من القضايا التي تؤرق الآباء اليوم تربية الأبناء، فكم من أب أوأم تعب بحثا عن منهج سليم يربي به أولاده، فتراه ينتقل من قناة لأخرى جريا وراء البرامج المختصة في الموضوع، وقد يقرأ كتابات في علوم التربية، ويحادث من يعرف بهذا الخصوص يعرض عليه مشاكله مع أبناءه التي تضنيه وتقلق راحته، ويجرب هذه الطريقة وتلك ويضع في المحك هذه النظرية وتلك، وكثيرا ما تظهر التجربة أن هذه الآراء لا تفي بالغرض، فيزداد التوتر وتكبر الحيرة ويلح السؤال ما العمل وما المخرج؟
وعجبي للمسلم كيف يوقع نفسه في هذه الورطة ويدخلها في دوامة هذه الحيرة، وهويقرأ كتاب ربه يخاطبه سبحانه قائلا:(("إöنَّ هَِذَا الْقُرْآنَ يöهْدöي لöلَّتöي هöيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّöرُ الْمُؤْمöنöينَ الَّذöينَ يَعْمَلُونَ الصَّالöحَاتö أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبöيرًا (95).")) .
وعجبي للمسلم يقول بعد قراءة هذه الآية، نعم القرآن يهدي للتي هي أقوم ولكن ليس هناك تفاصيل وتوضيحات لمشكلتي أنا، مع علمه أن هذا القرآن أيضا جاء ونزل تبيانا لكل شيء نعم لكل شيء : (("وَيَوْمَ نَبْعَثُ فöي كُلّö أُمَّةٍ شَهöيدًا عَلَيْهöم مّöنْ أَنفُسöهöمْ وَجöئْنَا بöكَ شَهöيدًا عَلَى هَِؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكöتَابَ تöبْيَانًا لّöكُلّö شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لöلْمُسْلöمöينَ (89)"))
وهي حقيقة أدركها سلف هذه الأمة، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (أُنزل في القرآن كل علم، وكل شيء قد بيّن لنا في القرآن)، وهذا الإمام الجليل الشافعي رحمه الله تعالى يقول: (ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها). وقال بمكة مرّة رحمه الله تعالى: (سلوني عمّا شئتم أخبرْكم عنه من كتاب الله).
فما بال المتأخرين من هذه الأمة، إلا من رحم ربك، نسوا هذه البديهية من الدين؟
يجيبنا المفكر الإسلامي وحيد الدين خان في كتيبه الثمين " نحوتدوين جديد للعلوم الإسلامية" حيث يقول: (( إن القرآن هوالمصدر الذي يحتوي على كل العلوم الأساسية للدين والمطلوب (تبئين) هذه الأمور الأساسية لتبسيط فهمها لعامة الناس. وكانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا واضحا لهذا التبئين. ولكن تبئين القرآن وتفصيله تحول في العصور المتأخرة من أسلوب بسيط إلى أسلوب فني. وكانت النتيجة أن ظهر إلى الوجود دين جديد معقد مواز بدلا من الدين المحمدي البسيط الفطري...))
علينا إذن أن نجدد العلاقة مع كتاب الله عز وجل، فنجعله مرجعنا الأول والأساس في كل أمورنا، ويترتب على هذا القول تلقائيا أن سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تابعة لهذا المرجع لأنها التطبيق العملي في أعلى مستويات السمووالكمال لكلام الله عز وجل، فليس أحد أعدل ولا أخشى لله ولا أعرف بالله من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. هذه قاعدة جوهرية وأساسية علينا أن ندركها جيدا ونستوعبها.
وتظهر الحاجة اليوم إلى بدل الجهد في ربط المسلمين من جديد بكتاب الله عز وجل وذلك بتعليمهم آداب التعامل مع كلام الله وتمكينهم من أدوات التدبر والفهم السليم لآيات الذكر الحكيم.
وهذه المحاولة التي نسعى من خلالها اكتشاف أسس تربية الأولاد في القرآن الكريم، هي لبنة صغيرة في هذا الاتجاه.
إن المتدبر في كتاب الله عز وجل يجد من الجواهر والنفائس في هذا الباب ما ينير العقل والقلب، فالرحلة في ثنايا الآيات الكريمة توضح الرؤيا وتنير البصيرة، فتسكن النفس ويطمئن القلب.
وأدعوك أخي القارئ مرافقتي في هذه الرحلة المباركة بين دفتي الكتاب المبين نتلمس هذه الأسس في تربية الأولاد وذلك عبر محطات متدرجة تفضي كل واحدة لأختها.
ولا تنتظر أيها القارئ الكريم أن نحدثك بطريقة: إذا قال لك ولدك كذا فقل له كذا أوإذا فعل كذا فتصرف هكذا، وإذا كانت المشكلة كذا فحلها كذا، لا يا سيدي لا تنتظر ذلك من هذه السطور، ومع ذلك لا تنصرف عن القراءة لأن ذلك سيتيح لك بإذن الله النظر من زاوية مغايرة لما يعترضك أوقد يعترضك من صعوبات في تربية أولادك.
دعني في البداية أوضح أن المقصود بكلمة أسس، فهي جمع أساس، وأساس الشيء : ((" هوأصله ومبتدأه، والأُسُّ والأَساس: أَصل البناء والأَصْلُ: أَسفل كل شيء" )) ، إذن نحن نبحث في مرتكزات وأصول التربية التي تقوم عليها، لأنه لا يتصور أن يكون هناك بناء من غير أصل ولا أساس ولا أن يكون علومن غير أسفل.
ما نبحث عنه إذن هوتلك الأرضية التي يبدأ منها ويقف عليها كل مسلم نعم كل مسلم وهويربي أولاده، وهذه الأرضية هي مشتركة بين كل المسلمين رغم تنوعهم واختلافهم فهي الخيط الرفيع الذي يوحدهم. إن القرآن الكريم لا يهدف أن يصوغ الناس في قالب واحد وصورة واحدة ونمط واحد، فإن ترك سبحانه وتعالى الحرية لبني البشر ولم يقهرهم على دين واحد ((" ولوشاء الله لجعل الناس أمِة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، ...)) ، أفلا يتصور الاختلاف والتنوع بين عباده المؤمنين بدينه الذي ارتضاه عز وجل لهم ؟
بلى ولكنه في نفس الوقت يرشدهم للأساس والأرضية السليمة التي تكون المنطلق للجميع، وهذا ما يشكل الوحدة لدى المسلمين رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم وأعرافهم. وكأنك أمام مجرة من الكواكب المنيرة تسبح في تناغم عجيب من غير تصادم ولا تنافر لأن المقصد واحد.
I. الهدف العام :
((" ومَا خَلَقْتُ الجöنَّ والإöنْسَ إلاَّ لöيَعْبُدونö(56) مَا أُرöيدُ مöنْهُم مöنْ رöزْقöööٍ ومَا أُريدُ أن يطعمون(57) إن الله وهوالرزاق ذوالقوة المتين(58).")) سورة الذاريات
إن القرآن الكريم يذكرنا بالهدف الذي من أجله خلق الله عز وجل الجن والإنس، إنها العبادة، فهوسبحانه غني عن الخلق كلهم لا يريد منهم رزقا، فهوتعالى الرزاق.
هذا الهدف ينبغي أن يكون واضحا ثابتا في سويداء قلب كل مسلم، والمربي المسلم هوأولى الناس بأن يتمثل هذا الهدف فيصوغ حياته كلها انطلاقا منه.
العبادة، عبادة الله عز وجل، إذن هي هدف التربية وغايتها ابتداءً وانتهاءً.
