمن سجنوه غاضا الطرف عن كل انتقام؟
III. هدي النبي صلى الله عليه و سلم في التولية:
بعد أن التمسنا الهدي القرآني في الموضوع لابد من إتمام النظر فيه من خلال ما ورد من هدي سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فلنتأمل ما ورد في سنته العطرة.
· ما أحببت الإمارة إلا يومئذ:
كلمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه و لكن متى؟ و لماذا؟
[ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن القاري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرةأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه قال عمر بن الخطاب ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس قال قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. رواه مسلم]
قالها رضي الله عنه رجاء أن ينال هذا الوسام و الاعتراف النبوي (( رجلا يحب الله و رسوله )) من أجل ذلك تساور لها لكن و أسفاه أعطيت الراية لغيره علي رضي الله عنه.
و تأمل من لطائف هذا الحديث أن عمر رضي الله عنه اعتبر حمل الراية في الحرب إمارة ثم انظر هذا الذي أُعطيها كيف كان حبه لله و رسوله: فقد أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن لا يلتفت حتى يفتح الله عليه ثم ها هو يسير شيئا ثم يقف من غير أن يلتفت ليسأل الرسول صلى الله عليه و سلم على ما يقاتل الناس. ثم خلف من بعدهم خلف .....
ستحرصون على الإمارة :
هكذا أخبر نبينا محمد عليه الصلاة و السلام، و حصل :
[ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة. وقال محمد بن بشار حدثنا عبد الله بن حمران حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة قوله. رواه الإمام البخاري]
فالحرص و التشوف للإمارة كائن وحاصل فكيف عالجه صلى الله عليه و سلم؟لقد سُئل النبي صلى الله عليه و سلم من عدد من الصحابة أن يستعملهم و يولٍّيهم، فلم يستجب لأحد ممن سأله هذا الأمر غير أن رده اختلف باختلاف السائل، فلنستعرض معالجاته صلى الله عليه و سلم فيما يأتي:
· سترون بعدي أثرة:
فحينما كان السائل واحد من الأنصار رضي الله عنهم نبّهه عليه السلام أن الأثرة و القرابة و غيرها ستكون من دوافع التعيين في المناصب أما هو فحاشاه، إذ استعماله للناس لا يكون إلا بالعدل ومن غير محاباة، ثم أمر الأنصار بالصبر حتى يلقونه على الحوض [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس بن مالك عن أسيد بن حضير رضي الله عنهم أن رجلا من الأنصار قال يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانا قال ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. الإمام البخاري]
· إنك ضعيف وأنها أمانة:
و لما سأله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه لöم لا يستعمله فنبّهه عليه السلام أنه ضعيف و أن الإمارة أمانة و هي يوم القيامة خزي و ندامة
[حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي شعيب بن الليث حدثني الليث بن سعد حدثني يزيد بن أبي حبيب عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. رواه الإمام مسلم] ، ثم ما هذا الضعف الذي يمنع هذا الصحابي الجليل من الإمارة :((" وقال القرطبي معنى إني أراك ضعيفا عن القيام بما يتعين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية وذلك لأن الغالب عليه كان الاحتقار بالدنيا وبأموالها الذين بمراعاتهما ينتظم مصالح الدين ويتم الأمر وقد كان أفرط في الزهد في الدنيا حتى انتهى به الحال إلى أن يفتى بتحريم الجمع للمال وإن أخرجت زكاته وكان يرى أنه الكنز الذي وبخ الله تعالى عليه في القرآن فلذلك نهاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإمارة وولاية مال الأيتام وأما من قوي على الإمارة وعدل فيها فإنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله .")) شرح سنن النسائي للسندي
ليس هذا فحسب بل إنه صلى الله عليه و سلم أوصى أبا ذر بأن لا يتأمّر عل اثنين و أن لا يتولى مل يتيم : [ (( حدثنا زهير بن حرب وإسحق بن إبراهيم كلاهما عن المقرئ قال زهير حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر القرشي عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم.)) رواه الإمام مسلم]
و مما يمكن إيراده في هذا الباب من حالات الضعف التي تمنع صاحبها من التقدم للإمارة:
- ما نقرأه في صحيح مسلم :[ (( حدثني زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي عن ابن شهاب عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال من استعملت على أهل الوادي فقال ابن أبزى قال ومن ابن أبزى قال مولى من موالينا قال فاستخلفت عليهم مولى قال إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض. قال عمر أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين. وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبو بكر بن إسحق قالا أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن واثلة الليثي أن نافع بن عبد الحارث الخزاعي لقي عمر بن الخطاب بعسفان بمثل حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري)) . صحيح الإمام مسلم ]
فهذا الحديث يشير كيف أن عمر رضي الله عنه اعترض على توليت مولى على أهل الوادي،فربما رأى عمر رضي الله عنه في وضعية بن أبزي كونه مولى ضعفا .)
