في معاني الجهاد
محمود صالح عودة
تأخذ كلمة "الجهاد" موقعًا بارزًا عند معظم الغزوات الاستعماريّة لبلاد العرب والمسلمين، فيسعى المستعمرون إمّا لتشويه معنى الكلمة أو محوها من قلوب وعقول الشعوب، بالأساس للتخلّص من روح المقاومة لديها.
فعلها في العصر الحديث البريطانيّون في الهند، فأسّسوا ودعموا جماعات متأسلمة تكفر بالجهاد المسلّح حتى للدفاع عن النفس وتأمر أتباعها بطاعة المحتلّين، وعانى الروس في أفغانستان من تمسّك الشعب هناك بروح الجهاد، والأمريكان بعدهم فيها وفي العراق، وشكّل المتمسّكون بالجهاد التحدّي الأكبر لكلّ المستعمرين والمحتلّين عبر التاريخ، ولدينا نموذجًا شاهدًا على ذلك في فلسطين.
لكن هناك سوء فهم لدى بعض المسلمين وغير المسلمين حول الجهاد، فالجهاد في الإسلام لا يقتصر على القتال، بل يشمل الجهاد بالنفس والمال، والجهاد الفكريّ والعلميّ، أي بذل الجهدº {وَجَاهöدْهُمْ بöهö جöهَاداً كَبيراً} (الفرقان: 52)، {به} أي القرآن. فالّذين أخذوا جزءًا من الجهاد وتركوا الجزء الآخر ضلّوا وأضلّوا وكفروا بجزء من الشريعة التي فرضت الجهاد بميادينه المختلفة على المسلم، فأصبح كلا الفريقين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كبني إسرائيلº {أَفَتُؤْمöنُونَ بöبَعْضö الْكöتَابö وَتَكْفُرُونَ بöبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلöكَ مöنكُمْ إöلاَّ خöزْيñ فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقöيَامَةö يُرَدُّونَ إöلَى أَشَدّö الْعَذَابö وَمَا اللَّهُ بöغَافöلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 85).
معظم الذين نبذوا الجهاد المسلّح اعتمدوا على روايات أساؤوا فهمها، وروايات تخدم الحاكم الظالم وتبرّر السكوت عن فساده، وتخالف صريح القرآن الكريم الذي فرضه في حال الدفاع عن النفس في مواقع كثيرة، منهاº {وَقَاتöلُواْ فöي سَبöيلö اللَّهö الَّذöينَ يُقَاتöلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إöنَّ اللَّهَ لاَ يُحöبُّ الْمُعْتَدöينَ} (البقرة: 190)، {لاَّ يَسْتَوöي الْقَاعöدُونَ مöنَ الْمُؤْمöنöينَ غَيْرُ أُولöي الضَّرَرö وَالْمُجَاهöدُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنفُسöهöمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهöدöينَ بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنفُسöهöمْ عَلَى الْقَاعöدöينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهöدöينَ عَلَى الْقَاعöدöينَ أَجْرًا عَظöيمًا} (النساء: 95).
بينما معظم الذين اتخذوه - أي الجهاد المسلّح - طريقًا واحدًا ووحيدًا اعتمدوا على آيات القتال (أو السيف) التي تنسخ وفق زعمهم آيات السلم، وأولئك أساؤوا فهم آية النسخ في القرآن التي تتحدّث عن نسخ آيات قبل نزول القرآن فجاءت آيات القرآن تنسخها لتأتي بخير منها أو مثلها، وجاءت أصلاً في سياق مخاطبة أهل الكتابº {مَّا يَوَدُّ الَّذöينَ كَفَرُواْ مöنْ أَهْلö الْكöتَابö وَلاَ الْمُشْرöكöينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّöنْ خَيْرٍ مّöن رَّبّöكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بöرَحْمَتöهö مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلö الْعَظöيمö * مَا نَنسَخْ مöنْ آيَةٍ أَوْ نُنسöهَا نَأْتö بöخَيْرٍ مّöنْهَا أَوْ مöثْلöهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ} (البقرة: 105-106).
ثمّ إنّ القرآن الكريم يأمرنا بأشياء مختلفة تبدو متناقضة لغير المتدبّرين، بينما هي في الحقيقة تعالج أمور مختلفة في ظروف مختلفة لا تتعارض مع بعضها البعض ولا "تنسخ" بعضها وفق المفهوم الشائع فتصبح موجودة في القرآن بغير حاجة، فالقرآن كامل {لا يَأْتöيهö الْبَاطöلُ مöن بَيْنö يَدَيْهö وَلا مöنْ خَلْفöهö تَنزöيلñ مّöنْ حَكöيمٍ حَمöيدٍ} (فصلت: 42)، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكöتَابَ تöبْيَانًا لّöكُلّö شَيْءٍ} (النحل: 89)، فإذا أمرتنا آيات بالعفو والتسامح والصبر أحيانًا، فهي لا تُلغى بوجود آيات أخرى تأمرنا بالشدّة والغلظة والقتال في ظروف وحالات أخرى، فالأحكام تؤخذ كلّها ولكن في وقتها المناسب وفي ظرفها المناسب.
ليس من الإسلام أن نترك الجهاد المسلّح في حالات الدفاع عن النفس كما يفعل البعض، فجعلوا الكلاب والقطط وسائر الحيوانات التي تدافع عن نفسها وأهلها أشرف منهم. وليس من الإسلام أن نأخذ الجهاد المسلّح وحده دون الجهاد الفكريّ والعلميّ مثلاً، فيصبح كلّ من حمل السلاح تحت شعار الإسلام قائدنا وقدوتنا ولو كان عميلاً لعدوّ.
إنّ الجهاد يؤخذ كلّه كما يؤخذ الإسلام كلّه.
facebook.com/mahmood.audah