وقد رتب سبحانه وتعالى على القيام بهذه المهمة جزاءا، جنة أونارا، ويوم الجزاء يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، بل يود أحدهم لويفتدي ب بنيه وصاحبته وأخيه بل من في الأرض ثم ينجيه، واقرأ إن شئت قوله تعالى:
((" فَإöذَا جَاءتö الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفöرُّ الْمَرْءُ مöنْ أَخöيهö (34)وَأُمّöهö وَأَبöيهö (35) وَصَاحöبَتöهö وَبَنöيهö (36) لöكُلّö امْرöئٍ مّöنْهُمْ يَوْمَئöذٍ شَأْنñ يُغْنöيهö (37)")) سورة عبس
(("يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرöمُ لَويَفْتَدöي مöنْ عَذَابö يَوْمöئöذٍ بöبَنöيهö (11) وَصَاحöبَتöهö وَأَخöيهö (12) وَفَصöيلَتöهö الَّتöي تُؤْويهö (13) وَمَن فöي الْأَرْضö جَمöيعًا ثُمَّ يُنجöيهö (14) ")) سورة المعارج
والرحلة أيها المسلم قصيرة مهما بدت لك طويلة، ولتدرك قصر المسافة لك في النبات عبرة، الذي تتكرر دورة حياته أمامك فترى الماء يلج الأرض فتنشقق فيخرج منها النبات ليخضر ثم ليصفر فيكون حطاما، كذلك هي حياتنا، ويبقى العمل الصالح والولد الصالح يدعولك، وخير من كلامي هذا اقرأ قول رب العزة سبحانه وتعالى يقول:
((" وَاضْرöبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةö الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مöنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بöهö نَبَاتُ الْأَرْضö فَأَصْبَحَ هَشöيمًا تَذْرُوهُ الرّöيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّö شَيْءٍ مُّقْتَدöرًا(45)الْمَالُ وَالْبَنُونَ زöينَةُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَالْبَاقöيَاتُ الصَّالöحَاتُ خَيْرñ عöندَ رَبّöكَ ثَوَابًا وَخَيْرñ أَمَلًا (46)وَيَوْمَ نُسَيّöرُ الْجöبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارöزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادöرْ مöنْهُمْ أَحَدًا (47)وَعُرöضُوا عَلَى رَبّöكَ صَفًّا لَّقَدْ جöئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعöدًا (48)")) سورة الكهف
قال بن كثير في تفسير هذه الآيات : (("وقوله : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " كقوله : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب الآية وقال تعالى : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم ولهذا قال " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . رواه الإمام أحمد حدثنا أبوعبد الله المقري حدثنا حيوة حدثنا أبوعقيل أنه سمع الحارت مولى عثمان رضي الله عنه يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال " من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات " قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . تفرد به وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ."))
واعلم أيها المسلم أن عبادتك لله لا تنقطع حتى بعد موتك وذلك بفضل ذرية صالحة تدعولك، واقرأ معي هذا الحديث الشريف يرويه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه قال : ((" حدثنا þ þيحيى بن أيوب þ þوقتيبة يعني ابن سعيد þ þوابن حجر þ þقالوا حدثنا þ þإسماعيل هوابن جعفر þ þعن þ þالعلاء þ þعن þ þأبيه þ þعن þ þأبي هريرة þ أن رسول الله þ þصلى الله عليه وسلم þ þقال þ þإذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أوعلم ينتفع به أوولد صالح يدعوله."))، لهذا يريد المسلم الذرية.
وليربح المسلم هذا الدعاء بعد أن يوارى التراب، دونه معاناة ومكابدة لكن هينة بإذن الله لما في ذلك من الأجر والتواب.
ولذلك دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه فقال ((" رَبّö هَبْ لöي مöنَ الصَّالöحöينَ (100) "))
ودعا نبي الله زكرياء عليه الصلاة والسلام ربه : (("هُنَالöكَ دَعَا زَكَرöيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّö هَبْ لöي مöن لَّدُنْكَ ذُرّöيَّةً طَيّöبَةً إöنَّكَ سَمöيعُ الدُّعَاء (38))).
II. ((" لöلَّهö مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö يَخْلُقُ مَا يَشَاء ...)) :
((" لöلَّهö مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لöمَنْ يَشَاء إöنَاثًا وَيَهَبُ لöمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49) أَويُزَوّöجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإöنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقöيمًا إöنَّهُ عَلöيمñ قَدöيرñ (50) ")) سورة الشورى .
سبحانه، الأمر كله له وبين يديه، لا معقب لحكمه فهوالحكيم الخبير، فأن تتزوج لا يعني أن يكون لك أولاد، لذا فلا ينبغي لك أيها المسلم أن يغيب عنك ولوللحظة، أن الأولاد الذين هم تحت يدك إنما هم منحة ربانية لا فضل لك ولا يد لك فيها، وإلا فانظر حولك، فهذان الزوجان ينتظران منذ مدة ولم يرزقا بعد بالولد، أتراك خيرا منهم، لا.
ثم أنت لك الذكور والإناث، وهؤلاء ليس لهم غير الأولاد ويتمنون بنتا لكن حرموها،
وهؤلاء ليس لهم غير البنات وينتظرون ولدا واحدا ولكن لم يرزقوه،
وهذا الذي أخبر أنه عقيم تراه كيف حاله؟
وانظر وتأمل معي يرحمك الله حياة صفوة الخلق، أنبياء الله عليهم أفضل الصلوات وأزكى السلام: (("قال إسحاق : نزلت في الأنبياء , ثم عمت . " يهب لمن يشاء إناثا " يعني لوطا عليه السلام , لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان . " ويهب لمن يشاء الذكور " يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور . " أويزوجهم ذكرانا وإناثا " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولد له أربعة بنين وأربع بنات . " ويجعل من يشاء عقيما " يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام ;"))
فسبحان الذي خلق آدم عليه الصلاة والسلام من تراب دون أب أوأم،
(( "وَإöذْ قَالَ رَبُّكَ لöلْمَلاَئöكَةö إöنّöي خَالöقñ بَشَرًا مّöن صَلْصَالٍ مّöنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28)")) سورة الحجر
وسبحان الذي خلق حواء من آدم عليه الصلاة والسلام دون أنثى،
((" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذöي خَلَقَكُم مّöن نَّفْسٍ وَاحöدَةٍ وَخَلَقَ مöنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مöنْهُمَا رöجَالاً كَثöيرًا وَنöسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذöي تَسَاءلُونَ بöهö وَالأَرْحَامَ إöنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقöيبًا (1)")) سورة النساء
وسبحان الذي خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى دون ذكر،
((" قَالَتْ رَبّö أَنَّى يَكُونُ لöي وَلَدñ وَلَمْ يَمْسَسْنöي بَشَرñ قَالَ كَذَلöكö اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إöذَا قَضَى أَمْرًا فَإöنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلّöمُهُ الْكöتَابَ وَالْحöكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإöنجöيلَ (48)")) سورة آل عمران
وسبحانه خلق باقي البشر من ذكر وأنثى ثم هم ينتشرون،
((" َاللَّهُ خَلَقَكُم مّöن تُرَابٍ ثُمَّ مöن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمöلُ مöنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إöلَّا بöعöلْمöهö وَمَا يُعَمَّرُ مöن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مöنْ عُمُرöهö إöلَّا فöي كöتَابٍ إöنَّ ذَلöكَ عَلَى اللَّهö يَسöيرñ (11)")) سورة فاطر
سبحانه إنه عليم قدير، سبحانه لا اعتراض على حكمه فهوالعدل سبحانه، ((" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"))
من هذا التسليم الجميل لأمر الله تعالى تبدأ حكايتك مع أولادك.
III. ((" فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفöيفًا..."))
وتبدأ الرحلة ويجمع الله بين اثنين، فيأذن الله تعالى بالحمل فيبتهجا وينتظرا هذا القادم السعيد، وتتحرك الأماني من جديد منهم من يرغب في الذكر ومنهم من يود أن يكون المولود أنثى.
وأنت أيها القارئ الكريم هل سجدت لله شكرا بعد سماع الخبر السعيد؟
نعم هل سجدت له سبحانه فهوالمعطي وهوالخالق الباري المصور، آه، لعل هذه فاتتك، إن فاتتك فقد حُرöمت موقفا من مواقف العبادة ولحظة من لحظات الأنس والقرب من الله الحميد.
هل رفعت يديك لله فقلت يا رب اختر لي فإنك تعلم ولا أعلم هل قلت يا رب رضني بما وهبت لي لا اعتراض على ما اخترت ؟.
إن لم تفعل فقد حُرöمت ساعة من ساعات المناجاة بين يدي الحنان المنان.
أم تراك وقعت فيما تحدثت عنه هذه الآيات الكريمات قال عز من قائل :((" هُوالَّذöي خَلَقَكُم مّöن نَّفْسٍ وَاحöدَةٍ وَجَعَلَ مöنْهَا زَوْجَهَا لöيَسْكُنَ إöلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفöيفًا فَمَرَّتْ بöهö فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئöنْ آتَيْتَنَا صَالöحاً لَّنَكُونَنَّ مöنَ الشَّاكöرöينَ (189)فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالöحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فöيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرöكُونَ (190)أَيُشْرöكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطöيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192) ")). سورة آل عمران
واحسرتاه على العباد، ينسون حرارة الدعاء، فيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون،
واحسرتاه ما أسرع ما نسوا ما عاهدوا الله عليه (( لَئöنْ آتَيْتَنَا صَالöحاً لَّنَكُونَنَّ مöنَ الشَّاكöرöينَ)).
وتأمل معي يرحمك الله كيف أن الشارع أرشدنا بإعلان التوحيد في أذن المولود بالأذان والإقامة، وهي لحظة كثيرا ما نغفل عن أهميتها بالنسبة للوالد ونظنُّها إنما جعلت للمولود فقط، والواقع أن الوالد أحوج لهذا الإعلان من المولود الذي يولد على الفطرة.
