مع الضحى، جاء صفوت وأخرجني إلى زنزانة أخرى بجوار زنزانة الماء . . ابتلعتني هذه الزنزانة . . وتكورت في ركن من جوفها مستندة إلى حائط . . كان الحائط بالنسبة إلي كأنه وسادة ناعمة محشوة بريش النعام ! ! كانت آلامي عاتية متنوعة . . آلام الجوع تفري أمعائي . . وآلام جروحي تمزقني . . جروح جسدي وجروح نفسي. . لقد صرت كتلة آلام . . كل جزء منها يئن ويصرخ إ! . . ويدخل صفوت ومعه مارد أسود! ! أخذ يتحسس سوطه بيده اليسرى ثم يضرب الأرض والحائط ، وكأنه يستحث لهيبه ، أو يستنفر حميته ! ! وقف صفوت وألقى أوامره وتعليماته إلى هذا المارد بان يرتكب أبشع جريمة ممكن أن يقترفها بشر. . ! ! وترك له السوط وهو يقول في صلف وغرور: إذا وجدت منها أي معارضة فالسوط معك . . . انشغلت عن هذا السفه بالله سبحانه وسألته متوسلة إليه : "اللهم إني أمتك ، وعلى عهدك ما استطعت . . أدعوك بضعفى، وقلة حيلتي، وانكساري، وهواني على الناس ، أن تدفع عنى شر الأشرار، وتحميني بقدرتك ، وتعينني على ظلمهم . .".
أخرجني من إغراقتي في مناجاة ربى صوت هذا الإنسان المأمور بإيذائي بأبشع جريمة . . يناديني "يا خالة! !" . ونظرت إليه ودهشت . . فقد تغير وجهه وارتسمت عليه ملامح إنسان ! ! .
قال بصوت منخفض فيه شفافية : لا تخافي يا خالة. . لن أؤذيك ، ولو قطعوني . . فقلت بصعوبة بالغة : ربنا يهديك يا بنى. . ربنا يكرمك . فتح باب الزنزانة في عنف وانطلق صفوت يضرب الرجل بالسوط ويقول : يا ملعون ، يا ابن الكلب ، لقد أوردت نفسك مورد الهلاك ، ستقدم إلى مجلس عسكري . . هذه أوامر جمال عبد الناصر يا ابن الكلب . . أنت تكسرها؟! أنقذ نفسك فورا قبل أن أذهب بك إلى شمس باشا يحولك إلى مجلس عسكري . . ثم أعاد عليه الأوامر الفاجرة والتعليمات الفاحشة بكلمات صريحة صارخة لا يمكن أن تخرج من فم إنسان وأغلق الزنزانة وأطل من الفتحة وقال : " أنا سأتركك ساعة، ثم أعود إليك لأنظر ماذا فعلت . . أنقذ نفسك ، ونفذ الأوامر! ! " .
حيا الجندي صفوت تحية عسكرية مز داخل الزنزانة وقال : "حاضر يا أفندم ! ! " . كنت أستمع إلى هذه الجاهلية وذلك الفجور، فأناجي ربى بتلك الكلمات ، "إنها دعوتك ، ونحن جندها ، وشهداؤها . . فغيرتك على جندك ، وأعراضهم يا الله ! اجعلنا أقوى من ظلمهم وألوان تعذيبهم "، وأخذت أدعو لهذا الرجل بالهداية ، ظننت أن هذا الرجل - بعد الأوامر الجديدة - سيخشى البشر، فيسلك مسالك الوحوش . . ولكنه كان رائعا وشجاعا . وقال كأنه في براءة الأطفال : لماذا يعذبونكم هكذا يا خالة؟
فقلت : إننا – يا بنى – ندعو لله ، ونريد حكم الإسلام لهذا البلد. ولا نطلب لأنفسنا سلطانا.
وسمعت أذان الظهر فتيممت على حائط الزنزانة وأديت الصلاة، فقال في رجاء : "ادعى لي يا خالة . فدعوت له بالهداية وقمت لصلاة السنة، فقال : ادعى لي أن يكرمني الله بالصلاة يا خالة. . أنتم لستم بشرا. ربنا يخرب بيتك يا عبد الناصر! .
فقلت له : هل تعرف الوضوء؟. فقال : طبعا، أنا كنت مواظبا على الصلاة .. لكن جيش حليمة لو رأوني أصلى يسجنونني . . . فقلت له : صل ولو سجنوك ، فالله معك . فقال ونور الإيمان يملأ وجهه . . "سأصلى" . وفجأة ضرب أحد الجنود باب الزنزانة بعنف وقال : يا ابن الكلب . . ماذا تفعل ؟إ! . فقال الرجل : الست لم تفرغ من الصلاة. فقال الجندي في صفاقة : صفوت آت إليك. وأرسلني أنظر ماذا فعلت .
وجاء صفوت كحيوان مجنون وهجم على الرجل بوحشية شرسة، وظل ينهال بسوطه على الرجل حتى أفقده حتى الأنين ! ! وجاء مساعدو الجلاد وحملوا المسكين إلى مصيره ، وأغلقت الزنزانة على آلامي وهمومي . . آلمني ما نال هذا الرجل بسببي، أو لأن الله أضاء بصيرته فلم يطع الظالم ! ! كانت السياط التي مزقت جسده تمزق جسدي وتحفر أخاديد في نفسي! ! .
وهربت من همومي وآلامي إلى صلاة العصر. .