- و ما نقرأه أيضا في كتاب الطبقات مما يمكن الاستشهاد به أيضا حالة الصحابي الجليل البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شجاعا في الحرب له نكاية، قال أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا محمد بن عمرو عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من الهلك يقدم بهم، قال أخبرنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن سلمة قال وزعم ثابت عن أنس بن مالك قال دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى ويرنم قوسه فقلت إلى متى هذا فقال يا أنس أتراني أموت على فراشي موتا والله لقد قتلت بضعة وتسعين سوى من شاركت فيه يعني من المشركين...)) كتاب الطبقات
فانظر كيف رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شجاعة البراء بن مالك المفرطة مدعاة لتجنيبه القيادة.
· إنا و الله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله(...):
أما حينما دخل عليه صلى الله عليه و سلم أبو موسى الأشعري و معه رجلين من قومه ليفاجئا أبا موسى بسؤالهما النبي أن يوليهما فقد كان جوابه عليه السلام حاسما بل إنه أقسم صلى الله عليه وسلم ليس هذا فحسب بل نجده صلى الله عليه و سلم كما في رواية أخرى ((فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت))
[ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه.)) رواه الإمام مسلم]
ثم انظر كيف كان حاله مع أبي موسى الأشعري الذي بعثه واليا باليمن وأتبعه معاد بن جبل قاضيا رضي الله عنهما،
[حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن قرة بن خالد حدثني حميد بن هلال حدثنا أبو بردة عن أبي موسى قال أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك فكلاهما سأل فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس قال قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم اتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال انزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديا فأسلم ثم تهود قال اجلس قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل ثم تذاكرا قيام الليل فقال أحدهما أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي. رواه الإمام البخاري] .
صلى الله على المربي العظيم، ألا ترى فيما يتذاكر هذان الأميران؟ ألا ترى علمهما بالأحكام و فقههما في العبادات (( وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي)).
· إن أخونكم عندي من يطلبه :
و في رواية أخرى وردت بمسند الإمام أحمد رحمه الله نقرأ تعبيرات أشد في حق من يطلب الإمارة، جاء في المسند : [ (( حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال قدم رجلان معي من قومي قال فأتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخطبا وتكلما فجعلا يعرضان بالعمل فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم أو رئي في وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخونكم عندي من يطلبه فعليكم بتقوى الله عز وجل قال فما استعان بهما على شيء.)) مسند الإمام أحمد ]
ليس ذاك فقط بل لم يستعن بهما على شيء و هما اللذان خطبا و تكلما و جعلا يعرّضان بالعمل.