(("حدثنا þ þمسدد þ þحدثنا þ þيحيى þ þعن þ þسفيان þ þقال حدثني þ þعاصم بن عبيد الله þ þعن þ þعبيد الله بن أبي رافع þ þعن þ þأبيه þ þقال þرأيت رسول الله þ þصلى الله عليه وسلم þ þأذن في أذن þ þالحسن بن علي þ þحين ولدته þ þفاطمة þ þبالصلاة."))
((" (بالصلاة ) þ : أي بأذان الصلاة وهومتعلق بأذن والمعنى أذن بمثل أذان الصلاة وهذا يدل على سنية الأذان في أذن المولود . وفي شرح السنة روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يؤذن في اليمنى ويقيم في اليسرى إذا ولد الصبي كذا في المرقاة . قلت : قال الحافظ في التلخيص : لم أره عنه مسندا وقد روي مرفوعا أخرجه ابن السني من حديث الحسين بلفظ " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان وأم الصبيان هي التابعة من الجن ")).
IV. (("..قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلöيكُمْ نَارًا ..")):
وتبدأ المسؤولية، نعم هكذا يدرك المسلم ما ينتظره من أول يوم يضع بين يديه هذا المولود الجديد ويقبله، إنها أعطية من الله وتكليف، ألم يجعل صلى الله عليه وسلم الرجل في أهله راع مسئولا عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية مسئولة عن رعيتها، ففي حديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه حيث قال :((" حدثنا þ þقتيبة بن سعيد þ þحدثنا þ þليث þ þح þ þوحدثنا þ þمحمد بن رمح þ þحدثنا þ þالليث þ þعن þ þنافع þ þعن þ þابن عمر عن النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þأنه قال þ þألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهومسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهومسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهومسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .")).
وإنها لمسؤولية وأية مسؤولية، إننا نتسلم هذه الهبة على الفطرة وعلينا حفظها ورعايتها، إنك ولا شك تحفظ حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يخبرنا فيه أن كل مولود يولد على الفطرة، في كتابه الصحيح قال الإمام مسلم رحمه الله : (( "حدثنا þ þحاجب بن الوليد þ þحدثنا þ þمحمد بن حرب þ þعن þ þالزبيدي þ þعن þ þالزهري þ þأخبرني þ þسعيد بن المسيب þ þعن þ þأبي هريرة þ þأنه كان يقول قال رسول الله þ þصلى الله عليه وسلم þ þما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما þ þتنتج þ þالبهيمة بهيمة þ þجمعاء þ þهل تحسون فيها من þ þجدعاء ثم þ þيقول þ þأبوهريرة þ þواقرءوا إن شئتم þ(( فطرة الله التي þ þفطر þ þالناس عليها لا تبديل لخلق الله))")).
إننا نعبد الله في هذه الدنيا وإنا ملاقوه يوم القيامة لتجزى كل نفس بما كسبت، فإما جنة ونعيم مقيم وإلا نار وعذاب أليم، لذلك على المسلم أن يعلم أن هذا المولود الذي يحتضنه ويرفرف قلبه بحبه مطلوب منه أن يجنبه الهلاك ويقيه نارا وأي نار وقودها الناس والحجارة، أفمن الحب أن يرمي بفلذة من كبده في النار؟
واقرأ معي عافاني الله وإياك هذا المشهد الرهيب لتعلم خطورة الموقف :
((" يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلöيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحöجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائöكَةñ غöلَاظñ شöدَادñ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرون(6)")) سورة التحريم
وجاء في تفسير هذه الآية :
(( " قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " يقول أدبوهم وعلموهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " قوا أنفسكم وأهليكم نارا" يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار . وقال مجاهد " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله وقال قتادة تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها وهكذا قال الضحاك ومقاتل حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه .))
((" القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { قوا أنفسكم } يقول : علموا بعضكم بعضا ما تقون به من تعلمونه النار , وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله , واعملوا بطاعة الله . وقوله : { وأهليكم نارا } يقول : وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار . وبنحوالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 26693 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن رجل , عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } قال : علموهم , وأدبوهم . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان , عن منصور , عن رجل , عن علي { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول : أدبوهم , علموهم * -حدثني الحسين بن يزيد الطحان , قال : ثنا سعيد بن خثيم , عن محمد بن خالد الضبي , عن الحكم , عن علي بمثله . 26694 - حدثني علي , قال : ثنا أبوصالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول : اعملوا بطاعة الله , واتقوا معاصي الله , ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار . 26695 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبوعاصم , قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث , قال : ثنا الحسن , قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال : اتقوا الله , وأوصوا أهليكم بتقوى الله. 26696 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة { قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } قال : قال يقيهم أن يأمرهم بطاعة الله , وينهاهم عن معصيته , وأن يقوم عليه بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه , فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها , وزجرتهم عنها . * -حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن ثور , عن معمر , عن قتادة , في قوله { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال : مروهم بطاعة الله , وانهوهم عن معصيته. ))
V. (("وَاعْلَمُواْ (..)"))
إن هذه المسؤولية تقتضي اليقظة والاستعانة الدائمة بالله عز وجل، فلا تنسينك الفرحة أنك في دار ابتلاء، وكما أن الأولاد قد يكونوا لك مطية للجنة فقد يشغلونك عنها فتهلك، وعليه فاعلم يرحمني وإياك الله:
أ. أنهم فتنة :
نعم فتنة، فحبهم قد يدفعك أن تعصي ربك وتفرط في دينك وتخون الله ورسوله كما حصل مع الصحابي الجليل أبي لبابة رضي الله عنه، لما طلبه بنوقريظة ليستشيروه فيما عرضه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن عياله وماله كانوا عندهم أشار، مجرد إشارة، بيده إلى حلقه بالذبح إن هم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تمت الإشارة لهذا في: * تفسير الجلالين :((" ونزل في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر وقد بعثه صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه فاستشاروه فأشار إليهم أنه الذبح لأن عياله وماله فيهم "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول و" لا "تخونوا أماناتكم" ما ائتمنتم عليه من الدين وغيره)).
*وفي التفسير الوجيز للواحدي : (("يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بترك فرائضه { والرسول } بترك سنته { وتخونوا } أي : ولا تخونوا { أماناتكم } وهي كل ما ائتمن الله عليها العباد وكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه { وأنتم تعلمون } أنها أمانة من غير شبهة وقيل : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا له : ما ترى لنا ؟ أننزل على حكم سعد فينا ؟ فأشار أبولبابة إلى حلقة أنه الذبح فلا تفعلوا وكانت منه خيانة لله ورسوله")).
*وفي تفسير البيضاوي :((" يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } بتعطيل الفرائض والسنن أوبأن تضمروا خلاف ما تظهرون ن أوبالغلول في المغانم وروي : [ أنه حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بين النضير على سعد بن معاذ فأبوا وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار إلى حلقه أنه الذبح "))
((" واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنهم سبب الوقوع في الإثم أوالعقاب أومحنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة { وأن الله عنده أجر عظيم } لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه")).
نعم قد يحملك حب أبنائك أن تعصى الله فتسرق وتنهب وتتعامل بالربا كل ذلك قد تستبيحه بدعوى أنك تريد إطعام وكسوة بنيك وتنسى أن الرزق بيد الله وما عليك إلا أن تجمل في الطلب، وأنت إن فعلت ذلك علم من فعلك الأولاد جواز وشرعية ما تقوم به من بغي وتعد لحرمات الله، ثم مهما وعظت بعدها فأنّا يسمعوا لك وقد شاهدوا فعلك يناقض مقالك، وعليه اسمع لهذا النداء الحق واعمل به : ((" يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتöكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فöتْنَةñ وَأَنَّ اللّهَ عöندَهُ أَجْرñ عَظöيمñ (28)يöا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفّöرْ عَنكُمْ سَيّöئَاتöكُمْ وَيَغْفöرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُوالْفَضْلö الْعَظöيمö (29)" )) سورة الأنفال
قال الإمام بن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات : (("وقوله " واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة " أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أوتشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " وقال " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " الآية وقوله " وأن الله عنده أجر عظيم " أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد فإنه قد يوجد منهم عدووأكثرهم لا يغني عنك شيئا والله سبحانه هوالمتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة . وفي الأثر يقول الله تعالى " يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء " وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " . بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين " . "))
ب. أن منهم عدو:
نعم عدووكذلك قال ربنا عز وجل : ((" يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöنَّ مöنْ أَزْوَاجöكُمْ وَأَوْلَادöكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإöن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفöرُوا فَإöنَّ اللَّهَ غَفُورñ رَّحöيمñ (14)إöنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فöتْنَةñ وَاللَّهُ عöندَهُ أَجْرñ عَظöيمñ (15)فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطöيعُوا وَأَنفöقُوا خَيْرًا لّöأَنفُسöكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسöهö فَأُوْلَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ (16)إöن تُقْرöضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعöفْهُ لَكُمْ وَيَغْفöرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورñ حَلöيمñ (17)عَالöمُ الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ (18)" )) سورة التغابن
جاء في تفسير بن كثير بخصوص هذه الآيات : (("يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد إن منهم من هوعدوالزوج والولد بمعنى أنه يلتهى به عن العمل الصالح كقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " ولهذا قال تعالى هاهنا " فاحذروهم" قال ابن زيد يعني على دينكم وقال مجاهد " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " قال يحمل الرجل على قطيعة الرحم أومعصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف الصيدلاني حدثنا الفريابي حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " قال فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم " وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن الفريابي وهومحمد بن يوسف به وقال حسن صحيح ورواه ابن جرير والطبراني من حديث إسرائيل به وروى من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه وهكذا قال عكرمة مولاه سواء ."))
نعم قد يفوتك ويفوت أبناءك معك أيضا خير كثير، واعلم أنه بصلاحك وتقواك يفوز أبناءك ، فلا ينسينك حب الأولاد ذكر الله ، وإلا كنت من الخاسرين.
ت. أنهم قد يلهون عن ذكر الله
إنهم يراقبونك، إنهم ينظرون لك، إن أفعالك أمامهم أهم وأوقع في قلوبهم وعقولهم من أقوالك، إنك وأنت تشاهد التلفاز ثم تسمع صوت الآذان فتهرول للمسجد تعلمهم أن أهم أمرهم الصلاة، أما إذا واصلت المشاهدة ونسيت ذكر الله فلا تلومنّهم بعدها إن صنعوا ما صنعت وتراجعت الصلاة في سلم أولوياتهم، وذلك لعمري حصاد مخالفة أمر الله حيث يقول: ((" يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا لَا تُلْهöكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذöكْرö اللَّهö وَمَن يَفْعَلْ ذَلöكَ فَأُوْلَئöكَ هُمُ الْخَاسöرُونَ (9)وَأَنفöقُوا مöن مَّا رَزَقْنَاكُم مّöن قَبْلö أَن يَأْتöيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبّö لَوْلَا أَخَّرْتَنöي إöلَى أَجَلٍ قَرöيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّöنَ الصَّالöحöينَ (10)وَلَن يُؤَخّöرَ اللَّهُ نَفْسًا إöذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ (11)" )) سورة المنافقون
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: (("القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { لا تلهكم أموالكم } يقول : لا توجب لكم أموالكم { ولا أولادكم } اللهو{ عن ذكر الله } وهومن ألهيته عن كذا وكذا , فلها هويلهولهوا ; ومنه قول امرئ القيس : ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول وقيل : عني بذكر الله جل ثناؤه في هذا الموضع : الصلوات الخمس . ذكر من قال ذلك : 26483 -حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن أبي سنان , عن ثابت , عن الضحاك { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } قال : الصلوات الخمس . "))
وانظر صنيع نبيك محمد عليه الصلاة والسلام فيما يرويه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه قال : ((" حدثنا þ þآدم þ þقال حدثنا þ þشعبة þ þقال حدثنا þ þالحكم þ þعن þ þإبراهيم þ þعن þ þالأسود þ þقال سألت þ þعائشة ما كان النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þيصنع في بيته قالت كان þ þيكون في مهنة أهله þ þتعني خدمة أهله þ þفإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. "))
ث. ثم إنهم لا يقربونك عند الله زلفا إلا إذا :
وإن أنت نسيت ذكر الله، وارتكبت من أجلهم الموبقات أتظن أنهم مغنون عنك من الله شيئا، أوأنهم مقربوك لله، إنما هي أعمالك الصالحة، وإن كان الأمر كذلك ففيما الغرور بكثرة المال والولد؟
(("وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بöمُعَذَّبöينَ (35)قُلْ إöنَّ رَبّöي يَبْسُطُ الرّöزْقَ لöمَن يَشَاء وَيَقْدöرُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لَا يَعْلَمُونَ (36)وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بöالَّتöي تُقَرّöبُكُمْ عöندَنَا زُلْفَى إöلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمöلَ صَالöحًا فَأُوْلَئöكَ لَهُمْ جَزَاء الضّöعْفö بöمَا عَمöلُوا وَهُمْ فöي الْغُرُفَاتö آمöنُونَ (37) ")) سورة سبأ
جاء في تفسير هذه الآيات عند بن كثير رحمه الله: (("قال تعالى : " وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى " أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم . قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا كثير حدثنا جعفر حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به . ولهذا قال الله تعالى : " إلا من آمن وعمل صالحا " أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح" فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا " أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وهم في الغرفات آمنون " أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها " فقال أعرابي لمن هي ؟ قال صلى الله عليه وسلم " لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام " . "))
ج. إنهم لن ينفعوك يوم القيامة :
ويوم القيامة، لا أرحام ولا أولاد، إنما هوالعمل، نعم العمل الصالح هوالذي يجمع الأب مع بنيه في رضوان الله.
((" يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا لَا تَتَّخöذُوا عَدُوّöي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلöيَاء تُلْقُونَ إöلَيْهöم بöالْمَوَدَّةö وَقَدْ كَفَرُوا بöمَا جَاءكُم مّöنَ الْحَقّö يُخْرöجُونَ الرَّسُولَ وَإöيَّاكُمْ أَن تُؤْمöنُوا بöاللَّهö رَبّöكُمْ إöن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جöهَادًا فöي سَبöيلöي وَابْتöغَاء مَرْضَاتöي تُسöرُّونَ إöلَيْهöم بöالْمَوَدَّةö وَأَنَا أَعْلَمُ بöمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مöنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبöيلö (1)إöن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إöلَيْكُمْ أَيْدöيَهُمْ وَأَلْسöنَتَهُم بöالسُّوءö وَوَدُّوا لَوتَكْفُرُونَ (2)لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقöيَامَةö يَفْصöلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بöمَا تَعْمَلُونَ بَصöيرñ (3)قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةñ حَسَنَةñ فöي إöبْرَاهöيمَ وَالَّذöينَ مَعَهُ إöذْ قَالُوا لöقَوْمöهöمْ إöنَّا بُرَاء مöنكُمْ وَمöمَّا تَعْبُدُونَ مöن دُونö اللَّهö كَفَرْنَا بöكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمöنُوا بöاللَّهö وَحْدَهُ إöلَّا قَوْلَ إöبْرَاهöيمَ لöأَبöيهö لَأَسْتَغْفöرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلöكُ لَكَ مöنَ اللَّهö مöن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإöلَيْكَ أَنَبْنَا وَإöلَيْكَ الْمَصöيرُ (4)" )) سورة الممتحنة
قال بن كثير رحمه الله: (("وقوله تعالى" لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير " أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءا ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولوكان قريبا إلى نبي من الأنبياء . قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي ؟ قال " في النار" فلما قفى دعاه فقال " إن أبي وأباك في النار" ورواه مسلم وأبوداود من حديث حماد بن سلمة به . "))
إذا علمت واستوعبت أيها المسلم هذا كله، تكون قد صححت علاقتك بأولادك ووضعتهم في مكانتهم السوية منك، عندها أحبهم كما تريد ولاعبهم كما يحلولك وأكرمهم بما فتح الله عليك من حلال طيب، تصنع كل ذلك وغايتك أن يكونوا رفقاءك في الجنة، وعندها سترى من أمرك معهم وأمرهم معك عجبا.
سيكون غضبك منهم إن كذبوا أوتهاونوا في الصلاة، وستكون فرحتك بهم إن صدقوا ولزموا طاعة الله، فالمصيبة في الدين غدت عندك أشد وأعظم من نقطة الصفر في مادة من مواد دراستهم.
وسيدرك الأولاد هذا منك، وسيعلم الله صدق توجهك وحاشاه أن يخذلك فيهم، وسترى من كرمه تعالى ما تقر به العين ويطيب به القلب.