· لا تسأل الإمارة :
و ها هو صلى الله عليه وسلم و من غير سؤال يبادر فيوصي الصحابي الجليل عبد الرحمان بن سمرة أن لا يسأل الإمارة مبينا له أن سائلها و الحريص عليها يوكل لها من غير عون، ففي رواية للبخاري قال: [ (( حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن الحسن قال حدثني عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير و كفر عن يمينك)) رواه الإمام البخاري ]
و في رواية أخرى عند الإمام أحمدقال : [ (( حدثنا أسود بن عامر وعفان قالا ثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير (قال أبي اتفق عفان وأسود في حديثهما فقال فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير وقال أبو الأشهب عن الحسن في هذا الحديث فبدأ بالكفارة حدثنا حسين حدثنا المبارك عن الحسن حدثنا عبد الرحمن بن سمرة القرشي ونحن بكابلقال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فذكر الحديث)) مسند الإمام أحمد أول مسند البصريين]
و سمرة بن عبد الرحمان هذا هو من افتتح سجستان وكابل واستعمله عبد الله بن عامر على سجستان ، و غزا خراسان ففتح بها فتوحا. و اقرأ عن سيرته في الجند فيما أثبته الإمام أحمد في مسنده:
[ (( حدثنا عفان حدثنا جرير بن حازم حدثنا يعلى بن حكيم عن أبي لبيد قال غزونا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل قال فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها فأمر عبد الرحمن بن سمرة مناديا ينادي فنادى فاجتمع الناس فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ من انتهب فليس منا"" ردوها فردوها فقسمها بينهم بالسوية.))مسند الإمام أحمد]
وعبد الرحمان بن سمرة هو أحد الرجلين من قريش من بني عبد شمس (عبدا لرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز) اللذين بعثهما معاوية رضي الله عنه للحسن بن علي رضي الله عنهما ليفاوضه وقد تقابل جيشا الفريقين فنجا الله المسلمين من الاقتتال و قرت أعين المؤمنين بتحقق بشراه و نبوءته بابنه الحسن رضي الله عليه، السيد الذي أصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين:
[ (( حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن أبي موسى قال سمعت الحسن يقول
استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبدا لرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه فقال الحسن ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
قال أبو عبد الله قال لي علي بن عبد الله إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. صحيح الإمام البخاري")) ].
· النبي صلى الله عليه و سلم يرد حتى من طلبها من أهله:
فهذا ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب يبعثا بابنيهما نوفل بن الحارث و الفضل بن العباس لرسول الله صلى الله عليه و سلم ليؤمّرهما على الصدقات، فكيف كان رده عليه السلام و هو يتلقى طلبهما؟
[ (( حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمّرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا مما يصيب الناس قال فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال علي بن أبي طالب لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك قال علي أرسلوهما فانطلقا واضطجع علي قال فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال أخرجا ما تصرران ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون قال فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه قال ثم قال إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب قال فجاءاه فقال لمحمية أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث أنكح هذا الغلام ابنتك لي فأنكحني وقال لمحمية أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا .)) رواه الإمام مسلم في صحيحه ]
كان علي رضي الله عنه و هو الذي تربّى في كنف النبي صلى الله عليه و سلم و نال شرفا زائدا بمصاهرته، يعرف موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر بل كان موقنا برفضه لذلك و نصحهما بألا يكلماه (( فقال علي بن أبي طالب لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل )). وهذه زينب رضي الله عنها تلمع عليهما من وراء الحجاب أن لا يكلماه مما تعلمه رضي الله عنها منه صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.
· فمن لك برسول الله حتى يضرب صدرك :
و هذا الصحابي عثمان بن أبي العاص و قد استعمله صلى الله عليه و سلم على الطائف فرأى من همومها و همز شيطانها ما استدعى منه الرحيل إلى نبيه عليه السلام يشكو له ما يجد : [ (( حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن حدثني أبي عن عثمان بن أبي العاص قال لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن أبي العاص قلت نعم يا رسول الله قال ما جاء بك قلت يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي قال ذاك الشيطان ادنه فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال اخرج عدو الله ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال ألحق بعملك . قال فقال عثمان فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.)) سنن بن ماجه]
و هنا لطيفة تسترعي الانتباه و هي قول هذا الصحابي الجليل ((جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي)) و هذا من حرصهم رضي الله عنهم على الصلاة و إدراكهم لقيمتها و خوفهم من تضييعها.