VI. ((" وَإöذْ قَالَ لُقْمَانُ لöابْنöهö وَهُويَعöظُهُ ..."))
علمنا أن الأولاد مسؤولية وهم نعمة تكليف وليسوا مادة للتباهي والتفاخر، يبقى علينا أن نعرف مضمون الرسالة التي علينا نقلها لأولادنا، أوبمعنى ثان ما هي مضامين التربية المطلوب منا تنشئتهم عليها ؟ هل سأسأل عن ابني الذي لم يصبح طبيبا أومهندسا ؟ أم سوف أسال عن ابني الذي لم يصبح مؤمنا صالحا مصلحا ؟
أسئلة غريبة أليس كذلك ؟ ولكن تمهل أيها الأب تمهلي أيتها الأم ولا تعجلا واصبرا حتى نقرأ هذه الآيات الكريمة والتي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى مضمون التربية التي ينبغي علينا أن نربي عليها أولادنا، وسوف نلاحظ أننا تخلينا في كثير من الأحيان على رسالتنا الجوهرية وانشغلنا بأمور ليست من مسؤولياتنا ولا من اختصاصنا.
فمن مسؤوليتنا ومن واجبنا تجاه أولادنا :
أ. تربيتهم على التوحيد :
((" وَإöذْ قَالَ لُقْمَانُ لöابْنöهö وَهُويَعöظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرöكْ بöاللَّهö إöنَّ الشّöرْكَ لَظُلْمñ عَظöيمñ (13) ")) .
(("يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده وهولقمان بن عنقاء بن سدون واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر وأنه آتاه الحكمة وهويوصي ولده الذي هوأشفق الناس عليه وأحبهم إليه فهوحقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ثم قال محذرا له " إن الشرك لظلم عظيم " أي هوأعظم الظلم قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله " إنه ليس بذلك ألا تسمع لقول لقمان : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " ورواه مسلم من حديث الأعمش به ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين كما قال تعالى " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا أياه وبالوالدين إحسانا " وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن ."))
واقرأ معي يرحمك الله هذا الحديث النبوي الجميل، وتأمل معي كيف كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يغرس في قلوب النشئ توحيد الباري عز وجل، وكيف كان ينبههم ويعلمهم أن حفظ الله للعبد إنما يستحقه من حفظ حدوده سبحانه :
(("حدثنا þ þأحمد بن محمد بن موسى þ þأخبرنا þ þعبد الله بن المبارك þ þأخبرنا þ þليث بن سعد þ þوابن لهيعة þ þعن þ þقيس بن الحجاج þ þقال þ þح þ þوحدثنا þ þعبد الله بن عبد الرحمن þ þأخبرنا þ þأبوالوليد þ þحدثنا þ þليث بن سعد þ þحدثني þ þقيس بن الحجاج þ þالمعنى واحد þ þعن þ þحنش الصنعاني þ þعن þ þابن عباس þ þقال: كنت خلف رسول الله þ þصلى الله عليه وسلم þ þيوما فقال يا غلام þ þإني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولواجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك þ þرفعت الأقلام þ þوجفت الصحف".))
(("حدثنا þ þعبد الله بن يزيد þ þحدثنا þ þكهمس بن الحسن þ þعن þ þالحجاج بن الفرافصة þ þقال þ þأبوعبد الرحمن þ þهوþ þعبد الله بن يزيد þ þوأنا قد رأيته في طريق فسلم علي وأنا صبي þ þرفعه إلى þ þابن عباس þ þأوأسنده إلى þ þابن عباس þ þقال وحدثني þ þهمام بن يحيى أبوعبد الله þ þصاحب þ þالبصري þ þأسنده إلى þ þابن عباس þ þوحدثني þ þعبد الله بن لهيعة þ þونافع بن يزيد þ þالمصريان þ þعن þ þقيس بن الحجاج þ þعن þ þحنش الصنعاني þ þعن þ þابن عباس þ þولا أحفظ حديث بعضهم عن بعض þ þأنه قال كنت þ þرديف þ þالنبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þفقال يا غلام þ þأويا þ þغليم þ þألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى فقال þ þاحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هوþ þكائن þ þفلوأن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب þ þوأن مع العسر يسرا. ))
ب. تربيتهم على البر بالوالدين :
((" وَوَصَّيْنَا الْإöنسَانَ بöوَالöدَيْهö حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفöصَالُهُ فöي عَامَيْنö أَنö اشْكُرْ لöي وَلöوَالöدَيْكَ إöلَيَّ الْمَصöيرُ (14)")).
((" وقال ههنا " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن " قال مجاهد مشقة وهن الولد وقال قتادة جهدا على جهد وقال عطاء الخراساني ضعفا على ضعف وقوله " وفصاله في عامين " أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين كما قال تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه قال في الآية الأخرى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه كما قال تعالى " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ولهذا قال " أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء"))
وتأمل معي يرحمك الله هذه اللفة العجيبة، الأب يوصي ابنه بالله حتى لا يشرك به والله يوصي ابن عبده أن يبر بوالديه، فأنت توصي بتوحيد الله والله يوصي ويأمر ببرك.
بل تأمل كرم المولى سبحانه يوصي بالمعروف حتى للمشركين من الآباء، واقرأ الآية الموالية لتعلم ذلك:
وَإöن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرöكَ بöي مَا لَيْسَ لَكَ بöهö عöلْمñ فَلَا تُطöعْهُمَا وَصَاحöبْهُمَا فöي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبöعْ سَبöيلَ مَنْ أَنَابَ إöلَيَّ ثُمَّ إöلَيَّ مَرْجöعُكُمْ فَأُنَبّöئُكُم بöمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
((" وقوله " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا أي محسنا إليهما " واتبع سبيل من أناب إلي " يعني المؤمنين " ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " قال الطبراني في كتاب العشرة حدثنا أبوعبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك قال أنزلت في هذه الآية " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" الآية قال كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه فقلت لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوما وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما آخر وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت يا أمه : تعلمين والله لوكانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فأكلت ."))
ت. تربيتهم على مراقبة الله :
((" َا بُنَيَّ إöنَّهَا إöن تَكُ مöثْقَالَ حَبَّةٍ مّöنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فöي صَخْرَةٍ أَوفöي السَّمَاوَاتö أَوفöي الْأَرْضö يَأْتö بöهَا اللَّهُ إöنَّ اللَّهَ لَطöيفñ خَبöيرñ (16)."))
((" هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس ويقتدوا بها فقال " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل " أي إن المظلمة أوالخطيئة لوكانت مثقال حبة خردل وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة وجوز على هذا رفع مثقال والأول أولى وقوله عز وجل " يأت بها الله " أي أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط وجازى عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قال تعالى " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " الآية وقال تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ولوكانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء أوغائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض فإن الله يأتي بها لأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . ولهذا قال تعالى " إن الله لطيف خبير" أي لطيف العلم فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت " خبير " بدبيب النمل في الليل البهيم وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله " فتكن في صخرة " أنها صخرة تحت الأرضين السبع وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة إن صح ذلك ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرووغيرهم وهذا والله أعلم كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لوكانت داخل صخرة فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه . كما قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لوأن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان " .))
هذه معاني جليلة ينبغي أن تزرع في قلوب الأطفال، ليستشعروا إحاطة الله بكل شيء فيراقبوا الله في أقوالهم وأفعالهم، فليس بمقدورك أيها الأب أيتها الأم أن تراقب ابنك في كل شاذة، هذا ضرب من المستحيل، ولكن لأن المعبود هوالله ينبغي ربط الطفل به سبحانه.
ويا ليث أهل الفنون يعنوننا في هذا الأمر بإبداعاتهم التي تبث هذه المعاني في الناشئة وتحببها لهم عن طريق نماذج من الأعمال الفنية الهادفة.
ث. تربيتهم على الصلاة والأمر بالمعروف:
((" يَا بُنَيَّ أَقöمö الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بöالْمَعْرُوفö وَانْهَ عَنö الْمُنكَرö وَاصْبöرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إöنَّ ذَلöكَ مöنْ عَزْمö الْأُمُورö (17)."))
((" القول في تأويل قوله تعالى : { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل لقمان لابنه { يا بني أقم الصلاة } بحدودها { وأمر بالمعروف } يقول : وأمر الناس بطاعة الله , وإتباع أمره { وانه عن المنكر } يقول : وانه الناس عن معاصي الله ومواقعة محارمه { واصبر على ما أصابك } يقول : واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالمعروف , ونهيتهم عن المنكر , ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم { إن ذلك من عزم الأمور } يقول : إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه . وبنحوما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 21411 - حدثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله : { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } قال : اصبر على ما أصابك من الأذى في ذلك { إن ذلك من عزم الأمور } قال : إن ذلك مما عزم الله عليه من الأمور , يقول : مما أمر الله به من الأمور ."))
من منا يحث أولاده على الصلاة ويتابعهم متابعة جادة وصارمة؟ وكيف يكون موقفنا إن تهاون أبنائنا في دراستهم، أ يكون في نفس الحدة أوأكثر منه أوأقل إن هم ضيعوا الصلاة ؟
ثم من منا يدفع ابنه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعلمه آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبصره بأدوات ذلك وفنونه؟
ج. تربيتهم على التواضع وخفض الجناح :
(("وَلَا تُصَعّöرْ خَدَّكَ لöلنَّاسö وَلَا تَمْشö فöي الْأَرْضö مَرَحًا إöنَّ اللَّهَ لَا يُحöبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)."))
((" وقوله " ولا تصعر خدك للناس " يقول لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أوكلموك احتقارا منك لهم واستكبارا عليهم ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم كما جاء في الحديث " ولوأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة والمخيلة لا يحبها الله " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله " ولا تصعر خدك للناس " يقول لا تتكبر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك وكذا روى العوفي وعكرمة عنه وقال مالك عن زيد بن أسلم " ولا تصعر خدك للناس " لا تتكلم وأنت معرض وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم وقال إبراهيم النخعي يعني بذلك التشديق في الكلام . والصواب القول الأول قال ابن جرير : وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أورءوسها حتى تفلت أعناقها عن رءوسها فشبه به الرجل المتكبر ومنه قول عمروبن حيي التغلبي : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما وقال أبوطالب في شعره : وكنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الرءوس نقيمها وقوله " ولا تمش في الأرض مرحا " . أي خيلاء متكبرا جبارا عنيدا لا تفعل ذلك يبغضك الله ولهذا قال" إن الله لا يحب كل مختال فخور " أي مختال معجب في نفسه فخور أي على غيره وقال تعالى " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه وقال الحافظ أبوالقاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال : ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه فقال " إن الله لا يحب كل مختال فخور " فقال رجل من القوم والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها ويعجبني شراك نعلي وعلاقة سوطي فقال " ليس ذلك الكبر إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس " ورواه من طريق أخرى بمثله وفيه قصة طويلة ومقتل ثابت ووصيته بعد موته ."))
وهل يرمي الناس في النار غير الكبر، ألم يكن الكبر أول ما عُصöي الله به، ثم هل يتعلم متكبر؟ إنك ترشد وتربي ابنك إذن إلى ما يبعده عن النار أولا وعن الجهل وعن الظلم ، وتربيه على حسن العشرة للخلق فيحترمهم ويحسن لهم، وتأمل معي يرحمك الله أي خدمة وأي خير تكون قد قدمت لمجتمعك بتخريجك مثل هذا الإنسان السمح المتواضع، وتصور معي يرحمك الله هذه الدعوات بالرحمة والتواب تصلك وابنك يمشي في الناس بمثل هذا الخلق.
ح. تربيتهم على القصد في المشي والكلام :
وَاقْصöدْ فöي مَشْيöكَ وَاغْضُضْ مöن صَوْتöكَ إöنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتö لَصَوْتُ الْحَمöيرö (19) "))
((" واقصد في مشيك " أي امش مشيا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلا وسطا بين بين . وقوله " واغضض من صوتك " أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ولهذا قال " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " وقال مجاهد وغير واحد إن أقبح الأصوات لصوت الحمير أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه ومع هذا هوبغيض إلى الله وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " وقال النسائي عند تفسير هذه الآية حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا " وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به وفي بعض الألفاظ بالليل فالله أعلم."))
وتأمل معي يرحمك الله جملة الأخلاق التي أوصى بها لقمان ابنه، تجدها أخلاق الإيجابية والفاعلية مع الذات ومع المحيط، فهي تشمل:
التوحيد لله الخالق، وهل يعرف الإنسان ذاته من غير معرفة مولاه،
والبر بالوالدين، وهل يعلومعدن المرء إن أنكر فضل والديه عليه،
والصلاة، وهل يقوى أحد على إتمام المسير بمعزل عن عون الله،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل تنجوسفينة المجتمع من غير الحث على الخير والوقوف في وجه الشر والفساد،
وترك الكبر والمفاخرة، وهل يتعلم متكبر مفاخر،
والقصد في المشي، وهل يقصد إلا من حدد وأدرك هدفه،
وخفض الصوت، وهل يقوى على ذلك إلا من قويت حجته ورسغ إيمانه بما يتلفظ به.
ثم قل لي بربك هل تطمع في خير من هذا الخلق ينشا عليه ابنك فيوردك المعالي في الدنيا والجنان في الآخرة. إذا أدركت هذا فلا تلتفت بعدها للمعوقات ولا تشغل بالك بما تكفل الله به لك وللخلق كلهم.
VII. ((" لاَ نَسْأَلُكَ رöزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ..."))
هذه هي الرسالة وهذا هومضمون التربية الذي ستسأل عنه غدا بين يدي ربك فانظر هل غرستها في قلب وعقل ولدك. واقرأ معي يرحمك الله هذا التوجيه الرباني لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم: ((" وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إöلَى مَا مَتَّعْنَا بöهö أَزْوَاجًا مّöنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةö الدُّنيَا لöنَفْتöنَهُمْ فöيهö وَرöزْقُ رَبّöكَ خَيْرñ وَأَبْقَى (131)وَأْمُرْ أَهْلَكَ بöالصَّلَاةö وَاصْطَبöرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رöزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقöبَةُ لöلتَّقْوَى (132) ")) سورة طه
(( يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم فإنما هوزهرة زائلة ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور وقال مجاهد أزواجا منهم يعني الأغنياء فقد آتاك خيرا مما آتاهم كما قال في الآية الأخرى " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك " وكذا ما ادخره الله تعالى لرسوله في الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف كما قال تعالى " ولسوف يعطيك ربك فترضى " ولهذا قال " ورزق ربك خير وأبقى " وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهم فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ واهية معلقة فابتدرت عينا عمر بالبكاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما يبكيك يا عمر ؟ " فقال يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه فقال " أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله ولم يدخر لنفسه شيئا لغد قال ابن أبي حاتم أنبأنا يونس أخبرني ابن وهب أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا " قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال " بركات الأرض " وقال قتادة والسدي : زهرة الحياة الدنيا يعني زينة الحياة الدنيا وقال قتادة " لنفتنهم فيه " لنبتليهم .))
(("وقوله " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها كما قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ وكان له ساعة من الليل يصلي فيها فربما لم يقم فنقول لا يقوم الليلة كما كان يقوم وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله وقال وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها وقوله لا نسألك رزقا نحن نرزقك يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " وقال تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني " إلى قوله " إن الله هوالرزاق ذوالقوة المتين " ولهذا قال " لا نسألك رزقا نحن نرزقك " وقال الثوري لا نسألك رزقا أي لا نكلفك الطلب وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبوسعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ " ولا تمدن عينيك - إلى قوله - نحن نرزقك " ثم يقول الصلاة الصلاة رحمكم الله وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطراني حدثنا سيار حدثنا جعفر عن ثابت قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله " يا أهلاه صلوا صلوا " قال ثابت وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله تعالى يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك " وروي أيضا من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة " وقوله " والعاقبة للتقوى " أي وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة لمن اتقى الله وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب " ."))
حدثنا þ þأحمد بن محمد بن موسى þ þأخبرنا þ þعبد الله بن المبارك þ þأخبرنا þ þليث بن سعد þ þوابن لهيعة þþعن þ þقيس بن الحجاج þ þقال þ þح þ þوحدثنا þ þعبد الله بن عبد الرحمن þ þأخبرنا þ þأبوالوليد þ þحدثنا þ þليث بن سعد þ þحدثني þ þقيس بن الحجاج þ þالمعنى واحد þ þعن þ þحنش الصنعاني þ þعن þ þابن عباس þ þقال: كنت خلف رسول الله þ þصلى الله عليه وسلم þ þيوما فقال يا غلام þ þإني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولواجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك þ þرفعت الأقلام þ þوجفت الصحف. رواه الإمام الترميذي
إذا وعيت هذا سهل عليك أن تدرك أنها ذرية بعضها من بعض، ((" إöنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إöبْرَاهöيمَ وَآلَ عöمْرَانَ عَلَى الْعَالَمöينَ (33)ذُرّöيَّةً بَعْضُهَا مöن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمöيعñ عَلöيمñ (34)
فهذا الرسول الكريم من ذاك الرسول الكريم عليهم صلوات الله وسلامه، كذلك كان إسماعيل صلى الله عليه وسلم: ((" وَاذْكُرْ فöي الْكöتَابö إöسْمَاعöيلَ إöنَّهُ كَانَ صَادöقَ الْوَعْدö وَكَانَ رَسُولًا نَّبöيًّا (54)وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بöالصَّلَاةö وَالزَّكَاةö وَكَانَ عöندَ رَبّöهö مَرْضöيًّا (55)" سورة مريم)) ، لقد كان ابنا بارا من الصابرين بإذن الله، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة.