و بعد فإن الله عز وجل يحفظ دينه:
بدأنا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه و هو يتمنى الإمارة لأول مرة و هو الذي لم يحبب قبل ذلك و لا بعده و إنما أحبها مرة لمّا سمع الرسول صلى الله عليه و سلم يقول (( لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله يفتح الله عليه)) رجاء أن يكون ذلك الرجل الذي يحب الله و رسوله، فلما كان الغد دفعها صلى الله عليه و سلم لعلي بن أبي طالب.
و ننهي الحديث في هذا الموضوع به رضي الله عنه لما أُصيب وقالوا له استخلف فكان رده قال: ((أتحمل أمركم حيا وميتا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي ))
[ (( حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامةعن هشام بن عروةعن أبيه عن ابن عمرقال حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا جزاك الله خيرا فقال راغب وراهب قالوا استخلف فقال أتحمل أمركم حيا وميتا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر(وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف( )) صحيح مسلم] .
و تحدث الناس أن عمرا غير مستخلف فدخل عليه ابنه عبد الله رضي الله عنهما يسأله فيما يقوله الناس و كيف أنهم يزعمون أن رعاية الناس أشد من إنه لو كان له راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءه وتركها لرأى أن قد ضيع، غير أن جوابه رضي الله عنه كان مذهلا حين قال (( إن الله عز وجل يحفظ دينه)).
و هذه حقيقة كثيرا ما ينساها الناس و يحاولون إقناع أنفسهم و غيرهم بأن مبادراتهم لا تروم غير المحافظة على المشروع الإسلامي و كفى بها غاية لتبرير لتزكية النفس و التجرؤ في طلب المسؤوليات إذ من لها إن أمسك الصالحون؟
هكذا ينسون الله، و هكذا ينسون أن حفظ الدين و حفظ المشروع الإسلامي يكون بالإتباع و الامتثال لأحكامه، و عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مثل هذا الموقف العصيب لم ينس أن الله عز و جل يحفظ دينه فأعلن أنه متبع لرسول الله صلى الله عنه وسلم و كذلك صنع من قبله أبو بكر فقاتل المرتدين متبعا لرسول الله صلى الله عنه وسلم، و بعث بجيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما متبعا لرسول الله صلى الله عنه و سلم، فكان الخير فيما صنع و حفظ الله دينه.
[ ((حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم عن ابن عمر قال دخلت على حفصة فقالت أعلمت أن أباك غير مستخلف قال قلت ما كان ليفعل قالت إنه فاعل قال فحلفت أني أكلمه في ذلك فسكت حتى غدوت ولم أكلمه قال فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره قال ثم قلت له إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك زعموا أنك غير مستخلف وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد قال فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال إن الله عز وجل يحفظ دينه (وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف قال فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وأنه غير مستخلف( )) صحيح مسلم ].
إذن : [ (( " نحن لا نقبل من أحد أن يرشح لنا نفسه، ويطالب بحقه في أن يتولى كذا أو كذا، ليس عندنا شيء من هذا، وإنما نحن الذين نرشح الإخوان والأخوات في كل موقع وفي كل مناسبة وفي كل مستوى من المستويات ،هم الذين يرشحون، أساس هذا هو هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث التي تجعل أن من يطالب ويرشح نفسه ويقدم نفسه ويؤهل نفسه بنفسه لتولي المسؤوليات أو المناصب أو الإمارة هذا شرعا لا ينبغي أن يولى سواء أعلن عن ذلك، أي طالب أو ظهر منه بشكل واضح جلي الحرص على ذلك بأساليب متعددة، فإذن لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، أي طالب وقدم نفسه لهذا العمل صراحة كما هو شأن هذين الرجلين أو ظهر منه الحرص، ولو بوسائل ملتوية ولكنها في النهاية تؤدي إلى نتيجة واضحة: وهي الحرص على الإمارة والحرص على المسؤولية والحرص على المناصب."))29 (07(2002 الدكتور أحمد الريسوني.]
ميلود النويني الرباط المغرب
الثلاثاء 18 جمادى الأولى 1433