وقل لي بربك هل يضيع الله من حفظ الله، أم يحفظه سبحانه جزاء حفظه حدود الله؟
VIII. ((" وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالöحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ ..."))
اقرأ معي يرحمك الله هذه الآيات الكريمة من سورة الكهف، واستحضر معي هذه الدروس والعبر التي تعلمها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام من ذلك العبد الصالح الذي أتاه الله رحمة وعلما قال تعالى : (" فَوَجَدَا عَبْدًا مّöنْ عöبَادöنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مöنْ عöندöنَا وَعَلَّمْنَاهُ مöن لَّدُنَّا عöلْمًا (65)قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبöعُكَ عَلَى أَن تُعَلّöمَنö مöمَّا عُلّöمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إöنَّكَ لَن تَسْتَطöيعَ مَعöيَ صَبْرًا )67)وَكَيْفَ تَصْبöرُ عَلَى مَا لَمْ تُحöطْ بöهö خُبْرًا (68)قَالَ سَتَجöدُنöي إöن شَاء اللَّهُ صَابöرًا وَلَا أَعْصöي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإöنö اتَّبَعْتَنöي فَلَا تَسْأَلْنöي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدöثَ لَكَ مöنْهُ ذöكْرًا (70)فَانطَلَقَا حَتَّى إöذَا رَكöبَا فöي السَّفöينَةö خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لöتُغْرöقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جöئْتَ شَيْئًا إöمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إöنَّكَ لَن تَسْتَطöيعَ مَعöيَ صَبْرًا (72)قَالَ لَا تُؤَاخöذْنöي بöمَا نَسöيتُ وَلَا تُرْهöقْنöي مöنْ أَمْرöي عُسْرًا (73)فَانطَلَقَا حَتَّى إöذَا لَقöيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكöيَّةً بöغَيْرö نَفْسٍ لَّقَدْ جöئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إöنَّكَ لَن تَسْتَطöيعَ مَعöي صَبْرًا (75) قَالَ إöن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحöبْنöي قَدْ بَلَغْتَ مöن لَّدُنّöي عُذْرًا (76)فَانطَلَقَا حَتَّى إöذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيّöفُوهُمَا فَوَجَدَا فöيهَا جöدَارًا يُرöيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوشöئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهö أَجْرًا (77)قَالَ هَذَا فöرَاقُ بَيْنöي وَبَيْنöكَ سَأُنَبّöئُكَ بöتَأْوöيلö مَا لَمْ تَسْتَطöع عَّلَيْهö صَبْرًا (78)أَمَّا السَّفöينَةُ فَكَانَتْ لöمَسَاكöينَ يَعْمَلُونَ فöي الْبَحْرö فَأَرَدتُّ أَنْ أَعöيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلöكñ يَأْخُذُ كُلَّ سَفöينَةٍ غَصْبًا (79)وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمöنَيْنö فَخَشöينَا أَن يُرْهöقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)فَأَرَدْنَا أَن يُبْدöلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مّöنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)وَأَمَّا الْجöدَارُ فَكَانَ لöغُلَامَيْنö يَتöيمَيْنö فöي الْمَدöينَةö وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزñ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالöحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرöجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّöن رَّبّöكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرöي ذَلöكَ تَأْوöيلُ مَا لَمْ تَسْطöع عَّلَيْهö صَبْرًا (82)")) سورة الكهف
أمَا وقد قرأت هذه الآيات الكريمة، فاعلم يرحمك الله هذه القاعدة الذهبية : إن أمورك كلها تجري بعلم الله، تحت سمعه وبصره سبحانه فهوالسميع البصير، وهي لذلك تجري بإذنه ووفق حكمته فهوالعلي الحكيم، وكثيرة هي الأمور التي تمر بنا ونعيشها ولا ندرك حكمتها ومعناه بل إن من هذه الأمور ما يكون صادما لعقولنا (أَخَرَقْتَهَا لöتُغْرöقَ أَهْلَهَا)، فلا تنس أن للكون ربا يدبره ولا يهمله. فما دورنا إذن نحن وكيف نؤثر في هذه الأحداث ؟ سؤال وجيه والجواب في غاية السهولة : فدورنا أن نعبد الله ولذلك خلقنا ونؤثر في الأحداث بالطاعة.
تأمل معي يرحمك الله هذين الأبوين المؤمنين كيف عصمهما الله بفضل إيمانها من طغيان وكفر ابنهما وأبدلهما ربهما خيرا منه وأرحم.
وتأمل معي يرحمك الله هذين اليتيمين في قرية بخيل أهلها أبوا أن يضيفوا موسى عليه الصلاة والسلام ومعلمه الرجل الصالح، ولتدرك بخل أهل هذه القرية انظر كيف ان موسى عليه السلام وهوالنبي طلب من الرجل الصالح ألا يقيم الجدار إلا بأجر، رغم أنه عليه الصلاة والسلام لم يصنع ذلك وهوفي أشد ما يكون للأجر حينما وجد امرأتين تذودان لا تسقيان حتى يسقى الناس فسقا لهما وتولى إلى الظل وسأل ربه ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير).
وقد أدركت الآن قسوة أهل هذه القرية وبخلهم أتأمن على ذريتك بينهم؟
فما هوالتأمين الذي ينفع في هذه الحالة؟ إنه صلاح أبيهما (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالöحًا)
وتأمل معي يهدني وإياك الله قوله تعالى (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرöجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّöن رَّبّöكَ) نعم أراد ربك ورحمة من ربك بينما في الحالتين الأوليين قال (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعöيبَهَا) (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدöلَهُمَا رَبُّهُمَا). اعلم إذن أن صلاحك وطاعتك لمولاك تنفع أولادك وتحميهم (لَا نَسْأَلُكَ رöزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقöبَةُ لöلتَّقْوَى) وانظر كيف أراد سبحانه بنفسه وبرحمته أن يحفظ كنز اليتيمين بصلاح أبيهما.
وتعال معي الآن، ننظر في هذا المثال السامق، للأب الأمة والأم المؤمنة بالله المستسلمة له وللإبن الصابر لحكم الله البار بوالديه
IX. ((سَلَامñ عَلَى إöبْرَاهöيمَ ))
نعم سلام على ابراهيم، وهل اختبر في طاعة الله أحد، كما اختبر ابراهيم عليه الصلاة والسلام ؟
إنه خليل الرحمان، وهل نال هذه الخلة إلا بالتسليم المطلق لله، حتى لم يعد في القلب من شاغل عن الله، فجاء ربه بقلب سليم.
فانظر كيف سعى للهداية عند الهادي ((" وَقَالَ إöنّöي ذَاهöبñ إöلَى رَبّöي سَيَهْدöينö (99)
وانظر كيف سأل الذرية من الوهاب : رَبّö هَبْ لöي مöنَ الصَّالöحöينَ (100)
وانظر كرم الله واستجابته لعبده : فَبَشَّرْنَاهُ بöغُلَامٍ حَلöيمٍ (101)
ثم انظر عظم هذا الابتلاء وهل يقوى عليه أحد : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إöنّöي أَرَى فöي الْمَنَامö أَنّöي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى
وتأمل جميل الاستجابة من الابن : قَالَ يَا أَبَتö افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجöدُنöي إöن شَاء اللَّهُ مöنَ الصَّابöرöينَ
وانظر هذا الخضوع وهذا الاستسلام لأمر الله (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لöلْجَبöينö (103)
وانظر إلى رحمة الله وكرم الله : وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إöبْرَاهöيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إöنَّا كَذَلöكَ نَجْزöي الْمُحْسöنöينَ (105)إöنَّ هَذَا لَهُوالْبَلَاء الْمُبöينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بöذöبْحٍ عَظöيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهö فöي الْآخöرöينَ (108)سَلَامñ عَلَى إöبْرَاهöيمَ (109) كَذَلöكَ نَجْزöي الْمُحْسöنöينَ (110)إöنَّهُ مöنْ عöبَادöنَا الْمُؤْمöنöينَ (111)" )) سورة ص
اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، آمين.
ولكن هل تمت الحكاية، فمن وراء هذا الابن المؤمن البار؟ الم يتركه أبوه بواد غير ذي زرع ؟ فمن كفله ورباه على هذا الاستسلام لله؟ من هنا نبدأ الحكاية .
إن هذا الموقف الإيماني لهذا الإبن البار كان نتيجة لتربية إيمانية تلقاها الوليد من أمه المؤمنة، فمعلوم أن ابراهيم عليه الصلاة والسلام ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام وكان يتعهد هما بالزيارة بين فترات طوال، ولنقرأ القصة كما أوردها الإمام البخاري رحمه الله بباب أحاديث الأنبياء.
X. ((" فقالت له أالله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا..."))
قال الإمام البخاري رحمه الله : (( وحدثني þ þعبد الله بن محمد þ þحدثنا þ þعبد الرزاق þ þأخبرنا þ þمعمر þ þعن þ þأيوب السختياني þ þوكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة þ þيزيد أحدهما على الآخر þ þعن þ þسعيد بن جبير þ þقال þ þابن عباس أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل þ þأم إسماعيل þ þاتخذت منطقا þ þلتعفي þ þأثرها على þ þسارة þ þثم جاء بها þ þإبراهيم þ þوبابنها þ þإسماعيل þ þوهي ترضعه حتى وضعهما عند þ þالبيت þ þعند دوحة فوق þ þزمزم þ þفي أعلى المسجد وليس þ þبمكة þ þيومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم þ þقفى þ þإبراهيم þ þمنطلقا فتبعته þ þأم إسماعيل þ þفقالت يا þ þإبراهيم þ þأين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له أالله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق þ þإبراهيم þ þحتى إذا كان عند þ þالثنية þ þحيث لا يرونه استقبل بوجهه þ þالبيت þ þثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال ربþ ((إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند þ þبيتك المحرم þ þحتى بلغ þ þيشكرون )) .....)
تأمل معي يرحمك الله كيف يستجيب هذا النبي الكريم لله بثقة تامة في حكمة الله وحسن تدبيره، فيضع زوجه هاجر وابنه هذا الذي أعطيّه وهوشيخ كبير في مكان ليس به إنس ولا جن كما قالت أم إسماعيل عليهما السلام.
ثم تأمل كيف أن هذا النبي الكريم يتركهما وينصرف عنهما فلا يلتفت رغم نداء هاجر له، أي رجل هذا أي مؤمن هذا؟
وانظر متى يقف وماذا يوقفه إنه سؤال أالله أمرك بهذا، حينه قال نعم ولم يزد على ذلك،
وانظر هذه المؤمنة المستسلمة كيف تجيب قالت إذن لا يضيعنا وكذلك كان لم يضيعها الله،
وبعد أن يتوارى النبي الكريم عن حبيبيه تبدأ المناجاة ويبدأ الدعاء، وقل لي بربك ألا يستجيب الله لم استجاب له ونفذ أمره؟
وتبدأ رحلة هاجر المؤمنة مع ابنها الصغير في هذا المكان الموحش يقول ابن عباس رضي الله عنهما في نفس الحديث الذي يرويه البخاري :
(( وجعلت þ þأم إسماعيل þ þترضع þ þإسماعيل þ þوتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أوقال þ þيتلبط þ þفانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت þ þالصفا þ þأقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت þ þالوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من þ þالصفا þ þحتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت þ þالمروة þ þفقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال þ þابن عباس þ þقال النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þفذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على þ þالمروة þ þسمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك þ þغواث þ þفإذا هي بالملك عند موضع þ þزمزم þ þفبحث þ þبعقبه þ þأوقال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت þ þتحوضه þ þوتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهويفور بعد ما تغرف قال þ þابن عباس þ þقال النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þيرحم الله þ þأم إسماعيل þ þلوتركت þ þزمزم þ þأوقال لولم تغرف من الماء لكانت þ þزمزم þ þعينا معينا قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها المَلَك لا تخافوا þ þالضيعة þ þفإن ها هنا þ þبيت الله þ þيبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله ... ))
لم يضيع الله الأم ورضيعها وأجرى زمزم ماء عذبا، وجاءتها البشرى أن الله لا يضيع جيران بيته، وبعد الماء جاء الأُنس والرفقة فحضرت جرهم فنزلوا بجوارهم، يقول في ذلك بان عباس رضي الله عنهما في نفس الحديث :
(( وكان þ þالبيت þ þمرتفعا من الأرض þ þكالرابية þ þتأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من þ þجرهم þ þأوأهل بيت من þ þجرهم þ þمقبلين من طريق þ þكداء þ þفنزلوا في أسفل þ þمكة þ þفرأوا طائرا þ þعائفا þ þفقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا þ þجريا þ þأوجريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال þ þوأم إسماعيل þ þعند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك فقالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم قال þ þابن عباس þ þقال النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þفألفى ذلك þ þأم إسماعيل þ þوهي تحب الإنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ...))
وتأمل معي يرحمك الله نوعية الرفقة والجوار الذي اختاره الله لمن أطاعه، هؤلاء قبيلة تحضر عند امرأة لوحدها تملك النفيس في الصحراء إنه الماء، فيستأذنون نعم يستأذنون ولا يبغون فتأذن لهم بل وتشترط عليهم أن الماء ليس لهم فيوافقون، أي امرأة هذه؟ وأي شجاعة في الحق هذه ؟ الماء لله وفي بيت الله ولابد أن يبقى متاح لكل عباد الله الزائرين بيته.
نöعم الأم المربية ونعم الأصهار علموا الغلام وزوجوه.
وتموت الأم بعد أن أعدت مؤمنا مطيعا لله وابنا بارا بأبيه الشيخ، وانقرأ بقية الحكاية كما يرويها ابن عباس رضي الله عنهما :
(( ... وماتت þ þأم إسماعيل þ þفجاء þ þإبراهيم þ þبعدما تزوج þ þإسماعيل þ þيطالع تركته فلم يجد þ þإسماعيل þ þفسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء þ þإسماعيل þ þكأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم þ þإبراهيم þ þما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي þ þصلى الله عليه وسلم þ þولم يكن لهم يومئذ حب ولوكان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلوعليهما أحد بغير þ þمكة þ þإلا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء þ þإسماعيل þ þقال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم هويقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك þ þوإسماعيل þ þيبري þ þنبلا له تحت دوحة قريبا من þ þزمزم þ þفلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال يا þ þإسماعيل þ þإن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى þ þأكمة þ þمرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من þ þالبيت þ þفجعل þ þإسماعيل þ þيأتي بالحجارة þ þوإبراهيم þ þيبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهويبني þ þوإسماعيل þ þيناوله الحجارة وهما يقولان þ ((ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم þ )) قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول þ þالبيت þ þوهما يقولان : ((ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم))."))
إن هذا الحديث الشريف يجعلنا نقف على أمر في غاية الأهمية وهودور الأم الخطير في ترسيخ التربية السليمة لدى الأبناء، ولإن قدم لنا الحديث الشريف نموذج الأم المؤمنة وثمرة إيمانها في ابنها، فإنه يحضرنا ولا شك هنا مثال زوجة نوح عليه السلام وثمرة كفرها في ابنها الذي أراد الاحتماء بالجبل فكان من المغرقين.
وبعد فهذه أسس تربية الأولاد كما هي مبثوثة في كتاب الله عز وجل، ولعل القاعدة الذهبية والجوهرة الثمينة التي تشير لها كل المقدمات السابقة أن لا تربية صالحة من غير مرب صالح.
أن تحرص على تربية أولادك التربية السليمة التي يرضاها الله ليس له معنى إن أهملت تربية نفسك، (( واتقوا الله ويعلمكم الله)) الأمر والمعادلة كما تقرره هذه الآية الكريمة غاية في السهولة اتق الله يعلمك الله واتق الله يجعل لك مخرجا.
سألت ذات مرة شيخا كفيفا جليلا، أخذت بيده بعد الصلاة بالمسجد لأساعده على الوصول لبيته ، سألته أن يدعوالله لي بصلاح أولادي، فتوقف هنيهة وقال ألا زال والديك حيان قلت نعم فقال لي أي بني إن غطاء أولادك عند والديك فأكرمهما يكرم الله في أولادك .
والدعاء لا تنس أبدا الدعاء ولا تنس شروط الإجابة واعلم أن الله لا يخلف وعده ولا يخذل عبده المطيع أبدا أبدا، وتحضرني اللحظة حكاية امرأة بحينا، لها ثلاث أولاد اختبرها الله فيهم، فكان الناس ينقلون لها وترى من أعمالهم السيئة ما يقتل القلب كمدا وحسرة، ولكن الله هداها لدعائه والإلحاح في ذلك ومن كثرة وقوفها على باب الكريم كانت كلما أرادت الصلاة فعوض أن تكبر للدخول في الصلاة بتكبيرة الإحرام الله أكبر، كانت تقول اللهم أهد أولادي، وهداهم الله لها وأصبح برهم بها مضرب الأمثال.
فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحي القلوب بعد غفلتها، سبحانه.
الرباط 03 رجب الخير 1428
رواه ابن جرير في تفسيره (7/634)، وبنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (7/2297)، وانظر: السيوطي: الدر المنثور (5/185).
عون المعبود شرح سنن أبي داود